أمير تاج السر والبوكر العربية - منتديات النادي الإجتماعي للجالية السودانية بسلطنة عمان - مسقط
الرئيسية التحكم     الرسائل الخاصة الخروج

الدكتوره نايله أبو ح... [ الكاتب : عصام نوح - آخر الردود : عبادة - عدد الردود : 8 - عدد المشاهدات : 393 ]       »     فرحة الاطفال - يوم ت... [ الكاتب : حيدر امين - آخر الردود : عبادة - عدد الردود : 2 - عدد المشاهدات : 183 ]       »     أتأمرون الناس بالبر ... [ الكاتب : السني أبوالعزائم - آخر الردود : عمار محجوب محمد زكي - عدد الردود : 8 - عدد المشاهدات : 571 ]       »     استئناف تمرين الخميس [ الكاتب : عبدالرحيم العمده - آخر الردود : عمار محجوب محمد زكي - عدد الردود : 3 - عدد المشاهدات : 409 ]       »     حفل لوداع د. طاهر ال... [ الكاتب : حيدر امين - آخر الردود : حيدر امين - عدد الردود : 9 - عدد المشاهدات : 476 ]       »     المعرض السنوى الثانى... [ الكاتب : حيدر امين - آخر الردود : عبدالسلام عبدالله - عدد الردود : 4 - عدد المشاهدات : 155 ]       »     ليلة التضرع والدعاء [ الكاتب : حيدر امين - آخر الردود : حيدر امين - عدد الردود : 10 - عدد المشاهدات : 494 ]       »     مسابقة لاختيار أجمل ... [ الكاتب : عمار محجوب محمد زكي - آخر الردود : عمار محجوب محمد زكي - عدد الردود : 174 - عدد المشاهدات : 11263 ]       »     حقيبة سفر مفقودة [ الكاتب : عبد الغفار سعيد صالح - آخر الردود : عمار محجوب محمد زكي - عدد الردود : 1 - عدد المشاهدات : 445 ]       »     الهجرة النبوية [ الكاتب : حيدر امين - آخر الردود : حيدر امين - عدد الردود : 5 - عدد المشاهدات : 291 ]       »    


   
العودة   منتديات النادي الإجتماعي للجالية السودانية بسلطنة عمان - مسقط > المنتديات العامة > الحوار العام
 

الحوار العام المواضيع عامة والمناقشات بين الأعضاء

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
 
  #1  
قديم 11th December 2010, 01:05 PM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
:mangool: أمير تاج السر والبوكر العربية


أعلنت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" اليوم في العاصمة القطرية الدوحة قائمتها القصيرة التي تضم ستة مرشحين للفوز بجوائز العام 2011.

وضمت اللائحة المصريين خالد البري بروايته "رقصة شرقية" ومرال الطحاوي بروايتها "بروكلين هايتس"، والمغربيين محمد الأشعري بروايته "القوس والفراشة"، وبن سالم حميش بروايته "معذبتي".

واختير في اللائحة كذلك الروائي السوداني أمير تاج السر بروايته "صائد اليرقات"، والروائية السعودية رجاء عالم بروايتها "طوق الحمام".

وتمنح الجائزة سنويا لرواية مكتوبة بالعربية، ويحصل كل من المرشحين الستة النهائيين على عشرة آلاف دولار.

وقد أطلقت الجائزة في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة في أبريل/نيسان 2007، بالتعاون مع جائزة البوكر البريطانية وبدعم من مؤسسة الإمارات.

وكانت لجنة التحكيم قد اختارت في البداية لائحة من 16 مرشحا من أصل 123 من عدة بلدان، وسيعلن اسم الفائز لعام 2011 في احتفال يقام في أبو ظبي يوم 14 مارس/آذار المقبل بمناسبة معرض أبو ظبي العالمي للكتاب.

يشار إلى أن الجائزة العالمية للرواية العربية تحتفل هذه السنة بعامها الرابع، وهي الأولى من نوعها في العالم العربي من حيث التزامها استقلالية عملية الاختيار وشفافيتها ونزاهتها.

وتهدف الجائزة إلى مكافأة الامتياز في الكتابة العربية الإبداعية المعاصرة
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11th December 2010, 01:17 PM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

جائزة بوكر الأدبية
جائزة أدبية أنشئت عام 1969 تمنح سنويا لأفضل كتاب ومؤلف كاتب من بريطانيا وايرلندا ودول الكمنولث. وهنالك جائزة البوكر العربية وكان قد أعلن عن تنظيم الجائزة (البوكر العربية ) عام 2007 بدعم من مؤسسة الإمارات المعنية بالتنمية الثقافية ومؤسسة جائزة بوكر البريطانية. وتبلغ قيمة الجائزة خمسين ألف دولار أميركي للرواية الفائزة، وسيترجم العمل الفائز إلى الانكليزية والفرنسية والايطالية والألمانية والإسبانية، وفي نفس الوقت تحصل كلٌ رواية من الروايات الستٌ التي تصل الي اللائحة النهائية علي عشرة آلاف دولار أميركي.وفاز بالجائزة في دورتها الأولى 2008 الروائي المصري بهاء طاهر عن رواية واحة الغروب وفى الدورة الثانية ذهبت الجائزة إلى المصرى يوسف زيدان عن روايته عزازيل وفى الدورة الثالثة نال الجائزة السعودى عبده خال عن روايته ترمى بشرر
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11th December 2010, 07:04 PM
الصورة الرمزية الزاكي عبد الحميد
الزاكي عبد الحميد الزاكي عبد الحميد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: 07-Jun-2009
المشاركات: 1,775
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

أبو بكر يا ابن الأكرمين:

شكراً على ايراد هذا الخبر المثلج للصدر..
فوز أمير هو فوز سوداني أحوج ما نكون إليه في هذا الزمن
الذي يشاهد هبوطاً في أسهمنا المعنوية..

ألف مبروك دكتور أمير بالفوز المستحق..

ونشير إلى أن الروائية السودانية كانت قد حصلت على
بوكر العالمية عام 2003 عن روايتها الموسومة "المترجمة"


ويذكر أن الروائي أمير تاج السر كان النادي قد تشرف باستضافته
في العام الماضي حيث ألقى محاضرة عن "تجربته الروائية"..
ونذكر أيضاً أنه زميل دراسة لصاحب البوست أبوبكر وتربطه به صداقة حميمة..


شكراً..شكراً..شكراً...أبوبكر!
__________________

الثيِّب عُجالة الراكب
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12th December 2010, 08:46 AM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية


شكراً شكراً بالكوم لمداخلتكم أستاذ الزاكى ،،،،
ونهنىء د. أمير تاج السر بإختياره ضمن الستة الكبار فهو إختيار وإن جاء متأخراً لكنه جعلنا فى غاية السعادة وهؤلاء الستة سوف يتم إختيار كاتب واحد منهم ليكون فارس البوكر العربية فى دورتها الرابعة وننتظر بكل لهفة تاريخ 14 مارس 2011 الموعد المحدد لإعلان الفائز وهو الموعد الذى يتزامن مع فعاليات معرض الكتاب الذى سوف يقام فى أبوظبى – دولة الأمارات العربية المتحدة .
وكون أن تم إختيار د. أمير ضمن القائمة القصيرة لهذه الجائزة المهمة فهذا نصر للرواية السودانية ومن حق كل سودانى أن يفخر بهذا الإنجاز ويبدو أن الرواية السودانية لفتت الأنظار اليها أخيراً .
بدأت مسيرة كاتبنا منذ العام 1988 وصدرت له روايات عديدة نوردها هنا :
كرمكول – سماء بلون الياقوت – نار الزغاريد – مرايا ساحلية – سيرة الوجع – مهر الصياح – صيد الحضرمية – عيون المهاجر – زحف النمل – توترات القبطى – العطر الفرنسى وأخيراً صائد اليرقات التى تم ترشيحها لجائزة البوكر فى دورتها الرابعة .
وفى الطريق رواية جديدة لم تنشر بعد باسم رعشات الجنوب
كل التوفيق للأخ الدكتور أمير تاج السر وعسى أن تكلل جهوده بالنجاح والنصر بإذن الله .
والله يديكم الصحة والعافية .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12th December 2010, 09:19 AM
الصورة الرمزية نزار جعفر
نزار جعفر نزار جعفر غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: 16-Mar-2010
الدولة: سلطنة عمان
المشاركات: 814
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

ياأعز الناس أبوبكر لك الود معتقا بنبيذ الحب والشكر على هذه المعلومات الرائعة عن فارس الرواية دكتور أمير تاج السر وأن كانت معلوماتك لم تسد رمق الجوع لقراءة هذه الرواية و المجموعة الاخرى التى أندهشت بها إيما أندهاش وماخطه قلم هذا العبقرى ،وعليه تصبح رسالتك أولا أن تمدنا أو على الأقل أن تشبعنا قليلا بنص الرواية الفائزة " صائد اليرقات " كما نطمع فى نسخة ونسخ من الرويات الاخريات وسوف نكون فى غاية السعادة أذا تمكنا من طرح هذه الاعمال للنقاش داخل هذا المنتدى علنا نرتقى بعض الشئ فى وعينا بالمخطوطة الادبية السودانية ..ونحن فى أنتظارك وأن طال النهار
__________________
نادوس
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13th December 2010, 08:08 AM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية


شكراً على المرور أخونا نزار وأكيد سوف يكون بيننالقاء
ولكم هذا المقال المنقول من صحيفة الزاجل الإلكترونية :

عندما يرحل النخيل في بلادي من الشمال متوجهاً صوب البحر الأحمر فإنّ الوجدان يتشكل من طعم التمر ولون البحر.. فيظل النخيل معنى يسبح مع الأصداف فيصنع منها الروائي السوداني أمير تاج السر محمد نور عقداً يزين به هامة الرواية العربية.. تنقل الروائي أمير تاج السر في مدن عديدة في السودان

بحكم عمل والده في الجمارك التي احتل بها منصباً مرموقاً حيث كان نائب المدير العام للجمارك في السبعينيات والثمانينات واستقر به المقام بمدينة بور تسودان التي شكلّت ذكرياتها اللبنات الأولي لروايات(أمير تاج السر) وظل ارتباطه بوطنه الصغير في كرملول والعفاض في شمال السودان. بعد ذلك انتقل إلي جمهورية مصر العربية ودرس فيها الطب وفي تلكم الفترة بدأ يكتب الشعر، وعندما قدمه الإعلامي بسام القادري في قناة الجزيرة في العام2004 ذكر مقدم الحلقة أن الروائي السوداني أمير تاج السر بدأ شاعراً، لكن لقاؤه بالروائي المصري الكبير عبد الحكيم قاسم كان بمثابة نقطة تحوّل كبري في مسيرته الأدبية حيث قال له عبد الحكيم قاسم آنذاك في قصيدتك نفس من رواية فلماذا لاتكتب الروايات خاصة انك قادم من بيئة خصبة للحكايات،كان ذلك سؤالاً قلب عالم (أمير تاج السر) رأساً على عقب وبعده بل ولسببه ربما بدأت موهبة هذا الروائي المتميز في التدفق فبدأ كتابة الرواية في منتصف الثمانينات حيث قدّم رواية(كرملول) التي لفتت الانتباه له وقدمته بشكل جديد لدى قارئ لم يعرف روائياً سودانياً سوي صاحب موسم الهجرة إلى الشمال الروائي الكبير الطيب صالح .(أمير تاج السر) يعمل الآن طبيباً في مستشفيات(قطر) واستطاع من عاصمتها الدوحة أن ينفتح على العالم وتسابقت دور النشر العربية والأجنبية لنشر رواياته فأصبح في فترة وجيزة اسماً كبيراً في عالم الرواية العربية ساعده في ذلك غزارة إنتاجه حيث كتب حتى الآن أكثر من عشرة روايات. وهو أساساً من بيئة أدبية فالقصة والرواية تجري في دمائه فهو ابن الشقيقة الوحيدة للروائي العالمي الطيب صالح ورغم أنه يري في نفسه ورواياته وقلمه شيئاً مختلفاً عن الطيب صالح إلا أنه من وجهة نظري امتداداً لعبقرية(خاله) حيث عبرت رواياته عن بيئات سودانية متعددة في السودان وانتقل بها إلي بيئات متعددة،و(أمير تاج السر) يقول عن هذه القرابة (أنا وخالي من قبيلة الروائيين وأنا شخصياً لم أتسرب من الطيب صالح ولم أخرج من عباءته ولكني كتبت في بداياتي روايتين هما(كرملول) (وسماء بلون الياقوت) وكانتا عن بيئة الشمال وهي بيئة الطيب صالح في الكتابة وهنا كان التأثر بمفردات البيئة وليس تأثر بالأسلوب.وقد كان لوجود (أمير) بجانب جدته لأمه عائشة أحمد زكريا والدة الطيب صالح أثراً واضحاً في تكوينه الأدبي والروائي والتي قال عنها الطيب (هي امرأة قمحية اللون ضامرة الجسم ذات قامة ممشوقة ومسائر مسدولة وفم باسم فأطلق عليها المرأة الضحوكة الجميلة فأبوها وأعمامها وخيلانها في ذاك الوقت يمتلكون الأرض والماء والنخيل فنشأت في بيت وبيئة مرتاحة بمنطقة العفاض بشمال السودان وهي مقر قبيلة الريكابية وأبناء العفاض عموماً يعتزون بالقبيلة رجالاً ونساءاً ويشبهونه بالموقع المقدس كالفاتيكان عند أهل روما وبمكة عند المسلمين) ويمضي الطيب صالح في ذكرياته عن والدته حتى يقول (كبر مع والدتي حبها لنظم الشعر في لغة عربية ممزوجة بلهجة أهل الشمال وأبدعت في المديح وجمعت حولها نساء قريتها وكثيراً ماكانت تفاخر بأهلها المبدعين..لقد نشأ أمير تاج السر في منزل توجد فيه هذه المرأة التي قال عنها الطيب صالح (مازلت أذكر وجهها الضاحك وذاكرتها الحديدية حتى التسعين وشدوها بقصائد مدح الرسول صلي الله عليه وسلم وأثناء عملي بلندن كنت أسافر إليها مرتين في العام لا أفارق فيها أمي أبداً،لكن الوقت كان دائماً إلى زوال رغم جلوسي ساعات إليها،وبرحيلها عرفت معني الخسارة وحملت أحزاني معها إلى قبرها ولم يطفئ نار حزني سوي علمي بأنها رحلت وسط نشاطها اليومي ومنذ ذلك التاريخ أشعر بأن الخيوط التي تربطني بالجذور تتقطع عندما يصلني خبر رحيل رجل كبير أو سيدة مسنة ممن كانت تربطني بهم صلات الدم)،إنّ أمير تاج السر يعتز بهذه النشأة التي أثرت في تكوينه الروائي فهو يقول إنني أفتخر لانتمائي للمشهد الروائي السوداني علي اعتبار أنني لم أكتب إلا عن السودان،وفي زياراتي للسودان أحاول الالتحام بالمثقفين والكتّاب.ولكن رغم هذه الظروف الطبيعية وإسهام الطيب صالح في إضفاء مناخ الكتابة عند(أمير) تجده يرفض مقولة أن الطيب صالح سقف الرواية السودانية حيث ذكر في لقاء صحفي مع الأستاذ/عيسي الحلو أنه لايمكن إحالة الرواية السودانية إلي بناء يحد بسقف معين، وبالتالي لايمكن اعتبار الأجيال القادمة برغم إبداعها الكثير مجرد محاولات لاختراق سقف الطيب صالح، الطيب كتب وأبدع بلا شك ونحن كتبنا وأبدعنا أيضاً فهل نكون أسقفاً للأجيال التي تأتي بعدنا)ونلاحظ هنا أن (أمير تاج السر) يؤكد أن مجده الروائي لايمكن أن يبنيه علي بناء خاله الطيب صالح وهذه سمة ايجابية عبّر عنها أيضاً الطيب نفسه فرغم اعجابه بأمير إلا أنه لم يتحدث عنه في منابره الأدبية بصورة تعطي الإحساس بأنه يسوق لابن شقيقته الروائي الجديد لكنه كان سعيد بكتابات (أمير)
ولا يستطيع أمير الا ان يعبر عن هذه العلاقة فيكتب في واحدة من مقالاته (لاشك أن الكثيرين يتفقون معي بأن كاتباً كبيراً كالطيب صالح من تلك الشخصيات التي يتشرف المرء بقرابتها ، كأن يصير عمك أو خالك أو حتى زميل دراسة لك في مقعد بعيد في زمان بعيد،ولأن الطيب صالح جاء في زمن القراءة المذهبة واستمر في زمن القراءة المذهبة وأضاف إلى الكتابة الكثير من السحر والغموض،فانك نادراً ماتجد من لايعرفه أو يسمع به، وأحسب أن شهرته تورث في البيوت من جيل إلى جيل، أنا أتشرف بانتمائي إلى أسرة الطيب صالح..أتشرف بكونه خالي،خالي حقيقي، نختلف في مسلك الكتابة وتذوق الآداب، ونظرة كل جيل كتابي إلي الآخر..لكن تبقي المودة وقرابة الدم التي لاتذهب.
(أمير تاج السر) تفتح له أبواب العالمية فروايته (زحف النمل) ترجمت إلي الفرنسية وحققت أعلى المبيعات في معرض القاهرة للكتاب ورغم ذلك فأنه دائماً في نقد ذاتي لما يكتب حيث قال إنني ابدى استغرابي من تلك الرواية التى لم أكن مقتنعاً بها وظلت حبيسة لغرص مضغوط قابل للتلف لأكثر من ثلاث سنوات،أقرأها فأحس بها غير مجدية،إلى أن أفرج عنها الأخوة في (أخبار الأدب) فنشروا منها عدة فصول ثم قدّموها لدار نشر احتفت بها ثمّ لتحصد بعد ذلك رقماً قياسياً وهنا يبرز التواضع والنظرة الموضوعية لأسلوب التعامل مع إنتاجه الروائي على كتاباته وهذه سمة تجمعه بخاله الطيب صالح الذي يقول(أقول صادقاً ليس لديّ إحساس بأهمية ماكتبت ولا أشعر بأنني هذا المهم،وهذا ليس تواضعاً لكنها الحقيقة،إذا اعتقد الناس أن ماكتبته مهماً فهذا شأنهم..لكنني قطرة في بحر)..
إنّ هذه القيم التي تتصل بالتواضع والبساطة وعدم الزهو والعظمة هي التي عبرت بالطيب صالح فشكلت أسلوبه الكتابي ويمضي(أمير) في ذات الطريق الذي نأمل أن يصل به إلى ما حققه الطيب صالح من مكاسب ليست شخصية بمقاييس رقى الأدب في السودان ولكنها إضافة لمسيرة الأدب السوداني،وكل الدلالات تشير إلي أن(أمير) يسير في الدرب الصحيح ليعّوض فقد السودان للطيب صالح الذي طالما كان سفيراً حقيقياً لوطنه في المحافل الثقافية والأدبية في العالم..
إنّ مايميز(أمير تاج السر) أنه يتطور في كتاباته فتمثل كرملول وسماء بلون الياقوت ومرايا ساحلية وسيرة الوجع البدايات التي قدمته للقارئ العربي والسوداني مروراً بنار الزغاريد وصيد الحضرمية ومهر الصياح ثم يصل القمة في رواية (زحف النمل) والتي عندما حدثني عنها في منتصف عام ألفين وأربعة في داره بالدوحة ذكر لي أنه سينشر خلال الشهور القادمة رواية(كلية من زيتون) لكنها صدرت بعد النشر بإسم زحف النمل ويروي كيف أن هذه الكلية أحالت حياة المطرب إلى جحيم، ففي البداية رفض المتبرع المقابل المادي لكليته لكنه سرعان ماتكشف أن الثمن الذي يرجوه كان حياة المطرب ذاتها حيث يزحف المتبرع مع أهل قريته ليقيموا في فيلا المطرب ويحيلوا هدوئها إلى فوضي وتدور أحداث الرواية حول هذه المعاني وفي هذه الرواية ينتقل من أسلوب الواقعية إلى أسلوب جديد مزج الواقع بالخيال، أما آخر أعمال(أمير تاج السر) الروائية فهي رواية(توترات القبطي) وهي رواية مستوحاة من التاريخ وتحكي سيرة سعد ميخائيل القبطي الذي أسلم على يد ثوار لأحدي الثورات المتشددة بعد أن استولوا على المدينة التي كان يعمل بها محاسباً وتحول إلي (سعد المبروك) ليعمل طباخاً ثم تابعاً لقائد الكتيبة التي الحق بها، ويظل يبحث عن خطيبته التي فقدها أثناء الحرب وتدور أحداث الرواية عن البحث لتلك الحبيبة المفقودة ويعتقد بعض النقاد أن أمير استخدم في هذه الرواية الأسطورة والواقعية السحرية في نهج جديد وحاول إخضاع التاريخ للخيال.
تمضي مسيرة الدكتور/أمير تاج السر الروائية بكل ألقها وفي كل رواية جديدة نري أميراً جديداً ويجعلنا ننظر إليه من زاوية جديدة ونختم وفي خاطرنا الكلمات الأنيقة التي خاطب بها الدكتور عبد المطلب الصديق أستاذ الإعلام والصحفي المقيم بدولة قطر صاحب (المرايا الساحلية) عندما قال( عليك أخي أمير حمل اللواء..فمملكة الرواية السودانية تنتظر من أبنائها جميعاً من يتقدم الصفوف حتى لايغيب الفجر الذي نسج خيوطه الطيب صالح في عوالم الأدب والإبداع).
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13th December 2010, 09:35 AM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

