المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جريدتنا


الصفحات : 1 [2] 3

محمد المعتصم الرشيد
17th March 2010, 11:34 AM
منقول من بريدي

حركات بعاعيت *******************


بعد ان قرأت كتاب رحلة ابن بطوطة.. وقفت محتار ومتمحن.. عند الحتة بتاعت انو زار ارض السودان.. وزار مكان فيهو ناس بياكلو لحم الناس.. بعاعيت يعني.. سحاحير.. والبعاعيت ديل قال بيحبو ياكلو لحم النسوان.. وفي لحم النسوان اكتر حاجة بيحبوها هي الكفين والثديين.. ما عارف حكمتهم في كدي شنو؟

بعد قراءة الكتاب وتمعن فينا نحن معشر السودانيين.. قربت اصل الى انو نحن أحفاد هؤلاء البعاعيت ما فيها اتنين تلاتة.. لقيت اننا ربما نكون الشعب الأوحد على وجه الأرض بياكل لحم ني «المرارة» ـ الكبدة ـ ام فتفت ـ الكرشة».. وبعض البعاعيت مننا ياكلو سن البرك.. وهي منطقة تلاقي الضلوع عند الصدر.. الحقيقة الحتة دي مغرية للاكل نية.. وتستاهل مني كل ثناء واحترام.

الكرشة خلقها ربنا عشان تهرس الأكل وتهضمو نجي نحن ناكلها نية ونهضمها كمان.. اها في بعوتية اكتر من كدا؟!

تنتابني مشاعر بعوتية.. عندما اقف عند جزار وهو يقطع في اللحمة بدون ما اشعر ألاقي ريقي جرى وبطني كوركت.. ولولا الخوف من شيل الحال اشيل لي حتة لحمة نية واكلها..

اما حكاية اكل الكفين عند بعاعيت ابن بطوطة.. وجدت اننا استعضنا عنها باكل الكوارع.. فقلما نجد سوداني لا يحب الكوارع مما يثير لدينا رغبة قديمة وموروثة وهي اكل مزمزة الكفين.. خصوصا كوارع الضان.. وشوفو المتعة في وش اي زول بياكل في العضام الصغيرة الفي كوارع الضان.. متعة بعاتي ما فيها شك.. تلقاهو ياكل العضم ويمصو ويملصو من خشمو في الصينية او الطربيزة بكل متعة.. وينف.. ثم يتناول الذي بعده يسوي فيهو ما سواهو في اخوهو.. في اللحظة ديك لو سألتو من اسمو ما حيتذكرو ليك.
أكل الثدي يتضح جليا.. عند اطفالنا الرضع.. تلقى الشافع وهو يرضع وفجأة وبدون مقدمات يعضي امو.. وهو سلوك بعاتي موجود في اطفالنا.. يدحض فرضية نظرية فرويد.. الشافع يعضي امو.. والام عشان تكبح جماح هذه الرغبة البعاتية.. ترصع الشافع في ضهرو وتقول ليهو «احي.. الله يازاك» بالمناسبة.. كلمة احي دي.. هي كلمة بعاتية من صميم قاموس البعاعيت.. على حسب ما ورد في الاحاجي..

لكي اتأكد من ان كل رضع الدنيا بيعضو اثداء امهاتهم.. وهروبا من فكرة اننا بعاعيت.. سألت بعض الاخوة العرب.. ذكروا انه ليس لدى اطفالهم هذه الحركة البعاتية.. وحتى انو في واحد مصري قال لي.. وهو مطير عيونو: «ايه يا زول.. اوعى يكون اطفالكم بسووا كدي؟.. « نهرته وزجرته وانا استشيط غضبا وقلت ليهو «افو.... انت قايلنا نحن بعاعيت واللا شنو؟» وبيني وبين نفسي اتأكد انو نحن بعاعيت اولاد بعاعيت احفاد بعاعيت.. وقاعدين نلد بعاعيت.. الله يجازيك يا ابن بطوطة كان داير تشككني في نفسنا.. وتجنني وتركبني القصبة.

اما اكل البني آدم وعلاقتو بثقافتنا وسلوكنا.. البنحاول نهذبو.. خدو مثلا.. اتحدى اي واحد او واحدة.. يشوف ليهو واللا تشوف ليها شافع صغير وسمين ومبغبغ وعندو جضوم.. بطنو ما تفور عليهو؟.. ويكون عاوز يجضمو.. او يعضيهو في جضومو.. واعتقد ان اسلافنا البعاعيت كانوا بيستعملوا الجضيم في الجس.. ويعرفوا مدى سمن هذا الزول.. زي ما نحن حسي بنجس الخروف من ضهرو.. وما الجضيم للشفع الا هو جس مبطن.. واحيانا الواحد يلقى نفسو بطنو فارت على زول كبير وعاوز يجضمو علا خايف بس.. وخجلان..

اما في النضم تلقى جملة زي «اكل لحمي» او «اكلت لحمو».. و«ايدي اكلتني» و«قلبي اكلني» في الاغاني.. غنية «يوم طلعت القمرا».. يتضح الاكل والبلع للزول جد جد.. في المقطع «يبلع جب وجب في خصيمو.. جيت ليا»..شفتو البلع دا؟!..

اما اغنية زيدان «لو الاماني بايدي كنت اهديك عيوني واسقيك من وريدي» .. انا لا اشك ان حبيبة الشاعر دا بعاتية.. ومتعودة على الاكل وشراب الدم.. اها لو ما كدي عاد البيخلي الشاعر يهدي ليها عيون ويسقيها دم شنو؟.. بعاتية وكمان بتحب راس النيفا بتاع الزول.. وفي النيفا بتحب العيون.. الغريبة انو انا لما اسمع المقطع دا في الغنية دي.. احس برومانسية شديدة.. اتاريها ما رومانسية.. اتاريها حركات بعاعيت ساكت..

لله الامر من قبل ومن بعد قفل الباب: هواي يعجز فكرتك و جمالك يعجز فكرتي في الصد تزيد في خبرتك و في الحب ازيد في خبرتي

المصدر: غير معروف ولكن يبدو أنه أحد بعاعيتنا المقيمين فى الخليج
___________________-

محمد المعتصم الرشيد
17th March 2010, 11:39 AM
منقول من بريدي
المغترب
اْمرك عجيب يا مغترب
شايل حقايبك ماشي وين ؟؟؟
ما الغربة طالت يامسيكين
وانت في نص الدرب
والناس هناك ماشايلة هم
لاهم حكومة ولا لحم
سكت ليه يامغترب؟؟؟
حاول اْجب؟؟
الناس وراك دفنت اْلوف
وانت جالس تنتحب
الناس هناك هزمت
طوابير الصفوف
وازدادو نجمات في الكتوف
وانت جالس زي خروف
لا فيك لبن لافيك صوف
شعار جميل مكتوب حروف
زول مغترب
انت يا اْبوي مين اللي زيك
انت مازول مغترب
لا ليك اْرض
لا ليك راْي
لا خطة اسكان لا حزب
انت عندك حزب واحد
اسمه حوّل
اْخوك وراك راقد تعب
جاك اتصال من ناس منال
يا اْخوي حول وماتطول
جدي الخضر عضو الكلب
يا اْخوي حول
في الشهر مرتين
ود اللمين جاهو المقص
في الكليتين
خلآهو زي زول الكٍتب
يا اْخوي حول وما تطول
وجيب معاك طقم العشاء
ودهب الكضب
وانت جالس يامسيكين
الغربة طالت
وانت في نص الدرب
مرت سنين فوق السنين
لا اشتريت قطعة اْرض
ولا سقفت الغرفتين
والحالة طين
يا اْخوي صلي ركعتين
بعد الفرض
يا اْخوي حول جيب قروش
وخاتم الجنيه للسيدتين
اْم العريس واْم العروس
ولا تقول فلنفترض
اْضرب خماسيك في سداسيك
واْضرب الطول في العرض
الغربة طالت
والعيال كبرت وجالت
وانت حالك يامسيكين
والله تغني عن سوْالك
والفكر مشغول
وشايل هم عيالك وين بتقراْ
والغريب كل الحكومات
في البلد تنكر نضالك
وحتي العيال في الجامعات
يامسيكين
بدل الجنيه تدفع ريالك
ومهما تكتب اْو تقول
هذا اختيارك
لا ليك راْي ولا هناك
من يرد ليك اعتبارك
شد حيلك واشتغل
عشرين شغل خارج مجالك
شد حيلك والثغور راجاك كتيرة
ست البنات صارت مديرة
ولسه ما جاها العريس
والبيت ملان
ناس محاسن وناس سميرة
يابا ماتخليك معصلج
وانت ماتخليك عويرة
وما مهم ود اللعم
ومامهم من القبيلة
المهم اْبقي راجل
وما اْكون زولا خميلة
اْلم اْقل اْمرك عجيب يامغترب ؟؟
جيت شباب تلبس خفيف
حتي في عز البرد
بعد السنين الجلود اتكرمشت
واْصبحت ودعم القرد
وآخر المطاف السنين
صارت عجاف
شالوك مقفل في طرد
وآخر المطاف السنين
صارت عجاف
شالوك مقفل في طرد

Abubakr Ibrahim
18th March 2010, 11:17 AM
قصاصة سرية من دفتر يوميات زوجة مغتربة
سناء جعفر
(1)
وقفت ساهمة امام النتيجة المعلقة على جدار المطبخ وانا اتطلع الى التاريخ المدون امامي ... الرابع من مايو 2006 ... غدا تكمل صغيرتي دعاء عامها الثالث ... وبعد شهرين من هذا التاريخ اكمل عامين على آخر اجازة قضيتها في السودان .. اعتقد باني قد اعطيت زوجي العزيز فترة كافية لاستعادة انفاسه من الاجازة السابقة .. اذن ان اوان الحديث عن الاجازة الجديدة ...
اشعر بملل خانق يكتم انفاسي .. تعبت من الروتين اليومي القاتل .. الاستيقاظ مبكرة لتجهيز صغيري " ديدو " ذو الست سنوات للذهاب الى المدرسة ... فهو يرفض ان تقوم الخادمة بايصاله الى البص ويصر على ان اكون انا من يسلمه للمشرفة اسوة بزملائه الصغار ... ثم اعود وانتظر خروج زوجي الى عمله بفارغ الصبر حتى اعود للنوم بعد ان اعطي خادمتي تعليماتي بما يجب عمله ... استيقظ قرابة الظهر على صرخات دعاء الجائعة ويبدأ نهاري بعد الساعة الثانية عشر ويمتد حتى ما بعد منتصف الليل ما بين المطبخ وطلبات صغاري التي لا تنتهي ومذاكرة ديدو كما اضطر احيانا للرضوخ الى مطلبهم بالخروج والذهاب الى الحديقة المجاورة بعد ان اشفق عليهم من الحبس طيلة النهار بين الجدران الاربعة ... وهكذا تمر ايامي وشهوري وسنيني ...
استحوذت فكرة الاجازة على تفكيري بصورة جعلتني شاردة طوال اليوم وكانت النتيجة احتراق الطبيخ وامتلاء البيت برائحة كريهة ... اغتظت من غفلتي وخاطبت نفسي التائهة
" كده ما حينفع يا اعتماد ... لازم تركزي شوية ... طرح فكرة الاجازة لامير حتكون زي اعلان الحرب ... وعشان تكسبي المعركة لازم تخططي بهدوء .. مش تبديها باكل محروق "
تداركت الامر سريعاً تخلصت من كل آثار الطبيخ المحترق ... اغلقت باب المطبخ واغرقت فضاء المنزل برائحة المعطرات المختلفة ... اشعلت البخور ثم طلبت رقم المطعم المجاور .. وطلبت طعام زوجي المفضل ... " أيوه يا عم منصور ... عاوزة دجاج مشوي على الفحم .. طاجن بامية بلحمة الضان مع رز ابيض .. ومحشي ورق عنب .. ايوه وما تنسى السلطات عاوزة تبولة وبابا غنوج ... سريع الله يخليك .. ايوه مدام امير ... لا ما تكتب على حساب امير حادفع كاش .. مع السلامة وبسرعة .
وللقصاصة بقية .....

Abubakr Ibrahim
20th March 2010, 03:29 PM
قصاصة سرية من دفتر يوميات زوجة مغتربة

سناء جعفر

(2)
عندما وصل " امير " بوجه مرهق قابلته بابتسامة حنونة وسالته بلهجة محبة " ليه اتاخرت يا اميري ؟؟ " ... تهلل وجهه الوسيم ما ان رآني .. اهلا يا اعتماد ... الشارع زحمة شديد والعربات كانت بتزحف زحف ... وين العيال ؟؟
" اتغدوا وناموا ... يلا اقلع هدومك وتعال الغدا جاهز ... اكيد ميت من الجوع "

عندما راي امير الاطباق التي تفننت في تزيينها تغيرت ملامحه وسالني بحدة " اكل من المطعم ؟؟؟ ليه ؟؟ اطلق تنهيدة تبعتها تقطيبة .. يا اعتماد انا مش قلت ليك قللي من قصة اكل المطاعم ده شوية ؟؟ وريتك انو الاكل الجاهز ده بيستنزف قروش مبالغ فيها ممكن لو عملتي بيها اكل في البيت نقعد بيه شهور تاني ... ده اكل منصور مش كده ؟؟؟ اها منصور ده بالذات حرامي واكله غالي ونهاية الشهر فاتورته بتكسر ضهري عديل ...

قاطعته بدلال " يا سيدي ما تشيل هم اكل الليلة ده ... انا العازماك ومن حر مالي اها رايك شنو ؟؟ كانت نظرته الساخرة كأنها تقول بان " حر مالي " ما هو الا " حر ماله " هو في وقت آخر لم اكن لاغفرها له ... لكنني الان بحاجة الى استمالته وليس استعداؤه ...

" شكرا يا عمدة يا ظريفة .. ما نتحرم منك ومن كرمك ... بس المناسبة شنو ؟؟
سخرية اخرى ابتلعتها على مضض ..

" بدون مناسبة ... هو يعني الا تكون في مناسبة عشان اعزم راجلي حبيبي على الغدا ؟؟

لم يعلق على كلماتي المتملقة وبدا ياكل بابتسامة صغيرة على ركن شفتيه ... انذرتني علامات الارهاق الظاهرة على وجهه بان هذا ليس الوقت المناسب لفتح الموضوع فالتزمت الصمت .. وقررت ان اصنع وقتي المناسب بنفسي ...

وللقصاصة بقية ...

Abubakr Ibrahim
21st March 2010, 04:21 PM
قصاصة سرية من دفتر يوميات زوجة مغتربة
سناء جعفر
(3)

الخميس الخامس من مايو ... الساعة الواحدة ظهراً ...
استيقظت وانا اشعر بصداع حاد يكاد يمزق شقة راسي اليمنى ... في الحال تذكرت النقاش الحاد الذي اعقب عبارتي الهامسة ليلة امس ... في البدء لم يستوعب عقل امير الخامل مغزى عبارتي فاتت اجابته همهمات غير مفهومة ... وعندما اعدتها باصرار اكثر تحفزت خلايا عقله وكان رده الفوري الحاسم " اجازة السودان ؟؟!! لا طبعاً ما في أي طريقة ليها ... وما تحاولي تفكري في الموضوع ده قبل السنة الجاية " حاولت ان ابدي اعتراضي لكنه غادر السرير بسرعة وصرامة لم اعهدها فيه من قبل ... خرج وصفع باب الغرفة وتركني اغلي من الغيظ والقهر ... تظاهرت بالنوم لدى عودته بعد ساعة كاملة قضاها في الصالة وهو يدخن بشراهة كما يكون حاله دائما في حالات الضيق والتفكير العميق ...سمعت صوت فتح الدرج حيث توجد حبوب الضغط الخاصة به وسمعت صوت الماء يصب في الكوب ثم ساد الصمت ... هل تسببت في رفع ضغطه ؟؟ لم يغمض لي جفن حتى الساعة السادسة صباحا .. يومها امرت الخادمة بايصال الصغير الى البص بعد ان تعللت بصداعي المشهور .. وغرقت في النوم فور خروج امير من الغرفة ... استيقظت على صرخات دعاء وهي تلاعب الخادمة بينما هي تحاول اقناعها بتناول الطعام ... تحاملت على نفسي وخرجت من غرفتي .. ما ان راتني الصغيرة حتى ركضت تجاهي " ماما صحيتي ؟؟؟ ماما انتي عيانة ؟؟؟ ماما نطلع برة ؟؟ عاوزة العب برة ... تذكرت ان اليوم عيد ميلادها وبعد فنجان من القهوة المركزة ومسكنات الالم بدا عقلي يعمل مرة اخرى .. " عاوز الحرب يا امير ؟؟؟ يلا استعد للمعركة ... "
احتضنت ابنتي الصغيرة وقبلتها وانا اتمنى لها ذكرى ميلاد سعيدة " خلاص يا دعاء عشان الليلة عيد ميلادك اول ما يجي ديدو من المدرسة حنمشي نتغدى برة واخليك تلعبي زي ما عاوزة .. اوكيه ؟؟ يلا امشي استحمي وغيري هدومك .. يلا يا تيسا .. جهزيها واجهزي انتي كمان عشان تمشي معانا " ... عندما عاد امير الى المنزل لم يجد غير الفارغ والصمت ومذكرة مقتضبة تخبره بمكاننا دون تحديد مواعيد للعودة ...

وللقصاصة بقية ....

اسامه محمد عوض السيد
22nd March 2010, 09:58 AM
الجواز الأمريكي شهادة أعلى من الدكتوراه !

بقلم/ د. محسن الصفار

درس سعيد الاقتصاد بشغف لأن لديه نبوغ فطري في هذه المادة وعلى الرغم من أن معدله في الثانوية كان يؤهله لدخول الطب أو الهندسة بكل سهولة إلا أنه قرر أن يدخل كلية الاقتصاد وهو ما أثار تعجب جميع أهله وأصدقائه !

تخرج سعيد من كلية الاقتصاد وحصل على شهادة الماجستير والدكتوراه بتفوق.. أثار دهشة أساتذته الذين عجزوا عن مجاراته في نبوغه في علم الاقتصاد ولكن على الرغم من كل هذا النبوغ لم يكن سعيد يستطيع أن يبرز مواهبه لأن النظام الاقتصادي والمصرفي في بلده يحكمه الروتين ، ولا يفسح المجال للنوابغ بأن يصلوا إلى أي مكان فبين الواسطة والمحسوبية والحسد والغيرة لا يجد أمثال سعيد مجالاً كي يرتقوا السلم الإداري والوظيفي .

وفي يوم من الأيام أرسل بحثاً إلى إحدى مجلات الاقتصاد الأمريكية فأعجبت المجلة بالبحث لدرجة أنها وجهت له دعوة على نفقتها لحضور مؤتمر اقتصادي في أمريكا..

وهناك وبعد أن قرأ بحثه ثارت عاصفة من التصفيق وانهالت عليه العروض من المؤسسات المالية الأمريكية للعمل لديها ولكنه كان متردداً لأنه لا يحب العيش في دولة غير عربية ويحلم بأن يستثمر موهبته وعلمه لتحسين الاقتصاد في أي بلد عربي وفي غمرة التهاني اقترب منه شخص ذو ملامح عربية وقال : ما شاء الله ، ما شاء الله يا أخ سعيد ، أنت فخر لكل عربي... فقال له : شكراً لك . من أي بلد أنت ؟ أجابه سعيد مازحاً : مادمنا في أمريكا فكلنا أمريكان .

لم يضحك الرجل وأعطاه بطاقته وقال له : أريدك أن تكلمني غداً كي أعرض عليك وظيفة مرموقة في البنك الذي أمتلكه في بلد عربي غني . أجاب سعيد : إن شاء الله . وفرح فهذه هي الفرصة التي كان يتمناها للعمل في مصرف استثماري وفي بلد عربي .
في اليوم التالي اتصل سعيد بالرقم وردت السكرتيرة فعرّف بنفسه وتفاجأ بأن السكرتيرة تعرفه فقالت له يجب أن تأتي إلى هنا خلال أسبوعين لإتمام إجراءات المقابلة والتعيين.. راجع سعيد سفارة تلك الدولة وأراهم فاكس الدعوة التي وصلت إليه وحصل على التأشيرة.. وسافر إلى ذلك البلد وراجع البنك والتقى بالمدراء والخبراء الذين كانوا جميعاً مبهورين بعبقريته ، وأوصى الجميع بأنه يجب أن يتم تعيينه على الفور ودون أي تأخير كمدير لعمليات البنك الاستثمارية .

خرج سعيد واستبشر خيراً خصوصاً أن المرتب والمزايا كانت تفوق خياله.. ذهب في اليوم التالي إلى دائرة شئون العاملين لإتمام إجراءات التعيين.. دخل إلى مكتب مدير شئون العاملين وسلّم عليه قائلاً : تحياتي يا سيدي.. أنا سعيد بأن أكون من ضمن فريقكم ، فأجابه : أهلاً بك ، مصرفنا بحاجة إلى الخبرات العالمية من أمثالك.. الرجاء تعبئة هذه الاستمارة وتعطيني نسخة عن جواز سفرك .

فعل سعيد ذلك وأخرج جواز سفره وسلّمه للمدير الذي ما إن رآه حتى استغرب وقال : لأ لأ.. ليس جوازك الأصلي بل الجواز الأمريكي لو سمحت ، لا أحمل جواز أمريكي ، جوازي الوحيد هو جواز بلدي.. ماذا ؟ أتريد أن تقول أنك لست مواطناً أمريكياً ؟.. لا و لله الحمد.!

قطب المدير جبينه وقال : لحظة واحدة لو سمحت وخرج من الغرفة وغاب حدود 10 دقائق ، ثم عاد إلى سعيد وقال : لا يمكننا تعيينك مديراً للعمليات فجوازك ليس أمريكياً أو أوروبياً أو حتى أسترالياً ! وما دخل جوازي بالموضوع ؟ هل تريد تعييني في بنك عربي أم ترشيحي لانتخابات الرئاسة الأمريكية ؟ لأ ولكن سياستنا هنا أن يكون المدراء جميعهم من الأمريكان والأوروبيين كي لا يقال عنا أن بنكنا ليست لديه كفاءات عالمية ، إذا كانت بنوك أمريكا نفسها تبحث عن الكفاءات العربية وقدمت لي أكبر بنوكها عروضاً للعمل لديها فكيف أكون دون مستواكم ؟ آسف لا يمكنني التحدث أكثر من هذا .

ولكن ولأن اللجنة أعجبت بمهاراتك يمكننا إعطائك وظيفة أمين صندوق.! وهو أعلى منصب يمكننا منحه لمواطن يحمل جواز بلدك.. هز سعيد رأسه أسفاً وقال : لا يا حبيبي احتفظ بوظيفتك لنفسك وأنا سأعود إلى أمريكا حيث المواهب تقيم بالخبرات والشهادات العلمية وليس بالجوازات .

وهكذا كان وعاد سعيد إلى أمريكا وقبل بعرض إحدى الشركات وحصل على الجنسية الأمريكية ، وبعد سنوات قليلة عاد إلى نفس البلد ونفس البنك بمرتب 5 مرات أعلى مما عرض عليه وقتها وتم تعيينه مديراً عاماً للبنك بصلاحيات مطلقة ، عندما دخل المدراء على سعيد في مكتبه كي يهنئوه بالمنصب ، وجدوا صورة كبيرة لجواز سفره الأمريكي معلقة على الجدار حيث يعلق المدراء عادة شهاداتهم العلمية ، خاطبهم سعيد وقال : لا تتعجبوا فهذه هي الشهادة العلمية التي تفوق شهادة الدكتوراه ، هي التي منحتني هذا المنصب وليست الدكتوراه التي أحملها !

وكل جواز أمريكي وأنتم بخير..

قصة حدثت بالفعل وستحدث مرات.. ومرات..