فصل من سماء بلون الياقوت (أمير تاج السر )
أزمنة للنشر -عمان 1996
دفنوه عند مغيب الشمس ، كانت السماء بلون الياقوت ، الفوضى مخضرة وأنيقة ، تنهش عشرات الأعوام من الحكمة والعظة ، والتأقلم ،وتدعم إحساسا خارقا بغزارة الفقد يدهن اللحى والشوارب .. يندس في العيون السوداء والعسلية ، البريئة والمذنبة معا ،كان الصبر في أدنى معدلاته ، شحيحا ليس كالعادة ، واعيا بخسارة الفقد يمشى القهقرى
كان الجميع حاضرين ، الطيبون وسيئو النية ، الأفذاذ والأوغاد .. الذين شهدوا بحواسهم المطلقة تراكم المحبة ..الذين خاضوها .. الذين نبعوا من بلاد شتى ليصبوا في بحرها الكبير. والذين ولدوا معها ، تصبينوا وشبوا بها ، ارتبطت ثقافتهم بثقافتها ، وعندما وافتها المنية مطعونة بتلك الفوضى الكاسحة المدمرة ، شيعوها إلى مثواها الأخير
في نص الليل دوّر باصك
خلي اليندسّ تحت راسك
تقع أمدرمان
في نص الليل والحر يسلخ
خلي الطاقية معاك تصرخ
والراس زعلان
هوي يا جلابة الدنيا خراب
زي الراكوبة والدراب
والمال سكران
أدوني عصاتي أقوم امشي
لا ماكل زاد لا متعشي
لكن شبعان
أدوني الإبريق والسبحة
أدوا النسوان مترين طرحة
الناس أخوان
قلبي المتوجع ماخفّ
دمع السبلوقة ماجفّ
أنا ما خرمان
وددن.. وددن.. وددن ..وددن
صوته يأتيهم من جذور القمح ،من عذوبة النيل وصبر الصحراء ،من هوجات (النمتي ، وغزوات الجراد ،وتأرجح المواسم ،عميقا حينا ،فائضا حينا ،يابسا حينا ، مشاكسا حينا ، ضاريا حينا ، وعكر المزاج. صوته يأتيهم منهم ، من سرور الغدد واستيائها ، من الأمام والخلف ومن بين قبائل العرق المترحلة في الأجساد . كانوا يتحدثون بصوته ،يبكون بصوته ،ينادي بعضهم بعضا بصوته ،كأنه ارتداهم جميعا ، كأ،ه أراد بموته أن يحيا قرية بأكملها
ما هجيت والليل متضاري
ما خفت من الطلق الناري
ما خشيت دارا ما داري
أنا حران والهبة قصادي
راحوا الأنداد . وين أندادي
سعد الأرباب ز كان أبا القرية وأمها ، أخاها وأختها ، جده وجدتهت وأحفادها ، كان عائلتها بلا شك. وجهه قديم كأنه ورثه عن جده ، عيناه كبيرتان كأنهما ولدتها قبه بعدة أعوام.. طريقته مميزة في النقش على لحم القرية وخياطة جروحها.. غبريقه مرتو ابدا كأنه بحر ، جبته تتراكض كأنها شحنت بمئات الرجال
- أحفروا هنا تجدوا الماء
وجدنا الماء أبونا الشيخ
حكمته تزدري لغة الطب والصيدلة ،وجهود الأشعة والمختبرات ولويس باستير وألكساندر فلمنج
أبويا الشيخ عشمانة تسممت .. أكلت قرعا بائتا
اسقوها ماء عكران .. أرقدوها على جنبها الأيسر ..قولوا بسم الله
أبويا الشيخ عشمانة طابت
أبويا الشيخ حماري انسرق
حمارك سرقه ( ود جرى ) الحقه قبل أن يبيعه
أبويا الشيخ أنا مسافر
أبويا الشيخ أنا جئت من السفر
فطومة بنت الكرد أول من تجرأ على أبوته ،تجاوزت جبته الخضراء ووجهه القديم كأنه مورث ، اختلقت فتى أحلام فذا سقته بعشق متخيل حتى عميت بصيرتها ، كانت مجنونة وعبيطة ، ورطت قلبهال الفقير في الخفقان ، وقيدت أنفاسها الحرة بحبال اللهاث ، أرهقت غددها الدمعية بإلحاهها في الطلب حتى كانت تستدين الدمع من الأغراب لتذرف . عملها كحنّانة للنساء سترها سنينا من قبل ، وكان شهما ومستعدا لسترها سنينا بعد ذلك ، أحرجت عينيها العسليتين عندما سودتهما بالحزن ،أحرجت ( شلوخها ) الخجولة عندما هيجتها بالدمع ، أحرجت مشيتهغا الرزينة عندما كسّرتها بالدلع ، أحرجت كيانها كله عندما أرغمته على العطش ، دسته بوقاحة في زهد زاهد ومشيخة شيخ. توقفت عاداتها الشهرية واليومية ، وأفلت فمها المغطى طيلة هذه السنين غطاءه .. دلق غناء خاسرا لا ربح فيه. كان ( الدنقلاوي ) ، و( ود صالح ) ، و( مسعود ) ، صبيانا في ذلك الوقت ، يصنعون طنابيرهم من أقداح الطلس ، جروحهم جائعة يدربونها على النزيف ، كانت تحضرهم إلى بيتها ، تفطرهم ، وتغديهم ، وتعشيهم ، وتحملهم إلى بيةتهم كسالى مكللين بالحمخوضة ، والتثاؤب ، وغضب الإمعاء ، ثم تعود إلى بيتها ، تستخرج غناءهم ، تجرحه في مكان ، وتخيطه في مكان آخر ، ( تأرببه ) جيدا وتغنيه ، وفي أكثر من مرة كاد عملها الشهم يتخلى عنها ، ارتفع صوته مهددا ، فكانت ترضيه إلى حين
قالت لها ( صفية عثمان ) مغنية القرية الأصيلة في ذلك الوقت ، وصاحبة المزاج العبق ، والرقم القياسي في جرجرة الآذان والعيون
عيب يا فطومة .. أبوي سعد أبوك أيضا .. أبو القرية كلها ..ابحثي عن رجل آخر .. القرية كلها رجال
عددت لها ثمانمائة أعزب متعددي الثقافات والمهن ، وأرتها صورتين شمسيتين لعباس المهم .. التاجر العاصمي الكبير ، كانت تعود لو اقتلعته احداهن من دمها
أغمدت أظافرهغا الحنانة في صوتها المغني الأصيل ، حتى جرح ، ولبثت اسبوعا كاملا تغلفه بالضمادات
قال لها ( الكسيح ود آدم ) اللص الكرمكولي القديم ، بعد أن شكه النداء ، واكتسب صوتا قرويا فضفاضا أهّله للجلوس مزهوا على محبة الأرباب
ما هذا يا بنت الكرد .. هل جننت ؟ .. أنت أول امرأة تفعل ذلك
اشتبك عشقها العبيط بصوته التائب .. ذكرته بخروف سرقه من بيتها ، ونعجة سرقها من بيت جارتها
قال العمدة ( فضل الله ود وناسة ) لجلسائه وهم يحتسون القهوة بالبن العمودي ، والسكر العمودي ، والقرفة والحبهان العموديين أيضا
فطومة اختل عقلها .. والله العظيم اختل عقلها ..يجب أن نبحث لها عن طريقة قبل أن يغضب شيخ الأرباب
لحقه عشقها حتى منصبه .. استفزه أمام جلساء القهوة ، وخطابات الشكر ، وثناء الحكومة المتبسم على الجدار ، كاد يجرده من عموديته ، ونسائه ، وطريقة ارتدائه لعمامة ( الدبلان ) ، وأراض شابة ومنتجة ، اغتصبها بلا زواج ولا مهر .. قال .. أعوذ بالله .. أعوذ بالله .. وسكت
وجاءها خير السيد ود شاطر سائق اللواري السفرية . لم يكن ود شاطر عالقا بالمحبة أبدا .. كان كيانه الصعلوك يتخطاها بوعورة غريبة ،/ لكن سكرة جبارة علقته بالمحبة مسافة أن ركب عربته المزركشة ، لأأوقفها في حلق بنت الكرد ، بصق فيه ، وتملص من المحبة ومضى
كان ( المبرك ود جعفر ود تمتام ) في ذلك الوقت مشغولا بمحو أميته النسائية استعدادا للتحكر في مؤتمر شعبي نسائي يعقد قريبا في الريف .. التحق بكتاتيب الصغيرات ، تعلم ألعابهن ، وأفكارهن ، وحروفهن الهجائية ، كلموه في أحد الأيام همسا حتى لا يزعجوا محو أميته ، قالوا له .. الحق صديقتك بنت الكرد . كانت بنت الكرد تعزه حقا ..وكم من مرة آثرته بخواتم ، وأساور ، وخدمه عملها الشهم بلا مقابل ..هي التي وضعت أنوثته في مسارها الصحيح بعد أن كانت تتخبط بلا هدف ..أنا وبنت الكرد أولاد دفعة .. يقول المبروك مشعلا صوته المعروف بإيقاظ الحصى من تصلده ..هذا الرجل لم تعش فيه محبة الأرباب أكثر من السلام عليكم . وعليكم السلام ..مثله مثل خير السيد ود شاطر ، وأولاد التركي الصعاليك ، وآخرين .. كأنهم حقنوا بعقاقير مضادة لها
قال مقدما صداقته وخبرته وشفقته وتفاعله مع بنات جنسه
فطومة يا أختي .. ابعدي من الشر وغني له.. مالك ومال الأرباب .. هذا زاهد في كل شئ
كانت غيبوبتها الأربابية في ذلك اليوم ، أعتى من غيبوبة الضغط والسكري ، وحمى النفاس ، وملاريا المخ تراءى لها في تلك اللحظة بقميصه الأحمر الشفاف ، وخيول النعومة التي تركض على جلده ، حنانة غغازية من بلاد أخرى ، استهوت نساء القرية بموضات وتقاليع لا يعرفها عملها الشهم ، طاردته في القرية حتى خجلت القرية، واضطر المبروك إلى التحكر في المؤتمر الشعبي النسائي أبكما في آخر القوائم
حتى بامكار حسن ، المحارب القديم ، استأذن رتبته العسكرية عالية المستوى ، وحاورها مدعما تحالفه الاسترتيجي مع المحبة
لماذا أبونا سعد بالذات؟
لأنني أحبه
ولماذا لا تحبين أحدا غيره ؟
الحب هكذا
إذن حبيه في بيتك .. ولا داعي لأن تعرف البلد كلها .. هذا عيب
لا .. أحبه أمام كل الناس .. اذهب عني .. اذهب
ثارت رتبة العميد على كتفيه حتى بدت نجومها حمراء من شدة الغضب ، ذهب إلى بيته ، أحيا صورا تمثله جنديا في غاية الغباء ، يبتسم ، ويحيي ، ويتسلم وشاحا من الدرجة الرابعة ، لم الصور ، أعادها إلى موتها ، أوقد نارا عسكرية اللهب ، وضع عليها إناء محتقنا ببذور السيسبان ، تركه يغلى حتى زرفت البذور دموعها ، صفى العصارة وشربها كلها .. تمدد قليلا على الأرض ثم قام ، ردد أغان وأناشيد غسلت من نظام الجيش ، ثم خلع زيه العسكري ، أرقده بين يديه بأبوة سلطوي ، أضاف إليه عدة نجوم وصقور حتى تبسم الزي عند رتبة الفريق، ارتداه وعاد إليها أوقفها عدة ساعات في طابور عقابي ، ثم لطمها برتبته حتى خرت على الأرض ، سجن عشقها الأربابي في صدرها عدة أيام ، منع عنه الطعام والشراب ، وعندما أطلق سراحه أخيرا .. عاد أشد ضراوة مما كان
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13th December 2010, 09:40 AM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية


بصحبة الغرغرة المرة
أمير تاج السر ـ شهادة
مهرجان الدكتور عبد السلام العجيلي للإبداع الروائي ـ الدورة الخامسة
7 ـ 10 ـ 12 ـ 2009

خريف عام 1975 في مدينة الأبيض في غرب السودان، حيث كان يعمل والدي في إدارة الجمارك، وكنت طالباً في المدرسة المتوسطة، أقود دراجتي في شوارع مغلفة بالرمال، داهمتني أبيات من الشعر العامي مالبثت أن تمددت إلى قصيدة. كانت عن الحب وهجر الحبيب، من دون أن يكون هناك حبيب ليهجر أو يبقى. عن العيون وسواد العيون، من دون أن تكون ثمة عيون سوداء أو بيضاء. توقفت عن السير بعد أن بدأت أترنح، وأخذت أردد تلك القصيدة في ذهني إلى أن وثقت من حفظها، ثم انطلقت إلى قلمي وكراستي المدرسية، ودونتها كاملة، كان يوماً من الانتشاء لم أعرف له مثيلاً من قبل. وودت ساعتها لو أستطيع أن أحمل قصيدتي، أطوف بها الشوارع كلها وأسمعها لكل الناس، وفي اليوم التالي قرأتها لتلاميذ صفي، فبكى بعضهم، وسخر البعض الآخر متهماً إياي بسرقتها من شاعر ما، وكانت نهاية اليوم، ضرباً بالعصا من مشرف الصف الذي راعه أن يرى تلميذاً مجتهداً، يخون دفاتره بكتابة الشعر العاطفي في أحدها. تلك القصيدة التي كان اسمها (الدمعة) أصبحت أغنية فيما بعد رددها أحد المغنيين المحليين، رقصت على إيقاعها العرايس، وبكى من شجنها العشاق، تلتها أغنيات أخرى أشد حزناً، وأعمق مستوى، وعلى مدى سنوات ظلت فيها جذوة الأغنيات العاشقة مشتعلة إلى أن جاء عام 1985، حيث حدثت انتفاضة مارس – أبريل، وطوق سوار من الذهب معصم البلاد، ملغياً حكماً دكتاتورياً تعسفياً. تلك الفترة كنت أدرس الطب في مصر، ووجدتني بلا وعي أدخل معترك القصيدة الفصحى، وكانت قصائد خطابية وصارخة عن وطن كبير لا محبوبة فردية. ولأنني سلكت درباً آخر لا أملك أدواته حقيقة، فقد بدأت أقرأ برغم دراستي الشاقة، قرأت الشعر من بداياته العامودية، وحتى ترنح عاموده على يد المحدثين، قرأت النقد وأوزان الخليل، وعلى مدى عامين كنت قادراً على كتابة قصيدتي، وقادراً على نشرها في كل الدوريات الثقافية المتوفرة آنذاك مثل "إبداع" و"القاهرة" ومجلة الشعر. وأذكر أن قصائدي التي نشرتها في مجلة إبداع، كانت تنشر في باب خاص اسمه (تجارب) ومكتوباً في أعلاه، إن القصائد والقصص المنشورة في هذا الباب، تنشر على مسؤولية أصحابها. كان ذلك أشبه بالحجر الصحي الذي يمارس على أمراض مثل الكوليرا والطاعون، والنزلة المعوية، وكأنهم كانوا يخشون من انتشار طاعوننا الكتابي وسط الكتابة صحيحة البدن. وقد كان من المحجورين صحياً في تلك الفنرة، شعراء أفذاذ مثل محمد سليمان، وعبد المنعم رمضان، ورفعت سلام وعبد المقصود عبد الكريم، وآخرين كانوا أصدقاء أعزاء وأساتذة لي في العملية الشعرية التي لم أكن أعرف أنها ستنتهي بهذه السرعة.
عام 1987 تعرفت بروائيين عظماء مثل محمد مستجاب وإبراهيم أصلان، وعبد الحكيم قاسم، الذي أهداني كتابه (طرف من خبر الآخرة) الصادر حديثاً في تلك الأيام، وكان أن فتنت بكتابته، وظللت أتحاوم حولها وحوله، ليقول لي في صرامة في أحد الأيام.. بأنني مؤهل لكتابة الرواية بما أملكه من عوالم وأساطير ولغة شعرية.. فلماذا لا أجرب الرواية؟. وكان أن كتبت رواية (كرمكول) التي نهبتني من شعر القصيدة، لكنها امتلأت شعراً، ولقيت ترحيباً جيداً حين نشرتها دار الغد التي كان يملكها الشاعر الراحل (كمال عبد الحليم)، وكتب مستجاب في عاموده (حرق الدم) في جريدة الشرق الأوسط، مرحباً بالولد الروائي الجديد الذي تجاوز (تشينيا تشيبي) صاحب الأشياء تتداعى، إلا أن كثيراً من زملائي الشعراء اعتبروها بيضة الديك التي لن تتكرر، ليفاجئهم الديك بعد ذلك بأكثر من عشر بيضات على مدى العشرين عاماً التي ستلي، ولدرجة أن لا أحداً يتذكر أن ثمة شاعراً كنته في أحد الأيام.
لكن من أين تأتي الكتابة، وكيف يمكن كتابة حياة في نص؟
بالنسبة لي، فقد نشأت في بلد يعج بالأساطير ويملك خصوصيته الآفرو عربية، بمعنى أننا نشارك العرب لغتهم، وأشياءهم، ونملك في المقابل أشياء إضافية، أوردتها خصوصية المكان الجغرافي الذي تقبض إفريقيا السمراء على الكثير من لحمه، هناك طقوس لا يمكن العثور عليها إلا عندنا، هناك شخصيات لا يمكن توفرها في مكان آخر، ولعل تلك الشخصيات بما تملكه من سحرية، شقت طريقها إلى نصوصي، بعضها بسلاسة وبعضها بصعوبة، ودائماً حين أعثر على شخصية وأفكر في كتابتها، أحاول استرضاءها، فبعض الشخصيات لا تحب أن تكون مهمشة، وبعضها لا تحب أن تكون بطلة مطلقة، وهكذا يسير النص أحياناً غصباً عني ليكتب الشخصيات كما أرادت وليس كما أردت. وفي رواية أخيرة اسمها (العطر الفرنسي)، صدرت عن تالدار العربية، للعلوم بباريس وتصدر في يناير القادم طبعتها الفرنسية عن لارمتان، وتدور أحداثها في أحد أحياء مدينة بورتسودان الفقيرة، كان ثمة صراع سيدور بين شخصيتين على حب زائرة فرنسية، وأحسست أن إحدى الشخصيات لا تريد أن تخوض ذلك الصراع، ومن ثم أنهيته قبل أن يبدأ. أيضاً في رواية (صيد الحضرمية) التي نشرتها منذ عدة أعوام، أحسست بأن بطلة الرواية (حورية أزرق الحضرمية) تريد نصاً تخوضه بجرأة وحرية، فأطلقت لها العنان. كذلك رواية "تترات القبطي" التي صدرت منذ عدة أشهر، هي رواية لم أرد كتابتها أبداً، لكنها جاءت بالرغم من كل احتياطاتي التي اتخذتها حتى لا أكتبها.
أقول عن قصدية الكتابة عندي، وأنني مجرد كاتب روايات، وليس روائياً يحضن النص حتى يفقس وحده، كما يروج البعض في السودان. إن الأمر لا يبدو عادلاً، فكتابة عشر روايات على مدى عشرين عاماً ليس بالأمر الكثير، وليس معنى أن معظم السودانيين يكتبون رواية أو روايتين، أن يكون ذلك قانوناً يسري على الكل. أنا أكتب نصي حين يريدني النص أن أكتبه، وأحياناً أظل أشهراً طويلة من دون أن أستطيع كتابة حرف واحد. أيضاً صادفتني عشرات الشخصيات الساحرة، ولم أستطع كتابتها، لأن لا نص يريدها بداخله، أو لم تكن جبارة كفاية بحيث تصنع نصها الخاص.. وأذكر ذلك الأسيوي الذي طل يتردد على عيادتي يوميا ولأكثر من عشر سنوات، يشكو من أن قدمه مكسورة ولا يستطيع المشي، وأراه بعد ذلك ماشياً عشرات الكيلومترات، حاملا آلة للتسجيل وحقيبة ممزقة فتحها مرة أمامي وكانت فارغة، وأتحسر أنني لم أستطع كتابته أبداً. وقد طلبت مني (كاترين كادويلي) الممرضة الفرنسية التي عملت معي في الإغاثة منذ خمسة عشر عاماً في أقصى شرق السودان، أن أكتبها في رواية بعد أن عرفت إصابتي بمرض الكتابة، لكنني لم أستطع كتابتها إلا الآن فقط حين جاءت رواية (العطر الفرنسي)، لتظل هي محورها.
أتحدث عن النبش في التاريخ والاستفادة من مفرداته الموحية في نص حداثي، بناء على تجربتي في رواية (مهر الصياح) التي صدرت منذ أربع سنوات وأعيدت طباعنها مؤخراً لتحتل موقعاً جيداً في توزيع الكتب، وشقت طريقها إلى عالم الترجمة إلى لغات أخرى. في تلك الرواية لم أكتب تاريخاً حقيقياً موثقاً ومدوناً، كما يفعل البعض حين يتحدثون عن فترة تاريخية معينة، لكنني صنعت تاريخاً وهمياً، وأيضاً مستفيداً من فترة ما، وكانت سلطنة (أنسابة) التي جرت فيها وقائع النص هي أي مكان يمكن أن تجري فيه وقائع نص، وزمن الكتابة، هو أي زمن بما فيه زماننا الحاضر، وفي نصوص أخرى مثل (سماء بلون الياقوت)، وتوترات القبطي استلفت سيفاً من هنا وعمامة من هناك، وثورة من هنا وهناك لأكتب نصي الذي حمل دلالاته التاريخية والمعاصرة.
في أي شهادة سودانية عن الكتابة، لابد أن يذكر الراحل الطيب صالح أو (خال الجميع) كما أسميه، باعتباره اسماً كبيراً، طغى على كل الأسماء التي سبقته والتي أتت بعده، لدرجة أنه حجبها عن الظهور كما يقولون. في رأيي الشخصي، إن الطيب لم يحجب كاتباً أبداً، ولم يسع إلى ذلك طيلة حياته الكتابية، لكن الكتابة السودانية هي التي حجبت نفسها، فما دام الناس منكبون على محليتهم حين يكتبون وينشرون، فكيف يمكن معرفتهم؟ .. أيضاً بعض النقاد والكتاب السودانيين أنفسهم يروجون لمقولة إن لا رواية بعد الطيب صالح بالرغم من مئات الروايات التي حملت أنفاساً جديدة، وكان يمكن أن تحدث أصداء كبيرة لو أنها نشرت على نطاق أوسع، ومؤخراً أطلق (عيسى الحلو) وهو كاتب كبير يتخذ أم درمان موطناً للسكن والكتابة، مقولة إن الطيب سقف للرواية السودانية، لم يستطع أحد اختراقه إلى الآن، وكانت مقولة بائسة و ظالمة، لأن لا أحد تقبلها، ولأنها جعلت الطيب بكل عظمته هدفاً للرمي، ومعاول الهدم المعنوي التي حملها الكتاب في حقه. الرواية السودانية منتعشة بشدة، لكن مأزقها كبير. الناس هناك في حاجة إلى سلاسة في العيش حتى يكتبوا، وفي حاجة إلى الدعم المادي لتتغير طرق الطباعة وأغلفة الكتب التي لا تشد قارئاً للشراء في زمن أصيبت فيه القراءة بالمرض. وأصبح الكتاب سلعة غير رائجة، حتى وهو يرتدي أفضل زي ويبرز في المكتبات ومعارض الكتب متأنقاً. وأضيف بأنني ما كنت دعيت لهذا الملتقى العربي الهام، لو كنت تحت غمامة الطيب.
قد أسأل عن موقعي في المشهد الثقافي السوداني بحكم إقامتي الطويلة خارج السودان سوى للدراسة او العمل. أنا أعتبر نفسي داخل المشهد بقوة بحكم نشأتي وتشربي بخامات تلك البلاد التي لم أكتب أبداً عن سواها، وأذكر هنا بالتحديد شرق السودان الذي خبرت بيئته جيداً وكتبتها في معظم أعمالي بعد أن فررت من بيئة الشمال التي لم أكن أعيها جيداً، وحتى النصين اللذين كتبتهما عنها أجدهما الآن مرتبكين وبحاجة إلى إعادة نظر، لكن فوجئت في زيارة أخيرة للسودان، ما ظننته انقلاباً من ذلك الوسط ضدي، وضد كل من كتبوا وهم في الخارج لدرجة أن أحد النقاد نفى عنا مواطنتنا تماماً. المسألة فيها الكثير من التعسف، فما دام الكاتب مواطناً والكتابة مواطنة، فلابد أن يكون الأمر كذلك، حتى لو استلف الكاتب لغة أو مفردات من محيطه الذي يعيش فيه. ليس ميلان كونديرا كاتباً فرنسياً برغم إقامته الطويلة في فرنسا، ليس الطاهر بن جلون كاتباً فرنسياً، ولم يكن (بول بولز) سوى كاتب أمريكي صميم، أنفق عمره حتى مات في طنجة التي عشقها.. وكتب فيها روايته (السماء الواقية) التي أعتبرها من العلامات. الأفق أيضاً بحاجة إلى ترميم كما أعتقد، وعلى من يحمل تلك الآراء أن يتروى كثيراً قبل إطلاقها.
أريد أن أتحدث قليلاً عن النقد الذي يعتبره الكثيرون، جسراً يمكن أن تعبر به الكتابة إلى بر آمن .. شخصياً أعتقد أن النقد في معظمه أداة لم تحاول أن تتقدم بتقدم الكتابة، وأيضاً يعتمد على التذوق الشخصي أكثر من اعتماده على قواعد ثابتة يتكئ عليها حين يتحدث عن كاتب أو نص، فنحن في الطب حين نعالج (الربو) أو (الأزمة القلبية) مثلاً، نتكئ على تلك القواعد المدروسة والموضوعة سلفاً، وبالتالي تأتي النتيجة بناء على ما تقوله القاعدة، وقد كتب كثيرون عن أعمالي، لكن لم أجد حتى الآن سوى عدد قليل استطاع أن يغوص إلى لحم النص ويضيئه. وأذكر هنا الفلسطيني فيصل دراج، والعراقي (فاروق يوسف) والمصري (حمدي البطران)، أيضاً حظيت بعض الأعمال التي لا أعتيرها هامة بما لم تحظ به أعمال هامة كرواية (مهر الصياح) مثلاً التي لم تكتب عنها سوى خمس دراسات فقط، بينما يعج داخلها بالمثيرات التي كان من الممكن أن تفتح شهية النقد، لكن في النهاية يظل الإبداع موجوداً حتى لو طرده النقد، حتى لو شاهده عارياً ولم يكسيه، وصديقنا محمد مستجاب مثلاً، برغم عظمته وتأثيره الفذ في الكتابة، لم تكتب عنه سوى سبع دراسات طوال حياته، ورحل وأدبه مستور في أذهان القراء كلهم.
أخيراً أتمنى أن تلتفت القراءة العربية إلى الأدب السوداني الجديد، الذي يعيش خجولاً في أزقته وحواريه البعيدة، وأيضاً خجولاً إلى حد ما في بلاد المهجر العريضة، أن يقرأوا أحمد الملك، والحسن بكري، وبركة ساكن، وبثينة خضر وأن يخصوا أستاذنا العظيم (إبراهيم إسحق) بالتفاتة كبرى، لأنه كاتب عالمي يرتدي زي أبناء البلد، وساحر في حكاياته التي كتبها نيابة عن الذين لا يستطيعون الكتابة.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 14th December 2010, 08:45 AM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