Abubakr Ibrahim
23rd March 2010, 09:08 AM
قصاصة سرية من دفتر يوميات زوجة مغتربة
سناء جعفر
(4)
الجمعة السادس من مايو
ما زلت ملتزمة بسياسة الصمت مع امير ... تعمدت استقطاب اطفالي لجانبي .. اغرقتهم بالهدايا والحلويات وحشوت راسهم الغض بفكرة الاجازة في السودان فكانت كلماتهم عنها لاتنقطع وهم يخاطبون الاب الرافض للفكرة ... امعانا في اظهار غضبي رفضت استقبال اصدقاؤه في البيت كما اعتادوا في عصر كل جمعة بحجة الصداع النصفي الذي يهاجمني في ساعات التوتر والضيق .. كما رفضت مرافقته لتادية واجب العزاء في احد اقاربه ... عندما فاض به الكيل امسكني من ذراعي وهو يجرني وراؤه الى غرفتنا .. واغلق الباب في وجه الخادمة الفضولية والصغار الخائفين ...
" اعتماد ؟؟ انت بتعملي كدة ليه ؟؟ عاوزة توصلي لشنو ؟؟ بتعاقبيني عشان رفضت نمشي اجازة السودان ؟؟ انتي مش عارفة ظروفنا ؟؟ مش عارفة انو الاجازة محتاجة قروش قدر شنو ؟؟ اجيب من وين ؟؟ عاوزاني اسرق عشان نمشي اجازة ؟؟ قلت ليك ما في امكانية السنة دي ... والسنة الجاية انشاء الله بنمشي ... اعقلي يا اعتماد وخلي البتسوي فيه ده ... احنا في غربة وما ناقصين عكننة ...انا كفاية علي عكننة الشغل ... كمان بيتي ما القى فيهو راحة ؟؟ والله دي بقت عيشة تقصر العمر "...
انتزعت ذراعي من يده بعنف واندفعت الكلمات الحبيسة بداخلي منذ يومين كطلقات الرصاص ... " عيشة تقصر العمر ؟؟ انت بتقول عيشة تقصر العمر ؟؟ امال انا اقول شنو المحبوسة بين اربعة حيطان الليل والنهار ؟؟ ما بين خدمتك وخدمة اولادك لا باطلع ولا بادخل ... انت الوقت كلو ما موجود ... في الاول كنت شغال الصباح بس وكنا بنلقى وقت المسا نطلع ونتفسح ... ومن يوم ما عملت ليك شغل تاني المسا بقيت ما لاقياك .. تجي الضهر تعبان عاوز تاكل وتنوم عشان تمشي الشغل من الساعة اربعة وتجيني الساعة تسعة منتهي برضه عاوز تاكل وتنوم ... رميت مسئولية البيت والاولاد كلها علي كتفي المذاكرة .. مشي الدكتور .. الفسحة .. بقيت ما بتعرف عننا أي شئ .. حتى يوم الجمعة الصباح كله نايم ما تصحى الا قريب الصلاة تجي من الصلاة تاكل وتقعد في التلفزيون وترجع تنوم عشان المسا تلاقي اصحابك .. عليك الله هسة قول لي منو العيشته تقصر العمر ؟؟ انا ولا انت ؟؟ على الاقل انت في الشغل بتلاقى ناس تتكلم معاهم ... انا مرات من كترت السكوت باحس خشمي عفن ... من الزهج باحس نفسي عاوزة انفجر .. وبعد كدة ساكتة .. حصل يوم اشتكيت ليك ؟؟ انت لمن تزهج بتمشي لاصحابك في القهوة وتحضروا كورة او تلعبوا دمنة .. مرات ترجع لي بعد نص الليل .. يوم واحد منعتك ولا قلت ليك اقعد معاي ؟؟ وهسة بعد سنتين لما اقول ليك عاوزة امشي اجازة ترفض وتقول لي لا ؟؟ ليه ؟؟ انا ما انسانة ؟؟ ما عندي حقوق عليك ؟؟
وللقصاصة بقية .....

Abubakr Ibrahim
23rd March 2010, 09:40 AM
قصاصة سرية من دفتر يوميات زوجة مغتربة
سناء جعفر
(5)
قاطع امير طوفان كلماتي بصوت عال " اعتماد انتي عارفة اننا لغاية هسه بنسدد في ديون الاجازة الفاتت ؟؟ وجات عليها زيادة خير اقساط العربية الجديدة الانتي اصريتي اشتريها السنة دي .. كدة بس قولي لي اجيب من وين قروش لاجازة ؟؟
وارتفع صوتي ليضاهي طبقة صوته المتوترة " ليه تجيب من وين ؟؟ انت شغال عامل ؟؟ انت مهندس وبتاخد ليك راتب فوق التسعة الف درهم ده غير شغل المسا .. بتوديهم وين ؟؟ ولا بترسلها لاهلك من ورا ضهري عشان تجي وتقول لي انا وعيالي ما في اجازة ؟؟ وبعدين العربية الانا اصريت عليها دي منو الراكبها انا ولا انت ؟؟ انا اصريت عليها لانك كنت سايق ليك خردة .. كل يوم فاضحانا وواقفة في نص الشارع .. وصارف عليها دم قلبك في التصليح بدون فايدة .. وكمان .. قاطع جملتي القادمة بصوت كهدير الرعد .. " يا هانم عاوزة تعرفي مرتبي بيمشي وين ؟؟ طيب قومي جيبي ورقة وقلم وتعالي سجلي ... لا انا ما باهزر انا جادي ..جيبي ورقة وقلم .. وعندما لم اتحرك من وقفتي المتحفزة بدا العد على اصابعه الطويلة " اول حاجة الشقة الانتي ساكنة فيها دي عارفاها بكم في السنة ؟؟ ربع الراتب بيمشي ايجار .. متذكرة لمن قلت ليك نقعد في شقتي القديمة لانو ايجارها رخيص قلتي شنو ؟؟ وشرع في محاكاة لهجتي ببراعة " لا ما عاوزاها ... ضيقة شديد .. وسخانة ... الحتة ما حلوة .. ما فيها غير حمام واحد "
واستعاد صوته الطبيعي وهو يواصل .. " اصريتي على الشقة الكبيرة وفي حتة حلوة وانا بادفع فيها دم قلبي ..جينا نفرش ابيتي تشتري الا من المحلات الغالية وقلتي هو الواحد بيعيش كم مرة ؟؟ خلينا نفرش حلو ونستنمتع بحياتنا ... بعد شوية قلتي الشقة كبيرة شديد وما قادرة عليها براك ..جبنا ليك خدامة تساعدك .. الولد قلت ليك ندخله مدرسة خاصة بس سعرها معقول رفضتي تماما واصريتي على اغلى مدرسة ... رجلك ما بتقيف من مشي السوق وشراية الهدوم والتياب ... كل يوم والتاني عاوزة تغيري موبايلك .. كل عيد عاوزة دهب جديد ... انتي عمرك ما فكرتي انا اشتغلت تاني بالمسا ليه ؟؟ غاوي تعب ؟؟ مش كان ممكن اكتفي بشغل الحكومة المريح بالصباح بس واقعد المسا في بيتي زي وزي باقي خلق الله ؟؟ انا عملت كدة يا هانم عشان اكفيك واكفي عيالك .. عشان ما تحسي انو أي حاجة ناقصاك ولا نفسك فيها وما قادرة تجيبيها ...
وبعدين تاني يا اعتماد ما تدخلي اهلي في أي نقاش بيني وبينك ... انتي عارفة اني ما قاعد ارسل ليهم الا في المناسبات وهم اصلا ما محتاجين لي .. اللهم غير الهدايا لما نمشي الاجازات .. وحتى الهدايا انا عارف انك ما بتشتري ليهم زي اهلك .. تمشي تجيبي لاخواتك من المراكز الغالية وتشتري لاهلي من الاسواق الرخيصة انتي قايلاني ما عارفك بتعملي شنو ؟؟
احتبس صوتي حرجاً لادراكه بتصرفاتي التي كنت اظنه غافلا عنها .. لكن سرعان ما استعدت غضبي حتى لا اعطيه فرصة لكسب نقطة في صالحه .. " ايوه ما باشتري ليهم زي بعض لكن ما سالت نفسك ليه ؟؟ يا أمير احنا كلنا اربعة اخوات .. وانتو ما شاء الله عليكم ستة بنات واربعة اولاد ..ده غير عيالهم .. انا باخت لاهلي واهلك نفس الميزانية لكن بما اني باشتري لتلاتة اشخاص بس يبقى نصيبهم بيجيب ليهم حاجات غالية اكتر من حق العشرة انفار ..
شعرت بالغيظ يتلالا في عينيه ارتعشت يداه ونطق بصعوبة " اعتماد .. آخر كلام وما عاوز نقاش في الموضوع دة تاني .. مافي اجازة السنة دي .. انتهينا " وفتح باب الغرفة وقطع الصالة العريضة بخطوات سريعة باتجاه باب الشقة الذي اغلقه بعنف جعل الصغار يقفزون الى احضاني برعب ...
اذن يا زوجي العزيز لقد اعلنتها حرب سافرة .. فلننتظر ونري من سيفوز !!!...

وللقصاصة بقية ...

Abubakr Ibrahim
25th March 2010, 11:57 AM
قصاصة سرية من دفتر يوميات زوجة مغتربة
سناء جعفر
(6)
كانت دموعي الطيعة تساعدني في اشعاره بالذنب كلما التقت اعيننا .. اتظاهر بانني اخفيها بينما اقوم خفية بتحفيزها كي تتدحرج على خدودي ... لكن يبدو ان سلاح الدموع لم يعد فعالاً ... لابد من اللجوء الى سلاح الطوارئ الذي لا يقهر ...
لقد قاطعت السرير وهجرت الغرفة .. اعتصمت بغرفة الضيوف واغلقت بابها باحكام ... ولكي اجعل سلاحي اشد فتكاً استعنت بكل ادوات الاستفزاز التي املكها ... كان امير ياتي ظهراً ليجد رائحة الشاف والطلح المحترق تملا كل زاوية في البيت فكانت يدي تصطدم عرضاً ) بيده وانا اضع فنجان القهوة .. بينما تغزو عطوري النفاذة خياشيمه بقوة واصرار ... كنت استمتع بنظراته المحمومة التي تتابعني وانا اقوم بجولات منتظمة ليس لها داع بين مقر اعتصامي والمطبخ ... وازيد ناره استعارا بنغمات ادندنها بصوتي الرخيم لاغانيه المفضلة التي كان يطلب مني غنائها في ساعات الصفاء ...
بعد ثلاثة ايام من سياستي المستفزة .. اعلن امير استسلامه فجراً بطرقات خفيفة على باب الغرفة الموصد بلا مفتاح انتظارا لهذه اللحظة ... تظاهرت بالنوم الذي هجرني قلقاً من صمود امير غير المتوقع ... عندما تلاقت نظراتنا خفض راسه حتى وصل الى اذني وهمس بصوت مهزوز ... اعتماد خلاص انا موافق نمشي اجازة السودان ... لكن على شرط ... تاني ماتعملي كدة ..حرام عليك انتي عارفاني باحبك قدر شنو وما باتحمل بعدك ولا دقيقة ...
قررنا ان تبدا اجازتنا في منتصف شهر يوليو مما يترك لي مدة شهرين تقريبا للتجهيز .. وعدت امير باختصار الهدايا وافقت على السفر بالطائرة السودانية ... وتنازلت عن تغيير ذهبي بعد نقاش صغير مع امير " عاوزني امشي بدهبي المشيت بيهو قبل سنتين ؟؟ انت عاوز الناس تاكل لحمي ويشيلوا حالي ؟؟ انا ما قلت ليك اشترى لي جديد بس نغير الدقة ... واسكتني امير بكلماته " اعتماد احنا اتفقنا نقلص المصروفات وانتي وافقتي هسة عاوزة تجي تنطي من كلامك ؟؟؟ وحسم النقاش لصالحه ...
اتصلت بعائلتي في السودان ابشرهم بقدومي في الاجازة " اسمعوا يلا كل زول يحدد عاوز شنو انا المرة دي مفلسة وامير وافق على جية الاجازة دي بعد طلوع الروح ... وابتدات قائمة الطلبات وانا اكتب حتى لا انسى شيئاً
امي .. " اوعي يا اعتماد تجيبي لي دلاقين .. الدواليب ملانة وما عارفين نوديها وين ... بس جيبي معاك سرامس حلوة وكم صينينة كدة وكبابي عصير يكون شكلها غريب وكبابي شاي .. ايوة وسكريات طقم مع السرامس والصينية ... وما تنسي الهبهان وجوز الطيب ... وكان لقيتي طريقة جيبي معاك التانج واللبن وصابون البدرة مرة واحدة ... وكمان ارمي في الشنطة كم باكو ماجي على حبة صابون ومعجون وكريمات ... حاضر يا امي ..
اختي الكبيرة .. " اعتماد عاوزة لي توب بيور سلك يكون تحفة .. نسابتي عندهم عرس ولازم اكون قيافة شديد ... عاوزاهو مشغول بالخرز اوعم من الترتر بقى موضة قديمة ... ولو لقيتي شبشب وشنطة لونه يكون تمام الفستان ما مشكلة باتصرف من هنا .. لكن في حوامتك لو لقيتي فستان حلو ومناسب جيبيهو ... تمام يا اختي الكبيرة..
اختي الوسطانية ... " عمدة .. انا عاوزة اعمل لي بخور .. جيبي لي كيلو صندل وشوية صندلية وضفرة ومجموع وناس سوار دي باريس وفلير دمور المهم حاجات البخور كاملة وبس ما عاوزة حاجة تانية ... تامري يا اختي الوسطانية ..
اختي الصغيرة الدلوعة " اعتماد حبيبتي .. انا بس عاوزة عطور .. بس تكون اصلية يعني ما تمشي تشتري لي من أي مكان والسلام ... لا بس من باريس غاليري ... عاوزة عطر لاكوست الجديد دعايته في التلفزيون .. وعطر ديور الجديد برضو شوفي الدعاية ..وتاني شنو يا ربي ؟؟ أي عطر تاني تشوفيهو حلو ..خلا ص ما عاوزة حاجة تاني قالوا انتي مفلسة المرة دي وامير عامل ليك تحديد ميزانية ... علم يا اختي الصغيرة ...
وتفاوتت طلبات الصغار ما بين ووك مان وعرائس باربي وفلة ... مكياج المراهقات ... موبايل آخر موديل ... تم التسجيل وبدات رحلة التسوق اليومية القاتلة ...

وللقصاصة بقية .....

Abubakr Ibrahim
25th March 2010, 12:22 PM
قصاصة سرية من دفتر يوميات زوجة مغتربة
سناء جعفر
الأخيرة ................

وصلنا مطار الخرطوم بعد رحلة مرهقة ومليئة بالمنغصات جلسنا بانتظار الحقائب فخاطبني امير بكآبة " تعرفي يا اعتماد اكتر حاجة باكرهها في الاجازات دي شنو ؟؟ انو انتي والاولاد بتكونوا بعيدين مني ... انا ما عارف انتي ليه رافضة تنزلي معاي في بيتنا .. انتي عارفة اني ما باقدر استغنى عنكم ...
اتى ردي حادا بسبب التعب وحساسية الموضوع " عشان بيتكم ضيق وما فيه مكان خاص بي انا واولادي .. ولما نقعد هناك يومين ولا تلاتة ببقى لايصة وما عارفة راسي من رجليني .. وبعدين بصراحة يا امير انا باحس انو امك واخواتك ما بيحبوني .. دائما متحفزين معاي وقاعدين لي على الهبشة ... اتى رده المدافع سريعا .. " لا يا اعتماد اهلي ما بيكرهوك ولا حاجة .. انتي الماخدة منهم موقف وبتتعاملي معاهم بفوقية وبتحسسيهم انك احسن منهم ... انا عاوزك تحاولي تصلحي علاقتك معاهم في الاجازة دي وبالذات مع امي .. وعليك الله حاجة تانية .. قدام امي ما تنادي الولد باسم ديدو .. بتزعل شديد من الموضوع دة ...
اسمع يا امير ما تبدا تعمل لي قوانين من بداية الاجازة ... انا حرة انادي ولدي بالاسم البيعجبني ... مش كفاية غصبا عني سميتوا الولد ( عوض الكريم ) ؟؟ أي نعم هو اسم ابوك الله يرحمه .. لكن بس هل يعقل انت يكون اسمك امير وولدك اسمه عوض الكريم ؟؟ انتو نادوده زي ما عاوزين وانا اناديهو بالطريقة البتريحني ... امك تزعل ما تزعل دي ما مشكلتي ... وبعدين هي اصلها قارشة ملحتي من يوم ما عرستني وبتتعمد تستفزني وعاملة مع بناتها رباطية علي ... كل ما يشوفوني لابسة حاجة يتغامزوا مع بعض ويقولوا لي " امير ليه ما جاب لينا زي دة ؟؟ وليه ما جاب لينا زي داك ؟؟ هم اخواتك ديل مش عندهم رجال يجيبوا ليهم .. وبعدين امك دي عاوزة تعيش زمنها وزمن غيرها ؟؟ لسة عاوزة تتحنن زي حنتي وتلبس زي تيابي ودهبي ؟؟ هي بعد دة خلاص ما كفاها .. مفروض تبطل الصبغة وتربط راسها وتلزم مصلايتها وسبحتها ..
ظهر غضب امير جليا في كلماته التي خرجت بصعوبة من بين اسنانه المطبقة " اعتماد الزمي حدودك وما اتنسي انك بتتكلمي عن امي .. انا ما باسمح ليك تتكلمي عنها بالطريقة دي .. هززت كتفي باستخفاف " انت الفتحت المواضيع دي ما انا ولمن ارد عليك ببقى ليك حار ..
وبعدين لو بيتعبك فراقنا في الاجازة وعاوزنا نقعد مع بعض ابقى ابني لينا بيت زي الناس عشان ننزل فيهو وما يكون في بيت اهلي وبيت اهلك ... يبدو ان زوجي العزيز قد فاض به الكيل ... انتفخت اوداجه وتسارعت انفاسه وهو يجاوبني بغيظ " بيت ؟؟ بيت اعمله بشنو ؟؟ هو انتي مخلية لي قرش اعمل بيه بيت ؟؟ دة انا حتى ارض ما قادر اشتريها .. الاسم مغترب لي 14 سنة ولغاية الان ما عندي أي شئ في السودان ... والبركة فيك يا اعتماد .. اعطاني ظهره واتجه الى سير العفش ... يا لها من بداية سيئة لاجازة طويلة ...
مرت ايام الاجازة بخيرها وشرها ... بمصادماتها وانتصاراتها وانكساراتها ... ابتلعت الاخضر واليابس ... وبعد 45 يوم عدنا الى الغربة القبيحة ونحن ما زلنا نحمل دفء الوطن ... شعرت بكآبة غريبة تعتريني عادة بعد العودة من أي اجازة ... في الامسيات اجلس ببلادة وانظر لامير بلامبالاة وهو يجلس مهموماً .. امامه ورقة وقلم يملاها بارقام ولا يبدو عليه الرضا بالنتائج فيعيد الكرة مرات ومرات ...
عاد امير الى دوامه المعتاد .. وعدت انا الى روتيني اليومي القاتل ... بعد اسبوع من عودة امير الى العمل عاد الى المنزل مبكراً كنت ما ازال في نوم عميق عندما احسست بيده تهزني بعنف .. قفزت برعب وانا انظر الى وجهه الكالح الملئ بالعرق ... وقبل ان اساله عن سبب قدومه المبكر وايقاظي بهذه الطريقة العنيفة ... بدا يتكلم وكانه يهذي بعبارات متقطعة لاهثة ...
اعتماد ... فنشوني ... انهوا خدماتي ...
سقط ارضاً وهو يتمتم بخفوت ... البنك ... القرض ... العربية ...
بعد شهر من عودتنا الى الغربة القبيحة ...
ما زال امير طريح الفراش في المستشفى وهو يعاني من شلل نصفي في شقه الايمن سببه ارتفاع شديد في الضغط ..
حاول الطبيب طمانتي بان الحالة قد تكون مؤقتة ... وربما يستعيد عافيته وقدرته على المشي بعد فترة طويلة من العلاج الطبيعي ...
حجز البنك على السيارة .. وحقوق امير .. وما زلنا ندين له بالكثير وانا عاجزة عن التصرف..
اقتربت المدارس ولابد من دفع القسط الاول والا لن يتم التسجيل ...
الشهر القادم تاريخ استحقاق شيك الايجار ...
ماذا افعل ؟؟ ... بالله عليكم دلوني ماذا افعل ؟؟؟

Abubakr Ibrahim
30th March 2010, 09:27 PM
شوقى بدرى
السمك (1)
الناس المصابين بمرض صيد السمك تجدهم فى كل مكان فى العالم . شاهدتهم فى الدائره القضبيه . وهم يحملون بريمه يدويه ضخمه لعمل ثقب فى الجليد لاصطياد الاسماك . ويجلسون فى درجه حراره قد تكون اكثر من عشرين درجه تحت الصفر . وهم مستمتعون . شاهدتهم فى امريكا وكثير من الانهر الاوربيه . وهم فى الماء الى اعلى من وسطهم . ويرتدون ملابس خاصه غاليه . ومعدات مكلفه دفعوا ثروه من اجلها . وهم سعداء . وصيد السمك يعنى لهم الكثير .
قبل سنوات كنت فى مقهى يتردد عليه الاجانب . وأتت قوه من رجال الشرطه السريه وعلى رأسها مفتش الشرطه كالامان . وسألوا الموجودين عن هويتهم خاصه اللذين لم يكونوا معروفين . فاحتج صاحب المقهى . وقال للمفتش . هل صار موضوع التردد على المقهى احد هواياته . فقال المفتش لا , ان هوايتى هى صيد السمك. وكان هذا فى التسعينات . وتلك فتره كادت ان تختفى فيها الاسماك فى شواطئ السويد الجنوبيه . بعد وفره . فقلت له مستهزئأً واين ستجد السمك . فقال انه قد اصطاد احدى اسماك الكوت ويبلغ وزنها اكثر من عشره كيلو جرامات . وبعفويه سألته اين عثرت عليها ؟. وما هو نوع الطعم ا لذى استعملته وما هو نوع الثقل الذى استعملته اربعين جرام ام ستين جرام ؟.
ولفترة نصف ساعه كنت اتناقش مع المفتش ومجموعته فى حاله وقوف . والمفتش قد نسى نفسه وانا كذلك . وصرت كلما الاقيه نتحدث عن صيد السمك . وفى السويد كان خروجنا لصيد السمك مكملاً للحياه اليوميه . وكان يندر ان نرجع بدون عشرات الاسماك الكبيره والمتوسطه . ومعدات صيد السمك لا تفارق سياراتنا .
منذ ان كنت فى السادسه من عمرى كنت اذهب لصيد السمك فى السودان . وكان يمكن ان اجلس كل اليوم بدون ان آكل وبدون ان اتحدث لاى انسان , وانا فى قمه السعاده . وكان وجودى على شاطئ النيل يكاد ان يكون مكملاً للشاطئ . فيندر ان اغيب عن النيل . وكنت اقضى كل الاجازه المدرسيه بالقرب من النيل . وصيد السمك اتاح لى الجلوس مع من انا فى عمر احفادهم . وكانوا يتحدثون معى بوصفى احد زملائهم وكنت اسمع الكثير من القصص . وبعضهم من كبار رجال الدوله خاصه اهل المورده .
عندما كنا فى مدرسه ملكال الاميريه كان الذهاب يوم الجمعه الى المدينه من الداخليه يعتبر متعه كبيره لا تضاهيها اى متعه . وانا فى طريقى برفقه الاخ عبد الله خيرى مدير بنك البركه الحالى . توقفنا لزياره الاخ مسعود حمو . لانه كان مريضا . وكان يسكن فى منزل عمه حمو مدير السجون ووالد معاويه حمو ضابط البوليس فيما بعد . وكان من المفروض ان نتطمئن على صحته ونواصل .
وجدناه يصطاد السمك لان المنزل كان على شاطئ النيل وجنوب سجن ملكال . وصرنا نتبادل الجباده ونصطاد الاسماك الصغيره . وبعد قليل كانت عندنا كومه كبيره . ولم نحس بالوقت الى ان أتى موعد الغداء فرجعنا للداخليه بدون الذهاب للمدينه ونحن فى غايه السعاده . كل الاسماك التى اصطدناها كانت من اسماك البلطى الصغيره . او خادم الميرى . والكبار يسمون البلطى عار . واظن ان كلمه بلطى اتت من مصر . وتعرف عالميا بنايلوتكا تلابيا . والبلطى اكثر الاسماك انتشاراً فى السودان . وقد يصل حجمه فى بعض الاحيان الى خمسه كيلو جرامات .
وبالنسبه لاعالى النيل فهى مليئه بالاسماك . لان اعشاب النيل وابو صوفه والجزر العائمه تعنى مساكن ومظلات للاسماك الصغيره والكبيره . وتعتبر جزورها وازهارها غذاءً للاسماك . والشلك عادةً يصطادون الاسماك لكثرتها بالكوكاب وهو رمح عادى به اشواك يقذفونه فى الماء وفى الاماكن الضحله وبعد عدة محاولات يصطادون سمكه .
عندما تنخفض المياه فى الخيران . يقوم النوير والدينكا بغرز اغصان متقاربه فى قاع المجرى . ويقفون والكوكاب فى ايديهم وعندما تصطدم الاسماك بالاغصان يطلق الصيادون رماحهم . وقد يصيب رمحين نفس السمكه . ويضحك الصيادون جزلاً . وتكون السمكه من نصيب الذى يكون رمحه اقرب الى الرأس .
النساء كن يتزودن بسلال ضخمه مصنوعه من الاغصان المتينه . ويقفن صفاً يغطى كل المجرى ويقمن برفع السلال وانزالها فى وقت واحد . وعندما تحس احداهن بأن احد الاسماك قد علقت فى السله تقوم بادخال يدها من الفتحه الصغيره فى اعلى السله واخراج السمكه . الاسماك التى تصطاد بهذه الطريقه . هى القرموط او البلبوط ودبيب السمك الذى له جسم خشن واشواك قويه على طول الظهر . وشاهدت احدى نساء النوير وهى تناضل لكى تحكم قبضتها على دبيب حوت كاد طوله ان يبلغ المتر . وعندما امتلأت اصابعها بالدم اطلقت الدبيب . الاطفال الصغار كانوا يقفون على ضفه الخور ويلتقطون الاسماك التى تطوح لهم بها النساء . واكثر الاسماك تواجداً فى نهر السوباط والنيل ونهر اكوبو والبيبور . هى النوق . والنوق لحمه اصفر . وليس من اجود الاسماك . ولكنه يجفف ويصير مؤونه الاكل لاغلب السنه . وهذا ما يعرف فى السودان بالكجيك او المندجي . بالجيم المعطشه . وعندما يكثر الشئ يقولون رقد مندجى . وفى الشمال قد تكون كله نوق اساءه للانسان وتعنى الرداءه .
وهذه الاسماك التى ينحسر عنها الماء ويلتقطها الناس بأيديهم والطيور بمناقيرهم . القرموط والذى يعرف عالميا بالكات فيش هو السمك الذى يتنفس برئته . وعندما ينحسر الماء يدفن نفسه فى الطين . ويترك فتحه صغيره يصعب رؤيتها لكى يتنفس منها طيله فصل الشتاء وبدايه الصيف . واللذين يخبرون دروبه , يبحثون عنه ويحفرون مخابئه وقد يصل وزنه فى كثير من الاحيان ثلاثه الى اربعه كيلو جرامات . ويضرب به المثل فى المقدره على العيش . ويقولون القرموط قال لامه ما تقنعى منى لحدى ما يقولوا ليك ختونى فى الحله . والقرموط قد يقضى يوما كاملا خارج الماء اذا وجد ظلاً وبعد عن الشمس . وله مقدره خارقه فى ان ينطلق نحو الماء . اذا وضع بعيدا بعد اصطياده . والقرموط يتواجد فى كل مناطق السودان . ولكن دبيب السمك او دبيب الحوت لم اشاهده الا فى الجنوب ومناطق النيل الابيض .
العجل هو سيد السمك النيلى . نسبه لضخامته وقله الاشواك فيه . وقد يصل حجمه الى ستين كيلو جرام ويسمى بقره حوت . ولا يمكن صيده فى هذه الحاله الا بشباك الكر التى يبلغ طولها مئات الامتار . ولها حبال طويله يمسكها رجل على الشاطئ . لكى يندفع ( السرتق ) القارب الخفيف من خشب الحراز يحتاج الانسان لاربعه رشاش . وهى مجاذيف السرتق الخفيفه . ورجل سادس لكى يلقى بالشباك . وهذه الشباك تعرف بشباك الكدن والفتحه تسعه قواريط . ولا تصمد الا لموسمين او ثلاثه لان اسماك الكدن القويه التى تأتى فى ايام ( الترده ) الفيضان تمذقها . وفى بعض الاحيان قد يعلق فيها فرخ تمساح او تمساح كبير كذلك . او السلاحف .
العجل يعرف عالميا بنايل بيرش . ويتواجد بكثره فى اثيوبيا خاصه فى بحيره تانا . ولحمه يشبه لحم سمك الهامور المشهور فى الخليج . ويعرف عالميا بقروبر . والاخ عبد المنعم مالك بشير كان يستورد هذه الاسماك من اثيوبيا فى التسعينات الى الامارات وكان يصعب التفريق بين لحمها ولحم الهامور .
اغلى الاسماك سعرا فى الخرطوم كان هو سمك البياض . وكان سعره اربعين قرشا فى الخرطوم للكيلو .عندما كان سعر لحم البقر الخالى من العظم 16 قرشاً والفليتو عشرين قرشا . ويعرف ذكر البياض بالكبروس . وله لحيه وشوارب ولونه ابيض فضى وله جسم انسيابى جميل , المشكله انه لا يتواجد بكثره
اغلى المكنسات الكهربائيه فى اوربا هى الدنماركيه المستعمله فى الاعمال الكبيره و المعروفه بنيل فيسك او سمكه النيل وشعار الشركه هو سمكه خشم البنات التى لها فم وكأنه منقار طويل وفتحه صغيره لا تزيد من بضع ملمترات . ولهذا تعرف فى السودان بخشم البنات . وليس لها اى وسيله للدفاع مثل القرقور او الشلبايه التى لها حراب للدفاع . والبرده تدافع باللسعات الكهربائيه . والتامبيرا تنتفخ حتى لا يبتلعها السمك الكبير . ولكن خشم البنات لها سرعه غير طبيعيه . وسرعتها تعتمد على الذيل الذى لا يمكن اكله لانه ملئ بالاعصاب والعضلات . وخشم البنات يمكن ان تملح وتصير فسيخاً . وكنا نحشيها بالملح وندفنها فى الارض ولها فسيخ رائع . وعندما تعلق فى الجباده او الرماى لا تبدى اى مقاومه ونقول حيلو ميت ذى خشم البنات .
هنالك سمكه تشبه خشم البنات ولها نفس الفم الصغير الا انه يلتصق بالرأس مباشرة وهذه هى الترزه . والترزه كذلك يمكن ان تملح . فلا يمكن تمليح الاسماك التى بدون قشور . ولكن هنالك اسماك بقشور لا يمكن تمليحها مثل البتكويا . وهى فطحاء وشكلها اقرب الى القرص عندما تكون صغيره تعرف بالتجه . بالجيم المعطشه . وهى مليئه بالاشواك لا يمكن اكلها الا وهى كبيره . ولسوء الحظ انها تأتى فى مجموعات كبيره خاصه فى ايام ( الزلقه ) انخفاض النيل . وتعلق فى شباك الكر مع الكواره والكاس التى تملح . ويقوم السماكه بطرحها على الشاطئ .
فى داخل التجه هنالك قطعه حمراء تشبه الاصبع الصغير . تعرف بتمره الفؤاد كنا نستخرجها ونطعم بها الصريمه . والصريمه عباره عن خيط سميك تتدلى منه مئات السنارات . وتزود بحجر ضخم . والمجموعه من السنارات الاقرب للحجر تعرف بجبادات الشك . لانه تشك فيها اسماك حيه . وهى سنارات ضخمه تعرف بنمره اربعه قد يبلغ طولها عشره سنتمترات . والقرموط قد يستعمل عدة مرات حتى بعد ان يوقع باحدى اسماك العجل الكبيره . فيظل عائشا داخل فم العجل او الكبروس . وللحصول على اسماك القرموط الصغيره يستعمل الصيادون شبكه الكر الصغيره وهى شبكه لا يزيد طولها عن مترين لها عصى من كل جانب . يمسكها رجلين . وتعلق فيها الاسماك الصغيره بالقرب من الشاطئ . ثم تشك فى السنارات الكبيره .
البتكويا لها زعانف حمراء اللون . وكذلك الكواره وهى صغيره الحجم لها كذلك زعانف حمراء وجسم فضى . ولها موسمين التردا والزلقه . الكاس يبلغ طولها نصف المتر . ولها اسنان مرعبه وهى قويه جداً عندما تقع فى الرماى او الجباده تقوم بقطعها باسنانها . ولكنها اجمل اسماك الفسيخ . والبعض يقول ان الكاس هو الكواره عندما تكبر ولكنى اعتقد انها سمكه قائمه بذاتها .
للكواره شباك خاصه وبعيون صغيره . وعندما تضم شباك الكر على الشاطئ تنطلق الكواره طائره فى الهواء مثل الكاس الذى يطير لعدة امتار حتى يعود الى الماء . وهذه العمليه تعرف بالسنيق واللويب وتعنى الضم او رفع الشبكه من جانب واحد حتى لا تطير اسماك الكواره وتعود الى الماء . والكواره تصطاد كذلك بالطراحه . وهى الشبكه المستديره التى تطرح بواسطه كوع الصياد . ولها حبل دائرى على اطرافها مزود باثقال من الرصاص . كنا نتحصل عليها من دروه ضرب نار غرب فريق الصغور فى امدرمان .
احدى طرق اصطياد سمك العجل هى الشرل . والشرل عباره عن حبل قصير فى آخره جباده نمره اربعه تزود بذنب خروف مصبوغ بالتفته . او سمكه شك حيه . ويمسك الانسان بالشرل بيده اليسرى وبيده اليمنى يمسك ما يعرف بالوجله . وهى خطاف مثبت فى عصى . ولهذا يقولون الناس عن الانسان سريع النهمه او الذى يأكل بشراهه او يخطف ( ايدو ذى الوجله ) . وعندما يعلق سمك العجل الكبير او كبروس كبير يصعب اخراجه بدون الوجله التى تشك فى جسمه ثم يرفع الى القارب . وهذه الطريقه تحتاج لدرايه ومعرفه بالاماكن التى يتواجد فيها سمك العجل . وفى ايام الترده تتواجد هذه الاسماك فى المناطق التى تغطيها اشجار السنط بظلالها . وقد تأكل الاسماك الشبش وهى زهره السنط التى تتساقط فى الماء . وتأتى الاسماك الكبيره خلف الاسماك الصغيره .
وللسمك ... بقية

Abubakr Ibrahim
30th March 2010, 09:43 PM
شوقى بدرى
السمك (2)
قرأنا انه كان للعرب ايام مشهودة مثل يوم تحلاق اللمم. ويوم ذي غار عندما غدر العرب بحلفائهم الفرس وانضموا الى بقية العرب وهم في المعركة وهزموا الفرس. وذي غار البلد الان موجود في العراق.
كانت لنا ايامنا المشهودة في امدرمان وكنا نسمع (ياخي من يوم الصارقيل انا ما شفتك) او (ياخي اسبوع من يوم الصارقيل حصل كده وكده...). ويوم الصارقيل هو يوم تمتلئ فيه نجيلة الرفيرا بالصارقيل .فعندما يكبس النيل ويحيط بالحديقة تمتلئ النجيلة بالماء . فيخرج الصارقيل خوفا من الغرق . ويمكن ان يجمع الانسان ملء بسلة من الصارقيل.
يخرج اغلب اهل الموردة وبانت والعباسية تحت ويكون هنالك فستفال وتلاقي خاصة في يوم الجمعة. البعض قد يحضر بفطوره وسندوتشاته والحلل والسكاكين والبصل والصلصة والابسطة . وكفتيرة الشاي وما يدخن من سجاير حمراء وخدرا.
وتبدا العملية بدكان الشايقي الذي كان غرب الجزر. وكان متخصصا في بيع معدات الصيد, مثل هاوس اوف سبورت الذي كان يبيع البنادق وكل معدات الصيد البري والبحري. طبعا مع الفارق. كخيط الرماي, من الكتان القوي. والفتقة تلاته قروش. و السنارات تلاتة بتعريفة . والرماي يحتاج لفتقتين لكي يذهب بعيدا. حوالي ستين سبعين متر داخل الماء. ويقتطع مترين من هذا الطول لصنع نشالة او الجباده . وهي عبارة عن خيط يربط على جريدة, او قناية صغيرة. وتزود بقطعة من الطرور لكي تطفؤ او فلينة. والفلين كان متواجد بكثرة في الرفيرا لأنه يغطي زجاجات الشري . ويجلس الجميع على طول رصيف الكازينو. فالصارقيل هو احسن طعم لصيد السمك. واجود الصارقيل هو صارقيل الرملة. فله جسم متماسك ولايموت حتى بعد غرزه في السنارة. يقال صارقيل الرملة ينادي السمك. وهو اصغر حجما من الصارقيل الطيني. والصارقيل يتغذى بصفق الشجر.وإن كان يبتلع الطين لمساعدة عملية الهضم. ويخرج برازه في شكل طين. ويحسب الناس انه يتغذى بالطين ولهذا يقولون الصارقيل بياكل الطين.
يندر في ذلك اليوم ان لا يصطاد الانسان سمكا. واكثر الأسماك التي تصطاد في بداية الدميرة هي القراقير. وكنا نصنع منها شوربة . فالقرقور او (الكنكيج) له رأس ضخم. لا يمكن قرقشته مثل الاسماك الاخرى. وثلث حجمه عبارة عن رأس ضخم. الا ان له سنام مليء بالدهن يعطي الشوربة طعما مميزا. وقديما كان يمكن ان تشاهد ثلاثة مجموعات كبيرة , ولكل مجموعة نيرانها وحللها.
المجموعة الاكبر كانت في منطقة الطابية. المجموعة الثانية كانت مجموعة ابدبر. وابدبر هو مرتفع صخري يبدو في شكل كرة ضخمة, نصفها مطمور في الارض وهذا جنوب الرفيرا.
والمجموعة الثاثة والاصغر كانت مجموعة بخيت ابو الجوخ التي كانت تتواجد امام المسرح القومي. بخيت كان آخر الصياع في امدرمان مثل ودالرومي وتوم شم العيش(قدماء المغنيين)وكان يسكن في الكبري الذي امام المسرح . وهذه مجموعة دائمة كانت تتواجد طيلة السنة من روادها الدائميين بعض المتعلمين. اخي (شحرر) حسن عبدالفراج, احمد باب الله ومصطفى كتلة الذي كان محضر معمل في مدرسة الاحفاد الثانوية. وكنت انا اصغر افراد الشلة وسمعت كثير من القصص والحكاوي من هذه المجموعة.
ثقافة السمك في الموردة هي التي اعطت فريق الموردة اسمهم (القراقير). والقرقور هو السمك الوحيد الذي يصدر صوتا مسموعا عندا يقبض وهو(غووق...غووق...غووق) ولا يموت بسهولة. ويحاول عادة الرجوع الى الماء. واكتشفت انا طريقة لقتله ببساطة وهي إدخال قشة او عود صغير عن طريق فتحة صغيرة بين عظام جمجمته. فيموت بصدمة دماغية. وللقرقور ثلاثة شوكات مميتة كنا نقوم بكسرها مباشرة بعد القبض عليه. وهذه الشوكات تشبه الكوكاب (مشرشرة) . ولقد شاهدت الكنكيج عندما يصير كبيرا يسبح بالقرب من التمساح والتمساح يتجاهله. والقراقير انواع كثيرة وهي تسبح عادة وبطنها الى اعلى حتى تستطيع ان تلتهم الطحالب والعوالق التي تلتصق بالأغصان والحجارة من اسفل. ويقول له البعض ود القلباوي. الكنكيج انواع منها ابوريالة وتغطي جسمه مادة سميكة لذجة تفوق المعدل العادي لأن كل القراقير مغطاة بمادة لذجة ولهذا ندعكه بالحجارة وبالرمل. وهنالك الكنكيج المنقط وهذا قد يصل وزنه الى 2 كيلو او 3 وهذا اسود اللون ولسؤ الحظ كان هذا يعرف بأكل العبيد . وهنالك كنكيج فضي اللون كنا نسميه الالمونيا والكنكيج نهم مثل القرموط ولهذا يقع في الجبادة بسهولة.
بما أنني قد كنت حواتي ونواتي وتربال فلابد انني قد تأثرت بجو الحواتة فعند وفاة الدكتور خالد الكد بعد حادث سير في لندن وكان يتحدث معي في التلفون قبلها بيوم قلت
كربل طرين سكن الفؤاد يا ابروف
مات الفارس الما بعرف الخوف.
ومنها كذلك
كنكيج الحجر الما بهاب تمساح
ات راجل الفريق اللدموع مساح
والكربل هو آلة لصيد النهر ومن نفس اسرة البديقا او البدينقا كما يقول البعض او ام حنيف وهذه حراب ضخمة برأس عريض مزودة بحبل وعوامة من الطرور الضخم او اسطوانة من خشب الدبكر الخفيف الذي تصنع منه قداح الطعام. ولهذا يقولون عن الرجل الكريم ( سيد الدبكر)
وام حنيف اصغرها حجما والبديقا لضرب الاسماك الكبيرة او التمساح والكربل اكبرها يضرب به حتى القرنتي (العينسيد) ولقوة فرس البحر يزود الكربل بحبل متين مصنوع من جلد العينسيد ولهذا يقول المثل السوداني... العينسيد بدقو بي جلدو...
اهلنا الرباطاب كانوا يجيدون صيد التمساح وابن عمي الدكتور حسن فرح الموجود الآن في جمهوريات البلطيق, كتب عن عمه الحاج وعمه الآخر الذين كانوا يصطادون التمساح بالشرك. وهو خطاف كبير مزود بوتد قوي وقطعة كبيرة من اللحم او البديقا او البدينقا. واحسن مكان لقتل التمساح هو الفقرة عندما تنتهي عظام الجمجمة. وعندما يقع في الشرك يضربونه ب دلدماية الحديد على حاجبه او بالفرار على فقرته. ويقاوم التمساح لآخر لحظة. ولقد قام التمساح بعض عمنا الحاج والتمساح يحتضر وثقب يده بأنيابه. وواصل العم الحاج مهنته كصائد تماسيح واشهر صائدي التماسيح كان على الاطلاق ابنعوف ويغنى له وغني له الصيادون
ابنعوف ولدا ما بخاف
كتف التمساح بالخلاف.
من قصص الموردة والتي يحكيها الاخ ابراهيم الجزولي عازف الكمان وزميلنا في تشيكوسلفاكيا والمخرج التلفزيزني في الإمارات , فعندما كانوا في مدرسة الموردة الاولية سألهم استاذ جديد عن الحواس الخمسة وسأل الحواس الخمسة العارف منو؟. فقال زميله شمت , جناها , كبروس عشري ...واكمل العدد الى خمسة . فطار صواب الاستاذ فشمت كان يفكر في الحواته الخمسة وليس الحواس الخمسة.
وعندما كانت حواتيا كان شيخنا هو الغول وهو رجل بشخصية طاغية ولون حالك السواد وقوة جسدية خارقة. اخرج تمساح بنفسه عندما وقع في شباك الكر الطويلة التي تصل لمئات الامتار. وفي رواية الحنق التي تتطرق كذلك لحياة النواته وصانعي المراكب ذكرته كأحد شخصيات الرواية. وهو الوحيد الذي لم اغير اسمه. وكان هنالك حجير. وحجير ليست من الحجر ولكن بلغة النواته هو النهر الصغيروكان هنالك قرض وحميدة و آخرين.
في الخمسينات ظهر النقادية في الموردة وكانوا ابرع من صيادي الموردة والسودان. وكانوا يعملون طيلة السنة ليلا و نهارا وكان يتبعهم اطفاله منذ السابعة. وكنت اشاهد نساءهم في بعض الاحيان. وكانت لهم اساليبهم المختلفة في الصيد. يقال عنهم انهم يربطون البراز في صرر صغيرة من الدلاقين كطعم لايقاع اسماك العجل. صناراتهم كانت ما كنا نسميه دق ابظرته. عبارة عن صنع الحداد لها نهاية مبططه لربط الخيط والخطاف عبارة عن فتحة بالشاكوش والأجنة وسناراتهم ملوية سوداء اللون ليست مستقيمة كسناراتنا (كجل). وكانوا يكتفون فقط بالصريمة والطراحة.
الصريمة هي عبارة عن خيط قوي وقد يصل الى مئات الامتار . وتتدلى من هذا الخيط مئات السنارات. والسماكي انسان يتطير ويؤمن بالنحس. فمثلا لا ينزل الصريمة الا بعد عد كل السنارات والعدد يجب ان يكون فرديا. واذا كانت احد السنارات قد قطعت فتنتف سنارة اخرى حتى يعود العدد فرديا. الطراحة هي الشبكة المستديرة ولها حبل لا يزيد عن مترين او ثلاثة يربط حول المعصم الايسر ثم ترص حول الكوع وتنشر بطريقة معينة وتحتاج لمهارة فائقة وشهور من التدريب. وتزود اطرافها الخارجية بأثقال من الرصاص. وكنا نأخذ الرصاص من دروة الجيش السوداني بعد إنزال العلم, بين الفتيحاب وبانت. وقبل الرصاص كان الحواته يستعملون عرق الحجر. ففي بعض الاماكن الحجرية تكون المياه قد ساعدت في تآكل الشوطيء الكلسية وتبقى عروق من حجر الصوان الاسود من داخله لأنها لا تتآكل. وتصير في شكل عروق. يأخذها الحواته ويربطونها في اطراف الطراحة لكي تغوص بسرعة.
والحواتي بالممارسة يعرف اين يطرح الشبكة وكم ينتظر بعد إلغاء حجر في الماء لجذب الاسماك. الإنسان يتذكر بعض الاشياء اول سيارة يشتريها الانسان وانا اذكر ان اول سمكة اصطدتها بعد ان اتقنت عملية الطراح المعقدة كانت دبسية . والدبسي له رأس صغير وقشور مثل البلطي الا ان جسمه إنسيابي ويمكن قرمشة راسه مثل البلطي . واليوم 25 ديسمبر, يأكل كثير من الاوربيين خاصة في وسط وشرق اوروبا سمكا الكارب . وهذا إلزامي مثل الديك الرومي عند الانجليز. وفي تشيكوسلفاكيا يعرف ب كابر. ويباع حيا في احواض . والكارب يشبه الدبسه الى حد كبيرالا ان الدبسه اقل عرضا.
الغريب ان الدبسه لا تقع ابدا في السنارة وتقع فقط في الشباك. وكثير من السودانيين لا يعرفون الدبسه ولحمها لذيذ.
وللسمك .... بقية

Abubakr Ibrahim
30th March 2010, 11:14 PM
شوقى بدرى
السمك (3)
من الذ لحوم الاسماك هي البرده ولحمها هش وشوكها قليل. ولكن لأن سمعتها سيئة ويقال انها تغرق الناس, لأنها تعطي صدمات كهربائية قوية تعرضت لها عشرات المرات. وعندما تقع في الصريمة او الرماي يكون السمك المجاور لها ميتا او دايخا. وفي احد صرايمي كان هنالك ثلاثة بردات متجاورات.
جلد البرده سميك وقد يزيد عن السنتمتر الجزء الخارجي قوي وله بطانه من دهون و انسجة ويستعمل في تجليد الشتم والطبلة هذا بعد إزالة الشحوم. وعادة ما يستخدم لحم البردة والتامبيرا في سمك السندوتشات او سمك الصاج.
من العادة ان تباع البطاني بأسعار عالية والبطاني هي الفلي او كما نقول في السودان فليتو وهي اللحم بدون عظم. والقطعة الصغيرة وتعرف بقلبة الضهر يأتي الباعة المتجولون ويشترونها ويطوفون بها الاحياء. خاصة بنوك الدم وبنك الدم هو بيت المريسة والعسلية. وينادون على بضاعتهم....يا حمام النيل....سمك...سمك...سمك مقلي ب زيت. ويبيعون القطعة ب تعريفة. اربعة قطع ب قرشين ورغيف كبير ب قرش وجبة كاملة لرجل كبير. الجنيه مئة قرش.
من حوادث امدرمان ان رجلا قتل آخر لأنهم اتكاجروا في قطعة سمك وكل واحد كان يقول بس انا عاوز القطعة دي. وكان البعض يقول عندما يسأل ماذا يريد ان يأكل؟ ..يقول ناكل السمك البكتلو فوقو ده..
في قصيدة البدينقا والمحجان قلت
خسران البدل البدينقا بالمحجان
وقمحان الخلى السلب وشال القيطان
فصاحب البدينقا هو من يصطاد التمساح او فرس البحر ويخاطر بحياته ويعود بالمال الوفير بعد غيبة. والمحجان هو عصا طويلة معكوفة يستعملها الراعي لهز الشجر لإسقاط البراعم او زهرة السنط (الشبش) لإطعام البهم وهو راضي برزقه الهزيل. ويبدو انني عندما قلت هذا الكلام كنت متأثرا بأهل البديقا. احد صيادي القيقر فقد ذراعه في معركة مع فحل قرنتي عرف في الخمسينات بابغره . اثار الفزع في المشرع. وفحل آخر قلب شروك وهو مركب الشلك الذي هو عبارة عن جذع شجرة واحد. وكان هذا في جنوب ملكال وخرج بعض الفتيات والنسوة عائمات. الا ان الشلكاوي صاحب الشروك سبح خلف الشروك لأنه يساوي ثروة وقد يعمر الشروك لمائة عام فقتله القرنتي.
وهناك قرنتيه قتلها العم حسن سمك مسؤول مصائد الاسماك في بداية عام 1959 امام منزل العم حمو مدير السجن. خرجت بعد اربع ساعات من اصابتها بالرصاص. قسم لحمها على بوليس ملكال. خاصة المستجدين. فالقرنتي عندما يموت يطفؤ بعد ساعات.
القرنتي قد يقتل التمساح بسهولة ولقد شاهدت تمساحا عشاريا وقد قلمه القرنتي الى نصفين وكان السمك الصغير يأكل فيه . وعندما رثيت صديقي واستاذي مبارك بسطاوي الذي لازمته لسنتين ونصف. وكان لنا (سرتق) قارب حراز وصريمة ضخمة وطراحة وطوف كبير من الطرور وكان يزرع في الراس الطيني في الجزيرة الهلالية التي تجاور جزيرة ودكين التي تحت اقدام كبري امدرمان الحديدي العتيق. كنت اساعده كتربال وكنا نزرع الخضروات والبطيخ والشمام والخضروات والعجور. ونسقي الخضروات بالجوز او النبرو.
ولان والده العم بسطاوي كان متعهد المعدية بين امدرمان وتوتي ومعديتين صغيرتين بين توتي والخرطوم بحري. فلقد تعلمت إدارة المعدية على يد ميرغني والذي هو من ود راوه ويحمل شلوخ الشايقية وصرت في بعض الاحيان ادور المعدية لوحدي. او اساعد مبارك عندما صار ريس. والمركب مليئة بالناس والخضار...ونعيي لصديقي واستاذي مبارك بسطاوي قلت.
الريح قلب والموج فات الدير
والقرية ميلت وانقطعوا العيايير
كنت بدور اشوفك لكن حكموا المقادير
الاتعلمتو منك البجيبو الله كلو خير
والعمر عارية ما بربطوهو بي سير
واللدر العشاري يوما بياكلو الصير
يا العوا والسماك ما مداخلو هجير
ثابت زي ام كبك والحال بدورلو نفير
هذا جزء من القصيدة ولا اذكر الآن الباقي الا انه موجود.
الدير هو حافة المركب وتكون عبارة عن الواح افقية والقرية هي الصاري والعيار هو الحبل الذي يربط القرية بالكونية. وعمود الكونية هي الواح متقاطعة تمتد من اطراف المركب وتضمن ثبات الاطراف. العوا والسماك هم آخر منازل المطر الثمانية في وسط السودان, اولها الذراع والنترة والطرفة والخرسان. وإن كان البعض خاصة في شمال الجزيرة لا يعتبر الذراع من منازل المطر بل من الصيف. والمنزل هو اسبوعين.
امكبك هي شبكة قوية تثبت في منطقة الدواما بصخور ضخمة جدا وعندما تأتي الاسماك الكبيرة مندفعة, تعلق فيها وترفع اطرافها العليا بعوامات ضخمة او جوالين ملحومة. وهنالك نوع آخر اصغر هو دق فوق لا يصل الاعماق.
اذكر انني في حديثي مع البروفسور ود الريح ان تتطرقنا لمجاعة سنة 6 وانه سألني..ليه يا شوقي الناس ما اتجهت للبحر... السمك والحيوانات البحرية؟..ولم اجد اجابة لهذا السؤال. ولكن عند قراءة مذكرات فوزي باشا ذكر انه في ايام حصار الخرطوم ان غردون باشا اشتهى السمك. ولكن في تلك الايام انعدم السمك من النيل وعزا هذا لقعقة السلاح واصوات المدافع ولكن هذا ليس بصحيح.
في سنة 63 كانت سنة سيئة بالنسبة للحواتة اختفى فيها السمك في منطقة الخرطوم وكان هناك وارد كثير من الصعيد. وانخفض سعر الكوارة لثمانية عشر مليم للرطل والكوارة هي التي تملح وتصير فسخا. وكان هنالك وارد كثير من الصعيد واشتكى الحواته وكانوا يقولون (والله السنة دي سروال ما قدرنا نشتري). بالرغم من هذه المصائب ظهر موظفي مصلحة الاسماك وظهرت لنشاتهم لاول مرة واصروا على تحصيل الرخص عشرة جنيه من كل قارب صيد. و 150 قرش على كل فرد حتى ود القيروانة. والقيروانة هي صفيحة الذي يحملها صبي ويتابع صاحب الطراحة الذي كان يناضل لكي يكسب بعض القوت. وكانوا متغطرسين
عندما احتج كبار الحواتة بأن الانجليز كانوا متساهلين اذكر احد الموظفين يقول ...انحنا ما بهمنا. وانحنا الطلعنا الانجليز من البلد. واذكر انهم قد قبضوا على سرتق حراز قديم كان مليئا بقش الجزائر . وهو القش الذي ينمو ايام الفيضان ويحش ويباع كعلف. فقال صاحب القارب بأنه قد اشترى القارب و اصلحه للنقل فقط. ولكن لأن القارب كان مزود برقم ولوحة من الالمونيوم صغيرة فلم يقبلوا, حتى بعد ان قال لهم صاحب السرتق ...اقلعوا نمرتكم وخلو لي مركبي..
وفي رواية الحنق صورت هذه الحادثة بتسلط المسوؤلين الجدد الذين كانوا اقل تفهما من الانجليز...