فصل من نار الزغاريد
(أمير تاج السر )
لا يذكر أحد بالتحديد متى بدأت عقارب الإغاثة تتلوى في رمال (توجار) ، لكن، أشجار (المسكيت ) المالحة ، ومواسم القحط وجنون الحكايا ، والبيوت التي اتخذت لون الماء العكر ، وأغنيات الفوضى المتطرفة في حزنها وانتشائها ، لا زالت تلهث صوب تلك النافذة البدينةالتي انشقّت ذات يوم في غبار ( الإيتاب ) الراطن ، ودخل منها ( ألبيرت بشّاي ) الإغاثى بكل جهامة الغريب وتزاحماته ، وتكبُّده مشاق السفر ، واستوطن حتى صارت تذكاراته على الحوائط ، وطريقته في اقتناص طيور ( القيردون ) وثرثرته الليلية في المطعم المفخخ ( لعبد الرحمن حليمو ) سمات كلاسيكية يتنفس بها الليل وتمجّدها القبائل وتعمل على ترميمها كلّما أحست بها تتهاوى
كان كبيرا في كل شئ
في هيكله الذي تغتاظ منه القمصان والبناطيل ....
في عينيه اللتين تجلوان الصدأ ، وتمسّدان ظهر البلدة وبطنها وركبتيها...
في لسانه الذي يلد المجد في كل يوم عشرين مرّة .
وفي ذروة الفوران الذي وُلد عند دخوله ، رضع منه ، وحبا ومشى وتكلّم معاصرا لاستيطانه ، لم يلحظ أحد أن إحدى أذنيه ترتجف ، وأن في وجهه فخاً مبتسما ، وفيما بعد عندما سقطت الجميلة جداً ( تماضر إدريس ) في ذلك الفخ ، وسقط الإغاثى أيضاً ، أقسمت الأقاويل البيئية التي رصدت ما حدث ... أنها كانت تعرف ، وظلت الكريكابية ( سعدية شاشاي ) ترطن بلا توقف مغذية تلك الأقاويل إلى حد التخمة.
حين دخل الإغاثى كان الجفاف نجما ، تلألأ في أرصفة الحكايات، ومؤتمرات الأغذية والبدائل وكاد يسحب سلة غذاء العالم من فوق رقعة الوطن كلّه ، كذّب غبار ( الإيتاب ) عندما لوّث البلدة دون أن يغسلها كما كان يفعل في كل عام ، ووضع نهر ( المبروك ) عربوناً طفلاً على الدلتا وانصرف . كانت ثمة أخبار عن حرب وشيكة ، ودوافع إنسانية ، وقروض وفوائد وسلطات مجروحة تقطر من جرحها النزوات والمراسيم .... كانت ثمة أعيادٌ بلا حلوى، وليال بلا مرؤة ، وصباحات بلا قهوة ، ونساء يطرزن حنانا يابسا ومناديل بلون التفاهات ، وبزغت كلمة ( لله يا محسنين ) حتى صارت منهاجاً تجاريا وزراعيا ورعويا وتربويا ، ولهاثا مستدرا للعطف يلوِّن به العشاق رسائلهم العاطفية . كان طبيعيا أن تموت النخلة ، ويتأوه البرسيم ، وتسند الكلاب مؤخراتها على الحوائط حتى تنبح بأمانة وشرف ، كان طبيعيا أن تنقرض السحالي وتفكر اليرقات مليون مرّة قبل أن تتشرنق
في البدء ظنّه ( التوجاريون ) شركاً نصبته إحدى الجهات لابتلاع البلدة، روّعتهم عرباته المخبولة وهى تتعرى من الأجولة والصفائح وزيوت الطعام ، وفساتين البنات .روّعتهم جرأته في منح السكارى خامات العرق ، والقتلة شهادات بحسن السير والسلوك ، والعذارى وسادات كُتب عليها ... صباح الخير يا حبيبي . استيقظت من رقدتها ذات الدهشةالتي واكبت بناء ( توجار ) منذ قرنين من الزمان ، اختلفوا في فكّه وتركبيه وإلصاقه بالسلالات ، وفرّوا من يده التي ابتسمت لأتفه تافهٍ في البلدة ، وعندما شاهدوه يأكل ويشرب ويلبس من عرى عرباته ... سال لعاب القبائل لكنهم كتفوه . بغتة تشجّع لعاب صغير ، وتقدم ( إدريس سعيداي ) وكان يومها صبياً لم ينحر الحب عقله، ثقب عرى العربات برهة بنظرته الصبية ثم واجه الغريب
1. هل عندك عجوة ؟
عند ذلك شم الغريب رذاذا من عطر ( التوجاريين ) ، ابتسمت أسنانه المتبّغة حتى خجلت من ثيابها البيئية ، اقترب من الصبي، دغدغ بطنه النامي بأصابع شديدة الحرص ، ورد على سؤاله الراطن بحفنة من حلوى ( اللكوم ) ومغلّف العجوة الوحيد الذي أحضره
لم يكن ( إدريس سعيداي ) صبياً من الدرجة التوجارية الأولى بالرغم من كونه ( إدريساوياً ) ، كان واحدا
صبياً من الدرجة التوجارية الأولى بالرغم من كونه ( إدريساوياً ) ، كان واحدا من خمسة بذور أنضجتها ( تمام الإثيوبية ) في بطنها دون هويّات محددة لزارعيها ، كانوا في كل مرة تصرخ فيها إحدى البذور في البلدة يسألونها ... من أين يا تمام ؟ فترد بدموع فقط .... يعاودون ويعاودون ، وتبكى وتبكى . وكانت ( الدايات ) أكثر حكمة ، لم يكن يعصرنها أو يفتتنها كن يحملن وليدها ، يطفن به في البلدة بيتا ... بيتا ، وزقاقا زقاقا ، يعرين خلقته في سكر السكارى ، ونزوات المحتشمين ، وخطوات المعلقة قلوبهم بالمساجد ، حتى إذا التقطن ملمحاً يمكن أن يُدخلن الوليد في دمه ... فعلن . وما أن تشم الأقاويل البيئية طرفا من ذلك حتى تؤخذ التعهدات ، وترطن الأنساب ، ويدخل الوليد إلى الدم المختار رافعا صرخاتهِ، ونتيجة لهذه الحكمة( الداياتية ) والتساهل القبلي في النسب أحيانا ، كانت بذور ( الإثيوبية) بعضها ( إدريساويا) وبعضها ( كريكابيا ) ، و ( دخوليا ) وفيها واحدة لم يعرف لها أصل على الإطلاق
كان سعيداي الإدريساوى هو الذي اقتيد دمه عندما صرخ إدريس، فتدروش الرجل غضبا ، إتكأ على بصره الشيخ ، وركبتيه ( الروماتزميتين) وأحضر عدة نماذج من أقاويل بيئية ذات نفوذ ألغته من اشتهاء المشتهين منذ عهد ، أقسم أنه لم يسمع بإثيوبية يتوسدها الرجال في ( توجار ) . قالوا
- الطويلة ذات الشامة والزمام ... واللون الأبيض كاللبن .
قال ... لا أذكرها .
-تلكالتي نسيها ( كنعان العجوز ) عندما نسى كتبه وخرائطه ومنظفات أسنانه .
-من كنعان العجوز ؟
-ذلك الجغرافي الذي أقسم على اكتشاف منابع غير معروفة لنهر( المبروك ) وقعد في البلدة تسعين يوما ثم خرج ناسيا حتى صديقته الإثيوبية ، وتاركا قسمه الذي لا زال موجودا
لا أعرفه .
إعتبروه صبيا يستحق أن يسلخ لسانه وتصبغ شيبته ، وتُقتلع أضراس العقل من بين فكيه لتزرع في فكين أكثر حكمة ، فلم يكن ( كنعان العجوز) سرا، فعلى مدى تسعين يوما قضاها في البلدة إرتكب أكثر خمسين من حماقة وخطأ جعلت منه قدوة للخطائين في البلدة، بدءاً من غسل جواربه بحامض الكبريتيك ، وتسلقه لظهور الحمير دون دراية ونومه القيلولة تحت الشجر ( المعقرب) و ( المثعبن ) وتفرسه لأكثر من دقيقتين في وجه ( أُوكير التالابي) وغرسه لزهور الجهنميات في بلدة غبارية ، وانتهاءً بمناداته للعمدة ( إدريس إدريساي ) بالعم ( درّوسة ) دون مراعاة لتقاليد عمرها قرنان من الزمان . وكان خطأه بأن غمز بعينه للكريكابية ( سعدية شاشاي ) وهو تحت تأثير عقار الهلوسة وحده كفيلا بجعله أكبر خطّاءٍ على ظهر الكرة الأرضية
وفي الجلسة القبلية التي عقدت لسعيداي الإدريساوى بعد ذلك ، سُمى أبا إدريس ، أُلزم بتغطية الصبي بالأبوة وتغطية نفاس الإثيوبية حتى أربعينها المجيد
قال الإغاثى وهو يلقى للبلدة بالصبي المحمّل بالعطر
- ما اسمك ؟
- إدريس سعيداي إدريس .
في مساء اليوم نفسه كانت عربات أشد خبلا تتعرى من العجوة جاعلة من ( ألبيرت بشاى ) الإغاثى أجمل شرك تشتهى كل التناقضات أن ينصب لها ، دخل في المونولوج الشعبى ، وثقافات المجالس ، وإكرام الضيف ، ورسومات الملل على كراريس التلاميذ ، وصفه شعراء محليون ( بجمل الشيل وعدّال الميل ) واستحى آخرون أن يموت بصمت فيما بعد ، فرصّعوا موته القادم بالبكائيات
غنى فرج الإدريساوى ....
( ألبيرت الإغاثى سلام عليك ألبيرت
نحن ضيوف عليك وإنت صاحب البيت.
توجار الصفائح فيها كبّت زيت .
وجمل الشيل برك واتلملم الشتّيت .
معروف في الخلائق ماكا داير صيت .
بس بنقول حبابك يا حباب ألبيرت .
كم سريت قلوبنا وللحبال شديت .
وأديت القبائل حقّها ووفيت .
سوولوا الغنى ووقلوهوا في الدوبيت .
مرحبتين حبابك يا حباب ألبيرت ) .
وبكى أركة الهيلبابى .....
( إنخرمت عوينات الرجال وانهدّوا .
يوم جانا الخبر ألبيرت راحت يدّوا .
وين الكان بتاوق للخشوم ينسدّوا .
ويعرق في التراب شان العيال يتغدّوا .
الليلة الخبر منشرى فايت حدّوا
ومثلك ياصباح الخير قليل يتعدّوا .
لو نقدر نرد الجاك كنا نردّوا .
لكين الزمن أهواله ما بينصدّوا . )
كان ( طه الأعمش ) شاعر العُمُش الثمانيني قد أقسم قبل أربعين عاما على قتل شيطنة الشعر بعد أن خدشت قصيدته ( في حب عشمانة ) ،التي لعلع بها ذات يوم وهو مصاب بارتجاج في المخ إثر سقوطه من حمار ، حياء ثلاثين عشمانة في البلدة موزّعات على لحم القبائل ، وجعلت تفاصيلهن الراكدة تحت الطِرح والفساتين ، نهباً لتخيلات الكبت والمراهقة ، وخامات غنية لمطابخ الأقاويل البيئية ، مات بعضهن تأزما ، وارتدت أُخريات ثياب الكُره والضرب والطلاق ، وتحركت القبائل مجتمعة لأول مرة لتفسد على قبيلة العمش بكاءها التاريخي وأحلامها المعاصرة، جُلد رجالها في وسط البلدة بقعور السياط ، وحُرمت على أمزجتهم النشوة وريالة ( التمباك ) ، وأُقيمت لنسائها الجريحات زيجات جماعية شحاذة ، بلا مهور ولا كسوة ولا رجال بسندون الظَهر , وترتب على تلك الحادثة أيضا ، أن تشكلت في البلدة عاهة موسمية شرهة ، لم تشبع طيلة أربعين عاما ، هى عاهة ( ضرار الإدريساوى ) عم( الأدارسة )، وخال (الهيلباب )، وزوج إحدى العشمانات ممن متن تأزما
كان ( الأعمش ) يبتلع بلغم الشعر كلما أحس به يتقافز على حلقه حتى صارت وجباته البلغمية تنافس الطعام في البلع والهضم والامتصاص ، لكنه عندما استلم ( أدلفان الضغط ) و ( داونيل السكري ) و ( بروفين المفاصل ) و ( ساكوبيس ) الموت والجنازة ، بكت ثمانينه شعرا شيخا مشى على عكازتين من الألم والانفعال متخطيا بالإغاثى عشرات الخُطط والتعصبات ، وهمسات الليالي ، واحتلال المدن والإذاعات ، وصياغة الخطابات على عجل
( عاصرنا الحُكُم لامن فقد معناهو
ودقينا الطبول للأزهرى ووزراهو
وكل من نطّ في الرأس الغشيم نبراهو
مثل ألبيرت أبدا ما أظن نلقاهو
الراجل الضكر ضيفنا في توجارنا
أدانا البكفينا ويصبِّر جارنا
ما قصّر وحات الله وخلب أنظارنا
مرحبتين حبابك عشَرة يا ضو دارنا
لأول مرة في تاريخ خطورته الطويل الذي امتد قرابة الستين عاما ،مزّق فيها السكون وخاطه ، وأماته وأحياه ، بكى ( أُوكير التالابي ) زعيم قبيلة ( التالاب ) ... بكى بدموع شرارية تساقطت من عينيه الناريتين كأنها زخاتٌ من مطر مجمر ، كان الزعيم الذي تشكره السجون لإمدادها بخامات الإصلاح والتهذيب، والمستشفيات لإسهامه في تدريب الكوادر ، وقيادة أركان الجيش لإرساله خمسين ( تالابيا ) أُسست بهم كتيبة ( العيون الحُمر ) ، ذات الريادة في قمع الفتن ، والحائزة على أفضل أوسمة بلهاء في تاريخ الجندية على الإطلاق ، كان قد اكتشف أن قبيلته بلا شاعر يغنى أو يبكى أو يتلعثم في حضرة الشعراء ، أكتشف أن قبيلته تحيا بلا ضحك ، وتموت بلا دموع ، تفطم صغارها بإرضاعهم الحنظل من ثدي الصحراء ، وتتغزل في الحسن والجمال بطلاء الأظافر بالدم ، وترقيص الخناجر في وجوه الجميلات . كان تراثهم كافرا في نظر التراث ، وسراويلهم وغدة في نظر السراويل ، حتى إبلهم ونعاجهم كانت شديدة البطش بالعشب وتدُر لبنا مخنجرا ، وفي إحدى المرات شرب ضيوف من إحدى القرى المجاورة لبنا استخلص من إبل تالابية ، فظلوا طيلة الليل ينزفون ، همست الأقويل البيئية في أذن الجغرافي ( كنعان العجوز ) عندما بدأت أخطاؤه تتضفر
- ضع عينك في منقار ديكٍ ... ولا تضعها في وجه أُوكبر
فلم يسمع
وفي ذلك اليوم أقسم العجوز وأقسمت البلدة كلها معه أنه عندما دخل ( توجار ) لم تكن في أطرافه أظافر على الإطلاق
وفي إحدى السنوات تفلسفت ثلاثة مراهقات ( تالابيات ) كنّ يتعلمن في المدرسة الابتدائية ، لطخن تراث القبيلة بشذرات من الذوق الراقى تعلمنه من مدرِّستهن ( عواطف المجذوب الإدريساوى ) ، قلن لآبائهن ... صباح الخير ، وقبلن أمهاتهن على جباه الأُمومة وابتسمن للزعيم وهو يشخر ، ففتكت بهن شخرته ، قُلِّمت أظافرهن التعليمية ، وزُوِّجت مراهقتهن إلى ثلاثة شراسات أستدعيت على عجل من كتيبة ( العيون الحُمر ) . ولعل ما مُنيت به الكريكابية( سعدية شاشاي ) خلال ست ساعات قضتها أنوثتها المنبوذة رجالياً منفردة بشهوة الزعيم غير المؤرخة( أقاويلياً ) من قبل ، كان من شأنه أن يكبِّر من سن الخوف عند القبائل ، فيقذف به إلى النضج
تلك اللحظة عندما بكى الزعيم اجتاحت البلدة موجةٌ من الرقة، أصبح الهواء رقيقا والناس رقيقين ، وكاد ( التالاب ) يعقدون اجتماعا طائشا لاختيار خطير جديد .بغتة لملم الزعيم خطورته القديمة ، شخر بها والتفت إلى تراثه القبلى ، وفي أسرع من هش الذبابة ، نهب التالاب شاعرا رومانسيا من إحدى القبائل الهشة ، ألبسوه قميصا تالابيا وسروالا تالابيا، ونحروا غرامياته القديمة بخنجر تالابي ، وعندما بعثروه في فوران البلدة، كان ترحيبه فتّاكا إرتعدت له إغاثة الغريب ، وأحست عرباته برغم خبلها إنها أهينت
مرحب بى أبوك وأمك وحبّوباتك
وقطاع الطرق النهبوا من عرباتك
يا فخر اللصوص أدينا من سرقاتك
وضوِّقنا الغنائم الله يلعن ذاتك
لم يتمهل التالاب حتى يكمل شاعرهم ( المتلَّب ) حديثا ترحيبه ، إكتفوا بوجبة سريعة أحسوا أن الغريب يجاهد في بلعها، سلخوا عن الشاعر جلده التالابي ، أعادوه إلى قبيلته الهشة عاريا. ثم توغلوا في عُرى العربات
الزعيم ( أُوكير ) وهو ينتشى بجرعة مكثفة من زيت ( كبد الحوت
نريد أن نسكر به الليلة .. أحضروا عرقى السمك كله ...
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 15th December 2010, 08:51 AM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