Abubakr Ibrahim
1st April 2010, 10:50 AM
ساخر سبيل
قبل يومو
الفاتح جبرا
(الرآى العام )
يحكى التقرير الذى جاء بعدد الأمس من هذه الصحيفة واقعة مأساوية مؤلمة لو حدثت فى أشد البلدان كفراً لأقامت الدنيا ولم تقعدها ولكان لها ما بعدها .. لكن لا أظن أن شيئاً كهذا سوف يحدث عندنا فنحن أشد البلدان(إيماناً وإحتساباً) نؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره فإن وقع الخير منه فهو حصاد ما زرعته أيادينا البيضاء وإن وقع الشر فهو بلا شك (رجس من عمل الشيطان) السايب شغلو كلو وقاعد حارسنا !
يقول التقرير إن زوجة في الخامسة والثلاثين من العمر أنجبت بولادة طبيعية بواسطة قابلة قانونية طفلة حلوة لكنها للأسف، لم تشاهدها ولم تتأمل وجهها البرئ لأن الأم (ببساطة) إنتقلت إلى رحاب الله فى رحلة (بطيئة) إستغرقت أربع ساعات كانت هى الفترة التى ظلت تنزف فيها بينما كان ذووها يفعلون المستحيل من أجل إجراء عملية نقل دم لها !!
بعد قراءتى لهذا التحقيق المؤلم توصلت إلى حقائق هامة وأول هذه الحقائق إنو فى ناس كتيرين (ما عندهم دم) تسببوا فى إزهاق روح هذه الزوجة (رحمها الله ) ... فالمسئول عن إجراء عمليات الولادة بمستشفى القطينة هى قابلة (يعنى داية) وليست طبيبة أو طبيب وكنت أظن وأنا أستمع إلى المسئولين يتحدثون عن (الثورة الصحية) التى شملت القرى والحضر إلى أن (حكايت الدايات) دى إنتهت من زمان (بحكم التطور) وحل بدلاً عنهن أطباء أكفاء متخصصون يستطيعون التعامل مع الحالات الطارئة ! وإذا بى أفاجأ بوجود (داية ) وكمان (ما بتسمع) كلام (الطبيب) الذى وجهها بألا تعطى الزوجة عقار الـ (بسنتسنون) لكنها أعطته لها مخالفة لتوجيهاته !!
وبعد أن فقدت الزوجة كميات من دمها وبعد أن فشلت (الداية) في إيقاف النزف اتصلت بالطبيب، الذي هرع إلى المستشفى على الفور، وتأكد من خطورة الحالة، فوجه بإجراء عملية نقل دم مستعجلة.
حيث أبدى عدد كبير من رجال الأسرة إستعدادهم للتبرع لها بدمائهم دون تردد فذهبوا ( للمعمل) ولكن بما إنو (الوكت كان آخر ليل) والمعامل فى معظم مستشفياتنا (الحكومية) زيها وزى (دكان اليمانى) بتقفل بالليل فقد وجدوا (المعمل قافل) !! فبدأوا رحلة طويلة إستمرت زهاء الساعتين (والمرحومة بتنزف) للبحث عن فنيى المعمل (الثلاثة) : الأول ذهبوا له فى منزله فأعتذر انه ليس نبطشياً، فورديته إنتهت (شغال فى مصنع النسيج ؟!) وذهبوا للفني الثاني بمنزله فعلموا أنه مسافر (بدون ما يكون فى بديل عنو !) وعندما عادوا للمستشفى أخبرهم خفير المستشفى بإحتمال وجود الفني الثالث بميز المستشفى، وفعلاً ذهبوا فوجدوه يغط في نوم عميق، وعندما إيقظوه تذمر وغضب لإيقاظه في تلك الساعة المبكرة (إحتمال كان مساهر!) ، ثم وجههم بإحضار المتبرعين للمعمل، وإنتظاره هناك لكنه لم يأت طيلة نصف الساعة ، وعندما (رجعو ليهو تانى) فى الميز، كانت المفاجأة حيث وجدوه قد عاد لنومه مرة أخرى .. (ما قلتا ليكم ؟ ) ، حيث رافقهم هذه المرة وهو يسير ببطء وتكاسل، وعندما وصل إلى المعمل كان يحمل معه كمية من المفاتيح أدخل عدداً منها في طبلة باب المعمل، وبعد حوالى (7) دقائق نجح في التوصل لمكان (خرم الطبلة) وقام بفتحها كما نجح كذلك في هدر كميات من دم (المرحومة) كانت كفيلة بأن تضع حداً لحياتها !
بالطبع مثل هذا (السيناريو) لا يمكن أن يحدث لأى (فأرة) من فئران تجارب أى دولة فى العالم (تحترم نفسها) وتضع صحة مواطنها فى أولويات (بنود صرفها) .
بالقطع لا أحد يعترض على مشيئة الله فالموت حق لكن وجود أطباء للولادة بالمستشفيات وتجهيزمعامل مزودة بالأجهزة الحديثة والفنيين المدربين على مدار الساعة وقيام العاملين فى الحقل الطبى بواجباتهم منطلقين من الوازع المهنى والإنسانى و(الدينى) كل ذلك من شأنه إنو ما يخلى الزول (يموت قبل يومو!!)
كسرة :
مافى زول بيموت قبل يومو .. عشان أنا عارف (العلماء) فالحين فى الحاجات دى !

السني أبوالعزائم
5th April 2010, 01:21 AM
قرر المحتال وزوجته الدخول الى مدينة قد اعجبتهم ليمارسا اعمال النصب و الاحتيال على أهل المدينة

في اليوم الأول : اشترى المحتال حمـــارا وملأ فمه بليرات من الذهب رغما عنه، وأخذه إلى حيث تزدحم الأقدام في السوق لمح الحمـــار مراهقة في السوق فنهق ،،، فتساقطت النقود من فمه ... فتجمع الناس حول المحتال الذي اخبرهم ان الحمــار كلما نهق تتساقط النقود من فمه،،،، بدون تفكيرا بدأت المفاوضات حول بيع الحمــار اشتراه كبير التجار بمبلغ كبير لكنه اكتشف بعد ساعات بأنه وقع ضحية عملية نصب غبية فانطلق فورا إلى بيت المحتال وطرقوا الباب قالت زوجته انه غير موجود لكنها سترســـل الكلب وسوف يحضره فــــــورا. فعلا أطلقت الكلب الذي كان محبوسا فهـــرب لا يلوي على شيء، لكن زوجها عاد بعد قليل وبرفقته كلب يشبه تماما الكلب الذي هرب. طبعا، نسوا لماذا جاؤوا وفاوضوه على شراء الكلب ، واشتراه احدهم بمبلغ كبير طبعا ثم ذهب إلى البيت وأوصى زوجته ان تطلقه ليحضره بعد ذلك فأطلقت الزوجة الكلب لكنهم لم يروه بعد ذلك. عرف التجار أنهم تعرضوا للنصب مرة أخرى فانطلقوا إلى بيت المحتال ودخلوا عنوة فلــم يجــدوا سوى زوجته ، فجلسوا ينتظرونه ولما جاء نظر إليهم ثم إلى زوجته، وقــــال لها:لمـــاذا لم تقو مي بواجبـــات الضيافة لهـــؤلاء الأكـــارم؟؟ فقالت الزوجة : إنهم ضيوفك فقم بواجبهم أنت فتظاهر الرجل بالغضب الشديد وأخــرج من جيبه سكينا مزيفا من ذلك النوع الذي يدخل فيه النصل بالمقبض وطعنها في الصدر حيث كان هناك بالونا مليئا بالصبغة الحمراء، فتظاهرت بالموت صار الرجال يلومونه على هذا التهور فقال لهم :لا تقلقوا ... فقد قتلتها أكثر من مرة وأستطيع أعادتها للحياة وفورا اخرج مزمارا من جيبه وبدأ يعزف فقامت الزوجة على الفور أكثر حيوية ونشاطا، وانطلقت لتصنع القهوة للرجال المدهوشين نسى الرجال لماذا جاءوا ، وصاروا يفاوضونه على المزمار حتى اشتروه بمبلغ كبير، وعاد الذي فاز به وطعن زوجته وصار يعزف فوقها ساعات فلم تصحو، وفي الصباح سأله التجار عما حصل معه فخاف ان يقول لهم انه قتل زوجته فادعى ان المزمار يعمل وانه تمكن من إعادة إحياء زوجته، فاستعاره التجار منه .... وقتل كل منهم زوجته بالتالي ... طفح الكيل مع التجار ، فذهبوا إلى بيته ووضعوه في كيس وأخذوه ليلقوه بالبحر.ساروا حتى تعبوا فجلسوا للـــراحة فنــاموا،،،، صار المحتال يصرخ من داخل الكيس. فجاءه راعي غنم وسأله عن سبب وجوده داخل كيس و هؤلاء نيام فقال له بأنهم يريدون تزويجه من بنت كبير التجار في الإمارة لكنه يعشق ابنة عمه ولا يريد بنت الرجل الثري. طبعا ... أقتنع صاحبنا الراعي بالحلول مكانه في الكيس طمعا بالزواج من ابنه تاجر التجار، فدخل مكانه بينما اخذ المحتال أغنامه وعاد للمدينة ولما نهض التجار ذهبوا والقوا الكيس بالبحر وعادوا للمدينة مرتاحين.لكنهم وجدوا المحتال أمامهم ومعه ثلاث مئة رأس من الغنم فسألوه فأخبرهم بأنهم لما القوه بالبحر خرجت حورية وتلقته وأعطته ذهبا وغنما وأوصلته للشاطيء أخبرته بأنهم لو رموه بمكان ابعدعن الشاطيء لأنقذته اختها الأكثر ثراء التي كانت ستنقذه وتعطيه آلاف الرؤوس من الغنم ...وهي تفعل ذلك مع الجميع كان المحتال يحدثهم وأهل المدينة يستمعون فانطلق الجميع إلى البحر والقوا بأنفسهم فيه (عليهم العوض)

واصبحت المدينة بأكملها ملكا للمحتال




الممثلون

المحتال = إسرائيل
زوجة المحتال = الغرب
اهل المدينة = العرب

Abubakr Ibrahim
14th April 2010, 01:22 PM
عزيز نسين أديب تركي بارع في فن السخرية ما أن تقرأ له كتابا واحد حتى تستبد بك الرغبة إلى ملاحقه مجمل أعماله الروائية ومجموعاته القصصية وهو يستمد مادة أعماله من الاوبئه الاجتماعية التي تستشري في مجتمعه والتي تقارب كثيرا مشاكلنا قرأت له فى أحدى مجموعاته القصصية هذه القصة التى أود أن أشرككم معى فى قراءتها لتروا معى كيف أن مشكلات مجتمعه تقارب كثيرا مشكلات مجتمعنا .

تدور القصة حول رجل ذهب إلى قرية نائية من القرى التركيه وبينما كان يسير متنزهاً فى أحد السهول المخضرة وجد بيتاً جميل البنيان يعتلى أحد الهضاب المخضرة وقد تجمهر حول ذلك البيت القرويون من رجال ونساء وأطفال فقال للسائق الذى يرافقه : ما هذا؟ إلا أن السائق أجابه فى تذمر: هذا هو بيت المهندس السافل الذى أرسلته لنا الحكومة ليرعى شئون القرية فقال له الرجل : وما إسمه؟ إلا أن السائق أجابه فى حدة : ليذهب هو وإسمه إلى الجحيم .. إنه رجل سافل بمعنى الكلمة .
إندهش الرجل فهو يعلم أن السائق رجل طيب وعلى خلق فلماذا ينعت المهندس هكذا بأبشع الصفات لذلك فقد قرر فى نفسه أن يلتقى بذلك المهندس السافل على الرغم من تحذير السائق له بألا يفعل ، دخل الرجل إلى بيت المهندس فوجده واقفاً وأمامه فلاح يسيل الدم من قدميه الحافيتين وهو يصرخ بأعلى صوته بينما المهندس يضغط بكل قوة على ساقيه محاولاً إخراج القيح والصديد من جرحه المتورم ثم رأخذ ينظف الجرح بالقطن الذى سكب عليه بعض السائل المطهر وبجوارة الممرضه التى قامت بلف الشاش عليه وتضميده أخيراً .. إندهش الرجل وقال فى نفسه أهو مهندس ام طبيب ؟ ثم دخلت فلاحه شابه تحمل طفلاً أعطته أياه .. فخلع المهندس ملابس الطفل المتسخة وهو يصرخ فى أمه ما هذا يا إمرأة؟ كيف تتركى طفلك المسكين متسخاً هكذا ثم بدأ يغسل الطفل رغم الرائحة الكريهه التى تنبعث منه وأخذ يضع عليه بعض البودرة فى حنو وهو يدعبه .. ثم إبتسم للرجل الذى جاء ليعرف كم هو سافل وقال يخاطبه : لا تؤاخذنى فالحال هكذا كما ترى وقال للممرضة .. أعملى شايا للأستاذ .. وعاد وقال .. هى زوجتى ليست ممرضة لكنها تقوم بمساعدتى وأحضرت زوجته الشاى –يقول الرجل- فلم أجد شخصاً أرق وأكثر منه وداً وعذوبه .. وعاد الرجل ليركب سيارته وقال للسائق لقد قلت لى أن المهندس سافل ولكننى قابلته هو وزوجته ووجدتهما ملاكين حقيقيين فما السيئ فيهما؟ قال السائق آه لو تعرف أى نوع من السفله هما هنا قال الرجل فى غيظ لماذا؟ قال السائق قلت لك سافل يعنى سافل وأغلق هذا الموضوع من فضلك … فى مساء اليوم التالى جلس الرجل فى مقهى القرية وتحدث مع صاحب المقهى قائلاً ما رأئك فى المهندس؟ فبصق صاحب المقهى فى قرف وقال سافل حقير فسأله الرجل فى فضول لماذا؟ قال صاحب المقهى أرجوك لا أريد التحدث فى هذا الموضوع إنه شخص سافل وضيع وكفى .. وظل الرجل يسأل ويسأل ولا يتلق إلا إجابه واحده .. سافل .. سافل جن جنون الرجل وذهب إلى محامى القريه وقال له : طالما إنهم يكرهونه ويرونه سافلاً هكذا لماذا لا يشكونه إلى المسئولين فأخرج المحامى دوسيهاً ممتلئاً وقال .. تفضل أنظر ألاف الشكاوى أرسلت فيه .. قال الرجل ولماذا لا ينقلونه ؟ قال المحامى سيظل هذا السافل كاتماً لأنفاسنا .. وقرر الرجل أن يترك القريه بعد أن كاد عقله أن يختل ولم يعد يفهم شيئاً وقبل أن يرحل كان المحامى فى وداعه عند المحطة فقال له الرجل : أنا راحل من هنا ولكنى أكاد أموت من الفضول .. قل لى بربك لماذا المهندس إنسان سافل؟ وصدقنى لن أبوح بهذا الأمر لأى مخلوق؟ فقال المحامى بعد أن وثق بالرجل وتأكد من رحيله : لقد أدركنا من خلال تجاربنا مع الحكومة أنه كلما كثرت شكاوى الناس وكراهيتهم لمسئول كلما إحتفظت الحكومة به ولذا فقد إتفقنا جميعاً على أن نشتم المهندس وننعته بأبشع الصفات حتى يظل معنا أطول فترة ممكنة ولذا نحن نعلن رفضنا له ولسفالته من صغيرنا إلى كبيرنا بل ونرسل عرائض الشكوى ليبعدو هذا السافل عنا وبهذا الشكل تمكنا من إبقائه عندنا أربعه أعوام ولو تمكنا من إبقائه مثلهم سوف تصبح قريتنا جنة .. هنا فهم الرجل لماذا يشتمون المهندس وحينما مر موكب (الوالى) من أمامه وهو يستعد لركوب القطار ووجد الناس يهتفون له بحرارة ويمتدحونه بحماس أدرك على الفور أى نوع من الناس هذا (الوالى)

Abubakr Ibrahim
15th April 2010, 12:31 PM
الفاتح جبرا
لدى يقين لا يتزحزح بأن أى إنتخابات تجرى فى السودان و(الدول المجاورة) لن توضح بجلاء ما يريده المواطن، بمعنى أنها لن تكون معبرة عن الإرادة الحقيقية للمواطنين على الرغم من ذلك الشعار الرنان الذى يتردد فى كافة الوسائط الإعلامية مخاطباً المواطن بأن (صوتك أمانة)!
ولأننى أعلم تمام العلم بأن صوتى (لا أمانة ولا حاجه) فى ظل هذه (الجوطة) الحاصلة والإهمال وعدم الإنضباط فلم أشارك فى عملية التسجيل (من أساسو) ، فهذا الصوت الأمانة لا يعنى أى شئ إذا ما فقدت الإنتخابات (الضبط والربط) وذهبت بقية (الأصوات الأمانات) إلى أصحابها ، فصوت (المواطن) يصبح أمانة فى حالة أن تكون العملية الإنتخابية كووولها (أمانة)!
فما معنى أن يكون صوتى أمانه فى الوقت الذى تضيع فيه أصوات أخرى كما حدث فى ذلك الخبر الذى أوردته صحف الأمس والذى يقول : تفاجأ المرشح المستقل في دائرة نيالا وسط (3) زين العابدين المصري، مع بداية الاقتراع أمس بتغيير رمزه من اللوري إلى الجرس!
أى والله العظيم .. الراجل حملتو الإنتخابية كووولها يكلم فى أهلو وعشيرتو:
- يا جماعة ما تنسو.. الرمز بتاعى اللورى!
- رمزى شنو؟
- اللوووورى!
- ح تأشروا قدام شنو؟
- اللووورى!
وبالطبع لم ينس هذا المرشح (المستقل) بأن يقوم بطباعة (بوسترات) عليها صورته وهو يعتلى (لورى 7 طن) رافعاً سبابته بعلامة النصر بينما يرفع بالأخرى (الكريزة) ! وهو ذات اللورى الذى قام بإستئجاره لتدشين حملته الإنتخابية وذلك بالتجوال وسط أحياء وفرقان دائرته الإنتخابية متوقفاً أمام الجماهير وهو يشير بيده إلى اللورى قائلاً :
- ده شنو؟
- لوووورى!
- الرمز شنو؟
- اللوووورى..
- ح تدو منو؟
- اللوووورى!
على الرغم من أن (زين العابدين المصرى) مرشح (مستقل) ولا يدعمه حزب إلا أنه لم يبخل بالصرف على حملته الإنتخابية وتعريف جماهير دائرته (باللورى) فهو وسيلته لتحقيق حلمه الإنتخابى ، لذا فقد قام بصرف (الوراهو والقدامو) .. شئ إيجار اللورى وشئ (جاز) اللورى .. وشئ حق السواق .. وشئ حق المساعد .. كلو (دفعو من جيبو) .. بالإضافة لى حق طباعة البوسترات الفيها (صور اللورى) ، بذل المرشح (زين العابدين) كل مجهود ممكن لتعريف الناخبين فى دائرته بأن (اللورى) ده هو شعاره!
وجاء يوم التصويت حيث ذهب (زين العابدين) ليدلى بصوته ... أمسك بورقة الترشيح فلم يجد أثراً (للورى):
- يا جماعة اللورى بتاعى وينو؟ مشى وين!
- لورى شنو يا زول؟ إنتا جيت هنا بى لورى!
- ما جيت بيهو .. ما جيت بيهو.. يا جماعة اللورى ده الرمز بتاعى..!
- أيواا ما تقول كده.. إنتا زين العابدين المرشح المستقل؟
- أيوا أنا ذاااتى..
- طيب ما تقول كده من الصباح.. رمزك بقى (الجرس)!
- معقولة يا جماعة؟ من لورى لى جرس! طيب كان تخلوهو لي (قندرانى)!
- يا زين العابدين رمزك بقى الجرس وبطل الجرسة!
- ما أتجرس كيفن يا جماعة؟ هسه البكلم ليا الناس دى يقول ليهم اللورى بقى جرس منو؟
بالطبع ليس هنالك وقت كيما يقوم (زين العابدين) بتأجير (لورى تااانى) وإعتلائه ليطوف على مواطنى دائرته وهو يحمل (جرس) فى جيبه مخاطباً اياهم:
- ده شنو؟
- ده شعارك اللورى يا زين العابدين!
- (يخرج الجرس من جيبه) : وده شنو؟
- (الجميع) : ده جرس يا زين العابدين!
- (وهو ينزل من اللورى) : اللورى ده خلاااس غيرناهو!
- (فى صوت واااحد) : غيرتو لى شنو!
- (يدق الجرس) : غيرناهو للجرس ده ! غيرناهو لى شنو؟
- (الجميع) : للجرس ده!
- اللورى شنو؟
- (الجميع): غيرناهو..
- (وهو يدق الجرس): غيرناهو لى شنو؟
- (الجميع): للجرس ده!!
حيوا معى جميعاً المرشح المستقل في دائرة نيالا وسط (3) المواطن زين العابدين المصري والذى لا يزال حتى هذه اللحظة يحتفظ بكامل (عقله) لأنى لو كنتا مكانو لأصبحت أحد معالم مدينة نيالا الرئيسة ولرأيتنى أيها القارئ الكريم هائماً على وجهى فى الطرقات أحمل داخل جيب (جلابيتى) المتسخة (جرساً) ما أن أشاهد أحد اللوارى يسير على الشارع حتى اصرخ فى المارة وأنا أشير نحوه قائلاً:
- شفتو اللورى ده!
- شايفنو..!
- هسه أقلبو ليكم جرس..!
ثم أخرج الجرس من جيبى وأديهو كم (رنة) ثم إنخرط فى نوبة من البكاء!

اقبال حجار
21st April 2010, 05:02 PM
كرعيني عاملات لي غلبة شديدة خلاس . . مستحرجاتني اشد الاستحراج قدام خلق الله . . و مستغلات طيبتي و مسكنتي استغلال سيئ . . دايما منكربات و مستعجلات . . و ما بلوكن الصبر . . و لا بقيفن يعرفن الشيئ الصاح من اللعوج . . يعني كان حدث أمر جلل و الامر دا كان يستلزم مني التريث و عدم الاستعجال . . هن ما بتريثن و لا بصبرن . . يكون عندهن فكر و راي تاني . . و عندهن أي حاجة مفروض تتم قوام قوام . . يعني . . كان ساكت كدي لاقاني طين . . و في قرارة نفسي نويت اني أنط الطين دا بعد أصل محلو . . يقومن كرعيني يقررن قبل مني . . و ما يلوكن الصبر . . و يقررن ينطن و ينشبحن قبل أنا ما أصل محل الطين . . و جمبلق يجيبني في بطن الطين . . النصيبة وكت أنا أقع في بطن الطين يقومن يلبدن . . و يعملن أضان الحامل طرشا . . الحكاية دي اتكررت مرات عديدة . . و بقيت كان شفت لي طين . . أقرر أخوضو قبل ما أخوض فوقو بي أمر كرعيني . .

و كان كنت نايم . . الزول كان أول ما يصحى من النوم يقوم يفتح عيونو . . أنا أول شيء بصحن فيني هن كرعيني . . وكت أفتح عيوني . . ألقى كرعيني نزلن من السرير و لبسن النعالات . . صاحبي مختار المكنيكي قال لي . . يا اخي كرعينك ديل ظنيتن بنومن و هن معشّقات . . الحكاية دي مشيلاني هم كبير خلاس . . خايف يوم . . وكت أصحى ألقى كرعيني ديل لبسن النعال . . و يكون جوة النعال في عقرب لابدة . . تقوم تطقني و تلحقني الرقدوا و ما قاموا . . و كان في زول من ناس البيت ناداني عشان يحدسني عن موضوع . . و الا يرسلني مشوار . . كرعيني ما يخلنو يتم نضميهو . . في نص النضمي . . يقولن لي يا فيفيد ورحكاكا . . و أنا أقوم أسمع كلام كرعيني . . و أمرق في المشوار الرسلوني ليهو . . و بعد ما أصل مكان المشوار . . أقوم أنا العوير أكتشف أني ما عارف الشيئ الرسلوني من أجلو . . و أقوم أرجع تاني عشان يدوني تفاصيل المشوار . . ناس البيت بقوا عازرني في حتة المراسيل دي . . و كان في واحد ساكت قرر أنو يرسلني مشاور . . يقوم يعمل مختصر و صمري لي موضوعو قبل ما أنا أصلو . . وكت أقول أصلو يكون شرح لي نص الحديس . . و يقوم يواصل باقي حديسو معاي مهرولاً أمامي لحدي ما يكمل نضميهو . . النصيحة لله . . في الحتة دي أنا متكيف من كرعيني ديل . . عشان قللن علي المشاوير و التكليف الما منو فايدة . . لكن النصيبة بقت مع بت جيرانا . . حبيت سعاد بت جيرانا . . و نويت أفاتحها في موضوع حبنا . . و الطريق الحا نمشيهو سواء خطوة خطوة بي كرعينا في دروب الغرام . . رسلت ليها جواب يحوي مكنونات قلبي . . لكن كرعيني أحرجني قبل ما أشبح الشبحة الأولى في درب الغرام . . سعاد رسلت لي رد جواب الغرام مع أخوها السغير . . و أخوها صابحني مبتسم قال لي . . يا فيفيد . . سعاد قالت ليك . .( تحبك ). . و كرعيني . . سمعن كلمة تحبك . . و ما انتظرن باقي حديث الشافع . . عملن ليهن أجنحة و فررررررررر طارن من السعادة . . و أنا أضنيني ما يسمعن كلمة( بقرة) عيلا بعد ما أكلن الملف . . و قعدت في الواطة أبكي و اتنهف . . لي شنو سعاد تقول لي تحبك بقرة . . انتي زاتك يا سعاد حباك ورل . . يا شبه الورل . . لكن أنا المشيلني هم . . كان قررت أني أدخل اللدبخانة . . و كان في زول في الحمام. . الزول الجوة الحمام و قبل ما يفكر يقول احم احم و يتحمحم . . يلقاني منصوب قدامو . . الحكاية دي عقدتني و استحرجتني جنس استحراج . . خسوسا أصحابي بقوا كان في واحد نوى انو يدخل الحمام. . يوقفوا ليهن زول يحرس الزول الجوة . . فيفيد دا بقى ما مضمون . . هسع أنا بقول ليكن في النضمي دا و أنا الفار يلعب في عبي . . مديرنا السعودي في المكتب قال لي و هو يمعّط في شعرو من الزعل . . يا فيفيد . . بكرة ما بدي أشوف . . و كرعيني قامن جاريات قبل ما يسمعن باقي نضمي المدير . . و هسع انا ما خابر المدير دا مويتو شنو . . و خايف يكون قال لي يا فيفيد بكرة ما بدِّي خلقتك دي يا زول يا سوداني . . دحين يا ناس . . الداير مني دين يجي يخلِّسو هسع . . و الزعلان مني يعفى لي . . بكرة ممكن يرفدوني من الشغل . . شفتو جنس النصايب دي؟؟؟
منقول

السني أبوالعزائم
29th April 2010, 04:02 PM
كتب الدكتور فيصل القاسم





أيها المغتربون ... استمتعوا حيث أنتم
د. فيصل القاسم

مهما طالت سنين الغربة بالمغتربين، فإنهم يظلون يعتقدون أن غربتهم عن أوطانهم مؤقتة، ولا بد من العودة إلى مرابع الصبا والشباب يوماً ما للاستمتاع بالحياة، وكأنما أعوام الغربة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب.
لاشك أنه شعور وطني جميل، لكنه أقرب إلى الكذب على النفس وتعليلها بالآمال الزائفة منه إلى الحقيقة. فكم من المغتربين قضوا نحبهم في بلاد الغربة وهم يرنون للعودة إلى قراهم وبلداتهم القديمة! وكم منهم ظل يؤجل العودة إلى مسقط الرأس حتى غزا الشيب رأسه دون أن يعود في النهاية، ودون أن يستمتع بحياة الاغتراب! وكم منهم قاسى وعانى الأمرّين، وحرم نفسه من ملذات الحياة خارج الوطن كي يوفر الدريهمات التي جمعها كي يتمتع بها بعد العودة إلى دياره، ثم طالت به الغربة وانقضت السنون، وهو مستمر في تقتيره ومعاناته وانتظاره، على أمل التمتع مستقبلاًً في ربوع الوطن، كما لو أنه قادر على تعويض الزمان!
وكم من المغتربين عادوا فعلاً بعد طول غياب، لكن لا ليستمتعوا بما جنوه من أرزاق في ديار الغربة، بل لينتقلوا إلى رحمة ربهم بعد عودتهم إلى بلادهم بقليل، وكأن الموت كان ذلك المستقبل الذي كانوا يرنون إليه! لقد رهنوا القسم الأكبر من حياتهم لمستقبل ربما يأتي، وربما لا يأتي أبداً، وهو الاحتمال الأرجح!
لقد عرفت أناساً كثيرين تركوا بلدانهم وشدوا الرحال إلى بلاد الغربة لتحسين أحوالهم المعيشية. وكم كنت أتعجب من أولئك الذين كانوا يعيشون عيشة البؤساء لسنوات وسنوات بعيداً عن أوطانهم، رغم يسر الحال نسبياً، وذلك بحجة أن الأموال التي جمعوها في بلدان الاغتراب يجب أن لا تمسها الأيدي لأنها مرصودة للعيش والاستمتاع في الوطن. لقد شاهدت أشخاصاً يعيشون في بيوت معدمة، ولو سألتهم لماذا لا يغيرون أثاث المنزل المهترئ فأجابوك بأننا مغتربون، وهذا البلد ليس بلدنا، فلماذا نضيّع فيه فلوسنا، وكأنهم سيعيشون أكثر من عمر وأكثر من حياة!
ولا يقتصر الأمر على المغتربين البسطاء، بل يطال أيضاً الأغنياء منهم. فكم أضحكني أحد الأثرياء قبل فترة عندما قال إنه لا يستمتع كثيراً بفيلته الفخمة وحديقته الغنــّاء في بلاد الغربة، رغم أنها قطعة من الجنة، والسبب هو أنه يوفر بهجته واستمتاعه للفيلا والحديقة اللتين سيبنيهما في بلده بعد العودة، على مبدأ أن المــُلك الذي ليس في بلدك لا هو لك ولا لولدك!! وقد عرفت مغترباً أمضى زهرة شبابه في أمريكا اللاتينية، ولما عاد إلى الوطن بنا قصراً منيفاً، لكنه فارق الحياة قبل أن ينتهي تأثيث القصر بيوم!!
كم يذكــّرني بعض المغتربين الذين يؤجلون سعادتم إلى المستقبل، كم يذكــّرونني بسذاجتي أيام الصغر، فذات مرة كنت استمع إلى أغنية كنا نحبها كثيرا أنا وأخوتي في ذلك الوقت، فلما سمعتها في الراديو ذات يوم، قمت على الفور بإطفاء الراديو حتى يأتي أشقائي ويستمعون معي إليها، ظناً مني أن الأغنية ستبقى تنتظرنا داخل الراديو حتى نفتحه ثانية. ولما عاد أخي أسرعت إلى المذياع كي نسمع الأغنية سوية، فإذا بنشرة أخبار.
إن حال الكثير من المغتربين أشبه بحال ذلك المخلوق الذي وضعوا له على عرنين أنفه شيئاً من دسم الزبدة، فتصور أن رائحة الزبدة تأتي إليه من بعيد أمامه، فأخذ يسعى إلى مصدرها، وهو غير مدرك أنها تفوح من رأس أنفه، فيتوه في تجواله وتفتيشه، لأنه يتقصى عن شيء لا وجود له في العالم الخارجي، بل هو قريب منه. وهكذا حال المغتربين الذين يهرولون باتجاه المستقبل الذي ينتظرهم في أرض الوطن، فيتصورون أن السعادة هي أمامهم وليس حولهم.
كم كان المفكر والمؤرخ البريطاني الشهير توماس كارلايل مصيباً عندما قال: ” لا يصح أبداً أن ننشغل بما يقع بعيداً عن نظرنا وعن متناول أيدينا، بل يجب أن نهتم فقط بما هو موجود بين أيدينا بالفعل”.
لقد كان السير ويليام أوسلير ينصح طلابه بأن يضغطوا في رؤوسهم على زر يقوم بإغلاق باب المستقبل بإحكام، على اعتبار أن الأيام الآتية لم تولد بعد، فلماذا تشغل نفسك بها وبهمومها. إن المستقبل، حسب رأيه، هو اليوم، فليس هناك غد، وخلاص الإنسان هو الآن، الحاضر، لهذا كان ينصح طلابه بأن يدعوا الله كي يرزقهم خبز يومهم هذا. فخبز اليوم هو الخبز الوحيد الذي بوسعك تناوله.
أما الشاعر الروماني هوراس فكان يقول قبل ثلاثين عاماً قبل الميلاد: “سعيد وحده ذلك الإنسان الذي يحيا يومه ويمكنه القول بثقة: أيها الغد فلتفعل ما يحلو لك، فقد عشت يومي”.
إن من أكثر الأشياء مدعاة للرثاء في الطبيعة الإنسانية أننا جميعاً نميل أحياناً للتوقف عن الحياة، ونحلم بامتلاك حديقة ورود سحرية في المستقبل- بدلاً من الاستمتاع بالزهور المتفتحة وراء نوافذنا اليوم. لماذا نكون حمقى هكذا، يتساءل ديل كارنيغي؟ أوليس الحياة في نسيج كل يوم وكل ساعة؟ إن حال بعض المغتربين لأشبه بحال ذلك المتقاعد الذي كان يؤجل الكثير من مشاريعه حتى التقاعد. وعندما يحين التقاعد ينظر إلى حياته، فإذا بها وقد افتقدها تماماً وولت وانتهت.
إن معظم الناس يندمون على ما فاتهم ويقلقون على ما يخبئه لهم المستقبل، وذلك بدلاً من الاهتمام بالحاضر والعيش فيه. ويقول دانتي في هذا السياق:” فكــّر في أن هذا اليوم الذي تحياه لن يأتي مرة أخرى. إن الحياة تنقضي وتمر بسرعة مذهلة. إننا في سباق مع الزمن. إن اليوم ملكنا وهو ملكية غالية جداً. إنها الملكية الوحيدة الأكيدة بالنسبة لنا”.
لقد نظم الأديب الهندي الشهير كاليداسا قصيدة يجب على كل المغتربين وضعها على حيطان منازلهم. تقول القصيدة: “تحية للفجر، انظر لهذا اليوم! إنه الحياة، إنه روح الحياة في زمنه القصير. كل الحقائق الخاصة بوجود الإنسان: سعادة التقدم في العمر، مجد الموقف، روعة الجمال. إن الأمس هو مجرد حلم انقضى، والغد هو مجرد رؤيا، لكن إذا عشنا يومنا بصورة جيدة، فسوف نجعل من الأمس رؤيا للسعادة، وكل غد رؤيا مليئة بالأمل. فلتول اليوم اهتمامك إذن، فهكذا تؤدي تحية الفجر”.
لمَ لا يسأل المغتربون عن أوطانهم السؤال التالي ويجيبون عليه، لعلهم يغيرون نظرتهم إلى الحياة في الغربة: هل أقوم بتأجيل الحياة في بلاد الاغتراب من أجل الاستمتاع بمستقبل هـُلامي في بلادي، أو من أجل التشوق إلى حديقة زهور سحرية في الأفق البعيد؟
كم أجد نفسي مجبراً على أن أردد مع عمر الخيام في رائعته (رباعيات): لا تشغل البال بماضي الزمان ولا بآتي العيش قبل الأوان، واغنم من الحاضر لذاته فليس في طبع الليالي الأمان.
هذا الموضوع بمثابة دعوة لكل المغتربين بأن يسعدوا انفسهم اينما كانوا
ولكم الود والتقدير

Abubakr Ibrahim
4th May 2010, 03:09 PM
الحظ
شوقى بدرى
كتب شوقى بدرى :
صديق سوداني عرفته منذ ايام الطفولة قال لي عندما زرته في لندن في الثمانينات بأن خاله موجود في مستشفى وهو ذاهب لزيارته. فأضطررت الى مرافقته لزيارة الخال كعادة السودانيين.
في الطريق كان صديقي يحكي لي عن خاله الذي قضى حياة جميلة .وكان ناجحا في عمله. واشتهر بانه شخص يلازمه الحظ في كل حياته. ولكن فجأة بدأ وكانه الحظ قد تخلى عنه نهائيا. وصار حديث الناس وموضع تندرهم . واقترن اسمه بالنحس.
الخال وجد عرضا رائعا لمنزله في السودان. لان الموقع كان استراتيجيا. وسيتم تحويله الى محطة وقود. ومحطات الوقود كانت تعتبر في تلك الفترة منجما للذهب. فالبنزين يباع في السوق الاسود وبعض الناس كان يقضي اياما في انتظار البنزين. وصاحب محطة الوقود يتودد له الجميع. ما كان ينوي الخال ان ينهي به حياته و شقاوءه , هو ان يأخذ كل مدخراته ويذهب الى لندن, البلد التي احبها ودرس بها كمبعوث من جمهورية السودان. ومبلغ الخمسين الف جنيه استرليني الذي توفر له كان يكفي لشراء منزلين في لندن. بمستوى اهل الطبقة المتوسطة. فعشرين الف جنيه استرليني تكفي لشراء منزل معقول. وهذا يعني حديقة معقولة وثلاثة غرف نوم. وغرفة جلوس كبيرة ومطبخ في الطابق الارضي. كما يمكن ان يشتري شقتين يمكن ايجارهم للعرب في الصيف والزوار والطلاب بقية السنة. او منزلا كبيرا بمستوى جيد. الخال كان يردد ما يقوله الناس في السودان قديما وباللغة الانجليزية (منزل تعيش فيه ومنزل تعيش منه) وتنتهي مشاكلك. الخال لا تنقصه الدراية بلندن وكان له مجموعة كبيرة من المعارف والاصدقاء احدهم كان احد اساتذته البريطانيين . وكانت بينهم صداقة جيدة , رسخها البعد والمراسلات. والاستاذ وعد ان يحضر من بلدته في اسكتلندا لمساعدته وتقديمه لبعض اصدقائه من المحامين.
الاسكتلندي تبرع بأن يكون الواجهة للإتصال بالبائع . لأن الانجليز يرفعون الاسعار عندما يكون المشتري اجنبيا . ولكن السعر للإنجليزي يكون واقعيا. والاسكتلنديون عالميا اشتهروا بالبخل والقتير. ولن يحلم انسان عاقل ان يزيد لهم الاسعار.

صدم الاسكتلندي عندما رأى السوداني يحمل كل ذلك المبلغ في جيوبه, وفي شنطة صغيرة حول وسطه. والسوداني سلم المبلغ للمشتري في السودان واستلم شيكا . قام بصرفه في لندن. والمبلغ عبارة عن خمسة حزم من النقد كل حزمة تمثل 10 الف جنيه استرليني بغطاء بلاستيكي مقفول ويحمل رقما.
الاستكتلندي كان يقول انه لا يملك سوى مائتين من الجنيهات قام بوضعها في خزينة الفندق. وانه كان حذرا كل رحلة القطار. فبالنسبة له المبلغ يساوي ثروة.ووفي العادة لا يحمل سوى بضعة جنيهات.
لم تتوفر خزانة فارغة في الفندق. وتنفس السوداني الصعداء. الا ان الاسكتلندي رفض ان يغادر الفندق مع شخص مجنون, يحمل مبلغا كبيرا في جيوبه وحول وسطه. وكان يقول ان لندن صارت قبلة للنشالين واللصوص الذين اتوا من البحر الابيض المتوسط وشرق اوروبا. وإن كان للإنجليز ما يكفيهم من المجرمين.
حلت المشكلة بأن وضع الخال نقوده في خزانة الاسكتلندي. فمن العادة ان يترك الضيوف غرفهم عند الثانية عشر ظهرا وستكون هنالك خزانة فارغة , سيحتفظ بها موظف الاستقبال للسوداني.
وبعد عدة زيارات ومشاهدة بعض المنازل, والخال في حالة صمت كما طلب منه الاسكتلندي. ظهر ان اسعار المنازل في انجلترا ارخص من العاصمة السودانية . وبدأ السوداني سعيدا ويحلم في ان يشتري منزلين جميلين. وان يعمل في احدى السفارات العربية كما وعدوه. وفي مطعم فخر الدين الفاخر الذي يؤمه العرب والاعيان. اكرم الخال وفادة الاسكتلندي . وبالغ الاسكتلندي كعادة الاوربيين عندما يجدون الفرصة في الاكل والشرب. وبعد عدة انواع من الحلويات كان الوقت قد ازف للذهاب الى الفندق.
وكعادة اصحاب سيارات الاجرة في ايام الصيف وايام الذروة وفي منتصف الموسم السياحي , كانوا يختارون الزبائن حسب المناطق التي يقصدونها . ويختارون المناطق االتي تناسبهم. او الاماكن التي يعرض عليهم ضعف ثمن المشوار. وكان بعض العرب عندما يعجز يلوح بعملة العشرين جنيه لسيارات الاجرة.
لأكثر من ساعة كان الاسكتلندي يركض شمالا ويمينا ويحاول بكل الطرق ان يتفق مع صاحب سيارة اجرة. وآخر شيء كان يريده اصحاب سيارات الاجرة هو التعاقد مع اسكوتلندي.
وبينما السوداني يحاول ان يريح اقدامه التي تعبت من الحذاء الجديد الفاخر الذي اشتراه من بوند استريت, كما كان يحلم قديما في ايام الدراسة. شاهد الاسكوتلندي يترنح. وحسب في الأول انه بسبب الشراب. وفجأة يسقط الاسكوتلندي ارضا . وعندما وصله كان البعض قد سبقه . وكان هنالك انجليزيا يبدو ان له دراية بالتمريض. حاول ان يضغط على صدر الاسكوتلندي عدة مرات . ثم اعلن ان الاسكوتلندي قد مات بالسكته القلبية.
وللحظ ... بقية

Abubakr Ibrahim
4th May 2010, 03:13 PM
الحظ (2)
بالرغم من موظف الاستقبال قد شهد بأن المال يخص السوداني , الا ان القانون حمار. واضطر الخال الى الاتصال بأسرة الاسكوتلندي وشهدت زوجته وبنتاه بأن اباهم في حياته لم يمتلك خمسين الف جنيها . وان المال يخص السوداني. والفندق كان يريد ان يحل نفسه من اي مطالبة في المستقبل.
احتاج الامر الى محامي. ومن المفروض ان يأخذ نسبة معينة من المال بغض النظر عن نوع القضية. وتأخر حضور زوجة السوداني وابنائه الذين كانوا قد تركوا الدرسة تأهبا للحضور الى انجلترا. وانتهت تأشيرة دخولهم الى بريطانيا. وضاعت على الابناء سنة دراسية ووجدوا عنتا في السكن في السودان. واخيرا تقرر ان يستلم السوداني فلوسه. واسعار المنازل قد ارتفعت والاصدقاء الذين اقرضوه المال في فترة الانتظار توقعوا ارجاع المال مع الشكر وربما بعض الاكراميات والهدايا.
وبين ما السوداني يفكر في حظه السيء بسبب المال الذي كان سيكون حلا كاملا لكل مشاكله ومشاكل اسرته. ظهرت مشكلة اكبر, فلقد حضر مسؤول الضرائب البريطاني بوجه احمر وحقيبة جلدية بلا لون.
القانون كان يقول ان اسرة الاسكوتلندي ملزمة بدفع ضريبة على المبلغ.. لأن المبلغ حسب القانون يخص الاسكوتلندي واسرته فهو في حيازتهم . اما موضوع التنازل عن المبلغ للسوداني لأي سبب فلا دخل للضرائب البريطانية بالامر. والقانون ليس فقط بحمار ولكن وحش لا يعرف الرحمة.
بعد زيارة الخال الذي تعرض للقرحة بعد ان شفا من عملية البواسير التي تسبب فيها جلوسه لساعات طويلة يراجع القضية ويقرأ القوانين الانجليزية ولا يستلقي الا لساعات قليلة.
بعد زيارة الخال ذهبت مع صديقي لزيارة صديق آخر. وحكينا حكاية الخال. وكان لصديقنا قريب اكبر سنا . وهو ضيف عليه . الضيف وهو محامي ينظر الينا ويبتسم طيلة الوقت. وعرفت انه محامي مشهور ومعروف بخفة الظل ورواية النكات ويضحك قبل المستمع ويبدو انه ليس عنده اي هم في الدنيا. وطلب ان ناخذه لزيارة الخال الذي فارقه الحظ.
في الزيارة الثانية تركنا المحامي مع الخال . وذهبنا لكي نعود بعد فترة وكان الخال يبدو متغيرا وكان يضحك ويبتسم وقال للمحامي عندما ودعه (انت رجل نحس).
وعرفنا فيما بعد قصة المحامي النحس التي حكاها لنا وكان قد حكاها للخال الذي جافاه الحظ. فالمحامي قد اكمل تعليمه الثانوي مع بداية الخمسينات وقبل الاستقلال. وسؤ حظه جعله يفقد سنة كاملة فبعد ان استمتع برحلة جميلة الى القاهرة حيث كان في زيارة عمه في القاهرة. وجد ان مواعيد الدراسة في السودان قد تغيرت من بداية السنة الى شهر يوليو. بسبب الزراعة والرعي. فالاغلبية من سكان السودان كانوا مزارعين ورعاة .وفترة الخريف تعني لهم كل شيء . والناس تحتاج لابنائها في تلك الفترة. والتغيير حدث في السنة التي ذهب فيها المحامي الى إجازة.
وبعد إكمال الدراسة الثانوية وجد المحامي صعوبة في الحصول على وظيفة في الخرطوم. لأنه عرف كشيوعي نشط في فترة دراسته. بالرغم من ان إكمال الثانوي كان يفتح الابواب لكل انواع العمل. وكانت تنقصه الواسطة. فأهله مزارعون من المديرية الشمالية. واخيرا وجد وظيفة لم يقبل به اي انسان . ووجد نفسه في قرية بعيدة وفي مسكن حكومي مكون من غرفتين بسقف من القش . تفوح منها رائحة الخفافيش وليس هنالك كهرباء او ماء جاري. وكان مسؤولا عن كمية من العمال وسائقي الشاحنات. فعمله مرتبط بمكافحة الجراد.
وبعد اقل من شهر توفى احد الحمير . وقام بكتابة اخطار للرئاسة. وبعد ايام استلم خطاب مكتوب على الآلة الكاتبة وباللغة الانجليزية. وكانوا يسألون عن رقم الحمار, فقد كان عنده عشرة حمير. ولكل حمار رقم وفايل. وصديقنا كان خريج المدارس المصرية التي كانت الدراسة فيها باللغة العربية, على عكس المدارس السودانية قديما. وبعد ساعات من التعب والجهد والاستعانة بالقاموس الانجليزي وموظف عجوز كان يسكن بعيدا, والمشوار يأخذ اكثر من ساعة في المساء. ارسل خطابا كان فخورا به. الرد من المصلحة كان استفسارا عن مرض الحمار وهل مات فجأة؟ وما هو نوع المرض؟ وهل عرض الحمار على البيطري قبل انتقاله للعالم الآخر, ام بعد وفاته؟ وهل هنالك شهادة من بيطري بموت الحمار؟........الخ.
وتواصلت الرسائل والفايل يكبر. والموظف العجوز الذي يذهب اليه في المساء يطمئنه بأن هذا روتين طبيعي . وهكذا تعمل حكومة السودان . وانه ليس بمقصود.
وفجأة يضيق صديقنا بالاكل السئ وعملية الطبخ الممله. ويحن الى طعام العاصمة والسينما والترام. وفي يوم اشتد فيه الحر وخلص فيه الجاز الذي يستخدمه لمصباح الكيروسين . واضطر لإستعمال الديزل الذي كان ينفث غازات خانقة, ترك كل شيء وذهب الى العاصمة بعد ان بصق على فايل الحمار.
وللحظ ... بقية
[/size]