مرايا ساحلية – أمير تاج السر

الطبعة الأولى- المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء2000
الطبعة الثانية - الشركة العالمية للنشرالخرطوم 2003
-1-
لا زال تذوقي وهو ينبش في أطباق الحضر ..بيتزا وهبيرجر.. واسبغيتي .. يحن إلى ذلك الطعم النادر لفول ( الدبل ) وطعمية ( ديجانقو) وسندوتشات الكبدة والكلاوي المتربة في نادي ( الرماية ) .
لازالت الدروب التي قطعتها ( الموريس ماينور ) الخضراء ذات المقود اليمين ، والجسد المختصر المفلطح ، بدءا من زرقة البحر حتى عروق الصحراء ، تزحف في الذهن ضاجة كما هي ، وعرة كما هي ، مسفلتة بإسفلت البلاد الفقيرة.. إسفلت الهبات.. و ( جابو ) شرطي المرور الحنظلي يراقبها بصفارة صدئة ، وإشارات عرجاء ،وملامح منسوفة اكتسبها من هجير الشمس، وسخط السائقين .
لا زالت العين ترمش فترى الشبق الساحلي ممدداً أخاذاً يرسمه ( المرضي ) بريشة عاشق من مكان بين الوعي والتثاؤب، فترى البحر يزفر، الظلال تغني،وسفن الرحيل الغريزي منسجمة تستريح على لون وطعم ، كانت الحكمة في البحر ، الصيد في رئة البحر ، رائحة اليود من عرق البحر، ونزهاتنا ( العصراوية ) في شريط لاصق يلصق بجسد البحر . كانت المدينة قد رسمت حكاياتها بحكاياتها ..بنت أحياءها بأحيائها ، واحتضنت ملامح سكانها بملامح سكانها ..الآن ألمس أهل المدينة ، أشمهم، يمسكون بعطر الكتابة ، يودون لو خرجوا في العطر .
هذا ( عزيزو ) المجذوب ، مندلقاً في المسافة بين الوعي والغياب، أمامه كتب وأقلام ، ودفاتر ،وتواريخ ،واسطوانات ومن فمه المحلى بالجوع، تسقط ثقافة مجذوبة، التقطها من حيث لا يعلم أحد .
من أنت يا عزيزو .. ؟
من أنت يا طويل وأشعث ، ومدغدغ القدمين؟ ..ومفترشا فظاعة الدرب.. لا ترد السلام؟.لست من الشرق أبداً ، ولا من الشمال أبداً .. كأنك من الجنوب لكن فيك فصاحة لم تصل ( الرجاف ) ، ولا ( مريدي ) ولا ( جوبا) .. كأنك من الغرب لكن عطر الغرب لا يغلف جلدك ..
يلهث في صباحك أولاد المدارس ، داكنين ، ومتسخين ، ومهرجين،وذاهبين إلى الدرس مجبرين لا أبطالاً .. تحصد من طيشهم بذاءة وهرجلة ، ويحصدون من موتك المسمر في الطريق شعراً ونثراً ، وأغنيات مرحومة ( لكرومة ) و ( سرور).
تلهث في ظهيرتك النساء الذاهبات إلى حيث تذهب بهن الخطى ، تحصد من تنوعهن، وعطورهن، وتبرج أجسادهن ضحكة ، وشفقة ، وربما اشتهاء ، ويحصدن من موتك المسمَّر تجاوباً مجنوناً .
يلهث في ليلك الكفرة ، واللصوص وقطاع الطرق ، وشرطة الخيالة على أزياء يابسة ، وأحصنة متليفة ، تحصد من خشونتهم سرقة، ولدغة ، وعراكاً وسيجارة من تبغ رخيص ، ويحصدون من موتك المسمر..موتاً مكفناً.. هادئاً ..مدفوناً . لو كنت في هذا الزمان ، لقلنا مجنداً أمنيَّاً محشواً بالخطط والمطاردات يلاحق ساسة مساكين، لم يكن في زمانك سوط ولا ساطور، ولا سراديب تحت الأرض .. كانت الدولة شعباً حاكما وشعباً محكوماً،قلباً نابضاً، وقلباً يستريح إلى حين .
يقول معاصروك ممن شهدوا اندلاقك بين الوعي والغياب ، أنك عاشق جامعي قتلته امرأة ، ففر من منبع القتل بنصف عقل وربع دنيا ..
هل كانت قاتلتك رائعة يا عزيزو ؟
هل كانت دافئة ؟..
لابد أن لها وجهاً مدوراً ، و(زماماً )في الأنف ، وشفة موشومة ، وشعراً ليلياً،وشلوخاً خضراء تمتد من حلمة الأذن حتى منابت الأضراس .. أليست هذه صورة حية براقة لحسناوات ذلك الزمان ؟
ما اسمها يا عزيزو ؟ .. لابد أنه السرة أو العافية ، أو الزينة ، أو ست البنات..أليست هذه أسماء جارحات القلوب ومدرات العطش ، والباركات على ليالي التعب في ذلك الزمان؟ .. ما اسم عطرها يا عزيزو.. إنه ( أوراق الخريف).. إنه ( سرتية الهند ).. إنه (بنت السودان ) ، إنه عطر ( السيد علي ) . وثيابها الزاهية في عينيك .. لابد أنها ( رسالة لندن ) أو موضات ( أبو قجيجة ) ..أو( الحمام طار ) ، أو حتى ثياب( الزراق )الموغلة في فقر اللون وفقر القماش.
كنا من تلاميذ المدارس يا عزيزو ، ابتدائيين لم نؤذك ، ولم تؤذنا ، فقط رميناك مرة بحجر، ورميتنا ببيت شعر عن عود صندل أشعل فزاده الإشعال طيباً، فأصبحنا ندماء لثقافة الجنون المنبثقة من تحت الوعي والغياب. نعاقرها كلما سمح وقت الشيطنة .أذكر يوم كانت السلطة تلم غوغاء الطريق ، ترسلهم إلى حصاد القطن ، و إيذاء دودة القطن ، وتعيدهم إلى منابتهم آدميين ومغسولين بلا غوغائية . ظنوك غوغائياً فلمومك ، التممت عدة أشهر قطنية ، ودودة قطنية،وعدت إلى ركنك القديم عارياً كما كنت..ومت يا عزيزو .. مت بعد أن كاد ركنك القابض على المدرسة الأميرية، يقاسمها الأسمنت والحرارة،ولهاث الدروس، وشرود أذهان التلاميذ،يستحيل مدرسة. وجدوك ميتاَ صعلوكاً، فواروك مواراة ميت صعلوك بجنازة خرجت من مشرحة ، وتجهم طبي ، وانغرست في حفرة بلا اسم تحت أشجار المسكيت المالحة، ووجدوا دفاترك ، وأقلامك ،واسطواناتك ، وكراريس حزنك أيتاماً..فأحرقوهم بنفس تلك القسوة ، وذلك الحذر الذي تحرق به ضفائر الطاعون.. وظللنا نحن المشاركين في فظاعة الدرب ، نبكي رهافة ،نقتفي آثار موتك أياماً ، نتسلق العناد الضال لركنك الخالي ونهرشه إلى أن نسيناك…نسيناك لأن ( حمدة ) المتسولة جاءت ، انغرست في ركنك القديم بشبق، ذوقته بجسد أنثوي ، وعرق أنثوي، وتشرد أنثوي أيضاً..وسترت عورة النوم التي كنت تتركها عورة بملاءة بيضاء انسخط بياضها وتحول إلى شئ بين البياض واللابياض.وأطلقت في فظاعة الدرب نداءها الذي ظل يرافق نمونا في المدينة الساحلية يضعف قليلاً ، يزحف على لحنه نشاز أشيب،وتزحف على جمله حروف متآكلة،كلما كبرنا ، لكنه يظل نفس النداء
( الله فرجه قريب يا حمدة
الله رزقه كثير يا حمدة . ) .
لو أنك التقيت بحمدة يا عزيزو ، كنت التحفت بذات حيرتنا التي التحفنا بها ..والتحفت بها المدينة من زرقة البحر إلى عروق الصحراء . كانت امرأة قاسية الجمال ، بيضاء وفي وجهها برق ، وعينان سوداوان .. وملامح أخرى مرتبة لا تنسب إلى أي هرج قبلي.. حتى لقبها الطريق بالملاك المتسول .كانت حجازية ، أو نجدية ، أو هجيناً من هذا وذاك ، حتى اسمها الذي هوت به إلى عالمنا ، وعالم المدينة ، كان غريباً لم نسمع به من قبل لا في أم ولا أخت ولا جدة. لقد تلكأ الساحل كثيراً في محاولة تأصيلها ، قربها قليلاً من (الجعليين )، و كثيراً من (مغاربة بربر) ،وبيض ( أمدرمان ) ذوي الأصول المبهمة ، لكنه كان مجرد تلكوء لا أقل ولا أكثر.فقد ظل كنزها الجذوري مخبأً أمام ضغط التأصيل ،و خرائط البحث والفضول، وطوال جلستها الوظيفية في ركنك القديم لم تقل شيئاً سوى النداء الشحاذ ، ولم تمد إلى خارج الثوب الملفوف بأسى،سوى يد الشحذة اليمنى العارية من الحناء والخواتم ومستلزمات مثل هذا الجمال الفذ، كان تلاميذ المدارس المراهقين يرجمونها بغزل منكود ، ونساء الطريق يغرن منها غيرة بلا معنى ، والكفرة واللصوص ، وشرطة الخيالة يودون لو نهبوا شقاءها الليلي ،وسمعنا ونحن صغار على السمع ، لكن آذاننا سميعة ، أن كثيراً من وجهاء المدينة وشياطينها وآفات ليلها في ذلك الزمان ، حاموا حول جمالها المتسول ،عرضوا تنظيفها ، وكسائها وطلاء عالمها، وإلحاقها مالئة للغرائز في ليالي الجوع،وأن متيَّماً عجوزاً هش القلب، جاءها بشاهدين ، ومأذون، وكسوة ، وبكاء مضطرب ، قال .. على سنة الله ورسوله يا حمدة .. فقهقهت لأول مرة ، وشاهدت المدينة أسنانها الحية البياض ، ولسانها الأحمر حتى الدم ، ويدين اثنتين ترجمان عجوز الوله بالرمل والحجارة. وفي إحدى السنوات ظهرت جميلة وأخوها جميل، كانا معاقين من بيت ( هدندوي ) يشبهان الكتابة الصينية في كل تثنياتها والتواءاتها ونماذجها المنقوشة على كثير من السلع و البضائع ، حتى اشتهرا بذلك اللقب بين شاغلي الطريق،دخلا صنعة التسول من باب العيوب الخلقية ، وركاكة الجينات وكانا بارعين في ذلك، اقتربا كثيراً من ركن حمدة ، ركنك القديم ، واحتلا جزءا من شفقة الطريق، لكن جزء الشفقة الكبير كان لحمدة لا يزال .
حمدة الآن في الركن امرأة ممحوة الجمال ، سمراء وفي وجهها رمل وعينان يابستان ، وملامح أخرى مبعثرة تنسب إلى مائة هرج قبلي . تجاوزتها الشفقات بجدارة لتشفق على جيل جديد قاسمها الركن والصنعة وجدد في نداء الشحذة حتى صار موسيقى راقصة، وبدا ذلك الفرج القريب الذي نادت به ،و خرّف في مفردات ندائها بعيداً جداً..أراها تعذب خبزها اليابس تسجنه في كيسها الممزق لأيام ، وتعذب صوتها المسن تحمله فوق طاقة العمر.وحين تؤخذ أحياناً في حملة عصبية لنظافة المدينة ،وتلقى في مستودع مهجور خارج نطاق الطرق ، يتلفت الاعتياد باحثاً عنها ، وحين تأتي يطمئن الاعتياد..يتجاوز ندائها إلى النداءات الجديدة .أيضاً جميلة وأخوها جميل .. شاخا في الوجهين وظلت كتابة الجسد الصينية على حالها .. وعندما أصبحت للسفر طرق برية ، وتبع ذلك من إنشاء محطة لباصات ذلك السفر ، أسسا تسولا جديدأً في تلك المحطة .
أتركك الآن يا عزيزو .. في الذاكرة مائة ألف وجه .. ومائة ألف قناع.. ليست كلها في خصوبة وجهك .. لكنها ندبات في المسيرة باقية حتى النهاية.
هذا ( بشارة البيجاوي ) ، متسول آخر لم يمد يد التسول إلى أحد أبداً، فقد ولد بلا يدين ، ويبدو أن تلك الولادة المتأزمة قد هيأته لينعم بحياة رغدة لا ينعم بها الكثيرون ، فقد كان نجماً من نجوم كرة الطاولة ملأ بضوئه الساحل وشغل الناس.لا يعرف أحد كيف أتيح لبشارة وهو قيلي معوق،يرطن في بيئة الرطانة التي لا تعرف رياضة أو نجومية ، يأكل بأطراف رجليه ، ويمشي مشوشاً من خلل التوازن ، أن يتقن تلك الرياضة ، لكن هذا ما حدث .. كنا نشاهده غارقاً في زي أبناء البجة ، ورطانتهم ، يتمدد في الأندية والملاعب ، ومهارة الماهرين ، ويأكل الجو بلا مشقة ، وفي نهاية كل معركة، تعبأ جيوبه بالمال . وأذكر أن صحفا عاصمية جاءته بمحررين ، ومصورين ، وخبراء لتقييم أدائه، فأدلى بأحاديث راطنة لم يفهما أحد ، لكنه رد كيد الخبراء إلى العاصمة مستغرباً .
الآن رتب العم ( حمزة ) غرفته الصغيرة ترتيبه المتأني ، وضع ملاءة على لحاف ، وكيس على وسادة ، وضوء شاحب على فانوس صغير .. مشط شعره الناشف بمشط من حديد، دهن وجهه الإسفلتي بزيت سمسم نفاذ .. قرب عينيه المنطفئتين إلا قليلاً من وجوهنا الطفلة وبدأ يحكي بصبر..
( قال له جبريل: اقرأ .
قال : لست بقارئ .
قال : اقرأ وربك الأكرم .. الذي علم بالقلم . ) .
تلك كانت نداءات الليل الأثيرة ، لم يكن في الفضاء بث غامض ، ينتزعنا نحن أبناء وسط المدينة من أسرتنا وغطاءاتنا ، وكتبنا وكراريسنا ، وتشنجات أمهاتنا.. كان العم ( حمزة ) فضاءا وحيداً ,وبثا ناضجاً .. يقص على عقولنا الطفلة أحسن القصص ، يسربنا إلى محن موسى و يوسف وذي النون، ونار ( الخليل)،يسردها في ترف ، وننام ونحن أنقياء بكينا على الطفل الملقى في النهر بكاء أمه ، والتعنا على الصبي المغروس في البئر لوعة أبيه .. قلنا.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وصفقنا بنشوة حين استحالت نار الخليل إلى سلام وبرد . فيك شي غريب يا حمزة.. يا عم .. لابد أنك كنت جارا للستين في ذلك الوقت ، أو تقيم معها في مكان واحد..كان لسانك يبدو شاحباً بلا دم ..كانت أسنانك لا تشبه أسناننا، تنتزعها كلها ، تضعها في إناء من الماء ثم تعيدها إلى ذات الفم دون أن تنقص سناً .. وكانت عمومتك برغم اجتهادك في إبقائها واقفة على قدميها، إلا أنها كانت تترنح..لم نر لك زوجة ، ولا ولداً ،ولا حفيداً ولا أهلاً ولا أقارب.. ولا ذكريات مشتاقة تتسرب إلى البث صدفة..ورأيناك بائعا متجولاً عصبياً في سوق الطبالي ، وخادما محني الإرادة في بيت حكومي عندما يغلق البيع فمه ، ملامحك ترسلك إلى غرب البلاد بجدارة، ولهجتك ترسلك إلى شماله بجدارة أيضاً، وزيك المكون من الصديري والسروال والعمامة يبقيك لاصقاً بالشرق حيث عرفناك .. سنوات ونحن مشاهدي بثك المسائيين ، ولا نعرف..وحين أردت أن تموت ، أو تنمحي ، أغلقت بيعك المتجول العصبي ، وخدمتك المنزلية محنية الإرادة، وفضاءك الليلي الذي رشحك عمَّا لعيال وسط المدينة أجمعين، حملت حقيبة من صفيح صدئ، ووجها من ملامح ذائبة،ورجلين من عظم هش ، وانتفيت ..
إلي أين ذهبت يا حمزة .. يا عم ؟
هل ذهبت إلى الغرب حيث قالت ملامحك ، أم إلي الشمال حيث قالت لهجتك ، أم بقيت لاصقاً بغراء من خيال في الشرق حيث يقول صديريك، وسروالك ، وتقول عمامتك المبقعة.. لو مت حقاً لكان موتك في ذلك الزمان رنان وذا صدى ، كنا رأينا سرادقا وعزاءً،ودمعاً مراً ليس في بيت مخدوميك الحكوميين فقط، لكن في عيوننا نحن رواد بثك المسائي ..نمضي إلى أولئك المخدومين.. نسألهم بإلحاح الطفولة الذي لا يلح إلا في ساعة القيلولة المسترخية.. أين عمنا يا مخدومين ؟
يقولون .. عاد إلى وطنه .
أين وطنه يا مخدومين ..؟
يقولون لا ندري .. يسدون باب الإلحاح بجلافة ، ويسرعون إلى أسرتهم ، يلمون ما تبقى من نعاس القيلولة .
نعاود الإلحاح .. ويعاودون سد الإلحاح .. وكانت توجد في بيت أولئك المخدومين، امرأة نصف أنثى .. لها شارب رفيع كشوارب المراهقين،لم تكن خادمة ، ولا مربية ، ولا زوجة ، ولا جدة .. كان وجودها من نوع ذلك الوجود الغامض الذي ينتشر كثيراً في بيوت الوطن ولا تستطيع حتى تلك البيوت تفسيره ..كانت طويلة وسمراء ، وتشبه حصان سباق معتزل .كنا نسميها ( المبروكة)..دون أن ندري إن كان ذلك اسمها حقاً.. أم اسما اخترعناه بإيحاء من بركة كنا نراها فيها.. لم تكن تظهر في الحي أبداً ..وحتى أمهاتنا اللائى كن يجسن بزياراتهن في الحي ، يقتلن ملل النهار ، ويدخلن ذلك البيت من حين لآخر ،كن يرينها ضباباً يتلوى بين الغرف دون أن يستقر في جلسة.وحين يبدأ بث حمزة المسائي، كانت تلتف حوله ، تحاصره بحواس الحصار كأنها رقيب مكلف .وفي بعض الأحيان كانت تدعم ذلك البث بشاي أحمر تصبه من إبريق قديم . كانت تبدو متأثرة بشدة، تتبعنا إلى الطريق خطوات .. تقول حمزة سيعود ..ثم تسرع إلي داخل المنزل .
نمضي إلى ( جمعة جامع ) مهاجر الغرب القديم ،و خياط الفقر والفقراء في دكانه المهمش في طرف السوق الكبير ، نعرفه صديقاً لاصقاً للعم حمزة ، كنا نراهما ستينيين يحتسيان شاي ( القرفة ) ، وقهوة ( الزنجبيل) ، و يلهثان في ضحك أكبر من طاقة العمر، وفي ظهر الجمعة حيث لا خياطة في السوق، ولا بيع في الطبالي، ولا خدمة منزلية ، كانا يذهبان لصيد السمك ، فيصيدان إرهاقاً، وتعبا،وآلاماً في المفاصل ويرجعان.
نسأله ..
أين عمنا يا صاحب عمنا ؟
يقول .. حمزة انقرض ..
نسأله عن الانقراض الذي تعرفه أذهاننا صفة متوحشة تخص ديناصورات كانت تعيش في عهد قديم.. ولا تخص أحداً آخر..يلحسنا ببصر ميت ،ثم ينكفئ على مهنة الشقاء المر ، يكمل ثوباً فقيراً .لفقير ينتظر.وبعد عام أو عامين ، لا أذكر بالتحديد ، انقرض ( جمعة) نفسه ، كانت ليلة الوقفة لأحد الأعياد ، انزنق فيها متبعا القول القديم .. ( زنقة الترزي يوم الوقفة )، وعندما سلم آخر فقير ثوب عيده، ذهب لينقرض في أحد الأحياء البعيدة .
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 15th December 2010, 02:33 PM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية


رواية العطر الفرنسي - أمير تاج السر

الفصل الأول

حين يأتي خبر ما
لم يكن خبراً عادياً، ذلك الذي التقطه (علي جرجار) مصادفة، وأسرع به راكضاً إلى حي (غائب) الشعبي في أطراف المدينة حيث يعيش. وبالرغم من أن الخبر في حد ذاته كان مقتضباً وغامضاً وبلا علامات إرشادية، إلا أن خيالات جرجار كانت حاضرة دائماً، ومستعدة لتطويره في أي وقت، إلى خبر ذي جدوى وتأثير.

• ستأتي الفرنسية (كاتيا كادويلي) في الأيام القادمة، للإقامة معكم في الحي فترة من الوقت، كجزء من دراسة عالمية .. استضيفوها في أي مكان بينكم، وعيشوا حياتكم كما هي .

هذا بالضبط ما ذكره المسئول الحكومي (مبروك)، حين التقى (علي جرجار) في مبنى محافظة المدينة التي اعتاد على زيارتها من حين لآخر بهدف وبلا هدف. يعرفه المسئول منذ أكثر من أربعين عاماً، حين تواجها مرة في مباراة كرة قدم خشنة، جرت في زقاق ضحل، وانكسرت فيها قدم الحكومي آنذاك. ناداه وهو يوشك أن يعد (سريرة) بائعة الشاي المرابطة أمام المحافظة، بالزواج كما وعد العشرات من قبلها.

• يا جرجار .. يا علي ..

توقف بوعده للبائعة عند قيمة المهر، وعدد الجرامات في الخاتم الذي سترتديه يوم الزفاف، وتبع المسئول الحكومي إلى داخل المبنى.

• وما هي تلك الدراسة العالمية بالضبط ؟ ولماذا حي غائب بالذات دون أحياء الكرة الأرضية؟
• لا ندري شيئا في الحقيقة .. هذا ما وصلنا حتى الآن.
• ومتى ستصل تلك الفرنسية ؟
• أيضا لا ندري .. ربما في الأيام أو الأسابيع المقبلة.
• وما هو المطلوب من سكان الحي؟
• لا شيء محدد..عيشوا حياتكم كما أخبرتك، فقط انتبهوا إن بينكم غريب .

انصرف المسئول الحكومي إلى أشغاله، تاركاً علي جرجار حائراً .. في أثناء سكناه الطويلة في حي (غائب) الذي حاولت السلطة مراراً أن تسميه حي النور، أو حي (زهر الروضة) أو حتى حي (حاضر)، وأخفقت .. استضافوا مئات الغرباء، بعضهم جاء ضيفاً على أحد يعرفه أو يمت إليه بصلة القرابة، بعضهم اختفاء من جرم ارتكب في مكان بعيد، بعضهم طمعاً في أرض يمتلكها بوضع اليد، أو امرأة يشتهيها، وبعضهم لا لشيء أكثر من كونهم غرباء يستضيفهم حي فقير. ومها كانت تلك الأفواج الغريبة ومهما كثرت أعدادها وتشعبت، إلا أنها كانت كلها من لحم الوطن، قد تكون من الشمال أو الجنوب، أو الوسط. لكنها في النهاية تتبع لذلك الجسد الوطني العريض. ويستطيع حي (غائب) أن يكلمها وتكلمه في أي لحظة. لكن الآن تأتي فرنسية من مكان بعيد، وثمة دراسة عالمية غير معروف أصلها وفصلها. وعيشوا حياتكم كما هي ، فقط انتبهوا.. بالتأكيد لن يستوعب سكان الحي كل تلك الغوامض حين ينقلها لهم كما سمعها، لكنه سيبهرها، ويملحها، ويطعمها تفاصيل من عنده قبل أن يلقي بها في أذن المايكروفون، وهو الاسم الذي كان يطلقه على (حكيم النبوي)، مدرس التاريخ السابق، و أحد سكان الحي المهمين، والذي بدوره قد يضيف إليها بهاراً آخر قبل أن يبثها في الحي كما اعتاد في كل مرة يأتي فيها خبر جديد. خرج (جرجار) من باب المحافظة مسرعاً لدرجة أنه نسي أن يعود إلى سريرة بائعة الشاي، يكمل معها ترتيبات الزواج المزعوم، وأن يشتم ماسح أحذية صبياً هزأ بحذائه المتسخ أمام الناس .

كان (علي جرجار) واحداً من أكثر سكان (حي غائب) إثارة للجدل، يأتي في المرتبة الثالثة بعد (الدقيل) الذي عاد إلى ريفه البعيد في الشمال، بعد أن عاش في الحي، وعربد في المدينة لثمانية وستين عاماً، وركشة بائع الثلج في موسم الصيف، الذي استولى مرة على لقب ملوكي يخص واحداً من مواطني إحدى دول الجوار، وظل يستخدمه في المدينة زهاء الثلاثة أعوام لدى النساء والمسئولين، وحتى لدى الخفراء الذين يحرسون البوابات، إلى أن سمع به صاحب اللقب الأصلي، فجاء ليعريه في المدينة كلها، ومن ثم ليخسر خمس سنوات من عمره في السجن .

كان على جرجار طويلاً، ممتلئاً، قليل شعر الرأس وبلا شاربين، ولد ونشأ في الحي نفسه، وعمل مراقباً لصيانة القاطرات في السكة الحديد إلى أن انهارت تلك الأخيرة بسبب الإهمال ونسيان الحكومات المتعاقبة لأمرها، وكان يباهي دائماً بمقاومته لمرض الملاريا وحمى التيفود والنزلات المعوية الموسمية، التي تصيب حتى زعماء البلاد، وبقائه عازباً بلا زواج، لكن عريساً دائماً لكل الفتيات منذ شبابه المبكر وحتى فتيات يومه الحاضر، وانتمائه إلى حزب (وطنك الكبير) الذي كان في الواقع حزباً مغموراً جداً لا يضم في عضويته سوى ثلاثة أشخاص، هم مؤسسه الرحالة المقعد (حاكم عذابو)، وعلي جرجار، وواحدة قيل أن اسمها سعاد سعد، لم يرها أو يعرف عنها أحد شيئاً.

كان يعشق نسج الحيل، وتخليد ذكرى الموتى المهمين في نظره، بفرضهم أسماء لمواليد الحي وشوارعه المغبرة، وابتدأ من سن مبكرة في تدريب مثانته على عدم حبس التبول، ورئتيه على عدم السعال أبداً، و ذاكرته على عدم الخرف حتى لو بلغ سنه المائة. وكانت أعظم أعماله على الإطلاق، تلك الصيحة التي تنادي بحرية التخيل لدى الناس، والتي أطلقها من حي غائب ذات مساء، لتصل فيما بعد إلى كل أقاليم البلاد، ويطلق عليها الباحثون في السياسة والتاريخ اسم (صيحة جرجار)، لكن ذلك لم يعد عليه بمال أو جاه .