Abubakr Ibrahim
5th May 2010, 07:55 AM
(3)
بعد اربع سنوات من دراسة القانون في القاهرة رجع صاحبنا والدنيا لا تسعه. ووقتها كان عدد المحامين لم يبلغ المئتين فى كل السودان. والدولة تحتاج للقضاة وكل من له دراية بالقانون. فالبلد ستستمتع بالاستقلال . ويكتشف صاحبنا بانه لا يمكن ان يسجل كمحامي او ان يعمل في حكومة السودان . لأن اسمه قد سقط من الغازيته. فعندما ترك العمل بسبب الحمار المرحوم , بحثت الدولة عنه ولم تجده فأسقطوا اسمه من الغازيته . وبدأت مناطحة ثورة البيروقراطية والغازيته كانت محراب البيروقراطيين . بعد سنتين من العذاب والشقاء والعمل كمدرس في بعض الاحيان ,او العمل في المساء في مكاتب بعض المحامين او مع بعض الزملاء. تمكن المحامي ان يثبت اسمه في سجل حكومة جمهورية السودان.
و ارتبط بفتاة متفتحة لم تكن تطلب كثيرا. لم تكن من النوع الذي يحلم بالذهب والمنزل الفاخر. وكان في امكانه الآن ان يلحق بزملائه الذين عملوا كقضاة او سكرتيريين لوزراء او محامين . وابتاعوا السيارات. وفجأة فرضت شهادة المعادلة على خريجي القاهرة. لأن المرافعات والمكاتبات والمراسلات كانت تدار باللغة الانجليزية. ولم تكن الفتاة على استعداد بان تنتظر اكثر من السنتين التي قضتهما في انتظار تثبيت اسمه في الغازيته. واستجابت الفتاة لضغوط الاهل . والعريس جاهز وله سيارة وعمل ومسكن. وشيوعي قانوني لا يزال في رحم الغيب لا يعني سوى المشاكل والاهل في هذه الاحوال احسن من يعرف.
بعد شهادة المعادلة وفترة التدريب عند احد المحامين والعمل كمتدرب عند احد الزملاء الذين كان يساعدهم ايام الدراسة, صار صديقنا محاميا معترفا به. ووالدته تطارده للزواج . وانها على استعداد ان تبيع ارضا ورثتها في الشمالية لكي تراه عريسا وهو الان محامي والعمر لن ينتظر. وكانت الخطوبة الثانية. وفي الدكتاتورية الاولى وفي سيارة مستلفة من صديق, قام بأخذ والدة الخطيبة والخطيبة وشقيقتها الى دكتور يعرفه . بسبب توعك حماة المستقبل. وتركهم لكي يرجع بعد ساعة لاخذهم. و لتزجية الوقت اراد ان يزور بعض الرفاق الذين يسكنون قريبا من عيادة الطبيب.
الخطيبة عرفت بخبر إعتقاله بعد يوم. وكان عدم رجوعه اثار حيرتهم. واهلها وجدوا كل الاسباب لكي يتحدثوا عن زواج المكاتب . وعن البنات المتعلمات اللائي يرتبطن بالخطبة خارج إطار العائلة والتقاليد السودانية. وانه لا مستقبل مع احد مترددي الحراسات والسجون. فالصحف كانت تتحدث عن القبض على عصابة من الشيوعيين بعد ترصد طويل وان الخطيب كان العقل المدبر. ولم يكن هنالك من يصدق بأن الحظ السيء قد ساقه للدار في تلك اللحظة.
لسؤ حظ المناضل كان سجن كوبر ممتلئا بالمدنيين والعسكريين الذين حاولوا الانقلاب ضد الدكتاتورية. وجد نفسه في محطة السكة حديد مكبلا بالاغلال مع بعض المجرمين المدنيين . وان كان رجال السجون يعاملونه ببعض التفهم والعطف. وفجأة تظهر الخطيبة ومعها بعض اهلها . وعندما شاهدته جالسا على الارض وسط المجرمين , عرف بأنها ستكون المقابلة الاخيرة . لان كل حصون مقاومتها ورفضها الاستماع الى نصائح اهلها قد انهارت.
وبعد الجلوس على مقاعد الدرجة الرابعة الخشبية والاكل السيء والقطار الذي يتوقف بمناسبة وبدون مناسبة, والبعوض الذي ينهش جسمه . وجد نفسه في سجن جنوب النيل الازرق المشهور. و كان يمني نفسه بساعات طويلة من النوم في السجن لإراحة جسمه المرهق. الا انه وجد نفسه مربوطا الى شجرة. واحد جنود السجون يجلس في مواجهته ويقبض على بندقيته . فلقد افهموه بأنه يحرس شيوعيا خطيرا . وعرف بأن اوراقه لم تصل وليس له مكان في السجن. فأستدعى ضابط السجن واخبره بأنه ليس بقرد لكي يربط الى شجرة . وانه مضرب عن الطعام من تلك اللحظة. وعندما ارجع الى الخرطوم كان اسبوعا قد انقضى وصار انحف عودا بالرغم من نحافته المعروفة.
بعد خروج المناضل من السجن في العاصمة , اراد اصدقائه الاحتفال به. وكان قد تقدم قبلها بفترة للزواج لفتاة من اسرة محترمة وقبلوا به لانهم كانوا من بلدته في شمال السودان في الاصل. وذبح الرفاق خروفا واولموا لصديقهم المناضل في بيت العزابة. وبعد اكل المرارة والشطة الحارة والشواء. تحركت معدة المناضل . وطالبت بإخراج ما لا يلزمها. ولدهشته وجد ان منزل العزابة كان يخلو من المرحاض . لان المرحاض القديم قد انهار. ولم يكتمل بناء المرحاض الجديد. والعزابة كانوا يقضون حاجتهم عند الجيران. لان لهم مرحاض عند بوابة الشارع للضيوف. ولكن الجيران كانوا خارج دارهم لمناسبة عزاء وسيرجعون في نهاية المساء. وقاوم المناضل, فلقد تعلم في الاعتقال والقطارات لان يقاوم الطبيعة لأيام في بعض الاحيان. ولكن مع بداية العشاء لم يتمكن من المقاومة وعرف ان العزابة في الليل , لكي لا يزعجوا الجيران يقضون الحاجة في نهاية الزقاق في المنطقة المعزولة عند برميل الزبالة الضخم. وما ان جلس المناضل لقضاء الحاجة و احس بكل محتويات امعائه تخرج دفعة واحدة. حتى وقفت سيارة اجرة على بعد امتار منه وانوارها مسلطة عليه. وفي السيارة كانت خطيبته وبعض النساء من اهلها وبعدها لم يتصل بهم ولم يتصلوا به.
وللحظ ... بقية

Abubakr Ibrahim
5th May 2010, 08:03 AM
(4)
المناضل كان يقول وهو ضاحك ..كل هذا يبدو كلا شيء .ولكن اكبر نحس عشته في حياتي هو انني بعد سنين من العمل كونت لنفسي اسما وصرت رجلا محترما . وكان من الممكن ان اتزوج بسهولة بالرغم من انني اقترب من الاربعين. وبعد دفع المهر وكل التحضيرات قرر الاصدقاء عمل حرارة او قيدومة. وهي الحفلات التي يقيمها الاصدقاء للعريس واقترح صديقي الطيار ان يأخذنا بالطائرة الصغيرة التي يطير بها الى جوبا اسبوعيا. واخذنا معنا اثنين من الاصدقاء. وتقرر ان نقضي ثلاثة ايام في مدينة جوبا . سيقوم اصدقائنا من الموظفين وضباط الجيش بتنظيم حفله عظيمة. بعد حفلات جوبا كان العريس في طريقه الى العاصمة لإكمال مراسم الزواج التي تقرر ان تكون مناسبة لإنسان متحضر ويحمل افكار تقدمية وسيكون كتاب العقد والحفل وكل شيء في يوم يواحد . ثم يذهب العروسان الى اركويت.
الطائرة التي كان يعرفها الطيار جيدا والرحلة التي قطعها عشرات المرا ت انتهت في احدى سهول كردفان لأن الطائرة اجبرت على الهبوط الاضطراري . وعندما كنا نسأل المحامي عن كيفية نهاية القصة وكيف تركته الخطيبة الاخيرة . كان يقول ان النحس وعدم الحظ هنا كان اكبر. فعندما تنمر واالد العروس وغضب لإستهتار العريس وارغى واذبد واصر ان يعقد قران ابنته على ابن خالها. ثارت العروس التي عرفت بالوداعة والادب. وصفعت ابن خالها وقالت لوالدتها بأنها يمكن ان تتزوج هي ابن اخيها اذا ارادت . ولكنها ستعقد قرانها على العريس المفقود واذا كان ميتا فستعتبر نفسها ارملة. ولكنها لن تخون وعدا قطعته للرجل.
وعندما هللنا وقلنا للمحامي اخيرا تركك النحس ولازمك الحظ . كان يقول هذا هو النحس الاكبر فأنا اذكر بهذه الحادثة كل مرة . ولأقل مشكله يقال لي غلطة انت لم تحضر الى زواجك . فضلت المجون والذهاب الى الجنوب وقلة الادب . وتبالغ زوجتى فى جعلى ادفع الثمن فى كل لحظه . والجميع حتى اهلى يذكرونى بوفاء زوجتى ويطالبونى بان اقبل باى وضع .
المناضل كان يقول لخال صديقي , تظن انك منحووس ..دعني احكي لك هذه القصة..فالمحامي دخل في شراكة مع احد رجال الخليج الذي كان قد ربطته به صداقة جميلة في ايام الدراسة في القاهرة. عندما كان اهل الخليج يعيشون على الكفاف وخريجى الجامعات يحسبون على الاصابع . وفي ايام الفورة الاقتصادية وارتفاع اسعار البترول في الخليج كونا شركة سويا . وبدأ المال يتدفق وكان الخليجي يتحدث عن توثيق الشراكة عند كاتب العدل. وصديقنا يؤجل الموضوع ويقول ان كل شيء ملحوق. في بداية الثمانينات ابتاع الخليجي سيارة فاخرة وزودها بتلفون وكان يتحدث من تلفون السيارة الفارهة مع السوداني . وهو يقود السيارة بسرعة 200 كيلومتر ويقول انه لا يحس بأن السيارة متحركة بالرغم من السرعة العالية وفجأة تنقطع المكالمة..
احد الجمال التي كانت قديما تجوب الصحراء ولا تعترف بالسيارات كان يطالب بحقه الشرعي حتى في ذلك الطريق السريع. بعد موت الخليجي استلم شقيقه الشركة. كان على اقتناع كامل بأن السوداني لا دخل له بالشركة ولا حقوق . وانه كان موظفاً . بالرغم من ان السودانى قد كون الشركه ولم يكن للخليجى سوى الاسم ....
سألت صديقي بعد فترة ماذا حدث لخاله سيء الحظ . ولدهشتي عرفت انه قد تعافى وتوقف عن الشكوى وبعد عن الإحباط. وانه يعمل في سفارة عربية.. وكان لا يكف الحديث عن المحامي سيء الحظ الذي قابله والذى لا يوثر عليه شئ ...

اقبال حجار
18th May 2010, 02:47 PM
فلسفة جميلة جداً
وقف أستاذ الفلسفة أمام تلاميذه وعلى غير عادته فلقد أحضر معه هذه المرة بعض الأواني والاكياس
وأحضر معه وعاء زجاجيا كبيرا كالذي يستخدم في حفظ المخللات
وكرات الجولف وأكياس أخرى.
وكوبا كبيرا من القهوة الساخنة إحتسى منه بضع جرعات،
وعندما حان وقت الدرس لم يتفوه الاستاذ بكلمة بل بدأ بالعمل في صمت.
أخذ كرات الجولف وملأ بها الوعاء الزجاجي
وسأل تلاميذه الذين كانوا ينظرون إليه بدهشة وإستغراب: "هل الزجاجة مملؤة الآن؟"
فأجابوا جميعا: "نعم وعلى الآخر"
ثم أخذ كيسا آخر به قطع صغيرة من الحصى.
وأفرغه في الوعاء الزجاجي مع رجه حتى يجد الحصى مكانا له بين كرات الجولف.
وسأل تلاميذه مجددا : " هل الزجاجة مملؤة الآن؟"
فأجابوا جميعا "نعم هي مملؤة"
ثم أخذ كيسا آخر به رمل ناعم .
وأفرغه في الوعاء الزجاجي مع رجه رجا خفيفا حتى إمتلأت جميع الفراغات بالرمل الناعم.
وسأل تلاميذه مرة اخرى :"هل الزجاجة مملؤة الآن؟"
فأجابوا جميعا بلهفة "نعم نعم"
إلتقط بعدها الاستاذ كوب القهوة وسكب ما بقى به داخل الوعاء الزجاجي فتغلغل السائل في الرمل
فضحك التلاميذ مندهشين .
إنتظر الاستاذ حتى توقف الضحك وحل الصمت ثم أردف قائلا:
"أريدكم أن تعرفوا أن هذا الوعاء الزجاجي يمثل الحياة
حياة كل واحد منكم
كرات الجولف تمثل الاشياء الرئيسة في حياتنا كالدين والاسرة والاطفال والمجتمع والاخلاق والصحة
هذه الاشياء التي لو ضاع كل شيء آخر غيرها لاستمر الانسان في الحياة.
أما قطع الحصى فهي تمثل الاشياء الاخرى المهمة مثل الوظيفة والسيارة والبيت.
وأما الرمل فهو يمثل كل الاشياء الصغيرة في حياتنا والتى لا حصر لها.
فلو أنكم تملئون الوعاء الزجاجي بالرمل قبل وضع كرات الجولف فلن يكون هناك مجال لكرات الجولف
ولن يجد الحصى مجالا له بعد إمتلاء الوعاء بالرمل.
ونفس الشيء بالنسبة للحصى
فلو أننا وضعناه في الوعاء قبل كرات الجولف فلن نجد مجالا لها.
وهذا ينطبق تماما على حياتنا
فلو أننا شغلنا انفسنا فقط بالاشياء الصغيرة فلن نجد طاقة للأمور الكبيرة والمهمة في حياتنا كالدين والاسرة والمجتمع والصحة.
فعليكم بالاهتمام بصحتكم أولا والقيام بواجباتكم الدينية وإهتموا بأسركم وأولادكم
ثم إهتموا بالأمور الاخرى المهمة كالبيت والسيارة .
وبعدها فقط يأتي دور الاشياء الصغيرة في حياتنا كالموسيقى والطرب "
وكان الاستاذ على وشك أن يلملم حاجياته عندما رفعت إحدى التلميذات يدها لتسأل: "وماذا عن القهوة يا أستاذ ؟"
"سعيد جدا بهذا السؤال " أجاب الاستاذ
""فمهما كانت حياتك حافلة ومليئة بالاحداث فلابد أن يكون فيها متسع لفنجان من القهوة مع صديق أو حبيب "

السني أبوالعزائم
13th June 2010, 12:32 AM
مصير المساعدات الخارجية في السودان


تبدأ القصة عندما كان رئيس صندوق النقد فى زيارة للسودان
واثناء مروره في احد شوارع الخرطوم وقف رجل بائس “رث الثياب وراح ينادي بأعلي صوته : امريكا لله لله ....
وبالطبع كان الرجل شحاتا ويطلب الإحسان مر الموكب بسلام وعاد الرئيس الي واشنطن وجلس مع مساعديه يقيم نتائج الزيارة ثم شرد بذهنه لوهله سأله احد مساعديه : سيادة الرئيس هل انت بخير سكت لبرهة ثم قال : اثناء مروري في الخرطوم كان هناك رجل ينادي باسمي ثم يقول امريكا هل فهم احد ما كان يقول اجاب مساعد آخر : نعم سيدي انه فقط كان يريد منك مساعده مالية قال حسنا نحن نعتبر هؤلاء اصدقاء لنا ودائما مؤيدين لنا فلم لا نساعده وامر بإرسال مبلغ 100 الف دولار مساعدة شخصية منه للمواطن المذكور بعده بأيام وصل المبلغ مع مندوب الي رئاسة الجمهورية بالسودان مع توضيح الغرض بأن هذه قيمة المساعده من رئيس صندوق النقد لذلك المواطن السودانى وعلي الفور قامت رئاسة الجمهوريه بالتحري لمعرفة المحافظه والمدينة التابع لها المواطن المذكور وبمجرد التأكد قامت بإرسال مبلغ 25 مليون جنيه سودانى بالقديم (من أصل 100 الف دولار) الي المحافظه التابع لها المواطن المذكور بدورها قامت المحافظه بإرسال مبلغ 10مليون جنيه الي المدينه التابع لها المواطن المذكور ومباشرة ارسل رئيس المحلية مبلغ مليون جنيه الي مأمور قسم الشرطه التابع له الموظف المذكور فقام المأمور ونادي علي ضابط برتبة ملازم أول واعطاه مئة الف جنيه هي قيمة المساعده التي قررها الرئيس للمواطن المذكور خرج الضابط ونادي علي العسكري وقال له : هل تعرف بيت فلان قال : نعم اعرفه قال حسنا هذه عشرين جنيها اعطه اياها هي قيمة المساعدة التي قررها رئيس الصندوق الدولى للمواطن ذهب العسكري الي منزل الرجل مهرولا ودق الباب خرج الرجل بثيابه الرثه المعتاده وشعره المنكوش وعيناه الجاحظتان وقال :مين قال العسكري انت فلان الذي كنت واقفا يوم كذا وطلبت مساعده من رئيس صندوق النقد رد الرجل : ايوه بتسأل ليه.. قام العسكرى ضرب المواطن كف قال: فضحتونا مع الضيوف الاجانب ... عموما رئيس الصندوق بيقولك



( الله كريم )

Abubakr Ibrahim
12th October 2010, 03:00 PM
ساخر سبيل (واحد فى المليون)

(منقول ) الفاتح جبرا

مساء اليوم الأربعاء بإذن الله يتم تدشين كتابى الثانى (واحد فى المليون) وقد سألنى قراء كثر عن معنى الاسم، والاسم (واحد فى المليون) هو عنوان لمقال يحتويه الكتاب، فليسمح لى القارئ الكريم أن أقوم بإعادة نشره بهذه المناسبة فإلى المقال..
حاج الطاهر أحد أفراد (شلة الضمنة) التى تستضيفها كل عصرية (شجرة النيم) الظليلة الكائنة أمام منزل (عم صابر) فى نهاية الشارع الذى أقطنه، يعمل حاج الطاهر فى مهنة النجارة منذ صباه الباكر حيث إتخذ له حجرة فى منزله لمزاولة هذه المهنة التى إشتهر بها بين سكان الحى والأحياء المجاورة فمعظم الدواليب والسراير والترابيز والكراسى التى تقبع فى منازل الحى هى من صناعته. أصيب حاج الطاهر فى مطلع صباه بداء (السحائى) الذى ترك بصماته عليه إذ أثر على حاسة السمع لديه فصار ضعيف السمع أو (أضانو تقيلة) كما يقولون، لكن ذلك لم يعق مسيرته فاجتهد فى عمله ومهنته وأتقنها مما جعله محط أنظار الزبائن، ولم يلبث حينها أن تزوج من ابنة عمه وأنجب منها إبنهما الوحيد (عاطف) الذى تخرج من الجامعة مؤخراً ووجد له فرصة عمل بإحدى دول(البترول). مشكلة حاج الطاهر كصنايعى لا تكمن فى كون انو (أطرش) وأضانو تقيلة فهذه قد تعود عليها زبائنه وأصدقاؤه بل تكمن فى (أخلاقو الضيقة) وطبعه الحاد مع الجميع ما عدا زوجته (التومة) أو (الحكومة) كما كان يطلق عليها (أعضاء الشلة) الذين كانوا كثيراً ما يستغلون (ضعف سمعه) بجعله مادة للتندر أثناء ممارسة اللعب..
- قوم يا راجل أمشى جيب لينا كهرباء الجمرة قطعت بدل قعاد الضمنة ده! قالتها (التومة) زوجة حاج الطاهر وهى تقف فى (باب الشارع) الذى يواجه (شلة الضمنة).. فى الوقت الذى كان فيه حاج الطاهر منهمكاً فى اللعب..
- قولو للراجل ده يقوم يمشى يجيب لينا كهرباء! هنا قام بعضاً من أفراد الشلة (بلكز) الطاهر مشيرين له إلى حيث كانت تقف (التومة) التى ما أن رآها حتى وضع الضمنة (طوااالى) وقام متجهاً نحوها وسط تعليقات (الشلة) ..
- شوفوهو قام طوااالى كيفن! - هو بيقدر على الحكومة! - بالله قام قبال ما يشوف ورقو ..
- يا زول إنتا بتلعب والله يتأخر تفطسو! إستمر اللعب وسرعان ما رجع (الطاهر) معاوداً الإنضمام للشلة ومزاولة اللعب بعد أن قام بشراء (الجمرة) وما أن جلس حتى جعل منه الجماعة مادة دسمة للتندر مستغلين (سمعو الضعيف): - شوفوهو جا بى سرعة كيف التقول راكب ليهو (فيسبا)! - هو يقدر يتأخر والله الحكومة دى تجيب أجلو! - يا زول والله بيخاف ليكا منها جنس خوف! - والله كان قالت ليهو عاوزه ليها دولاب ينجرو ليها فى خمسة دقائق ! - شوفوهو نفسو طالع ونازل كيف؟ - والله التقول كان خاتى (الجمرة) دى فى جيبو. - بس فالح يعمل لينا نحنا فيها أبوعرام..
فجأتن قام (حاج الطاهر) بوضع الضمنة وإلتفت نحوهم قائلاً: خلاس إنتهيتو من كلامكم! - (مندهشين) : كلام شنو ياالطاهر؟ - الكلام الكنتو هسه قاعدين تقولو فيهو... تجيب أجلو .. وبيخاف منها .. وينجرو ليها فى خمسة دقائق.. التقول خاتى الجمرة فى جيبو.. وشوفو نفسو طالع ونازل وعامل لينا أبو عرام.. ده غير حكاية (الفيسبا) الكنتا راكبا!!! إنتو قايلينى ما سامعكم ..! تفاجأ الجميع .. علت وجوههم الدهشة وجلسوا دون حراك كأنما (صبت فيهم) موية باااردة .. فى الوقت الذى قام فيه (حاج الطاهر) بنزع (العمة بتاعتو) مشيراً إلى إحدى أذنيه قائلاً : - إنتو ما شايفين (السماعة) الرسلا ليا (عاطف) ولدى أمبارح من السعودية دى!! بعد أن إنتهى عم (صابر) من سرد الواقعة وهو يمسح الدموع التى تساقطت من عينيه من آثار الضحك وهو يحكى لى ردود فعل كل فرد من أفراد الشلة حيال تلك المفاجأة قلت له: - فعلاً يا عم صابر فى حاجات كده بتحصل مع إنو نسبة حدوثها (واحد فى المليون)! وحكيت ليهو قصة (أم الحسن) مع (الفاضل العميان): الفاضل ودالسرة أو (الفاضل العميان) كما يناديه (ناس الحلة) أصيب فى مطلع صباه بداء (الرمد) مما جعله يفقد البصر وقد قام ذووه بعرضه على كثير من الأطباء ولكنهم لم يفلحوا فى علاجه.. لكنه على الرغم عن ذلك فقد كان يحفظ أزقة الحى ومنازل سكانه ولا يتخلف عن أية مناسبة لديهم، فى عصر أحد الأيام سمعت أم الحسن طرقاً على الباب: - منو الفى الباب؟ - أنا الفاضل ود السرة! وضعت أم الحسن (شملة الدخان) جانباً.. نظرت بخرم الباب وعندما وجدت أن الطارق هو (الفاضل العميان) فتحت له الباب (طوالى) مبتعدة منه بقدر الإمكان متحاشية ملامسته. - العنقريب وراك طوالى يا الفاضل أقعد. جلس الفاضل على العنقريب بينما عادت أم الحسن لتلبس (الشملة) من جديد وتجلس على حفرة الدخان. - الأهل كيفنهن يا الفاضل؟ - بخير والله! بين الفينة والأخرى كانت (أم الحسن) تضع الشملة جانباً وتقوم (بإهمال) بمسح العرق المنهمر من جسدها وفى بعض المرات كانت (تفر) الشملة وتقيف (حيلا) لدقائق قصيرة من أجل إخراج (الهواء السخن) الذى ينبعث من الحفرة غير آبهة بوجود الفاضل (العميان) الذى كان يجلس فى مواجهتها على البعد.
- عباس راجلك مافى والا شنو؟
- لا .. لسه ما جا من السوق..
- خلاس لمن يجى قولى ليهو (الفاضل) جاك يعزمك عشان (فتَّح) وعاملين ليهو كرامة يوم الجمعة!!

محمد المعتصم الرشيد
12th October 2010, 05:01 PM
الدكتور أنور عشقي‏


ذهب الدكتور أنور ماجد عشقي (رئيس مركز الشرق الأوسط الاستيراتيجية والقانونية) إلى أن الحور الحين العين ليسوا للمتعة الحسية وذلك لأن الدوافع الجنسية غير موجودة في الجنة وآدم لم يغادرها إلا بعد انكشاف سوءته ، وأن الاستمتاع بالحور ليس جنسياً بل هو معنوي لا ندرك مداه بعقولنا الدنيوية.

وأوضح عشقي في مقال كتبه في ملحق " الرسالة" الجمعة سبب تناوله هذا الموضوع لأمرين: أولها استغلال الإرهابيين للشباب من المراهقين، والإيحاء لهم بأنهم إذا قاموا بعملية انتحارية وقتلوا ودمروا فإنهم يصبحون شهداء، وحال موتهم تستقبلهم الحور العين في الجنة

والأمر الثاني الذي دفعه لتناول هذا الموضوه: أن عدداً من طلبة العلم وكبار المثقفين، يعتقدون بوجود الممارسة الجنسية في الجنة، وأضاف: حتى بلغ الشطط ببعضهم أن ألف كتاباً وأفتن في هذا التصور العدمي، فقال بأن (الولدان المخلدون) الذين وردوا في القرآن الكريم هم لأهل الجنة الذين كانوا يميلون بشهوتهم في الدنيا إلى اللواط ومنعوا أنفسهم من ممارسة ذلك الشذوذ، فإن الله سيكافؤهم في الجنة بالولدان المخلدين، وهذا ما يشوه صورة الجنة في أذهان المسلمين، ويبعث على السخرية من قبل أعدائهم، مبديا استياءه
ممن وصفهم بأصحاب الأغراض المنحرفة ينتقون من القرآن ما يعجبهم، ويتأولون بما يخدم أهدافهم ويتلاقى مع أهوائهم ليصلوا إلى غاياتهم.