اختفى علي جرجار في لجة الحافلة المتجهة إلى الحي البعيد مارة بأحياء أخرى في طريقها، كان في داخلها الكثيرون ممن يعرفهم وممن لا يعرفهم، لكنه كان في الواقع بعيداً عن جو الحافلة، غارقاً في نصه الجديد، نص الفرنسية ذات المجيء الغامض التي التقط خبرها للتو، كان يمحي في ذهنه ويضيف، يعدل ويلغي التعديل. أضاف باريس مرة كمدينة ذات جاذبية وخصر دقيق، ثم عاد ومحاها مخافة أن يظنها البعض امرأة فيشتهونها، جعل (كاتيا كادويلي) الفرنسية فتاة في العشرين من عمرها، ثم استغرب كيف يجعل فتاة في العشرين من عمرها تأتي لتقيم في تلك الفوضى. وضع حول عنقها عقداً من الماس، في شقوق أذنيها أقراطاً مذهبة، ثم خلع زينتها خوفاً من اللصوص الذين قد يسرقون حليها، في حقائبها بعض الصندل، ودهن العود وعباءة سوداء ذات حواف، ثم عاد و تذكر عطراً كرنفالياً اسمه (موج)، وقمصاناً بلا أكمام، وتنانير حتى الركبتين وبناطيل للجينز رأى السائحات الأوروبيات يرتدينها في وسط المدينة. أسكنها بيوتاً عدة في الحي، وسحبها منها بحجة فجاجة الجيران وتطفلهم على خصوصياتها، وكم من مرة أجلسها على كرسي أو سرير من الحبال، ثم أوقفها على قدميها مخافة أن تتسخ ثيابها. وحين اقتربت الحافلة التي يستقلها من حي (غائب)، كان ثمة سيناريو مقبول بالنسبة إليه قد كتب:

"ستزورنا في القريب العاجل، النجمة الفرنسية كاتيا كادويلي، لتجرب الحياة الشعبية وسطنا، وذلك بخصوص مشروع عالمي كبير يخص الدعاية والإعلان، تقوم بالمشاركة فيه، ثم تعود بعد ذلك إلى بلادها، وتذكرنا بالخير."

كانت كلمة "تذكرنا بالخير" قد جاءت بعد نحت شديد للذهن وليست مصادفة. إنها تعني أشياء عديدة هامة مثل أن تجعلنا مشاهير في العالم كله بتوثيقنا في شريط تسجيلي. ترسل لنا المال اللازم لتطوير الحي ودفن بالوعاته وحفره، تعتني بكلابنا وقططنا الضالة، تطلب بعضنا للهجرة والإقامة معها في باريس، وربما تحب أحدنا بجنون وتعرض عليه الزواج. كانت (تحب أحدنا بجنون و تعرض عليه الزواج) بالذات تخصه هو شخصياً من دون سائر سكان الحي، فقد كان علي جرجار برغم وصوله لسن تسمح لتنقو بائع الآيس كريم، وعمر الحلاق، وصليحة الممرضة في المستشفى، أن ينادونه يا جدي، ما يزال مقتنعاً بأنه صاحب جاذبية لا تقاوم، ويمكن أن يكون العريس المناسب حتى لرقية الطالبة في الصف الثالث الابتدائي. وبنات صفها كلهن .

كان بيته في وسط الحي تقريباً، بيت كسائر البيوت نصفه من طين ونصفه من خشب مشقق، الذين أنشأوا الحي فيما مضى، أنشأوه هكذا. كانوا واعين بسطوة الفقر على حياتهم، ومهووسين بغرسه في النطف حتى لا يموت أبداً ، حتى اسم ( غائب ) الذي يعني عدم الوجود أو الانمحاء ، لم يأت من فراغ أو سذاجة ، إنه الاسم الذي اتفق عليه الجميع وهم يضعون اللبنات الأولى في بناء الحي ، وحين جاءت أجيال بعد ذلك ، طرقت التعليم ، أو عرفت سكة السفر إلى بلاد الخليج العربي وأوروبا وعادت، لم تحاول أن ترمم حائطاً مشقوقاً ، أو تدفن حفرة يمكن أن تبتلع أحداً، أو حتى لتمد يد المساعدة لطريق معوج ، ليستقيم . عادت لتعيش الحياة كما عرفتها ، ونشأت عليها . فتح باب بيته فأحدث ذلك الصرير المزعج الذي كان أيضاً جزءا من ثقافة أبواب البيوت في الحي .. لا باب ينفتح بلا صرير ، والباب الذي ينفتح هادئاً وسلساً ، لا يحترمه أحد. ولا يطرق حتى في مناسبات الأعياد التي تعد مواسماً تطرق فيها الأبواب كلها.كانت تلك ساعته اليومية في تدريب ذهنه على عدم الخرف ليصل إلى سن المائة بلا مشاكل ،لتدريب رئتيه على عدم السعال أو الانهزام أمام الأنفلونزا، ومثانته على عدم حبس التبول الذي لن ينجو منه إذا ماترك المثانة بلا تدريب ، ألغى كل ذلك وخرج مرة أخرى من البيت..سيذهب إلى حكيم المايكرفون ويخبره بذلك الخبر الغريب .

كانت السادسة صباحاً في الواقع ، ساعة غريبة .. تلك التي اختارها حكيم النبوي ، لتكون وقتاً لاجتماعات مكثفة ستجرى في بيته باستمرار، بعد أن انتهك جرجار قيلولته المقدسة ،وأخبره بخبر الفرنسية القادمة للسكنى في حي ( غائب ) .إنها الساعة التي حدثت فيها ثورات عظيمة، وانقلابات عسكرية طائشة أيضاً.الساعة التي تصفو فيها الأذهان حتى من جريرة التذكر ..الساعة التي يشاهد فيها ( موسى خاطر ) ، الذي كان يعمل في إحدى الدوائر الأمنية ويتخذ الحي مادة لتقاريره اليومية،راكضاً في الأزقة والحفر ، في رياضة عنيفة تلهيه عن قراءة النصوص المكتوبة والمسموعة ، والمرسومة على الوجوه.والساعة التي انتحر فيها الرومانسي الرقيق ( طه أيوب) ، منذ أكثر من سبع سنوات حين اكتشف فجأة إن عرق الأنثى لا يختلف أبداً عن عرق الذكر في جميع مراحل تكوينه وتصببه على الأجساد .في ذهن النبوي خطط وليدة قد تنمو إلى خطط كبيرة ، وقد تموت لتأتي غيرها ، وفي ذهنه الآن خمسة أشخاص انتقاهم بعناية ليقاسمهم تلك الخطط .هو باعتباره الرئيس غير الرسمي للحي ، لأن الأحياء كانت بلا رؤساء رسميين،باعتباره الوحيد القادر على نظم قصائد الشعر ذات المدح والهجاء ، والأهم من ذلك تاريخه الطويل في الثرثرة حين كان طفلاً ثرثاراً ، ومراهقاً يكتب رسائل الحب الثرثارة ، ومعلماً لمادة التاريخ ذات الثرثرة في المدارس الابتدائية .علي جرجار باعتباره ناقل الخبر ، وباعتباره مواطناً نشطاً في كل مرحلة من مراحل تأرجح الحي،وحلقة للوصل يمكنها أن تضفر خيوطاً عديدة قد تترنح في وسطها سيرة الفرنسية قبل أن تحط بسلام في حي ( غائب ) .( منعم شمعة ) تاجر الشنطة المسافر دائماً أو العائد من سفر ، باعتباره واحداً من وجهاء الحي ، وإن محله التجاري قد يضم عطراً سلساً أو تمثالاً من البرونز يمكن أن يقدم هدية للضيفة في احتفال قد يقيمه الحي يوما ما . (حليمة المرضعة ) قارئة الكف والمصائر، ما أهم تلك الحليمة ، وما أهم قراءتها المستقبلية لكفوف أهل الحي في وجود كل تلك الغوامض ..تعيس الذي كان اسمه شاكر ، واكتسب ذلك الاسم لأنه الوحيد الذي لم يذق ماء ( زمزم ) ، حين أرسله إلى الحي أحد المحسنين واصطف الناس طوابير شرهة ومجنونة لتذوقه أو الاغتسال به ..كان تعيس بالنسبة للنبوي ذا فائدة عظيمة، بالرغم من أنه لم يستطع تحديد تلك الفائدة إلى الآن ، وأخيراً ( أيمن داؤود ) طالب الثانوي الذي قطع شوطاً كبيراً في دروب التكنولوجيا ، وعن طريق شبكة ( الإنترنت ) التي يدخلها باستمرار في مقهى ( كريزي كافيه ) في السوق الكبير ، يمكنه أن يقدم الكثير في ذلك الشأن ..قد يقترح البعض اسم سلافة الجميلة جداً ، لأنها جميلة جداً ، لكن لا محل لجمالها هنا.. قد يصرخ البعض أين ( فرفور ) المغني ، صاحب أوبريت ( العمامة ) ، الذي يعمل على تلحينه منذ أكثر من أربعين عاماً ولم يكتمل حتى الآن ؟ ، قد يحاول جرجار إضافة واحدة من حبيباته الهامشيات ليراقب نظراتها وابتساماتها أثناء الاجتماعات ، قد يصرخ أحدهم مطالباً بإشراك رجل دين ذي علم بالحلال والحرام والأمور المشتبهات ليدلي بفتواه إذا اقتضى الأمر ، وقد يلغي موسى خاطر الأمني رياضته العنيفة ذات صباح ، يخترق الاجتماعات ، وربما يترأسها بلا استئذان.. لكن النبوي لن يلتفت إلى شيء .. ولن يضيف أو يحذف اسماً . كانت لجنة الستة التي كونها ، ومررها ببرود من طرف لسانه لعلي جرجار ، في رأيه ، هي أفضل لجنة تكون لمناقشة أمر ما منذ استقلال البلاد .

التفت إلى علي جرجار ، وفي صوت فخم يكاد يكون الشيء الوحيد المتبقي من فخامته القديمة بعد أن أقعده مرض الروماتيزم ، قال:

• لقاؤنا غداً في السادسة صباحاً لمناقشة هذا الموضوع ، ووضع خطط بشأنه ..لا تنس أن تحضر شاياً وزنجبيلاً .. وبعض البن .لا يوجد اجتماع بلا صداع .والآن دعني أكمل قيلولتي.

ثم نادى أحد ولديه ، زوده بأسماء الأربعة المطلوبين لاجتماع الغد باعتباره هو وعلي جرجار حاضرين ، أمره أن يطوف عليهم واحدا واحداً، وأن لا ينس أن يغرس في كل حفرة تطأها قدماه ، خبر الفرنسية القادمة إلى حي غائب المكتظ بآذان شرهة لامتصاص الأخبار .

خرج ( علي جرجار ) من عند النبوي متجهماً ، لم يكن واثقاً من نزاهة النبوي حين تلقف الخبر ، وحين كون لجنة غريبة لمتابعة تداعياته ، وحين لم يكرمه حتى بكوب من الماء ، وبالرغم من أنه جاء راكضا لإخباره كما تعود في كل مرة يصطاد فيها خبراً أثناء تجواله في المدينة، إلا أنه أحس هذه المرة بشيء من عدم الارتياح ، اتجه إلى بيته مجدداً ، فتح الباب ذا الصرير ، واستلقى على كنبة قديمة كانت جزءاً مهما من إرث البيت..أرخى مثانته وقبضها عشرين مرة ، استنشق ثمانين نفساً عميقاً وأخرجها من دون أن يسعل ، عاد بذاكرته أربعين عاماً إلى الوراء ، تذكر ثوباً أحمر اللون ممزقاً في وسطه ، كانت ترتديه امرأة ، وطقماً للشاي من الخزف كان راكداً في رف ما ، وزجاجة من عطر ( الريفدور)،سقطت على الأرض وانكسرت ..وزهرة من زهور ( زنبق الصحارى)، نبتت بقامة طفل ثم يبست .. تذكر أمه حين كانت تبكي بمناسبة وبلا مناسبة ، وأباه حين كان يعشق نوم القيلولة حتى مات في إحدى القيلولات ، وجارة اسمها سعيدة لم تكن أبداً سعيدة .أحس بمثانته قوية جداً ، ورئتيه سلستين في التنفس،وذهنه قد صفي وعاد شاباً، نهض واقفاً ، خرج مرة أخرى إلى الطريق وخبر ( كاتيا ) القادمة من بعيد، لا يفارق تفكيره ، ولا يدري لماذا لا يفارق تفكيره .
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 15th December 2010, 02:48 PM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية


الطيب صالح غيمة الإبداع الإنساني .. بقلم: د. أمير تاج السر

أذكر ذلك اليوم من شهر أغسطس عام 2008، وكنت برفقة الشاعر كمال الجزولي في منزله بالخرطوم بحري، نتابع حوارا أخيرا، أجراه تلفزيون السودان، مع الطيب في منزله بلندن، وسماه ساعة سياسة مع الطيب. في ذلك الحوار غير المألوف، بدا الطيب منهكا، يشكو من دوار في الرأس، كما ذكر، لكنه تحدث بثبات كعادته، أجاب عن كل الأسئلة التي طرحت، خاصة فيما يتعلق بالهوية، ورأيه في الحكم ومعارضيه، وترك مادة خصبة للذين سيؤيدونه، أو يهاجمونه فيما بعد، وحين سئل عن مسألة الكتابة، وخصومته مع الإبداع التي استمرت زمنا طويلا، وأثارت استغراب من آمنوا بموهبته، وتوقعوا استمرارية عطائه، لم يقل جملته المعهودة، أنه مجرد مزارع بسيط، جاء إلى الكتابة مصادفة، وقال ما عنده، واكتفى، بل قال إن في ذهنه نصا جديدا، وسيكتبه حتما، إذا مد الله في عمره. كان الطيب منهكا حقا، وبدا لي يتحدث بحلق الموت الذي كان يرفرف حوله في تلك الأيام، ويعرف هو عن يقين، أنه راحل، ولا توجد فرصة لمصالحة الكتابة الروائية بعد تلك السنوات الطويلة من هجرها، وكانت المفاجأة أن لا أحد قد استن لسانه أو قلمه ليهاجم الطيب، والذي تعرضوا لذلك الحوار، وما جاء فيه، كتبوا على استحياء، كانوا يحبون الطيب بلا شك، ويحترمون آراءه مهما اقتربت أو ابتعدت، وكانت تلك واحدة من ميزات الطيب الكثيرة المتشعبة، شجرة وارفة تهب الظلال في كل وقت، ولكل مستظل، ونخلة عالية في وسط ذلك النخيل المغروس في ود حامد، تلك القرية الرمز التي حمل مجتمعها على ظهر موهبته، وسما بشخوصها إلى آفاق بعيدة.
ويعرف الجميع أنه لم يأت إلى الشهرة مسنودا من أحد، فقط تلك الموهبة الكبيرة، وتلك الثقافة الواسعة، وذلك الصفاء الذهني الذي ما فارقه حتى آخر حياته. ولم يكن غريبا ان يصبح خالا لكل أهل السودان، بمختلف أفكارهم وتوجهاتهم، بمن فيهم حكام الخرطوم أنفسهم، ولا أقول ذلك مجازا، وقد التقيت بعدد كبير من السودانيين، يقسمون أمامي بأنه خالهم، من دون أن يدروا بأنني ابن أخته، وما كان للطيب سوى أخت واحدة، وأخ واحد. اما بالنسبة للكتابة الأبداعية التي تركها الطيب مشتاقة إلى قلمه الوهاج، فليس الأمر في رأيي مسألة مزارع قال ما عنده واكتفى، وتوجد موسم الهجرة إلى الشمال التي حيرت القراء والنقاد معا، وما زالت تحيرهم منذ صدورها، إلى الآن، ويوجد عرس الزين، أشهر الأعراس المكتوبة روائيا، وتوجد ضو البيت، النص السحري الذي أسرني بشدة، تلك الدلائل التي لا تشير إلى ذهن بسيط بأي حال من الأحوال، ولكن إلى موهبة نادرة، ولكنه الذكاء الغريب، حين تقدم أعمالا مكتملة من كل النواحي، وتعتزل، نفس ذكاء لاعب كرة القدم الماهر الذي يعتزل في قمة المجد، ويترك اسمه خالدا إلى الأبد.
أول مرة التقيت بالطيب، كان في عام 1972،العام الذي مات فيه والده محمد صالح، وعمه إمام صالح، وآخرون من أهل قرية كرمكول أو ود حامد كما سماها في كتاباته، سقطوا بأمراض بسيطة، لكن لم تكن القرية بمستشفاها الريفي المتواضع الذي يحوي طبيباً واحداً، ومساعدي تمريض وأدوية بسيطة للغاية، تستطيع السيطرة على تلك الأمراض الموسمية .. سافرنا من مدينة بورسودان الساحلية حيث نقيم، إلى تلك القرية، لنتلقى العزاء في فقد الجد الذي كان أيضاً علامة من علامات القرية، ورجلاً محباً للعلم والتعليم، وجاهد جهاداً مستميتاً حتى تعلم الطيب وتعلم أخوه بشير، وأبي الذي هو ابن أخته، وكثير من أبناء القرية حين كان ينتزع لهم مقاعداً في فصول المدارس التي كانت محدودة بشدة في تلك الأيام ولا تتوفر إلا في المدن الكبيرة. كان الجميع مشغولين بالفقد، وكنت تلميذاً ابتدائياً، لا أعرف شيئا عن الفقد،ولا أحس بمرارته التي كانت بادية على الجميع، ولكن أعرف الشهرة وأن لي خال يملكها وساراه لأول مرة وقد هاجر إلى بعيد حتى قبل أن تتزوج أخته، وصنع ذلك المجد الذي لم يصنعه أحد. كنت أرسم الطيب في خيالي، أرسمه نجماً من أولئك الذين كنت أشاهدهم في سينما الخواجة المجاورة لبيتنا في مدينة بورسودان، هو بلا شك يشبههم، أحاور والدي المشغول في العزاء ووالدتي التي تبكي أباها، أسألهم عن الطيب ولايرسمون ملامح محددة ولكن بعض ملامح لا تشبع فضولي. وحين توقفت عربة من تلك التي تنقل الناس والبضائع بين القرى والعاصمة في سكة الوحل ولا توجد مواصلات غيرها في ذلك الزمان، أسرعت برفقة الجميع لاستكشافها، وفوجئت حين هبط المسافر الوحيد، وأسرع الجميع لتعزيته أو البكاء معه، لم يكن ذلك الذي رسمته نجماً بالبدلة ورباط العنق والبريق الذي يشع ويغمر، ولكن مواطناً عادياً، قروياً بسيطاً يشبه الذين أحاطوا به في كل شيء،يرتدي الجلباب والعمامة،وحذاء بنيا من الجلد، ويتلقى العزاء من أناس كان يعرفهم تماماً، يسألهم عن حياتهم وأخبارهم، واستغربت بشدة.. كيف يكون النجم قروياً بهذه البساطة، وكيف يأتي حامل الشهرة هكذا على عربة يقودها ( ختوم حسن)،الذي كان واحداً من سائقي السفر المعتمدين في خيالات الفقراء، يبهر القرويين بشدة حين يقهر تلّاً رملياً أو يخرج من طين ووحل، لكنه لا يبهر أبناء المدن بأي حال من الأحوال.. هكذا هو الطيب..الذي أزعم أنه صادق السائق في رحلة السفر تلك، وأزعم أن السائق قد اعتمده خالاً.. وأصبح يزهو به كما يزهو الآخرون
قدمني والدي للطيب حين سنحت فرصة التقديم، قال له .. إنه ولدي الكبير الذي يقرأ كثيرا ً، ويحاول كتابة الشعر ويفاخر بك بين زملائه في المدرسة، وأكرمني الطيب بشدة، وقَّع لي على كراستين مدرسيتين، إهداء مجاملاَ .. كتب فيه .. إلى أمير تاج السر .. ابن أختي علوية .. مع الأمنيات بالتوفيق، من خالك الطيب .. وقع بقلم الحبر الرخيص الذي قدمته له أو لعله قلم رصاص، لا أذكر بالتحديد، وأحسست إنني قد حصلت على كنز، وقد كان بالفعل كنزاً معنويا، ظللت أحتفظ به لسنوات طويلة، أحمله إلى المدرسة لأريه لزملائي التلاميذ الذين يطالعونه بحسد، وأيضا للمدرسين الذين كانوا يغتاظون بشدة ويغتاظون،ثم ليتفتت الورق، ويضيع الكنز، لكن لا يضيع عربون المحبة الذي قدم لي في تلك السنة .. وطوال وجود الطيب في العزاء الذي كان ثلاثة ايام، كنت لصيقاً به .. أستمع إلى صوته المميز وأتمنى لو امتلكته، أسمعه يحاور شخوصه القرويين، يعد بعضهم بكتابته في رواية جديدة،ويجامل آخرين، مؤكداً لهم بأنهم هم فعلا من ظهروا في رواياته، وكانوا في الغالب أميين لا يعرفون حتى معنى الرواية، وربما أقنعهم بعض المتعلمين ممن قرأوا روايات الطيب بأنهم كانوا شحوصا فيها.
كان من أهم ما لاحظته على الطيب في تلك الفترة، هو موهبة الإنصات.. الإنصات الواعي والصابر لأناس يتعذب الصبر من الإنصات إليهم .. تجتمع المجالس وتنفض وهم يثرثرون،تجتمع وتنفض مرة أخرى، وما زالوا يثرثرون، والطيب ينصت. كان يعتبرهم كما أخبرني بعد ذلك، رواة شفاهيين كان يمكن أن يبدعوا لو نالوا قسطاً قليلاً من التعليم،وقد كان أحد أعمامه واسمه حمزة، يملك موهبة رص الكلام في جمل ممتلئة بالحكم،وكانت في أغلبها جملاً هجائية أو تصف حالة من حالات عدم رضائه، كان الطيب ينصت إلى عمه ولا يمل .. يقول إنه كان يمكن ان يصبح شاعراً هجاء، تماماً كالفرزدق لو تعلم .. أيضاً كان يوجد اسماعيل، حكاء المغامرات الغريبة في صحارى لم يزرها، وبحار لم يصارع موجها، والدافئ في أحضان نساء لم يعرف دفئهن أبداً، الرجل الذي التقى بالممثل عبد الوارث عسر وصادقه، ولم يزر مصر أبداً في حياته، ولا زار عبد الوارث قرية كرمكول بالطبع .. كان اسماعيل في عرف الناس، حكاء كاذباً يفرون من مجالسه، وفي عرف الطيب روائياً فذاً تنقصه حروف الكتابة والقراءة، وقد أتيحت لي فرصة أن استمع إلى حكايات إسماعيل بعد أن عرفت طريق الكتابة، وقبل أن يرحل، وغصت في عالمه الفنتازي، وعرفت لماذا كان الطيب ينصت إليه بكل ذلك الاهتمام .
في إحدى السنوات زارنا الطيب في بورسودان، نزل في بيتنا المتواضع، وتقاطرت عليه الناس، بعضهم يعرفه وبعضهم ينساق خلف شهرته ويود معرفته، وأذكر إنني قدمت إليه صحفياً مغموراً أراد أن يجري معه حديثاً لإحدى المجلات الأسبوعية، وكان مراسلا لها في بورتسودان، قدمت له الرجل على استحياء وتوقعت أن يرفضه، وقد غضب والدي لكن الطيب لم يغضب، وجدته يجلس إلى الرجل الذي لم يكن قد قرأه ابداً ولايعرف عنه سوى ما يكتبه الآخرون عن أدبه وفنه، ولا كان يفهم حتى ذلك الذي يكتب .. سأله أسئلة سطحية جداً، وأجاب الطيب عنها بعمق غطى على سطحيتها، وحين نشر ذلك الحوار، أصبح الصحفي علماً من أعلام المدينة، يحمل مجلته في كل مكان .. يزهو بما حوته، ويضيف صداقة حميمة جمعته بالطيب، لم تكن في الواقع موجودة، لكنه استخلصها من حفاوة الراحل العظيم.. كان يقول لي .. إنني قضيت يومين كاملين أطارد أحد المغنيين الذين لا يملكون ربع ما يملكه الطيب، ليمنحني كلمة ولم يمنحني، وظننت إنني سأطرد من بيتكم .. أهنئكم على هذا الرجل العظيم .وفي تلك الأيام أيضاً، كانت موهبة الإنصات عند الطيب عظيمة، ذلك حين التصق به أحد الحزبيين المعروفين بكثرة الكلام،ولم يكن يترك فرصة لأحد، لكن الطيب لا يقاطعه .. ينصت وينصت حتى يتعب حلق الكلام عند ذلك الحزبي الغريب.
ماذا كان يدور بين الطيب وأخويه، وليس لديه من الإخوة سوى علوية وبشير؟
كان بشير في الواقع صديقاً حميماً للطيب، القاضي الرسمي الذي انتهج الصراحة مسلكاً طوال حياته،هو أيضاً مثقف كبير، وقارئ واع للآداب والعلوم، وشاعراً أحياناً حين يصفو مزاجه، وبهذه الخاصية لم يكن أخاً فقط للطيب،ولكن صديقاً ومحاوراً، وحين يلتم شمل أولئك الإخوة، لا تبدو الأخت علوية التي لم تتعلم، بعيدة عن الطقس أو دخيلة عليه، لأن الحوار كان قريباً منها والطيب بثقافة الريف هو أخوها القديم نفسه، أخوها الذي يحتفي بالأساطير وحكايات الجن المبذورة في تراث القرويين، حكاية الشيخ( ود دوليب وأولاده الستة) المدفونين في كرمكول، صلاحهم وتقواهم وغبار أضرحتهم الذي يعتبر بركة يتبرك بها الناس .. هنا تواضع الطيب وإخلاصه للقرابة والقرية، وتفرد ذلك الكبير الذي لا يشبه أي تفرد آخر .
معرفتي الحقة بالطيب، جاءت هنا في دوحة قطر، وقطر عند الطيب بلدا يفخر بأنه عاش فيه زمنا ليس بالقليل، صادق أهله وأحبهم، وأحبوه، وكان يقول دائما، أن وجوده في قطر قد أتاح له فرصة أن ينعم بالسكينة، وأن يسافر، ويشاهد العالم. كنت قد قدمت للعمل، وكان الطيب موجودا في مهمة من اليونسكو، استمرت بضعة أشهر، كنت خلالها لصيقا به، نقضي أمسياتنا معا،نتحدث في الأدب، وشجون الكتابة، ولطالما شجعني على معاودة الكتابة، ولم أكن كتبت في ذلك الحين سوى رواية واحدة، فيها الكثير من عالم القرية الذي رسمه، وبرغم ذلك لم يقل لي أن فيها عالمه. كنت أعمل مؤقتا في مستشفى حمد العام، ولطالما جررت إليه زملائي الأطباء بلا موعد، ودائما ما كان يحتفي بهم، ويخرجون من عنده وهم يحملون إحساسي نفسه، إحساس أبناء أخت في جلسة عائلية جمعتهم بخالهم. وحين انتهت مهمته وسافر إلى بلاده البعيدة، كان ثمة فراغ كبير، سعيت إلى ملئه بالكتابة، وأمامي نموذجه الذي لا يغيب عن ذهني أبدا، وكان من حسن الحظ أن حبه لقطر، كان يأتي به، ونستعيد تلك الجلسات المبهجة.
الآن وبعد رحيله، أفتقد الطيب بلا شك، وهذا رجل لا يمكن لأحد عرفه أو اقترب منه، إلا أن يحس بالفقد، لم يكن مجرد كاتب روائي من أولئك الكثيرين، ولكن ظلا كبيرا،وممتدا في أي وقت.
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 15th December 2010, 03:16 PM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

هيا نخلط أوراق البوكر ثم نسحب من جديد
بقلم: علي مغازي/الجزائر

السودانيون مبتهجون بوصول رواية «صائد اليرقات» لـ «أمير تاج السر»، إلى مرحلة الحسم في سباق جائزة البوكر العربية، بدورتها الرابعة. وهم يعتبرون هذه النتيجة جيدة بغض النظر عمن سيفوز في النهاية بالجائزة.

المصريون يتأسفون بشدة لإقصاء «خيري شلبي» من القائمة القصيرة لكن أملهم كبير في «خالد البري» صاحب رواية «رقصة شرقية». وأملهم أكبر في «ميرال الطحاوي» لكون حظوظ الكتابة النسائية في طبعة هذا العام ستكون جيدة، ثم أن روايتها «بروكلين هايتس» تتناول موضوع التطرف الديني، وهذا أمر يحسب لها.
المغاربة شبه واثقين في «القوس والفراشة» لمحمد الأشعري و«معذبتي» لـ «بنسالم حميش»، ذلك أنهما كاتبان مرموقان، وهما مناسبان جدا لترضية المغرب العربي بإعطاء الجائزة لأحدهما بعد خروج الكاتب العالمي «واسيني الأعرج». وقد كان المرشح الأقوى بين الجميع. لقد أعطى للسباق نفسا حارا.

السعوديون يرون في «طوق الحمام» لرجاء عالم، العمل الأكثر تميزا. فهم لا يعتبرون القائمة القصيرة مكونة من ستة كتّاب بل من 5+1. أقصد واحدة، رغم ذلك فحظوظ رجاء عالم ضعيفة جدا، إذ سبقها مواطنها «عبده خال»، وهو سعودي، إلى الفوز بالجائزة عن روايته «ترمي بشرر»، في دورتها الماضية لألفين وعشرة. وقد يبدو من غير اللائق، حسب رأي بعضهم، المغامرة باسمها حتى وإن كانت تستحق ذلك. إنها أمور تتعلق بالتكتلات والتوازنات والحسابات الجغرافية وضغوط أخرى تقع على رؤوس جماعة لجنة التحكيم، أعانها الله.
الحق أن المعادلة صعبة جدا، إذ لدينا في السباق مغربيان ومصريان وامرأتان.. مع الإشارة للعامل المشترك (ميرال امرأة بالإضافة إلى كونها مصرية)..

أولا، نفترض استبعاد «رجاء» للأسباب الواردة أعلاه.. ليس أعلاه جدا.. جدا.. وتكون «ميرال الطحاوي» في دائرة الحظ السعيد. إنها ليست امرأة فحسب بل هي امرأة ومصرية أيضا. ويكون هذا على حساب مواطنها خالد البري.
ثانيا، نحتفظ لأسباب إقليمية بمغربي بين اثنين دون تمييز، مع ملاحظة أن كلا منهما يشبه الآخر... وهكذا نكون قد استبعدنا المصري «خالد البري»، فتكون «ميرال» بمواجهة أحد المغربيين. ويُرجح أن يكون «بنسالم حميش» باعتباره وزيرا للثقافة فيما مواطنه قد ترك الوزارة ليكتفي بمهام رئيس اتحاد الكتاب لاحقا.. وهنا تكون المشكلة حقيقية أمام لجنة التحكيم؛ إما كوطة المغرب العربي للروائي الوزير أو كوطة (قبيلة) للروائية المهتمة بقضايا المهاجرين..
الخبر السعيد جدا وغير السعيد قليلا لـ «ميرال»، أنها في هذه اللحظة، بينما أنا بصدد تحرير
هذا المقال، تكون قد دخلت قاعة «إيورت» بالجامعة الأمريكية في القاهرة لاستلام جائزة «نجيب محفوظ»، وهذا خبر جيد لكن من المتوقع أن يشتت انتباهها وتركيزها في السباق فيستغل الفرصة منافسها «بنسالم حميش» ليدخل برأسه في آخر لحظة مع خط الوصول..

مهلا.. مهلا.. لا تصفقوا كثيرا لصاحب «معذبتي».. إن «صائد اليرقات» يتقدم.. يتقدم بقوة، وقد يكون حظه في صيد «البوكر» كبيرا، ولديه في لجنة التحكيم من يميل إلى اختياره.
أنا رأيت أحدهم، فيما يرى النائم، وسمعته يقول: "لا تستبعدوا أمير تاج السر وتتركوا المنافسة بين الخمسة الباقين، بل استبعدوا الجميع واحتفظوا بـتاج السر، ففي اختياره كل السر. إن حصوله على الجائزة يريحنا من كل المعادلات؛ لا مغرب عربي ولا امرأة ولا وجع رأس...".. ما رأيكم في رجاحة العقل هذه؟.
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 15th December 2010, 04:21 PM
الصورة الرمزية عبدالرحيم العمده
عبدالرحيم العمده عبدالرحيم العمده غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: 17-Sep-2009
المشاركات: 1,094
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

ابداع يا أبوبكر ونحتاج لزمان غير زماننا للاستمتاع بهذه الدرر ، وسنسترق الزمن للغوص في اعماق هذا الجمال . لكل كل الحب حتى تستغيث!!!!!!!!!!!!!!!!!!
__________________
قد أختلف معك في الرأي ولكنني على استعداد أن أدفع حياتي ثمناً غالياً في الدفاع عن حقك في الرأي
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 19th December 2010, 04:28 PM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
:mangool: رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

[SIZE="4"][COLOR="Blue"]
أمير تاج السر و«صائد اليرقات»
صبرى حافظ

لاشك في أن الأدب السوداني مظلوم في الساحة الأدبية والثقافية العربية، ولايحظى بما يستحقه من متابعة واهتمام وتحليل. فقد استنامت تلك الساحة لعقود لدعة أن الاعتراف بقيمة الطيب صالح الكبيرة يغنيها عن التعرف على أي انتاج آخر لهذا البلد العربي الكبير. وكأن الاهتمام بهذا الكاتب الكبير والتركيز عليه يبرئ إبراء ذمتها من السودان على حساب غيره من كتاب السودان ومبدعيه. لكن الحركة الثقافية العربية اكتشفت الطيب صالح في الستينيات من القرن الماضي، وقد جرت في نصف القرن الذي مر منذ ذلك التاريخ مياه كثيرة تحت الجسر لم يسع أحد لسبر أغوارها. لذلك سعدت كثيرا باختيار رواية (صائد اليرقات) للكاتب السوداني المرموق أمير تاج السر ضمن القائمة الطويلة لجائزة بوكر العربية هذا العام، برغم تحفظاتي الكثيرة والمعروفة على تلك الجائزة. فهذه هي المرة الأولى التي تختار فيها الجائزة رواية سودانية، بالرغم من صدور الكثير من الروايات السودانية المدهشة في الأعوام الأخيرة. أذكر منها على سبيل المثال (سن الغزال) لصلاح حسن أحمد، وهي رواية مدهشة وكبيرة بأي معيار من المعايير، كانت جديرة، لو كانت تلك الجائزة في أيد أمينة ونزيهة بالفوز بها، أو بغيرها من الجوائز الكبرى قبل عامين. وهناك أيضا رواية (أحوال المحارب القديم) للحسن بكري، و(توترات القبطي) التي صدرت في العام الماضي لأمير تاج السر نفسه والتي سأشير إليها بعد قليل. لكن تلك قضية أخرى كما يقولون.

(1) مسيرة طويلة وثرية:

و(صائد اليرقات) هي الرواية العاشرة لأمير تاج السر، وحينما أقول الرواية العاشرة، فإن من الواضح أننا نتحدث عن مسيرة أدبية طويلة وجادة بدأت منذ أكثر من عشرين عاما حينما أصدر روايته الأولى (كرمكول) عام 1988 وتواصلت حتى اليوم، بهذه الرواية العاشرة. وكان أمير قد نشر قبلها روايتين أتيح لي أن أقرأهما مؤخرا هما (توترات القبطي) 2009 و(العطر الفرنسي) 2010. خاصة وأنني أعجبت بنصوصه منذ قرأت أول رواية وقعت في يدي له، وهي (سماء بلون الياقوت) وكتبت عنها قبل أكثر من عشر سنوات. والروايتان الأخيرتان، السابقتان على (صائد اليرقات) روايتان مهمتان بكل المعايير، لا من حيث الموضوع الذي تتناوله كل منهما فحسب، ولكل رواية عالمها ومناخاتها المتفردة، ولكن أيضا من حيث نجاح الكاتب في اكتشاف بنية سردية ملائمة لكل موضوع، ومغايرة لتلك التي انتهجها في الرواية الأخرى. والواقع أنني اعتبر روايته (توترات القبطي) من أهم الروايات العربية في السنوات الأخيرة من حيث أنها كانت تنبيها للواقع الأدبي إلى ما تموج به الساحة الإبداعية السودانية من مواهب، وأنتاج جدير بالتوقف عنده والاهتمام به، وإلى أهمية هذا الكاتب السوداني والأدب السوداني من ورائه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنها رواية تتناول موضوعا بالغ الأهمية، وهو موضوع هجمة التخلف والتأسلم الكاسحة، لم يتناوله السرد العربي بهذا العمق والاقتدار منذ رواية عبدالحكيم قاسم القصيرة الرائعة (المهدي). لذلك كان من الضروري، وهو أمر لم يحدث للأسف، أن يهتم الواقع العربي الأوسع بهذه الرواية وأن تلتفت إليها الأنظار، لأن أمير تاج السر استطاع أن يدق فيها نواقيس الخطر، وأن يحيلها إلى استعارة شفيفة للواقع العربي برمته، بل للمشهد الإنساني الأوسع الواقع في براثن الأصولية والتعصب. ومن البداية يحذرنا الكاتب من أن «هذا النص رواية وليس تاريخا .. لذا لزم التنويه». وهي بالفعل رواية وليست تاريخا، لأن أي تأريخ للحركة المهدية التي تستند إليها أحداث الرواية بشكل واهن، ما كان باستطاعته أن ينفذ إلى جوهر هذه الحركة بتلك القدرة على التأثير، وأهم من ذلك إن يحيلها إلى أمثولة للخراب الذي يؤذن به صعود مثل تلك الحركات التي يملك أصحابها، بسطوة الجهل ورهبوته، أعنة الحقيقة المطلقة، واليقين الذي لايأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه.

فنحن هنا بأزاء رواية تكتب لنا من خلال توترات هذا القبطي السوداني، «ميخائيل» الذي أصبح اسمه بعد إجباره على الدخول في دين الإسلام عنوة «سعد المبروك»، كل توترات اللحظة الحضارية المعاصرة التي يعيشها عالمنا العربي أمام زحف الخراب الحثيث على كل ما كان به من آثار تحضر ومدنية قديمة. رواية استطاعت أن تحيل مدينة «السور»، التي يبقيها الكاتب على تخوم شيقة بين الواقع والخيال، إلى أمثولة روائية لما يمكن أن تتعرض له أي مدينة عربية حينما ينفذ فيها حكم «الشرع»، كما تفهمه جحافل الجهلة من أتباع هذا المتقي السوداني، أو أي متق آخر، والممسوسين بلوثة الشبق إلى الحوريات المستحيلات اللواتي يوعد بهن الشهداء، بعدما انسدت في وجوههم كل سبل التحقق في حياة كريمة في هذا الزمن الردئ. وتؤسس الرواية عبر ما جرى لها ما دعوته في مقال كتبته عنها بجنيولوجيا الخراب، التي تكشف لنا عن أن ما قرأناه في الذاكرة القريبة عن ممارسات جبهة الإنقاذ الإسلامي في الجزائر، أو حكومة «طالبان» في أفغانستان، له تاريخ طويل يمتد حتى الحركة المهدية في السودان والحركة الوهابية في الجزيرة العربية. وأن غياب الذاكرة التاريخية في عالمنا العربي هو الذي يتيح لمثل تلك الحركات ان تكرر أهوالها، دون أن يتعلم أحد من دروسها السابقة، ودون أن نتقدم خطوة إلى الأيام.

أن الرواية ـ باعتبارها جنسا أدبيا ديموقراطيا وعلمانيا بالطبيعة ـ هي وحدها القادرة على القيام بإرهاف الذاكرة التاريخية المطموسة، وطرح أهوال الماضي على مرايا الحاضر كي نتعلم منها، ونستوعب دروسها. ورواية (توترات القبطي) واحدة من تلك الروايات الجميلة التي تبتعث الذاكرة التاريخية القريبة، وتجسد بقوة التخييل الروائي والسرد الشيق عالما كاملا من الخراب، يحكمة «نص أباخيت» الرهيب بأميته وأصوليته وعنفه، له آليات تكريس سطوته الداخلية، وبنية اعتماد شخصياته في وجودهم نفسه، ناهيك عن تحققهم، على تكريس تلك الآليات وديمومتها الجائرة. وهي آليات لاتخلو من رياء وفساد، كغيرها من آليات التسلط والحكم، ولكن ما يميزها ـ كما كشفت لنا هذه الرواية الجميلة وهي تكتب لنا دراما الخراب وتدخلنا في قلب جدلياته الأساسية ـ هو غياب العقل، واحتقار الإنسان، والزراية بكل القيم الإنسانية، بما في ذلك أهم القيم الإسلامية ذاتها، من تسامح واستنارة وعقلانية.

وإذا كانت (توترات القبطي) قد كتبت مآسي امتلاك الحقيقة المطلقة وسيطرة الأصولية وآثارها التدميرية على الأنسان والواقع، فإن روايته التالية (العطر الفرنسي) تكتب لنا غواية الغرب المدوخة وتأثيراتها المرضية على واقع عربي يعاني من الفقر والقهر والأفق المسدود. وهي معاناة تدفع شخوصه إلى التشبث بأي سراب يلوح له. حيث تقدم لنا من خلال بطلها علي جرجار، ابن العقدين الأخيرين اللذين انسد فيهما الأفق كلية أمام السواد الأعظم من الشباب، تشبث الإنسان العربي بأي أمل في الخلاص من واقعه الكريه، حتى ولو كان هذا الأمل محض سراب بلقع لايشي بأي شيء. وتكشف لنا عن آليات سيره منوما إلى حتفه وهو يسعى بهذا السير إلى الخلاص من آليات الأفق المسدود الخانقة. وتكشف لنا آليات هذا السحر الغامض الذي يمتلكه الغرب وقدرته المدوّخة على استلاب البطل وتدميره من الداخل بشكل تدريجي يدفع به إلى الجنون.

(2) صائد اليرقات وعتباتها:

وها هي روايته الجديدة تنبهنا إلى خطر آخر من الأخطار المحدقة بعالمنا العربي، ولكن بشكل أكثر مراوغة ومكرا. فبالإضافة إلى خطر امتلاك الحقيقة المطلقة وما جره على الواقع من خراب في (توترات القبطي)؛ أو وهم الاستحواذ على الغرب والوقوع في سحر غوايته في (العطر الفرنسي)؛ ها هي الرواية الجديدة تنبهنا هذه المرة إلى خطر آخر من الأخطار التي تحدق بعالمنا العربي، وتساهم في تدهوره وترديه، ألا وهو الخطر الأمني الذي أصبح أداة المؤسسة العربية التي تفتقد للمصداقية والشرعية معا إلى إحكام قبضتها على الواقع، والإجهاز على عقله النقدي والإبداعي على السواء. فالأمن عندنا لا يهتم بحراسة البلاد أو حمايتها من مؤامرات الأعداء، بقدر ما يهتم بمراقبة عقلها الإبداعي والنقدي حتى يخرسه فتبقى البلاد جسدا مستباحا بلاعقل يحميه. لكن دعنا نتعرف أولا، وبقدر من التفصيل على ما يدور في هذه الرواية.

ولنبدأ بما يسميه إخواننا المغاربة بعتبات النص، وهو من المصطلحات الشهيرة لجيرار جينيت، أحد أهم منظري السرد الكبار. فعتبة النص الأولى هي العنوان (صائد اليرقات) وهو عنوان تناقضي يفتح الباب بداءة للتناقض كمدخل للقراءة. فالصائد عادة يصطاد الفراشات، وليس اليرقات التي لم تتشرنق بعد، ولم تخرج من شرنقاتها الفراشات. لذلك يثير العنوان القارئ بغرابته، كيف ولماذا يصيد الصائد اليرقات؟ وهي غرابة سرعان ما تتبدد حينما نعرف أن البطل رجل أمن عليه أن يقتنص الفراشات وهي يرقات لم تتشرنق بعد، وأن يجهز على الزهور قبل أن تتبرعم أو تتفتح للحياة. وأن يزرع الموت في قلب الحياة، فهذه هي مهمة الأمن في بلادنا، لكن الأمر سيزداد غرابة حينما نجد أنه، وهذا جزء من سحر هذه الرواية وتناقضيتها، قد اجهز على يرقته/ روايته قبل أن تتشرنق حقا، أو تتحول إلى فراشة. فهناك في هذه الرواية النص الظاهر والنشط والذي يقتنص القارئ لأول وهله ويستأثر باهتمامه، والنص المضمر أو المحجوب أو المراوغ الذي يطل على حياء، ويبعث لقارئه بإشارات واهنة توشك أن تكون غير ملحوظة، عليه أن يتتبعها حتى تزداد تجربة القراءة ثراءا.

وما أن نلج العتبة الثانية وهي الإهداء «إلى فيصل تاج السر، وأساطيره وعوالمه الملونة» حتى نستشعر بإن الرواية تريدنا أن نربط عوالمها الملونة بالواقع المحسوس، وأنها توحي لقارئها بأن الكاتب استقاها من عوالم واقعية لا خيال فيها. أما العتبة الثالثة، وهي المقتطف الاستهلالي: «فإن شئت أن تسأل صورتك، في ليلة دافئة، بعينين غامضتين، والسؤال على الشفتين، فلاتبحث عن ذاتك في المرآة: إنه حوار مخنوق، لاتسمع منه شيئا، بل انزل إلى الشارع في بطء، وابحث عن ذاتك، بين الآخرين؛ هنا تجد الجميع، وأنت بينهم.»(ص7)

هذا المقتطف الاستهلالي الذي لا يعزوه المؤلف لأي كاتب محدد، وإنما يمهره باسم «مقطع أسباني» يؤكد التناقض الذي طرحه العنوان. فالإنسان لايتعرف على ذاته في المرآة، كما نفعل جميعا. وهناك نظرية شهيرة لعالم النفس الفرنسي الكبير جاك لاكان، وهو أهم عالم نفسي بعد فرويد، تقول بأن بداية وعينا بذواتنا وتكوين لاشعورنا الواعي بأنفسنا، تبدأ بما يدعوه بمرحلة المرآة، حينما يرى الطفل ذاته لأول مرة في المرآة كآخر يستغربه ويحاوره ثم يتماهي معه. ولكن هذا المقتطف الاستهلالي الأسباني يطرح نظيرا للمقولة اللاكانية ونقيضا لها في آن، حينما يؤكد أن السؤال عن الذات لا جواب عنه إلا في البحث بين الآخرين. حيث يتجاوز هذا الاستهلال الأسباني تبسيطات الأنا والآخر المعروفة، ليطرح الأنا كجزء أساسي من النحن: «هناك تجد الجميع وأنت بينهم!» وهذه العتبة تردنا إلى مقتطف مماثل من روايته الثانية (سماء بلون الياقوت) «سعد الأرباب كان أبا القرية وأمها، أخاها وأختها، جدها وجدتها وأحفادها، كان عائلتها بلاشك»(سماء ص 9) حيث التصور الجمعي للفرد كجزء لا يتجزأ من الجماعة هو الأساس في العالم السوداني وفي ثقافته التحية. فتماهي الفرد في الجماعة، وتماهي الجماعة في الفرد، من التيمات السارية في عالم أمير تاج السر السردي في كثير من رواياته.