ويرى الدكتور أنور أن الجنس ما هو إلا مجموعة من الخصائص الفسيولوجية والتشريعية والسلوكية، نشأ بسبب انقسام الناس إلى ذكور وإناث، فقام بدور جذب الإنسان نحو الآخر بسبب الميول الفطرية، والجنة تنعدم فيها الدواعي الجنسية لهذا فإن الأعضاء التناسلية سوف تختفي عند الإنسان في الدار الآخرة لأن الله عز وجل وصفها بالسوأة، فقال تعالى: «فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة».

ويستند عشقي فيما ذهب عليه إلى أن الله عز وجل لم يخرج آدم وزوجه من الجنة إلى الأرض بسبب المعصية التي ارتكباها، بل بسبب ظهور السوأتين بعد أكلهما من الشجرة، لأن الله عز وجل تاب عليهما بعد أن تليا كلمات علمهما الله إياها، فعفا عنهما، لكنهما بسبب ظهور السوأتين لم يعودا مؤهلين للبقاء في الجنة فأخرجهما عز وجل منها، وشرع الله للبشر ما إذا سار الإنسان عليه تأهل من جديد وعاد إلى مقام العندية عند الله في الجنة، وهذا ما وقع فيه (ليوناردو دافنشي) الرسام الكبير عندما تخيل صورة لآدم وحواء فجعل لكل منهما سرة في بطنه، وفاته أنهما لم يولدا من رحم أنثى وبحبل سري، ولم تكن لهما سوأتين عند بدء الخلق.

وأضاف: لعدم وجود الجنس في الجنة فإن الله عز وجل خلق آدم من طين واستنسخ حواء من ضلع آدم. فالجنة لا جنس فيها لأن الأجهزة التناسلية للإنسان تختفي لأنه ليس في حاجة إليها في الجنة، كما ليس في حاجة إلى كل الغرائز التي ابتلى الله بها الإنسان على وجه الأرض لتستقيم الحياة، لكن الله شرع له ما يضبط سلوكه في الدنيا ليتأهل إلى مقام العندية في الآخرة، والله عز وجل نهى آدم عن الاقتراب من الشجرة، وعندما أكلا منها بدت لهما سوآتهما عندما حول الشيطان شهوة الطعام التي قادت آدم وزوجته إلى الأكل من الشجرة فانفجرت لديهما الغريزة الجنسية، ثم تبعتها غريزة الخوف فتلقى آدم كلمات من ربه فتاب عليه، وهكذا أخذت الغرائز والدوافع تظهر تباعا فلم يعد الإنسان صالحاً للجنة، لأن الجنة ليس فيها جنس وليس فيها خوف، بل تنعدم فيها معظم الغرائز.

وساق الدكتور عشقي عددا من الأدلة التي تؤيده فيما ذهب إليه ومنها: قوله سبحانه وتعالى في سورة الدخان (كذلك وزوجناهم بحور عين) فكانت في وصف ما أنعم الله به على المتقين قال يونس بن حبيب في تفسير هذه الآية: إن ذلك لا يعني النكاح بل المقارنة، والعرب لا تقول تزوجت بها، بل تقول تزوجتها، ولم ترد كلمة زوجناهم بحور عين إلا في آيتين سورتي الدخان والطور، ولم يقل في الآيتين سنزوجهم في المستقبل بل جاءت في الماضي مما يؤكد على أن القصد هو القران والمرافقة، وليس النكاح المعروف في الدنيا، بالإضافة إلى أن الاستمتاع بالحور ليس استمتاعاً جنسياً لهذا أعطاهم الله أحسن ما في صورة الآدمي هو الوجه وأجمل ما في الوجه وهو العين مما يدل على حسن المزاج في الخلقة وأحسن ما في الإنسان من خلق، فهو استمتاع معنوي لا ندرك مداه بعقولنا الدنيوية.
من الجدير بالذكر وردت أحاديث صحيحة يشير ظاهرها إلى وجود علاقة جنسية في الجنة ومن ذلك ما رواه أبو هريرة عن رسول الله قال: ( قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ ) ، وعن انس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يعطى المؤمن في الجنة قوة كذاوكذا من الجماع )قيل يارسول الله او يطيق ذلك ؟قال : (يعطى قوة مائة ).

Abubakr Ibrahim
13th October 2010, 08:21 AM
مشلهت والضياع الكبير

كان إنت عاضيك كلب ، أنا راميني جمل !

أ.د. محمد عبدالله الريح

هل هذا الصوت آذأن لصلاة الصبح ؟
يبدو أنه هو … لابد أن يكون موعد الصلاة قد اقترب إذ أن الآذان كرر مرتين أن الصلاة خير من النوم …. ولهذا نهض مشلهت وتوضأ وارتدى ملابسه وخرج في طريقه الى المسجد … الصف الأول والثاني والثالث … نفس الوجوه التي اعتادت أن تصلي الصبح في المسجد … بزيادة عدد بسيط أو نقصأن شخص أو شخصين من الأمور الروتينية التي اعتاد مشلهت أن يلاحظها … فليس هناك شئ غير عادي ولكن عندما خرج من المسجد فلم يجد حذاءه … كان هذا أمراً غير مألوف … او علي الأقل غير مألوف لديه … فمن وقت لآخر يفتقد أحد المصلين حذاءه ويشارك الجميع في تعزيته وذلك بإظهار استنكار وقتي وأن المساجد أصبحت في الآونة الأخيرة أماكن لسرقة الأحذية من بعض ضعاف النفوس … ولكن من غير المألوف أن يحدث ذلك له … فلم يحدث أن فقد حذاءً من قبل والأمر لا يتعلق بسرقة الحذاء من حيث أنها سرقة وأنه حذاء ولكن للأمر وجهاً آخر . فقد وصله الحذاء من ابنه حيدر المغترب في السعودية مع عدد من الأشياء والمصاريف الشهرية … ولأن إبنه يعرف أن والده مصاب بمرض السكر وأنه يشكو من نقرس يؤدى أحيأنا لتورم في إصبعه الكبير فقد طاف بعدد الصيدليات التي تبيع أحذية طبية واختار الحذاء الذي أرسله مع أحد الأشخاص بواسطة صديقه هاشم وقد بر هذا الشخص بوعده إذ أنه سرعأن ما اتصل بمشلهت هاتفياً بمجرد وصوله الى أهله في الكلاكلة صنقعت وأعطى وصفاً دقيقاً مما سهل على مشلهت الوصول إليه واستلام الكيس الذي يحتوي على الأغراض التي أرسلها إبنه وكذلك الخمسمائة ريال … وهو يدعو لإبنه عقب صلواته أن يوفقه الله ويحفظه ويغطيه من كل شر وبليه .
في المساء كان مشلهت ينتعل الحذاء فيشعر براحة عميقة وكأن قدميه تتنفسان الصعداء … وكأنهما عادتا شابتين قويتين تستطيعأن حمل ذلك الجسم دون أن تتأوها … شعور مريح أن تشعر أنك تملك قدمين لا تنبعث منهما نارية أو يشكوان من آلام غير محددة .
ولم يساوره أدني شك أن فرحته لن تدوم طويلاً عندما وضع قدميه داخل ذلك الحذاء الطبي وهو يتجه نحو المسجد … ولكن ضاع كل شئ الآن … وأدخل غمامة من حزن دفين هبط عليه في ساعة الفجر تلك فهو يسمع أصوات المصلين وقد تركت توجيه لعناتها للسارق وأخذت تصب جام إنتقاداتها نحوه .
• لكن يا حاج مشلهت … إنت ذاتك غلطان … هسع دى جزمة الواحد يجئ بيها الجامع ؟ … كدي شوف كلنا لابسين براطيش بس … ومافى زول يجي لابس جزمة …
ويتطوع أحدهم ليقص قصة في اختصار تعنى أنه فقد حذائين من قبل ولكنه اتعظ فأنضم الى جماعة البرطوش … وحارس المسجد وبعد أن لعن اللصوص جملة وتفصيلاً اخذ يحكى عن عدد الذين فقدوا أحذيتهم في عقد قرأن ابنة أحد رواد المسجد وذلك بعد صلاة العصر يوم الخميس الماضي … وهو يعتقد أن الخطأ يكمن في دائرة الذين لا يحملون أحذيتهم في أيديهم ويضعونها نصب أعينهم .
ولأن السارق ويبدو عليه أنه من النوع الذي يقصد السرقة من اجل عائدها فلم يترك خلفه أية سفنجة أو شيئاً تنتعله الضحية ولهذا كان على مشلهت أن يعود حافياً الى منزله في تلك الساعة المبكرة من الصباح .
منزله يقع في نهاية الأحياء التي تحيط بالمسجد وعليه أن يسير بحذر على أطراف أصابعه حتى لا يتعرض لجرح وهو مريض بالسكري فيؤدى ذلك إلى عواقب وخيمة …… وقبل أن يصل الى نهاية المربوع وبما أنه يعانى من ضعف في النظر بسبب السكري المذكور لم يتبين حجراً مغروساً بالقرب من جدار فكاد أن يصطدم به ولكنه تحاشاه في اللحظة الأخيرة مما جعله يترنح ويفقد بعضاً من توازنه .
حركته غير المتوازنة في تلك الساعة من الفجر أخافت كلباً كان رابضاً في مكان قريب فكشر عن أنيابه وهجم على رجل مشلهت وتركها والدم يتدفق منها غزيراً… باغتت المفاجأة مشلهت فتراجع الى الخلف وقلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه وهو يصيح :
• آخ … آخ … الله يأذيك … يا أخوأنا الكلب عضاني .
لا حول ولا قوة إلا بالله
وسمع صيحته بعض المصلين الذين سبقوه الى نهاية الشارع فعادوا وهم يتساءلون :
• شنو الحكاية يا مشلهت ؟
• عضاني كلب .
• لا حول ولا قوة إلا بالله … الكلب كمان الجابك ليهو شنو ؟
لم يعجب ذلك السؤال مشلهت فصاح في ضيق :
• يا أخي الجابنى ليهو أنا شنو ولا الجابو هو لي شنو ؟ أنا ماشى في دربي يا أخي يقوم يهجم علي ويعضيني ؟
وتساءل أحدهم :
• هو دا كلب منو؟
ويجيبه أحدهم
• يا أخى منو العارفو كلب منو؟ … ماهي كلاب ضالة مالية الشوارع… والمحلية ما شايفة شغلها … ويأخذ أحدهم زمام المبادرة في هذه النقطة :
• هو المحلية ما شايفة شغلها في حالة الكلاب بس ؟ دى ما عندها شغل غير العوايد والموية … وغيرها … في اقل حاجة يجيك انذار بالقطع وبالمثول أمام المحكمة … وما شايفين حالة الشوارع دى ولا الحفر ولا المواسير المكسرة والموية المدفقة … وصحة البيئة كيف شكلها؟
ولكن كل ذلك لا يعنى مشلهت في هذه اللحظة . كل الذي يعنيه هو ماذا يفعل وقد عضه كلب وضربه (حجر دغش) وهو الى تلك اللحظة لم يكن يدري ماذا يعنى عندما يتساءل أحدهم (أصلو ضاربو فيها حجر دغش؟).
وهاهو حجر الدغش وببيانه العملي قد ضربه … فترنح فهجم عليه الكلب وعضه … والقوم الذين تجمعوا حوله تركوا أمر حجر الدغش وتركوا أمر الكلب وعقدوا مؤتمراً سريعاً للحديث عن قصور المحليات .
• يا أخوأنا … هسع اعمل شنو …
أحد جيرانه رجل شهم تطوع بإخراج عربته من الجراج ليأخذه للمستشفى .. وفكر مشلهت أن يصل الى منزله ليخبر الجماعة بما حدث له الا إنه صرف تفكيره عن هذه الخطوة حتى لا يزعج الجماعة في البيت واحضر له جاره سفنجة لينتعلها .
الساعة تشير الى السادسة والنصف صباحاً في زمن البكور هذا ولكنها بالتوقيت الجغرافي هي الخامسة والنصف … وذلك عندما توقفت العربة أمام قسم الحوادث بالمستشفى … واصر مشلهت على جاره بالإنصراف لأنه يعلم أن موعد عمله يبدا في السابعة والنصف … وبما أنه من غير المحدد كم يبقى مشلهت في قسم الحوادث … فلن يكون صائباً أن يبق جاره معه .
الجرح كان ينزف بغزارة الا أن الدم توقف بعد أن اختلط بالغبار وبشوائب الطريق فبدت قدم مشلهت غبشاء يغطى أجزاء منها الدم المتجمد ذو اللون الداكن …

ردهة طويلة تقع أمام قسم الحوادث اكتظت ببعض الناس الذين يشكون من أمراض وحوادث هبطت عليهم فجأة في ليلة البارحة وصباح اليوم … فهناك الذي يشكو مغصاً كلوياً والذي جاءوا به بعد أن أوسعه أحدهم ضرباً على الرأس فسالت دماؤه وغطت وجهه ولطخت ملابسه فبدأ منظره وكانه يعاني من إصابة خطيرة وفى الواقع كما تبادر لذهن مشلهت فإن الحوادث تبدو اكبر من حجمها الطبيعي … ضربة صغيرة يسيل لها دم كثير … وتولول النسوة ويتجمع المارة.

جلس مشلهت بالقرب من رجل عجوز … يبصق من وقت لآخر وهو يضغط على بطنه … وكان الفضول لديه اكبر من الأزمة الصحية التي يمر بها ويبدو عليه أنه سأل جميع الموجودين في العيادة عن أمراضهم ولم يبق الا مشلهت ولأنه جاء لتوه فلم يسأله وهاهو يلتفت نحو مشلهت قائلاً :

• مالك يا خوى … نعل مافى عوجة؟
• عاضينى كلب .
• يا الشيخ الطريفى … خشيم السعر وجاموس الوعر .. والكلب دا يا أخوى الجابك ليهو شنو لحدي ما يعضيك كدي ؟
الغريب في الأمر أن كل الذين إلتقى بهم سألوه نفس السؤال وكأنه هو الذي جاب نفسه للكلب … فقال للشيخ ؟
• كنت مارق من الجامع ولاقاني في السكة .
• ولى شنو ما بتشيل معاك عصاية تضربوا بيها ؟ والله عاد يا ناس المدينة بقيتو لا بتسعوا عصاية ولا بتسعوا سيف ويقبض الرجل على بطنه وهو يصر وجهه من الألم …فيدخل معه مشلهت في سين وجيم :
• وإنت مالك يا أبوي .. الحاصل ليك شنو ؟
• أنا ؟
• أي ..
• والله باقي شربت لي لبينة غلتت عليّ وهسع بطني دى كلها ماسكاني .. قلت اجى الإسبتالية هني كان ألقى لي علاج .
• وجيت هنا متين ؟
• جيت بعد ما صليت العشا .
• من العشا إنت في الحالة دى ولا في أي زول كشف عليك ولا شافك ؟
• والله من العشا أنا هني … والناس دى تدخل وتمرق وما فى زول أداني التكتح دي … ولا زول قال لي حاجة وكل ما أقول ليهم يا أخواني عالجوني يقولوا لى أصبر نحنا مشغولين بركاب البص الإنقلب في الخوجلاب .
ويهب مشلهت واقفاً لينظر داخل إحدى الغرف فيرى عدداً من الناس وكانهم بقايا معركة داحس والغبراء … فيدرك أن إقامته داخل قسم الحوادث ستطول … فيستنجد بأحد أشبال الأطباء فيساله الطبيب :
• وإنت مالك؟
• أنا عاضينى كلب ؟

وللمشلهت بقية ..........

محمد المعتصم الرشيد
13th October 2010, 02:01 PM
تعقيب على محاضرة دكتور عشقي الذي فيه تم تصحيح المحاضرة السابقة
أعاد إلى الأذهان الدكتور "أنور ماجد عشقي" الخبير الاستراتيجي المعروف، أعاد تصحيح المفهوم حول مقاله الذي نُشر مؤخراً بعنوان (الجنة منزّهة عن الجنس) والذي أحدث ضجة واسعة، موضحاً أن الجنس في الجنة بدون مزي ولا مني، لكنه لذة حسية، لا يوازي اللذات المعنوية العظيمة الأهم منه كثيراً والتي أعدها الله لأهل الجنة، وقال في محاضرة له في منتدى الروضة بجدة إن آدم عليه السلام خلقه الله من طين، لكن كان قبله بشر وأكثر من آدم، ثم تحدث عن القيمة الاستراتيجية للمونديال..

الحكمة من الخلق
وكان الدكتور عشقي قد بدأ محاضرته بالحديث عن الحكمة العظيمة من خلق المخلوقات، موضحاً ان الله تعالى قد اعطى من صفاته للإنسان فكان الرحيم والرحمن.. الخ، قائلاً إن أسماء الله الحسنى هي (99) اسماً، لكن اسم الله لم يأخذه أحد (لم يجعل له سميّا) ولذلك لا نجد احدا اسمه الله سوى الله تبارك وتعالى، موضحاً أن الله قد خلق الخلق المحسوس على شاكلتين (إرادي ولا إرادي).الخلق الإرادي هو الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يتحرك أبداً وهو الكونيات.. اما الخلق الارادي فقد قسمه الله إلى قسمين:
خلق مكلّف وخلق غير مكلّف.. وغير المكلّف هو الحيوانات.. والخلق المكلّف هو الإنسان.. والله تعالى خلق الخلق غير المكلف وهي الحيوانات وحكمها بالغرائز، اما البشر فخلقهم الله عزل وجل وحكمهم بالشريعة، فمن سار عليها وصل الجنة، ومن خالفها وصل النار.
الخلق الإرادي
وأضاف د. عشقي: إن الخلق الارادي وهو البشر، تمثلت فيه اكثر صفات الله تعالى، لانه سبحانه جعل الكون كله مسخراً له، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لو لم تذنبوا وتستغفروا لاستبدلكم بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم، والإنسان نفسه فيه أعضاء ارادية واعضاء لا إرادية.. والأعضاء الإرادية تحرّك يد، تغمض عينيك، تتكلم هذه كلها إرادية.. وغير الإرادية في داخل الجسم ومتمثلة في الغدد الصماء وغيرها من التي تعمل لوحدها فأنت لا تستطيع ان توقف قلبك، فإذا الإنسان بإرادته خالف الله عز وجل، تنعكس على الاجهزة اللاارادية، فإذا شرب الخمر تعطلت بعض الأجهزة الارادية فلا يستطيع ان يحافظ على توازنه، فإذا خالف الإنسان أمر الله يظل في قلق، مرض، وبلاوي، وإذا غضب يكون كذلك والنبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن نغضب، ممكن يصير عنده سكر، ضغط وأي شيء.
لذتان للإنسان
وأوضح الدكتور عشقي ان الله تعالى قد جعل لنا لذتين، لذة حسية، ولذة معنوية.. مشيرا الى ان اللذة الحسية أعطانا الله منها الكثير في الدنيا، وقللّ لنا المعنوية. لأن اللذة المعنوية من الصعوبة أن تصل لها عقولنا، فنحن مثلاً في اللذة الحسية نستمتع بالحواس الخمس (طعام شراب نظر موسيقى.. الخ) وخصائص اللذة الحسية أنها تمر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى انك انت تستمتع بها، والثانية تشبع، والثالثة تمرض.
فأنت مثلا تأكل التفاحة الأولى وتستمتع وتأكل الثانية وتشبع، وإذا أكلت الثالثة يمكن تمرض أو تتضايق.. وأيضا لو سمعت أغنية جميلة وحلوة تنبسط، وإذا كررتها عليك يمكن تقول: (خلاص.. فكونا من هذه).. لكن القرآن الكريم مهما سمعت منه، وكلما سمعته تنبسط اكثر، لأن هذا لذة معنوية، وهذه اللذة المعنوية لا يدركها الإنسان ببساطة، ولكن كلما استمتع بها كلما ازدادت لذته بها، ولا يشعر بالضيق والملل إذا زادت معه.
ثلاث علاقات
وقال نحن لدينا ثلاث علاقات: علاقة مع الله الخالق، وعلاقة مع المخلوقين، وعلاقة مع الذات.. والعلاقة مع الخالق هي أمتع أنواع العلاقة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول لبلال أرحنا بها يا بلال (اي الصلاة).. والرسول يستمتع بالعبادة، بالصلاة. والرسول كان يصلي الليل فتقول له عائشة يا رسول الله أو لست انت الذي غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيرد عليها أفلا أكون عبداً شكورا. والإنسان كلما استزاد من الدين استمتع اكثر، لكن لا يخالف الدين، فإذا خالف الدين يكون قلبه في جهة وعمله في جهة لا يستمتع أبداً.
واضاف: نحن إذا متنا ورحمنا الله بدخول الجنة، فإن الله يعطينا اللذة الحسية، ويأخذ منها مساوئها، فيقول الله كما في البخاري: (أفأنتم راضون، فيقولون يا رب كيف لا نرضى وأنت الذي اعطيتنا الذي لم تعطه لأحد من خلقك فيقول لهم الله عز وجل بل هناك ما هو أكثر، فتشرئب أعناقهم (ينتظرون ما هو هذا الأكثر) فيقول الله عز وجل أحل عليكم رضواني وأرفع عنكم سخطي) فهذه قمة في المتعة المعنوية، فهذه المتعة تنسيهم كل المتع الحسية.. ثم ان المتعة الثانية التي هي أكثر ان الله عز وجل يتجلى لهم، المتعة الأخرى ان الله تعالى يقرأ القرآن عليهم، وكل هذه وردت في الكتب الصحاح في البخاري ومسلم وغيرها.
الجنة مقامات
وقال: إن الجنة مقامات والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (اسألوا الله تعالى الفردوس الاعلى من الجنة) يريد ان يرتفع بأحاسيسنا إلى الاعلى، والناس صاروا يستخدموا اللذة الحسية في الدنيا ويخدعون بها الآخرين بأنها في الجنة، وطبعاً لا يوجد شيء جاء في القرآن الاّ وهو صحيح، ولما قال فيه حور عين، معناه نعم فيه حور عين، ولما قال فيه أكل وشراب نعم فيه أكل وشراب، ولكنه أكل وشرب مختلف (ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).
آدم عليه السلام
وتعالوا لموضوع آخر .. أبونا آدم عندما خلق واكرمه الله بالجنة اهله للجنة، وخلق من ضلعه حواء، يعني لا جاءت من زوج ولا من نكاح، وأبونا آدم ما واقع ستنا حواء في الجنة أبداً، ولا (جابوا) ولد في الجنة أبداً، وعلماء الغرائز (أبرزهم) ثلاثة ومنهم فرويد الذي يرى أن أهم لذة هي الغرائز. لكن في الجانب الآخر -الإسلام- الغزالي يرى أهم شهوة الطعام، حتى الله يحقق ارادته فيك، ثم كانت وسوسة الشيطان لابينا آدم، وان الشجرة هي المُلك الذي لا يبلى وأقسم على ذلك، ولما أكلوا آدم وحواء من الشجرة (بدت لهما سواءتهما) بدأت تتفجر الغرائز، وطلعت الغريزة الجنسية (واخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة) فخاف آدم - في الجنة المفروض ما تخاف- فتاب إلى الله ، فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم، لكن لماذا أهبطه الله إلى الأرض بعد أن تاب عليه؟.. الهبوط إلى الأرض عقوبة، لكنها في ذاتها ليست عقوبة، انزله الله إلى الأرض لأنه لم يعد مؤهلاً للجنة، لأنه خاف، وغريزة جنسية، وكل هذه جميعها، خلاص، فالله تعالى انزله إلى الأرض حتى تتحقق صفات الله عز وجل، وقال د. عشقي أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أنه كان قبل آدم مئة آدم، وإن آدم الذي ذكر في القرآن من الطين ومن قبله لم يكونوا من الطين.
لأن الله قال إني خالق بشراً من الطين.. فالله قال إني خالق بشر من طين، لكن معناه كان فيه بشر من غير الطين، والله تعالى عندما علم آدم الأسماء كلها، والملائكة قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، وكل العلماء بمن فيهم ابن كثير قالوا إن الملائكة لا يعلمون الغيب، ولكن لأنهم قالوا ذلك بناءً على ما حدث في الماضي، وكل ما حدث ويحدث وكل سفكة دماء كلها بإرادة الله تعالى. وكل الأمم القديمة أعطاهم نظاماً يسيرون عليه، ولما ظلموا غضب الله عليهم، ونزول آدم للأرض لكي يعبد الله، ويقوم بأداء التكليف الذي كلفه الله به.