بعد العتبات الثلاث ندلف إلى ساحة الرواية التي يبدأ فصلها الأول «سأكتب رواية، نعم سأكتب رواية»، وينتهي فصلُها الأخير، الفصل العشرون، بـ«كان قد فتح المغلف الأبيض. أخرج مجموعة من الأوراق البيضاء مكتوبة بخط أسود أنيق .. واستطعت وأنا على حافة الانهيار أن ألمح على الصفحة الأولى: صائد اليرقات: رواية». وحينما نصل إلى تلك النهاية نكتشف أن تناقض العتبات كان مفتاحيا، لأن من يبدأ السرد بذلك اليقين الذي يؤكده التكرار «سأكتب رواية. نعم سأكتب رواية» ينتهي به الأمر مكتوبا لا كاتبا. لذلك لم يستطع المكتوب إلا أن أن يقرأ وهو «على حافة الانهيار» اسم الرواية الذي تكشف الآن للقارئ تناقضاته. الرواية التي فرغ القارئ بالكاد من قراءتها، فكيف كان ذلك؟

تبدأ الرواية بسرد بطلها التناقضي الذي يحسب أنه الراوي المسيطر بثقة رجل الأمن القديم على عالمه، فنكتشف أنه تحول إلى الموضوع ... موضوع السرد، وليس سارده. هذه الإشكالية التناقضية التي تسري في الرواية كلها هي التي تغنيها بالدلالات وتعدد مستويات القراءة والتأويل. حيث تبدأ الرواية بهذا الراوي المسيطر على روايته، وهو يرويها بضمير المتكلم، ويقول لنا بثقة: «أنا عبدالله خرفش، أو عبدالله فرفار». لنجد أننا بإزاء راو يحمل، على عكس الكثير من الأبطال الروائيين، اسمين لا إسما واحدا كبقية خلق الله. بل إذا أضفنا الأنا للإسمين، سنجد أنه يكرر ذاته توكيديا ثلاث مرات لا مرة واحدة: أنا عبدالله حرفش، عبدالله فرفار. وهو تكرار يكرس بطريقة الرواية التناقضية لا الإثبات وإنما المحو، عملية المحو التي توشك أن تكون هي ثيمة الرواية الأساسية والتي تتحكم جدلياتها المراوغة في مستوى من مستويات السرد المهمة، والتي توشك في عمق الرواية أن تكون هي المهمة الأساسية لجهاز الأمن العربي في كل مكان: محو هوية المواطن، والزراية بكينونته. فالرواية تنطلق أساسا من عملية محو، حينما قررت إدارة الأمن إلغاء عبدالله حرفش، وإحالته للتقاعد بعد أن فقد ساقة في عملية أمنية مضحكة. فأراد أن يقاوم هذا المحو بالإثبات. وهو إثبات تناقضي بامتياز، لأنه حينما يريد أن يثبت ذاته التي ألغتها المؤسسة الأمنية التي أمضى عمره في خدمتها، وتخلت عنه حينما أرتكب أول الأخطاء، يقرر كتابة رواية، وهو أمر يستغربه هو من نفسه قبل أن يستغربه الآخرون. فهو ليس من قراء الرواية، وكل علاقته بالثقافة هو أنه قد راقب بعض المثقفين الملاحقين من أجهزة الأمن وهم يترددون على المكتبات لشراء الكتب، أو تنصت عليهم في المقاهي التي يؤمونها للحديث في شئونهم الثقافية، وشؤون البلاد.

لكن ما جعله يستسهل هذا العمل، أو يتصور على الأقل أن بمقدوره القيام به، هو أنه قرأ في الصحف عن بائع ورد بنغالي في مدينة نيس الفرنسية كتب رواية عن امرأة أفريقية ظلت تتردد على محله عشرين عاما تشتري ورودا حمراء. وتخيل أنها تبعث تلك الورود إلى حبيب ضائع في حرب أفريقية بشعة، فنجحت الرواية وتسلقت قائمة أكثر الكتب مبيعا. كما قرأ عن «بائعة هوى تائبة في سايجون، كتبت روايتين رائعتين عن حياتها القديمة حين كانت نكرة في زقاق مظلم، والجديدة حين أنشأت مصنعا صغيرا لحلوى النعناع، والآن تترجمان إلى كل اللغات، وينبهر بهما القراء.»(ص9) إذن يستطيع عبدالله حرفش/ عبدالله فرفار بناء على تلك المقدمات الواهية كمقدمات أي رجل أمني، يدبج تقاريره الكاذبة، أن يكتب رواية. ويبدأ عبدالله حرفش رحلة البحث عن روايته كي يكتبها. ورواية (صائد اليرقات) في مستوى من مستويات المعنى فيها، هي رواية هذا البحث الذي يكتشف فيه عبدالله فرفار أنه ليس باستطاعة عبدالله حرفش أن يكتب رواية بحق. فكل ما يستطيع كتابته هو تلك التقارير الأمنية الركيكة التي أنفق حياته في كتابتها، قبل الحادث المضحك الأخير، والذي فاجأتهم فيه سيارة أمنية أخرى من جهاز أمني أعلى فانقلبت سيارتهم، فمات سائقها وأصيب زميله (ع. ب) بالشلل الرعاش، وفقد هو ساقه اليمنى حيث بترت في المستشفى العسكري بسبب الغرغرينا. وأصبح الآن يعيش بساق خشبية وحيدا، فهو لم يتزوج وكرس حياته كلها لمؤسسة أسفرت عن عقوقها له فور تعرضه لأول حادث، أو ارتكابه لأول خطأ.

(3) الرحلة وتنازع السلطات السردية:

وسط هذه الحالة الجديدة التي وجد عبدالله فرفار نفسه فيها تبدأ رحلته، ويبدأ بحثه عن كيفية كتابة روايته، فهو ليس أقل من بائع الورد البنغالي، ولا تقل خطاياه عن خطايا بائعة الهوى الفيتنامية. وقد علمنا فريدالدين العطار في (منطق الطير) أن الرحلة ذاتها هي المهمة، وليست غايتها، بالرغم من أن كل رحلة تبدو على السطح وكأنها لا تهتم إلا بغايتها. ورحلة عبدالله فرفار ليست استثناءا في هذا المجال بأي حال من الأحوال.

وتبدأ رحلته بمقهى «قصر الجميز» الذي يتردد عليه الكتاب والمثقفون. والذي تصفه الرواية لنا من منظور عبدالله، أو من منظور رجل الأمن: «اقتربت من مقهى "قصر الجميز" أقدم مقاهي العاصمة، وأكثرها ضجيجا وزحاما، وعرضا للوجوه المشبوهة في نظرنا، ونظر تقاريرنا اليومية التي كنا نكتبها بمتعة غريبة. كانت في الواقع وجوها لكتاب يحتلون مواقع لامعة في الكتابة، وآخرين يقاتلون بحثا عن مواقع تبدو لهم بعيدة المنال: شعراء متأنقون في سراويل وقمصان زاهية، وشعراء حفاة حتى من صنادل ممزقة، صحفيين يائسين، وسياسيين يدخنون ويرطنون ويتصارعون، ويرسمون للناس وطنا غير الوطن الذي نعيش فيه ونعرفه، ونحبه بكل حسناته وعيوبه. ودائما ثمة نساء يتحلقن حول الضجيج. أو يساهمن في خلقه بضحكات كثيرا ما رسمناها على تقاريرنا الأمنية باعتبارها ضحكات أفاعٍ»(ص 14). ولأننا بإزاء رواية تجعل من التناقض مدخلا لسبر أغوار الواقع، فإنها تدلف ببطلها إلى عش الزنابير هذا، دون وعي منه بأنه الطريدة هذه المرة لا الصياد. حتى وهو يبدأ رحلته بمحاولة استدعاء زيارته الأولى لهذا المقهى حينما دخله في بدء حياته المهنية مخبرا «شابا وخشنا ومدربا على استخراج خامات التآمر حتى من نسمات الهواء وأجنحة الذباب وابتسامات الشفاة حين تبتسم»(ص14).

لكنه يدخله هذه المرة بلا تدريب، وقد تبدل المقهى كما تبدل الزمن نفسه، «لم أعثر على أحد من جرسوناته القدامى أمثال عنتر والشفيع ورامبو السريع، إولئك الذين ساهموا في شهرة المقهى وجلب الزبائن فيما مضى، وعثرت على فتيات نظيفات من لاجئات إثيوبيا المحطمة»(ص15). وقد ذهب للمقهى باحثا عن الروائي (أ. ت) فلازال ملتزما بلغة الأمني القديم الذي يكتب أسماء الأشخاص بحروفها الأولى. ومن هو الروائي (أ. ت) إلا روائينا أمير تاج السر الذي يحيل نفسه إلى شخصية داخل روايته منذ الصفحات الأولى، ليكشف لنا عن أننا بإزاء نص واع بنصيته، قدر وعيه بمرجعيته. لكن (أ. ت) في الرواية شخصية روائية بقدر ما هو شخصية واقعية، حيث يدور الحديث حول روايته (على سريري ماتت إيفا) التي نالت إعجاب القراء، وها هي إحداهن من رواد المقهى تصفها بأنها رواية قد شارك الجن في كتابتها، وهي رواية لم يكتبها أمير تاج السر، وليست ضمن أي من رواياته العشر. وإن كان (أ. ت) قد كتبها بل وعرض علينا فصلين منها في الرواية التي أحالت الكاتب إلى شخصية فيها. فازدواجية (أ. ت) الواقعي و(أ. ت) المتخيل في الرواية هي نظير ازدواجية عبدالله حرفش/ عبدالله فرفار.

في هذه الزيارة الأولى نرى كل شيء في المقهى بعين رجل الأمن الذي يتوجس في كل ما يراه، وينمط كل شخص حسب التنميط الأمني له، فها هو يصف الفتاة التي أثنت على رواية (أ. ت) بأنها «كانت فتاة من ذلك النمط المصنف في تقاريرنا الأمنية: فتاة مندفعة يمكن أن تلج خلية نحل بقدميها وهي تدري أنها خلية للنحل.»(ص17) ويراقب كل ما يدور في المقهى بعين مخبر حقيقي لا تفوته أدق التفاصيل، مما جعل المشهد ينبض تحت وقع وصفه له بالحياة والتوتر والاسترابات معا. ويطرح هذا المشهد منذ البداية عملية الجدل بين «الموهومين والموهوبين» وهو جدل يسرى في كل ثنايا العمل، ويتخل كل حبكاته الثانوية، وخاصة تلك المتعلقة بعلاقة الفتاة المندفعة بـ(أ. ت) وبالرواية التي كتبتها وسمتها (لحظة حب) والتي جاءت بها إلى (أ. ت) كي يكتب لها تقديما. لكن المشهد، وبرغم روايته كله من منظور السارد تتنازعه سلطتان سرديتان هما سلطة الراوي /البطل/ عبدالله حرفش/ عبدالله فرفار، وسلطة الروائي الحقيقي والمتخيل معا (أ.ت)/ أمير تاج السر. وهذا التنازع على سلطة السرد هو أحد موضوعات الرواية الأساسية وهو تنازع الأمني والمثقف على صياغة وعي القراء ومنظورهم ورؤيتهم للعالم. ويسفر هذا التنازع عن نفسه منذ هذه الزيارة الأولى، المواجهة الأولى بين المثقف ورجل الأمن. حيث أنه ما أن يفتح عبدالله حرفش فمه، ويسأل الكاتب سؤاله الأول حتى تنقلب علاقة القوى ويسيطر الكاتب على السرد بدلا من الرواي. حيث يعيد تسميه الراوي «يافرفار – حرفش» ويستجوبه ويحيله إلى موضوع فحص الجميع له، بدلا من فحصه هو لهم. ثم سرعان ما يستخف به الكاتب ويسميه «صاحب المحاولات». وما يلبث الكاتب أن يؤكد وهو يشير إلى أن طقوس الكتابة تختلف عنده من نص لأخر، شيئا يتعلق بالكاتب أمير تاج السر، وهو ما أشرت له في مفتتح هذا المقال من تنوع البنى السردية عنده من عمل لآخر. حيث يؤكد على أن مصدر الكتابة هو رديف عمق التجربة وتغايرها(ص21). وأن كل تجربة تفرض طقوسها المختلفة في الكتابة. لكن تنازع سلطة السرد هذا سرعان ما يصل إلى ذروة دالة حينما يستطرد (أ. ت) في الكشف عن طقوس الكتابة / طقوس التجربة، ويقرر أنه كتب بعض نصوصه وهو في كامل أناقته في بهو فندق راقٍ، وبعضها الآخر بعد التشرد في الشوارع والأزقة، وبعضها الثالث في بيت أمونة البيضا التي تقيم الزار للنساء، وبعضها الرابع وهو نزيل في سجن. فيقرر «فرفار – حرفش» الهرب من الجلسة متذرعا بموعد تأخر عنه، خشية ألا يسمع عن رواية كتبها اللامع في واحد من المراحيض العمومية، فيلاحقه صوت (أ. ت) «انتظر ياصاحب المحاولات! سأحكي عن روايتي التي كتبتها في مرحاض عمومي مخصص للمجندين أثناء تأديتي الخدمة العسكرية. إنها واحدة من أفضل رواياتي» (ص 23) فهذا التخاطر الذي ينهي به النص فصله الثاني يرهف جدل التناظر والحوار بين الشخصيتين/ بين السلطتين السرديتين في النص.

وللمقال بقية ....
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 19th December 2010, 04:35 PM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

أمير تاج السر و«صائد اليرقات»
صبرى حافظ
(4) الإطار والحكاية .. تراكب الحكايات وتفاعلها:

يوازي التناظر والصراع بين السلطتين السرديتين في النص، تناظرا وصراعا آخر بين الكتابة والسلطة: فالرواية مشغولة بأمرين أساسيين: أولهما هو تفكيك عملية الكتابة بدءا من طقوسها، مرورا بالعلاقة المعقدة بين الكتابة والتجرية، فهذا النص الروائي هو أكثر نصوص أمير تاج السر وعيا بنصيته، بالرغم من انشغال عدد من نصوصه بدرجة أو أخرى بنصيتها. وثانيهما هو اللعبة الأزلية بين الصياد والطريدة/ السلطة والكاتب/ المخبر والمثقف/ الفن والواقع. فإذا ما بدأنا بالأمر الأول سنجد أنه يمكن قراءة الفصول التالية من الرواية على أنها فصول عملية تفكيك الكتابة المزدوجة على صعيدين: صعيد كتابة فرفار-حرفش لروايته، وصعيد كتابة (أ. ت) لرواية كتابة فرفار-حرفش لروايته، أي للروية التي نعرف في الفصل الأخير من الرواية، الفصل العشرين وهو فصل المواجهة بين الإثنين، واستعادة كل منهما لدوره القديم، أنها الرواية التي انتهينا للتو من قراءتها، رواية (صائد اليرقات) وهي لاتزال مخطوطة. لأننا ابتداء من الفصل الثالث، وحتى الفصل الثامن عشر نتتبع خيطين سرديين متوازيين في عملية الكتابة هما خيط بحث فرفار-حرفش عن روايته، وخيط تبلور تفاصيل الرواية التي يكتبها (أ. ت) معا. فالرواية على صعيد البنية توشك أن تكون رواية مؤطرة: تشكل الفصول 1، 2، 19، 20 إطارا يفتحه الكاتب في الفصلين الأولين ويكمله أو يغلقه في الفصلين الأخيرين. وهو الإطار الذي تكشف لنا الرواية فيه عن أسباب لجوء فرفار-حرفش للكتابة وبداية علاقته المغايرة مع الكاتب (أ. ت). بينما تشكل الفصول الستة عشر الداخلية (من الفصل 3 – 18) صلب الحكاية، حكاية الرحلة/ البحث، بحث فرفار-حرفش عن روايته ومحاولة كتابته لها، وبدايات اكتشافه الحقيقية لعالم المثقفين، أو بالإحرى إخفاقه في الكتابة، وعودته مرة أخرى إلى مهنته الأمنية القديم، وقد ترقى فيها لأسباب براجماتية محضة بسبب اقترابه من عالم الكتابة والمثقفين.

وتكشف لنا الحكاية المؤطرة عن رحلة بحث عبدالله حرفش/ عبدالله فرفار عن نفسه أولا وعن روايته ثانيا. فنتعرف على حياته الفقيرة في بيته المكون من غرفة واحدة كامدة «غرفة واحدة مطلية باللون الرصاصي، وصالة ضيقة بلالون، وحمام، وركن صغير استخدمه مطبخا»(ص24). فهو أحد المهمشمين من ضحايا السلطة التي يتفانى في خدمتها، حتى وهو في بيته، بالرغم من أن وضعه الزري بساقه الخشبية لا يستدر غير الشفقة إلى الحد الذي نفحه معه أحد المارة عشرة قروش وهو يردد: «دعواتك! دعواتك ياحاج!»(ص31). ونتعرف على بعض جيرانه من المهمشين مثله: المشجع (ع. د) وهو كبير مشجعي فريق اللبلاب لكرة القدم، ويعمل أيضا حفارا للقبور. فحال فقراء السودان هنا كحال الكثير من البلاد العربية الفقيرة التي إن لم تكن لصا كبيرا فيها، فإنك لاتستطيع مواجهة أعباء الحياة بعمل واحد، ولابد أن يكون لك أكثر من عمل. كما نتعرف على عمته (ث)، وعلى زوجها المدلك الرياضي أو الممثل المسرحي الفاشل الذي يطارد أدوارا لاتجيء. وعلى الترزي الكردفاني (خ. ر) الذي تغيرت معاملته له بعدما عرف أنه خرج من الخدمة، و(ر. م) صاحب مكتبة (أعلاف) الذي تغيرت معاملته له هو الآخر بعد خروجه من الخدمة، وإن بمراوغة أكثر من الترزي حيث يقول له «نعم لست في الخدمة أعرف، لكن دودة خدمتكم لاتموت بسهولة»(ص 35). ويستريب في طلبه رواية (أ. ت) الأخيرة (على سريري ماتت إيفا) لقراءتها، بل يصرخ فيه «ماذا لديك ضد كاتبها؟»(ص 34). وما أن يشتري فرفار الرواية ويأخذها إلى بيته حتى يبدأ في تخليق طقوسه الخاصة، ليست طقوس الكتابة هذه المرة، وإنما طقوس القراءة.

وما أن نصل إلى الفصل الخامس حتى يرتد بنا النص مرة أخرى إلى الفصل الأول، ولكنه هذه المرة الفصل الأول من رواية (على سريري ماتت إيفا). فنجد أنفسنا بإزاء رواية داخل الرواية في نوع من السرد الشهرزادي الذي تتناسل فيه الحكايات من الحكايات. لكن الواقع الفظ لا يتيح للحكايات التناسل بسلاسة، لأنه ما أن يفرغ فرفار من قراءة الفصل الأول من رواية (إيفا) بلغته الساحرة وعوالمه المغوية التي تكشف عن وعي أمير تاج السر بأهمية تعدد اللغات والخطابات داخل النص الروائي، حتى يدق عليه الباب المدلك زوج عمته (ث) بإلحاح يعيده من النص إلى الواقع، ويذكره فيه بأن موعد المسرحية التي يمثل فيها سيحين بعد ساعتين، وأنه لابد من الحضور كي يشجعه، فقد حجز له أحد مقاعد الصفوة. وعلى مقاعد الصفوة يلتقي بالكاتب اللامع (أ. ت) بالطبع وقد جلست إلى جواره الفتاة صاحبة مخطوطة (لحظة حب) تهمس في إذنه بين الفينة والآخرى كلمات. لكن أيا منهما لايعيره انتباها، وينتهي مشهد المدلك القصير في المسرحية، وقد خطط له المدلك بعناية حيث يفضي الإغماء المسرحي إلى أغماء حقيقي، نهاية تاريخية تنهي العرض في تلك الليلة، وتنتهي بالمدلك في المستشفى. بصورة يتحول معها الفصل السادس إلى فصل أول في رواية فرفار، حيث يكتشف عبر ما جرى فيه أن المدلك أصبح هو الشخصية الروائية التي سيكتبها في روايته.

وحينما يعود إلى البيت يعود لقراءة (على سريري ماتت إيفا) لنقرأ فصلا شيقا آخر في الرواية داخل الرواية. لكن الروائي المحنك لا يمضي بنا طويلا في هذا التناوب بين الروايتين، لأن السيميترية البنيوية حيلة مكشوفة لا يقع فيها كاتب موهوب حقا مثل أمير تاج السر، ولأنه يريد أن يدخل بالجدل بين الكتابة والواقع إلى أرض الواقع المترعة بالتناقضات. لذلك كان طبيعيا أن ينتهي فرفار من قراءة الرواية في ليلة واحدة. فنحن بإزاء رواية شيقة حقا من الفصلين اللذين قدمهما النص. وسوف يدخل بنا في الفصل العاشر بدلا من فصول (إيفا) فصلا من رواية (التفاحة) التي سيكتبها فرفار لأننا هنا في عالم تراكب الإطارات والنصوص وتفاعلها. ولكنه يلجأ إلى حيلة نصية أخرى، وهي أن يترك فرفار يلخص لنا رواية (إيفا)، ويقع في حيرة البطل اللامسمى، والذي منحه هو اسما أمنيا (م. م.) بين إيفا وسانثيا. ونحن نعرف أن أي تلخيص هو قراءة تكشف عن فهم من يلخصها للنص وليس عن حقيقة النص. وفي التلخيص نكتشف أن فرفار غير (أ. ت)، وأنه يفتقر للغة (أ. ت) الشعرية الشفيفة. وأن رواية (إيفا) قد اقتنصته حقا في شبكتها المغوية وأربكته بحبكتها المحكمة، لكنها لم تبح له بأسرارها، ولم تكشف له عن سر علاقة أيفا بسانثيا فيها، ولا عن جدل المطاردة بين الصياد والفريسة. المهم أنه قرأ الرواية، وذهب بعدها بحثا عن الروائي كي يناقشه فيها، ليكتشف حال وصوله للمقهى أنهم «أخذوه» وحينما يسأل عمن أخذه ترد عليه الفتاة التي لم تتذكر حتى اسمه «من يكون في رأيك؟ إثنان تافهان .. من تلك الأجهزة السخيفة»(ص69).

(5) جدل البنية السردية وتصارع النصوص:

وتوقظ هذه الجمله الأمني فيه، والذي لم ينم أبدا، «طعنتني بلاشك. حين وصفت زميلين محترمين يؤديان واجبهما بالتفاهة، وصفت أعين الوطن الساهرة للحفاظ على أمنه بالسخف»(ص69). لكنه يستخدم يقظة الأمني هذه المرة لصالح المثقف الوليد فيه، والمشوق لمناقشة الرواية مع كاتبها. ويدرك بفطنته الأمنية أن أحد التافهين اللذين وصفتهما الفتاة لابد أن يكون زميله السابق (ر. ج) فيذهب لجهازه القديم يتشفع خفيه في (أ. ت) الذي يكتشف أن أمره خرج من يد (ر. ج)، وأن ملفه أصبح هو الآخر نصا موازيا بدأت «إدارة الأمن الوطني» في كتابته داخل أروقتها بعنوان (الطائر الذبيح)، رغم أنه «لم تكن هناك أي تهمة ولا حتى اشتباه»(ص71). فيذهب للمسؤول الذي كان رئيسه السابق. والغريب أن رئيسه السابق في الجهاز الأمني يقبل شفاعته بلا نقاش، ويفرج عن (أ. ت). لأننا سنعرف فيما بعد أنه كان هو الآخر يكتب نصه الأمني الموازي الذي يحتفظ فيه لفرفار بدور سنكتشفه فيما بعد، وحينما يتحول في نظر الجهاز قرب نهاية الرواية إلى (ع. ح) أو (ع. ف). (ص137)

ويعود (أ. ت) إلى مقهاه، وإلى جماعته، ولكن بعد ان استعاد فرفار-حرفش سلطته. لذلك نجده يبتسم خفيه وهو يلاحظ أن الكاتب لايرد على الأسئلة الكثيرة التي تسأله عن مكان غيابه لأنه يعرف «أن الذي نأخذه ونعيده، يظل أسيرا لدينا حتى وهو في كامل حريته» .. و«أحس بزهو كبير أنني محرره وامتلكه في هذه اللحظة»(ص72). لكن هذه الاستعادة لن تستمر طويلا، إذ سرعان ما يستعيد الكاتب سيطرته على السرد من جديد، وهو يواجه فرفار بأسئلته المدببة، بعدما عرض عليه بداية روايته (التفاحة): «من أنت .. ما قرأته ليس بداية رواية، ولكنه تقرير أمني ... لماذا أحظى بشرف متابعتكم ياسيد! أربعة أيام في ضيافتكم، هربت فيها الأفكار كلها. والأن كاتب تقارير بساق خشبية يقرأ (على سريري ماتت إيفا) ويجلس إلى طاولتي يحاورني. تطورت أساليبكم!»(ص83) بعد هذه المواجهة القاسية يعترف له فرفار بكل شيء، بالحادثة التي أودت بساقه وبالاستغناء عن خدمته، وبرغبته في كتابة رواية، بكل شيء باستثناء أنه هو الذي أفرج عنه. ومنذ تلك اللحظة يستعيد الكاتب السيطرة على منظور السرد من جديد، وتتحكم في أحداثه نظريته عن الكتابة باعتبارها نظيرا لتطور الحشرة من يرقة ثم شرنقة ثم حشرة كاملة. ويبدأ فرفار في التخبط في المتاهة التي عليه أن يحيل فيها يرقاته إلى كائنات كاملة، تحلق وتطير.

في هذه المتاهة تتخلق مجموعة من المحاور السردية: أولها محور آليات الكتابة الروائية التي تفتح ساحتها للكشف عن أن كثيرا من يرقات عبدالله حرفش/ فرفار لن تتشرنق ولن تتحول إلى فراشات، وستبقى يرقات تزحف مع التقارير الأمنية التافهة في الأزقه بلا أمل. تدوسها الأقدام أو تجهز عليها الظروف قبل أن تتشرنق. حيث تدير الرواية جدلا بين اليرقات، وهي من انتاج الموهومين، والروايات وهي ما يكتبه الموهوبون. فشتان بين التقارير الأمنية التي تسعى لمضاهاة الواقع وتسجيل حرفيته، وتظل لذلك مجرد يرقة تزحف على الأرض، وبين الرواية التي تسبر من خلال جدل الواقع والخيال فيها أعمق أعماق هذا الواقع. فتتحول إلى فراشة تحلق في أوسع الآفاق. فالرواية شيء آخر! هي ابنة التجربة الحية التي تسعى في الأرض كاليرقات، ولكنها ترتقي بتلك التجربة الدودية بعد أن تتشرنق بالتفكير والمعرفة والموهبة إلى فراشة جميلة تزدهي بألوانها وقدرتها على التحليق والطيران. في هذا أيضا المحور تكشف الرواية عن بنيتها التناقضية بامتياز فعبدالله حرفش/ فرفار أحد أدوات الجهاز الأمني للبطش بالثقافة والمثقفين، طالع من عالم المهمشين، والغ في حضيض بؤسهم، ولكنه ـ كما هو الحال من مؤسسته الأمنية برمته ـ مصاب بذلك العمى الفريد الذي لا يستطيع معه رؤية تناقضية موقفه وموقعه. وكيف أنه ينتمي حقا لعالم المقهورين والمهمشين الذي يعد عالم أمير تاج السر الروائي الأثير.

بعد الجدل والمكاشفة بين (أ. ت) وفرفار، يوجه الكاتب فرفار إلى الاهتمام بشخصية زوج عمته المدلك/ الممثل «أنتبه للمدلك .. صادقه، تعرف إلى ماضيه وتطلعاته بشكل جدي، وربما تخرج بشيء».(ص95) ويستجيب فرفار بالفعل لتوجيهات المؤلف أو بالأحرى يخضع لسلطته. فيذهب لبيت العمة ليكتشف أن المدلك قد حظي بدور جديد في مسرحية (موت رجل أبله). وسرعان ما تتحول تلك المسرحية إلى مسرحية داخل الرواية بمنطق تحاور النصوص وتفاعلها. فشخصية المدلك شخصية روائية فعلا، سرعان ما استغل الدور الصغير الذي يحمل فيه محفة ميت، ليصنع عبره مفاجأة المسرحية. ليس بمساعدة عقار «الإيتيفان» المخدر الذي أحال الإغماءة التمثيلية إلى أغماءة حقيقية ألغيت بسببها بقية المسرحية وانتقل على إثرها إلى المستشفى، كما حدث في المرة السابقة. ولكن بكتابة نص على النص/ نص ضد النص. حيث رفض المدلك أن تنتهي المسرحية بموت الرجل الأبله، ولكنه أحاله بتلك الخطبة العصماء إلى بطل قومي. إلى واحد من «آلاف الرجال الأفذاذ الذين يحمون تراب الوطن، ويصدون إولئك الخونة الذين يريدون رؤية الوطن أشلاء. تلك الأحزاب الخبيثة، تلك القاذورات. أرقد بسلام أيها الشهيد. كلنا فداءك. كلنا فداء الوطن. عاش قادتنا الأوفياء. تسقط الشيوعية. تسقط الإمبريالية. تسقط أمريكا»(ص113). وسرعان ما تدافع الجمهور الذي ألهبت هذه الكلمات حماسه ليحمل المدلك وينطلق به في هتافات مؤيدة للحكومة. لقد حول المدلك النص المسرحي التجريبي/ التخريبي المنتقد للحكومة الساخر من بلاهة الشعب إلى مظاهرة كبرى لتأييد السلطة. مما أثار جنون المخرج (ع. ج) «والذي يملك ملفا ضخما في إدارتنا بوصفه يساريا مخربا»(ص115).

مع هذا الحدث تتحول حياة المدلك إلى نجم من نجوم الإعلانات التليفزيونية، ويلهث فرفار في متابعة قصته، ويتابع معها قصة المشجع الذي أودى بعقله تكريم رئيس الدولة له. ويستمر حثيثا في تتبع يرقاته ورعايتها بالخيال علّها تتشرنق. ولكنه يكتشف في الوقت نفسه أن (أ. ت) اختفى، ولم يعد يتردد على مقهاه. ويتوهم أنه اختفى لأنه سرق منه شخصية المدلك ليكتبها رواية جديدة له. وبمنطق رجل الأمن التوكيدي الذي يتصور معه أن أوهامه حقائق. يحيل عبدالله فرفار هذا الوهم إلى حقيقة: «يوم عرفت أن (أ. ت). قد خانني وسرق مني شخصية المدلك»(ص 138) وهو لم يخنه ولم يسرق منه شيئا، لكنها عجرفة الرجل الأمني وثقته المطلقة والزائفة معا في أن ما يكتبه ويتوهمه هو الحق بعينه. لذلك لم يكن غريبا، أن يستدعيه رئيسه من جديد ويعيده إلى الخدمة «الخدمة الممتازة. لقد ترقيت يافرفار، عدلت رتبتك ودرجتك المالية»(ص 138). ويعهد له بملف (الطائر الذبيح) والكاتبة الشابة الجديدة (س) صاحبة (لحظة حب) أو (يرقة حب) كما كان يحلو له أن يسميها.

(6) تفكيك الكتابة .. تفكيك السلطة:

ننتقل الآن إلى الأمر الثاني في الرواية وهو ما دعوته باللعبة الأزلية بين الصياد والطريدة/ السلطة والكاتب/ المخبر والمثقف/ الفن والواقع. لأن الرواية تقدم لنا في هذا الجانب أهم إضافاتها السردية من خلال ما أود أن أدعوه بمحتوى البنية السردية. فالرواية تبدو على السطح وكأنها رواية سعي فرفار-حرفش للبحث عن وظيفة أخرى، هي الكتابة، يشغل بها نفسه بعد أن استغنى عنه جهاز الأمن الذي كان يعمل به. وتقدم لنا في هذا المستوى السردي الظاهر دراسة تهكمية شيقة لما يدور في الوقع الأدبي، والسوداني منه خاصة. لاتفلت منها متغيرات الواقع الاجتماعي السوداني الدقيقة، ووفود الأثيوبيات للعمل فيه ومقدم عمال البناء الأسيويين إليه، ووقع فرص السفر إلى دبي وأمثالها على بعض مواطنيه. ولا متغيرات الحركة الثقافية نفسها التي تخصها الرواية بالكثير من النقد والتهكم بعد وفود المرأة إلى ساحتها من خلال الكاتبة (س) ويرقتها التي أصبحت بسبب «مؤازرة الجمال» رواية، تحقق لها آليات وجودها شبه المستقل، عن الكاتب اللامع الذي طالما أغرته بتقديم مخطوطتها. حتى إذا ما نشرت المخطوطة وأصبحت رواية تغير موقفها وموقعها معا. تغير إلى الحد الذي سنكتشف معه قرب نهاية الرواية أن حهاز الأمن قد أعد ملفا عنها، ويريد أن يعرف كل شيء عنها «حتى الشامبو الذي تغسل به شعرها، ونوع طلاء الأظافر الذي تستخدمه، كل شيء .. كل شيء»(ص138). كما لاتنسى الرواية وقع الإعلام الكاسح على المواطن البسيط، وكيف ذهب نشر صور المشجع/ حفار القبور مع الرئيس في الصحف اليومية بعقله، وأودى به إلى التهلكة.

في هذا المستوى الظاهري يكتب أمير تاج السر رواية سلسة مشوقة قادرة على اقتناص القارئ في شبكة حبكتها السردية المغوية. تبلغ النزعة التهكمية الساخرة فيها حد السخرية المرّة من الذات ومن مختلف شخصيات الرواية. فالسخرية هي أحد أدوات الكاتب للكشف عن طبقات المعنى المتراكبة في الواقع وفي الشخصية معا. ومن خلال تلك السخرية تكشف الرواية عن تحولات الشخصيات وهي تتخلق على الورق أمام أعيننا، ونحن نتابع تحولاتها تلك: كتحولات (س) من كاتبة مبتدئه نشرت روايتها/ يرقتها بسبب رغبة الكاتب اللامع في مؤازرة الجمال، إلى شخصية خطيرة تدبج الأجهزة الأمنية عنها ملفا، وتريد أن تراه «ممثلئا ويحمله رجلان من شدة ثقله».(ص138) أو كتحول المدلك زوج العمة من ممثل هاو إلى نجم إعلانات، عقب نجاحه في أن يقلب التجريب المسرحي للمخرج (ع. ج) المعادي للنظام، إلى تخريب في المسرح والواقع معا. فاحتفت به الجماهير التافهة، والمؤسسة الأكثر تفاهة. أو كالتحول المأساوي للمشجع والذي يودي به إلى الجنون والموت.

لكن ثمة أكثر من مستوى آخر وراء هذا المستوى الظاهري أو مضمر فيه. وأهم هذه المستويات هو ذلك الذي يبوح به الشكل، أو ما أدعوه بمحتوى الشكل. فالرواية تبدو وكأنها رواية الجدل بين الإطار والحكاية كما ذكرت. فهناك إطار معلن تدور ضمنه الحكاية، هو إطار رغبة فرفار-حرفش في كتابة رواية، وإطار مضمر ينبثق داخل الإطار المعلن، هو رغبة الكاتب (أ. ت) في كتابة رواية فرفار-حرفش وتفكيك العلاقة بين الرواية والواقع، أو كيف تتحول اليرقات إلى روايات. وهما إطاران يناظران في مستوى من مستويات التأويل، رغبة المؤسسة في احتواء الواقع وكتابته بلغتها: المؤسسة الأمنية أو السياسية أو أي مؤسسة أخرى، ورغبة الكاتب في استنقاذ الواقع بكثافته وطزاجته وتعقيدة من أيدي تلك المؤسسات، والتعبير عن حقيقة ما يدور فيه. لذلك تبدو الحكاية المؤطرة بهذين الإطارين، وكأنها حكاية المشهد السوداني المعاصر بمتغيراته الاجتماعية والأمنية، ولا أقول السياسية، فالرواية تكشف لنا أنه ليس ثمة سياسة بالمعنى العميق لهذا المصطلح، بل تعامل أمني وحسب مع هذا الواقع.

وحتى يطرح أمير تاج السر الرواية في مواجهة السلطة/ المؤسسة فإنه يلجأ إلى حيلة سردية أخرى تضاعف من أهمية محتوى الشكل في روايته. هذه الحيلة هي استخدام تقنية الرواية داخل الرواية (على سريري ماتت إيفا)، مقابل تقنية المسرحية داخل الرواية (موت رجل أبله). الأولى يستخدمها الكاتب ويسيطر عليها، بل يسحر بها فرفار-حرفش ويوقعه في قبضته، ويبني بها وعليها روايته، والثانية تستخدمها المؤسسة في تخريب تجريب المسرحي (ع. ج). والفارق بين الإثنين كبير بل شاسع. حيث تنطوي (على سريري ماتت إيفا) على ثراء في اللغة والوقائع وازدواج في الشخصيات: إيفا/ سانثيا وجدلهما مع كلوديا شيفر وفتاة طاجستان اليانعة لينا باروف؛ فإذا ما انتقلنا إلى الشخصية الرجالية: الراوي الذي يوشك في إخفاقه في إخراج فيلمه، أن يكون فرفارا آخر يطارد سراب الفن، ويقنع بمطاردة حسان روسيا، سنجد أن الرواية قدمت قرينه/ سيدي ولدالنبي الموريتاني/ ونقيضه ألكسندر يحيى الروسي. كما أن الجدل الدال فيها بين الصد والقبول، بين إيفا وسانثيا، يوشك أن يستشرف تفاصيل الجدل بين رجل الأمن المتقاعد المقعد والمثقف المهيض/ الجبار معا. وهو المحور الذي تدير فيه الرواية جدلها مع ذلك الجدل المكتوب في الرواية داخل الرواية، بين الأمني والمثقف. في حين أن المسرحية برغم كل نوايا مخرجها التجريبي اليساري الطيبة في تصوير «الشعب الأبله الذي يتخبط في الشوارع .. يبكي أمام حرية ميتة، ويضحك أمام محل أدوات البناء الذي يرمز إلى التعمير غير المتاح لأمثاله.. ثم يضرب برصاص سلطوي بارد، وتأتي المساعدة الخارجية لتجده ميتا، يحمل على محفة لدفنه»(ص 114)، سرعان ما تختطفها السلطة، وتسبغ عليها شعاراتها الممجوجة في خطبة المدلك العصماء. (ص113)، وهتافاته المنحوته ممن ممارسات سلطاتنا الاستبدادية.

وبالإضافة إلى هذه الجدليات السردية، فإن الحكاية المؤطرة في الرواية، في مستوى من مستويات المعنى، هي حكاية هذا التوتر والصراع بين الثقافة والسلطة، في بلاد تعاني فيها السلطة من الأمية واحتقار الثقافة. ففرفار-حرفش الذي يمثل أجهزة الأمن في النص لم يقرأ رواية واحدة قبل رواية (على سريري ماتت إيفا)، ولا يستطيع أن يدرك، ناهيك عن أن يقدر مدى إنسانية الحياة الثقافية التي احتضنته وأحالته إلى بطل لرواية من روايات أحد مبدعيها، في مواجهة قسوة الحياة الأمنية بل فظاظتها وصرامتها الباترة. فهي لم تبتر ساقه فحسب، بل بترت وجوده كله وتركته ضائعا يبحث عن هدف ويطارد السراب. لكن الرواية تكشف لنا حتى في إخفاق فرفار-حرفش نجاحه، فلايمكن للأمني حقا أن يعرف عالم المثقفين دون محاولة حقيقية للانخراط فيه، أي دون التجربة التي لا تكتمل بدونها أي معرفة. وهي تجربة سرعان ما أتت أكلها بالنسبة لكل منهما: الترقية للمخبر، وكتابة رواية للكاتب. هنا تتخلق عملية تبادل أدوار شيقة. حيث سرعان ما يتحول فرفار، في نظر إدارته الأمنية السابقة، إلى مثقف مشبوه، كما ينذره أحد معاونية القدامي: «وقال لي وهو يقلني إلى قصر الجميز كما طلبت منه، إن لدي ملفا قد انفتح في الإدارة مؤخرا، وهو الذي فتحه بنفسه، ليس بصفتي القديمة عبدالله حرفش تميهيدا لإعادتي للخدمة، ولكن بصفتي الجديدة. مثقف مشبوه يجب أن يتابع بدقة. قال خذ حذرك ياعم فرفار. أخبرتك بدافع العشرة، بدافع العيش والملح»(ص127). فللرواية أيضا منطقها الروائي الداخلي الذي يعمل تحت السطح: مثلا فرفار له دور في الإفراج عن (أ.ت) حينما قبض عليه جهازه الأمني الجهنمي السابق. ولكنه لايعلمه بذلك، بل ويتعمد ألا يراه وهو خارج مهيض الجناح من أقبية الجهاز الجهنمي. و(أ.ت) يرد له الجميل ـ دون أن يعرف أن له جميل عليه ـ بالاهتمام به، اهتمام وصل فقط ليس إلى حد إعادة تثقيفه وإرشاده إلى طرائق كتابة الرواية، وإنما إلى حد جعله بطل روايته الجديدة: (صائد اليرقات)! هذا المنطق الداخلي هو الذي يمكن (أ.ت) وهو يكتب روايته التي استلهمها من تجربته مع عبدالله حرفش/ فرفار أن يكتشف أنه عاد إلى عمله الأمني القديم. فمنطق العمل الفني أعمق كثيرا من منطق الواقع نفسه، بل إنه يتنبأ بالواقع ويكشف بحدسه عن مساراته.

ولابد أخيرا من الإشارة إلى بعض خصائص الكتابة السردية في هذه الرواية الجميلة وأهمها: تعدد اللغات السردية، والولع بالصور أو ما يمكن تسميته الكتابة بالصورة، وهي خاصية احتفظ بها الكاتب من بداياته الشعرية، والنزعة التهكمية الساخرة التي تبلغ أحيانا حد السخرية المرة من الذات. وهي نزعة كاشفة تثري وتساهم في تعدد الدلالات والرؤى فيه. وهناك أيضا منطق تناسل الحكايات الشهرزادي الذي تتسم به جل روايات أمير تاج السر، حيث تتوالد الحكايات من بعضها البعض وتتناسل في انسيابية عفوية، ولكنها منسوجة بقدر كبير من المهارة والإحكام كما رأينا في تناولنا لمحتوى البنية السردية عنده. وهناط أيضا ازدواجية الإسم وازدواجية الشخصية. فكل الشخصيات تقريبا لها أكثر من اسم، وازدواج التسمية هو أحد تجليات تراكب الشخصيات وطبيعتها التناقضية وثرائها اللامحدود.



( مجلة الكلمة ) ديسمير 2010 العدد رقم 44 [/color][/size]
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 15th March 2011, 04:46 PM
الصورة الرمزية Abubakr Ibrahim
Abubakr Ibrahim Abubakr Ibrahim غير متواجد حالياً
مسئول شئون الدار
 
تاريخ التسجيل: 19-Jun-2009
المشاركات: 1,013
افتراضي رد: أمير تاج السر والبوكر العربية

أبوظبي ـ العرب اليوم
أعلنت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" العربية لسنة 2011 الاثنين في العاصمة الإماراتية أبوظبي فوز الروائيين رجاء عالم من السعودية ، مع الروائي المغربي محمد الأشعري مناصفةً بجائزة هذا العام.
وكان قد تم الإعلان عن القائمة القصيرة للبوكر في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي وضمت كلاًّ من محمد الأشعري من المغرب عن روايته القوس والفراشة، وأمير تاج السر من السودان عن روايته صائد اليرقات، وبن سالم حميش من المغرب عن روايته معذبتي، وخالد البري من مصر عن روايته رقصة شرقية، وميرال الطحاوي من مصر عن روايتها بروكلين هايتس، ورجاء عالم من السعودية عن روايتها طوق الحمام.
وكان الروائي السعودي عبده خال قد فاز بالجائزة العام الماضي عن روايته "ترمي بشرر"، واستطاعت مواطنته السعودية رجاء عالم المحافظة على الجائزة ولو مناصفة مع فائز آخر.
وقد جرت العادة أن يفوز بها روائي واحد حيث فاز بها الروائي المصري بهاء طاهر عن روايته الغروب في السنة للأولى لها، وفي العام الذي يليه فاز مواطنه يوسف زيدان عن روايته عزازيل، وجاء الاختلاف هذه المرة بإعلان فوز روايتين.
وقد بدأت الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" رسميًّا في أبوظبي منذ نيسان/أبريل 2007، وهي ثمرة تعاون وتنسيق بين "مؤسسة بوكر" و"مؤسسة الإمارات"و "معهد وايدنفيلد للحوار الاستراتيجي"، حيث كانت مؤسسة بوكر العالمية تتوق إلى تطوير جائزة خاصة بالرواية العربية.
ويشرف على تحكيم الجائزة لجنة من الإخصائيين ورؤساء التحرير والصحفيين الأدبيين من أجل تقديم المشورة حول طريقة تنظيم الجائزة وتأليف مجلس أمنائها، الذي اختير أعضاؤه من العالمين العربي والأنغلوفوني، وهم مسؤولون عن إدارة الشؤون العامة للجائزة.
رد مع اقتباس
إضافة رد

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 21
Abubakr Ibrahim, أبوصلاح, أبوشرا, محمد عثمان الحاج يوسف, Aiman Elsadig, اللورد, الزاكي عبد الحميد, السني أبوالعزائم, الطيب شيقوق, ابراهيم جبير, خالد الخليفة, حيدر امين, samiaebrahim, عادل سليمان, عبد الرحمن حسن, عبد الغفار سعيد صالح, عبدالرحمن الحاج يوسف, عبدالرحيم العمده, عصام نوح, هشام عبدالغفار, نزار جعفر
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...

   
 

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
   
كل ما يكتب فى المنتدى لايعبر عن اراء ادارة النادي، وانما يعبر عن اراء كاتب المشاركة او الرد وعلى مسئوليتهم الشخصية

Security team