البصيرة
وقال: إذا تأهل أبناء آدم في الأرض للجنة، يعيدهم أو يدخلهم الجنة، والله علم آدم كل العلوم لكن أين ذهبت؟، ذهبت بسبب معاصي البشر، ولذلك كلما تخلى الانسان عن المعاصي تجلى عقله، واعطاه الله العلم الصحيح، فهذه هي البصيرة، فمثلاً من أذكى واحد في الجاهلية.. إنه أبو جهل، ولذلك سمي أبو الحكم، ولكن بسبب العنصرية، والأهواء تحول من أبي الحكم إلى أبي جهل!! وقد دخل دار الندوة وعمره 40 عاماً- أصغر واحد- وذلك لحكمته، فلقب بأبي الحكم، لكن أي انسان عندما تدخل عنده نوازع الشر يصبح جاهلاً يتناقض وتظهر عليه التناقضات.
درس المونديال
وتحدث د. عشقي عن حكاية حدثت معه في الأردن خلال زيارته الأخيرة ضمن رحلة وضع استراتيجية أمنية فكرية عربية برعاية جامعة نايف، فقال: طلبوا مني شرح احدى الأمسيات فقابلت السفيرة الهولندية وسألتها إن كانت شاهدت المباراة الختامية لكأس العالم بأكملها، وسألتها: لماذا فازت اسبانيا عليكم.. وقلت لها لقد فازت اسبانيا لثلاثة اسباب الأول لعدم رغبة أي لاعب اسباني في البروز لوحده على حساب الآخر، وثانياً للهدوء، وثالثاً لتبادل الكرات "الباص" حتى أنهم "باصوا " لبعضهم في مرة "24" مرة.ولذلك فدرس المباراة الختامية لكأس العالم سيكون هو الاستراتيجية المهمة، ولذلك فنحن إذا "باصينا" بعضنا أكثر فسوف نتعلم أكثر، وسوف نفهم أكثر.
الجنس في الجنة
ورداً على سؤال حول مقاله الذي أحدث ضجة عن الجنس في الجنة قال د. عشقي: بالنسبة لما ورد في القرآن الكريم فإننا لا ننكر حرفاً واحداً ورد في القرآن، ولو أنكرت حرفاً فيجب أن أُكفّر.. ولكن أنا انكر التفسير، ولو سألنا بعضنا : الأغوات عندهم لذة جنسية، فستقولون لا.. الآن القرآن يقول ان الناس في الجنة لا يمنون ولا يمزون ولا غيره.. لكن اللقاء، المقابلة "الضم" كل هذه الأشياء العناق موجود، لكن امرأة تسأل وتقول ونحن النساء ماذا لنا؟ أليسوا بشراً مثلنا.. بعدين كل واحد يفسر القرآن تفسيراً جنسياً وذكورياً، يعني تصوروا يقولون "في شغل فاكهون" ان معناه أنهم في شغل طول الوقت جنس، يا جماعة ما هذا الكلام؟ وهنا سؤال جميل، يقول ليش كتبت المقال.. أنا عندي 40 كتاباً ألفتها في أكثر الفنون حتى الكتاب الذي كتبته عن "الحديبية وروح العصر" بينت فيه المقارنة بين مفاوضات الرسول صلى الله عليه وسلم والمفاوضات الآن، وقلت انها مفاوضات استراتيجية وجاءني شيخ شريف أحمد وقال لم نقبل نحن التفاهم مع جماعتنا الا بعد أن قرأت كتابك..وكتابي "العولمة والعصر" اعتمدوه في الجامعة اللبنانية ويدرّس، وأول كتاب ألفته في امريكا "المقارنة بين الشريعة الاسلامية والدستور الأمريكي" وبينت فيه مدى ضعف الدستور الأمريكي وبينت عظمة الشريعة الاسلامية، ولكن وجدت أن أهم تطور هو التطور في الفكر، ولا بد أن نرتفع بفكرنا، ونطلب الاشياء الأسمى والأعلى، ولذلك يرى من يدخل الجنة أن الجنس شيء تافه بالنسبة له، لكن ليس معنى هذا أنه ليس موجوداً، وأنا لست مفتياً أفتي، أنا اعطي رأياً، والرأي قابل للصح والخطأ، ومطروح للحوار وأنا لدي الآن مجموعة كتب أريد إظهارها يمكن حوالي 30 كتاباً، وأنا نذرت نفسي لخدمة الدين ولله عز وجل، ونسأل الله أن يقبل منا ومنكم، فنحن دائماً نريد أن نتطارح الأفكار، لا أن نستخدم الإرهاب الفكري أمام الناس، وواحد قال كذا، رأساً أصنفه صوفي، أشعري.. الخ، وهذا ما جاء الا لأننا خالفنا الله عز وجل، الله نهانا عن البحث في الأسماء والصفات فنحن من يوم ما دخلنا في الأسماء والصفات انقسمنا إلى فرق، وكلها بسبب الأسماء والصفات، وهذا يقول القرآن مخلوق وذاك يقول لا، وتقاتلوا طوال الوقت.
تعقيبات
وفي نهاية المحاضرة قام الدكتور عدنان الزهراني والدكتور واصف كابلي بالتعليق على المحاضرة.. ثم علّق الدكتور وديع كابلي: فقال لقد استمتعنا بمحاضرة الدكتور عشقي، ولكن يبدو أن الدكتور قد تراجع بعض الشيء عن مسألة الجنس في الجنة، وأكد على الناحية المعنوية، وكذلك الحسية ولكن بدون وجود ما تخلفه من آثار كما هي في الدنيا، ولكن الملاحظ أن هناك هذه الأيام اهتماماً كبيراً بمناقشة بعض القضايا الثانوية، وأكثر من ذلك بالرد والرد الآخر وهكذا، وهذا يصرفنا في الواقع عن القضايا المهمة للأمة.

Abubakr Ibrahim
14th October 2010, 08:02 AM
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]
مشلهت (2)
• هو إيه الحكاية؟ … إنت عاضيك كلب … ودا راميهو جمل الحكاية شنو؟
وادرك مشلهت أنه لن يصل الى قرار مع ذلك الطبيب فقال له :
• الحكاية إنو سرقوا جزمتى
ويصيح الطبيب :
• والله حكاية … سرقوا جزمتك ؟ نحن فى نقطة بوليس ؟ ما تمشي تفتح بلاغ هناك … شوف المصايب النحنا واقعين فيها ..
ويقاطعه مشلهت :
• مافى مصايب إنتو اقعين فيها … المصايب واقعين فيها نحنا .
• طيب اقدر اعرف آيه علاقة سرقة جزمتك بي أنا أو بجيتك هنا؟
• لو ما سرقوا جزمتى أنا ما بكون هنا ..!!
• يا أخي إنت عايز تجنني ؟ كيف يعنى لو ما سرقوا جزمتك إنت ما بتكون هنا ؟
• لما سرقوا جزمتى من الجامع أنا رجعت البيت حفيان وفى السكة عترت فوق حجر كان تحتو كلب قام عضاني .
ويهدأ الدكتور قليلاً ويقول :
• وينا العضة ؟
• اهى دى .
ويتفحص الدكتور العضة ثم يقول له
• طيب تعال معاى ..
وياخذه الى غرفة غيارات حيث كإنت توجد ممرضة ممتلئة الجسم لا يبدو عليها أي هظار بل صرامة تامة … ولا تتحدث الا بهمهمات تجعل اتخن تخين يسألها مرتين وتلاتة قائلاً :
• قلتي شنو؟
فطلب منها الدكتور أن تسعف مشلهت .. ولم ترفع رأسها عن المريض الذي كانت تلف يده بشريط أبيض إلا إنها قالت :
• امش جـ … ش … شر .. رات … ويستفهم مشلهت
• قلتي شنو ؟
وتصرخ الممرضة :
• إنت ما بتسمع ولا شنو ؟ قلت ليك أمشي جيب شرايط وغيارات .
• من وين؟
• أنا عارفة من وين ؟ما تشوف الناس بجيبوهم من وين وتمشي تجيب زي ما الناس بتجيبهم ويخرج مشلهت من غرفة الغيارات ويقابل فى طريقه ذلك الطبيب الذي جاء به لغرفة الغيارات
• اها عملت شنو ؟
• قالت لي أمشي جيب غيار وأنا ما عارف الغيار بيجيبوه من وين …
• يا اخى أمشي قدام الاسبتالية تلقى واحد عنده طبلية عنده الغيارات والحقن وأي حاجة .
وبعدين طبعاً لازم تمشوا تجيبوا حقن بتاعة سعر … يعنى مصل مضاد للسعر .
• ودا أجيبوا من وين كمان ؟
• فى السوق قالوا في مصل فرنساوي أسمو فيرنا بس ما تجيب التايلأندي…
• ويصاب مشلهت بنوبة سخرية فيقول :
• وهو ناس تايلاند قاعدين يجحموا ؟ أنا قايل السعر دا عندنا هنا بس .
• أمشي … أمشي بطل الغلبة … جيب حاجاتك وتعال .
نسي مشلهت إنه فى زحمة ما حدث له لا يحمل نقوداً فالجلابية التي يلبسها تناولها من الشماعة ليحصل بها صلاة الصبح وقد كإنت جيوبها فارغة ثم إن جاره هو الذي نقله الى المستشفى … فماذا يفعل ؟
لو حاول أن يتقدم لأى شخص ليقول له إنه لا يحمل نقوداً وإنه جاء إلى المستشفى بعد أن سرق منه حذاءه فتعرض لعضة من كلب كان يجلس خلف حجر تعثر عليه مشلهت لما صدقه أحد ولظنوه محتالاً مثل غيره من المحتالين الذين يتحاومون داخل وأمام المستشفيات ولذلك أخذ يفكر في وسيلة لتأخذه لمنزله … وعلي الأقل يخبرهم بما حدث .
ومرة أخري لمحه ذلك الطبيب فبادره الطبيب قائلاً :
• وإنت لسع بتتحاوم بجاي ما مشيت جبت الغيارات ولا المصل ؟ شوف السعر دا مرض فظيع جداً … ولازم تلحقه بسرعة وكلما تتأخر ما بكون في صالحك والفيروس ممكن يصل المخ وبعدين ما بتحلق ….
• فتقدم نحو بوابة قسم الحوادث عندما شعر بيد تربت على كتفه فالتفت خلفه .
• وين يا أبوها … كيفنك .. أن شاء الله خير .. ما قاعدين نشوفك .
يا لها من صدفة … صديقه عبد الرؤوف … له مدة طويلة منذ أن قابله آخر مرة فى عقد قرأن إبنة صديقهم فيصل … وتنفس اكثر من صعداء .
• يا سلام يا عبد الرؤوف … ازيك .. والله صدفة غريبة … تصور من آخر مرة قابلتك فيها في عرس ناس فيصل … تأني ما أتلاقينا .
• نتلاقى وين في الزحمة دى؟ … المهم إنت عامل كيف ؟ ومالك بجاي … نعل ما فى عوجة؟ …
• والله يا أخي العوجات في .. أولا سرقوا جزمتى في الجامع … وعضاني كلب …. ودلوقت مفروض أجيب غيارات ومصل بتاع السعر .
• لا حول ولا قوة الا بالله … وهسع ماشي وين ؟
• ماشى البيت .
• لكين إنت لسة بتنزف … ما عملوا ليك غيار ولا شنو ؟
• يا اخى أنا قمت بجلابيتي وعندي جارى جابني هنا … وما شايل معاى قروش فقلت أمشي البيت اشيل قروشي وبعدين امشي أفتش لي مصل للعلاج.
• بيت شنو يا اخى؟ أنا شايل معاى قروش .. دقيقة
ويتجه عبد الرؤوف نحو عربته …و يصيح مشلهت :
• اقيف يا عبد الرؤوف … مافى داعي .. ما خلاص أنا حامشي البيت عشان أغير … و
ولكن عبد الرؤوف لا يلتفت إليه … بل يفتح باب عربته ثم يتناول ربطتين من الأوراق النقدية :
• هاك دى ميتين ألف … أمسك … وأسعف نفسك السعر دا بطال جداً ولازم تحصلوا بسرعة … ويتناول مشلهت النقود وهو يتمتم بعبارات الشكر نحو صديقه عبد الرؤوف .
• شكراً جزيلاً … ما كان في داعي أنا اصلو كنت عايز امشي البيت .
• تمشي البيت شنو يا راجل؟ .. إنت لازم تسعف نفسك الواحد يعضيه كلب في البلد دي يوديه فى داهية … اها … مع السلامة واتصل بي وريني الحاصل شنو ؟
وأنصرف عبد الرؤوف … وقد نسي مشلهت أن يسأله عن سبب حضوره للمستشفى فشعر ببعض التقصير .. وسيسأله في المرة القادمة أو عندما يتصل به .
بعض الصيدليات حول المستشفى … تحمل لافتات بعيدة كل البعد عما فى داخلها … رفوف تتناثر عليها مستحضرات التجميل وفرش الأسنأن والمعجون وقد غطاها الغبار ثم هناك فتاة صيدلية … تجلس على مقعد لا ترفع رأسها عن ورقة تكتب عليها او تقرأ فيها شيئاً وشاب يضع يديه على حافة طاولة طويلة بيضاء تمتد على امتداد الصيدلية تجعلك تتساءل كيف يدخل هؤلاء العاملون خلف تلك الطاولة .
وقف مشلهت أمام البنت ثم سألها قائلاً :
• عندكم مصل بتاع الكلب ؟
وأشارت البنت الى الشخص الواقف والذي هز رأسه بالنفي دون أن يتكلم .
فسأله مشلهت :
• بتلقي وين المصل دا ؟
• شوف الصيدليات التانية … نحنا ما قاعدين نجيبو .
ونحنا ما قاعدين نجيبو … وشوف الصيدليات التانية …
امتدت لاكثر من عشر صيدليات دون أن يجد من يقول له أين يجده فقط ظل سؤاله هذا بدون إجابة فقرر أن يهاجر من الخرطوم بحري الى الخرطوم فالصيدليات هناك كثيرة ويتوفر فيها الدواء .
وإنتصف النهار والحركة تزحف والدفارات تزاحم الحافلات والحافلات تزاحمها الميني باص والتي اعتاد الناس أن ينادوها بأمجاد ومخنق صينية كوبر يضيق ويضيق حتى بدأ عنق الزجاجة أرحم منه
… ولكن فجأة تحركت الحركة ولا أحد يدرى ما الذي كان يحبس الحركة هكذا … الحركة هنا تنحبس وتنفك دون أن يدرك أحد السبب .
وتكرر نفس المشهد في صيدليات الخرطوم … فأيقن مشلهت أنه هالك لا محالة … كيف لا توجد صيدلية واحدة يوجد فيها ذلك المصل الضروري لحياة أنسأن فعليه إذن الاتجاه لصيدليات أمد رمأن .
وأمام أول صيدلية وجد رجلاً لا هم له الا سؤال الناس عن الدواء الذي يريدونه وهو لا يدرى هل ذلك الشخص متطوع أم أن تلك الصيدلية تستخدمه لارشاد زبائنها .
• اها … يا خوي إنت داير شنو ؟
• داير مصل سعر
• لا حول ولا قوة الا بالله … يا أخوى إنت كان كدي قاعد تفتش للبن الطير … مصل سعر ؟ .. دا وين بتلقي ؟ أصلك ما تتعب روحك … المصل دا كان قريب في ليبيا ولا السعودية .
دحين كان عندك زول هناك رسل ليهو يرسل ليك المصل … ولكن ما تتعب ساكت حاصل فاضي …
ويجيب مشلهت :
• السعودية عندي فيها ولدى … وممكن أتصل بيهو يرسلو لي … لكن قالوا لي الموضوع دا ما عايز تأخير … ولازم الليلة دى أنطعن ....
وللمشلهت بقية ............

Abubakr Ibrahim
16th October 2010, 07:40 AM
مشلهت (3)
ويرد الرجل بتأكيد لا يدع مجالاً للشك :
• غايتو المصل دا هنا ما بتلقي … الله أعلم يكون وين … لكين أنا بوصف ليك زول في سوق ليبيا إسمو بتاع العناقريب …اصلو بنجر وبجلد العناقريب في بيتو … إنت بتعرف سوق ليبيا ؟
• يعني … مشيت مرة مع واحد صاحبي ..
• شوف تركب بجاى البصات الماشة ليبيا بالنص… بعدين بتلقى السوق بتاع الأقمشة والإلكترونيات أسال من واحد أسمو إسماعيل الساعاتي … راجل مشهور وقول ليهو عايز يوصف ليك بيت بتاع العناقريب . الراجل شغال في الأدوية من ليبيا يمكن تلقى عندو المصل دا ؟
وطيلة الوقت الذي قضاه مشلهت في الحافلة ظل يفكر في بتاع العناقريب . ما هي العلاقة بين العناقريب وبين الأدوية … وطافت بذهنه حكاية : حليل الرجال … الخ .
فأنطبعت ابتسامة على وجهه ظنها أحد الجالسين موجهة له ، وكان يحدق في وجه مشلهت … إذ أنه كان غريباً فليس من ركاب الحافلة العاديين .
فابتسم الرجل وألقى بالتحية على مشلهت حتى إذا وقفت الحافلة ونزل منها مشلهت نزل معه ذلك الرجل ووقد تقدم نحو مشلهت وهو يقول :
• كيفك ؟ …. ما أظنك قاعد تجى هنا ؟
• لا أبداً ..
• تصور … أنا عرفتك ما من هنا … ناس الحتة دى ظاهرين ولا يمكن عشان أنا ساكن هنا يبدو لي ظاهرين ؟
• طبعاً … لأنك ساكن معاهم .
• ومالك بجاي ؟
• وصفوا لي واحد في السوق هنا إسمو إسماعيل الساعاتي .. عايز أصلو…
ويصيح الرجل :
• أنا ذاتي ماشى قريب هناك … إسماعيل الساعاتي دا … هو بالنهار شغال ساعاتي لكين بالليل عندو سفلي … والناس بعرفوه عشان كدا … غايتو أمة عجيبة .
نعم عجيبة جداً … ف بتاع العناقريب يتاجر في الأدوية وكانه هيئة إمدادات طبية وإسماعيل الساعاتي عنده سفلي ممكن يساعده في ضبط الساعات . وهذا مشلهت لايص بينهما يبحث عن مصل للسعر . ويتساءل مشلهت :
• ودا بعمل شنو بالسفلي بتاعو دا؟
• آووه … بعمل حاجات كتيرة …. بس إنت لما تحتاج ليهو تعال ليهو طوالى
إسماعيل الساعاتي كان كريماً جداً على غير ما توقع مشلهت إذ أنه أرسل معه أحد أولاده ليوصله ل بتاع العناقريب . ومشلهت لا يستطيع أن يجزم بأن ذلك الولد ولد حقيقي أم أنه من الخدام … خدام ولا شياطين المهم أن يعود لأولاده ومعه المصل … وتذكر مشلهت أن مصل السعر يأتي عادة في ترامس بداخلها ثلج لأنه يعيش في درجة حرارة منخفضة … فكيف يضمن أن ذلك المصل لم تنته صلاحيته أو لم يصبح فاسداً بفعل الحر … ؟
داخل حوش كإنت تتناثر بعض العناقريب التي إنتهى من تجليدها … و نفسه يجلس على حافة العناقريب وقد مسك بحبل بين أصابع رجله اليمنى بينما جزء من الحبل يعض عليه بأسنأنه وهو يتحدث مع الذين من حوله ببراعة فائقة … وتحت ذلك العنقريب صندوق عليه زجاجات الحبوب والكبسولات وصناديق الأدوية … ولكن مشلهت لم يلمح أي ترمسة بداخلها مصل فأحس بأنقباض شديد.
أفكار عديدة طافت بذهن مشلهت وهو يسترجع حوادث هذا اليوم التي إبتدأت بسرقة حذائه من المسجد عندما جاء لصلاة الصبح وعندما عضه كلب وهو فى طريقه حافياً لمنزله وعندما حمله جاره فى عربته الى قسم الحوادث بالمستشفى عندما طلبت منه الممرضة أن يحضر غيارات ومصل مضاد لمرض السعر … ولكنه لم يجد المصل فى جميع الصيدليات في الخرطوم أو . ولكن احد الاشخاص أشار عليه أن يذهب لسوق ليبيا ويسأل عن بتاع العناقريب فالمصل موجود عنده . والطريق الى بتاع العناقريب يمر باسماعيل الساعاتى الذى عنده سفلي .
في حوش كان هناك عدد من الاشخاص … بعضهم يدخل ويخرج وكانه إبن البيت .. و جالس على طرف العنقريب وهو يجمع الحبال بين أصابعه ويعض عليها باسنأنه وفى نفس الوقت يتكلم ويضحك ويطلق النكات في براعة يحسد عليها .. ولاحظ مشلهت أن هناك بعض الكراتين المتناثرة تحت العناقريب ومن وقت لآخر يدخل بعض الاشخاص ويحملون بعض الكراتين بايماءة من …
ومن الخواطر التى كإنت تطوف بذهن مشلهت هو أن ذلك المكان أبعد من أن يعمل فى تجارة الادوية وخصوصاً الامصال التى يتطلب حفظهات مبردات او ترامس بداخلها ثلج الا أنه لا يلاحظ وجود أية ترامس .. ولاحظ حيرته احد الاشخاص وهو لابد أن يكون من الاود البيت … فاقبل نحوه وجلس بالقرب منه ثم قال :
• الاخ مش من هنا؟
• مضبوط
• ومن وين؟
• من بحري
• والجابك من بحري شنو؟
• عندى غرض جابنى هنا … اصلو بعيد عنك عاضيني كلب …
• عاضيك كلب ؟ والكلب دا لقيتو وين ؟
• يا اخى ما هو الكلاب موجودة فى أى محل .. وهو اللقانى مش أنا اللقيتو..
• طيب معليش … وهسع عايز مصل طبعاً ؟
• ايوا
• وقالوا ليك عند أبكر؟
• ايوا
• طيب كدى نسالو ليك
وقام الرجل من مقعده واتجه نحو أبكر وسأله قائلاً :
• أسمع الحبل البلاوي كيف؟
• الحبل البلاوي ؟
• في … ومعطون كمان …
وعاد الرجل ليقول لمشلهت :
• قال عندو … وكمان محفوظ فى تلج فى ترمسة
• هسع الكلام القالوا ليك دا معناه كدا ؟
• وتلفت الرجل يمنة ويسرى ثم حنى رأسه قليلاً وهو ينظر لمشلهت بطرف عينيه …
• اصلو الحاجات دى ببيعوها هنا بالدس … زى ما شايف كل الادوية عندها رموز خاصة … وما فى زول يقول الدواء بإسمه ..
• طيب أسالو قول ليهو حيدينا ليهو بكم ؟
• معروف تمن المصل 500 الف لكين إنت ما بتدفع ليهو هنا … إنت بتمشى لواحد اسمو اسماعيل الساعاتى وبتديهو القروش وهو بديك ورقة بعدين بكلم واحد يسلمك الترمسة وفيها 14 حقنة كل سبعة فى صندوق..
• اسماعيل دا مش الراجل القالوا عنده سفلي ؟
• فاجاب الرجل بنرفزة :
• يا اخى عنده سفلي … عنده جن إنت مالك ؟ إنت مش عايز المصل ؟
• ايوا
• بس امشى اديهو القروش وهو بعمل ليك النظام مع أبكر … مالك ومال سفلى… ولا كلكى ؟
كل المبلغ الذي يحمله مشلهت لا يتجاوز 200 الف إلا قليلا أعطاها له صديقه عبد الرؤوف عندما قابله صدفة امام بوابة قسم الحوادث … وشعر بأنقباض وتوتر … فالساعة قد تجاوزت الواحدة ظهراً وهو لم يتصل بزوجته ليخبرهم اين هو فلابد أن يكونوا في غاية من القلق …
فقرر أن يبحث عن مكان اتصالات ليهاتف منه أهله .. وقبل أن يقوم من مكانه سمع ضجيجاً وهرجاً وأصوات تقول :
ثابت في محلك … أوع واحد يتحرك …
كإنت هناك جماعة من الشرطة تداهم الحوش فتسمر الجميع فى أماكنهم والدهشة تغطي وجوهم واول هؤلاء كان مشلهت وقد استولت المفاجأة على كل حواسه… حتي الجوع الذى كان يشعر به وهو الذى يعانى من مرص السكر اختفي فما الذي يجرى ؟
جاءت مجموعة أخرى من الشرطة وأخذت تجمع الكراتين والأواني الموجودة فى المنزل وأوقف أبكر حيث اقتيد بواسطة شرطيين وأمر الجميع أن يخرجوا من المنزل وأن يصعدوا على ظهر عربات كإنت تقف فى الخارج .. وبدون أية مقاومة وجد مشلهت نفسه داخل عربة بوليس مع مجموعة من الناس وبعضهم يتساءل :
• موديننا وين يا جنابو ؟ ونحنا عملنا شنو ؟
وشرطى صارم القسمات ينتهره قائلاً :
• خليك في محلك … بعدين تعرف مودينك وين ؟
فى ذلك النهار الحار تحركت العربات تشق شوارع مزدحمة بالخلق الذين اصطفهم الفضول على جانبي الشوارع وهم يشاهدون ما يحدث ..
بعضهم يقول أنهم جماعة مخدرات وبعضهم يقول أنهم هاربون من الخدمة الإلزامية وبعضهم يقول أنها كشة فى اماكن الخمور البلدية … ولكن الواضح أن ما حدث حرك تلك الجموع البشرية والتى ما كإنت تفعل أى شئ إلا الحركة بلا هدف .. فأشعل فيها شيئاً من الحماس المؤقت مثل ما تثيره المشاجرات التي تحدث من وقت لآخر او ما يثيره حادث مروري من مشاعر متضارية … المفاجأة جمدت ردود افعال مشلهت وسلبته القدرة على التفكير مفسحة المجال لاسئلة كثيرة مرت كحلم طويل مخيف على ذهنه … ترى ما الذى أتى به الى هنا ؟ وماهى جريمته التي ارتكبها حتى يجد نفسه مع هولاء الناس ؟ بل ماذا فعل هولاء الناس ؟ .. وباختصار شديد :الحكاية شنو ؟
وللمشلهت بقية ........

Abubakr Ibrahim
17th October 2010, 07:42 AM
مشلهت (4)
لم يكن أحد يملك اجابة لسؤال مثل هذا : الحكاية شنو ؟ فالجميع استسلموا لقدرهم الذى وضعهم داخل تلك المركبات الأمنية تحت حراسة مشددة … ولكن مشلهت لاحظ امراً غريباً فبالرغم من أن المداهمة تمت لمنزل أبكر بتاع العناقريب الا أن الوحيد الذى لم يكن يبدى اهتماماً هو نفسه … وكأن الامر لا يعنيه .
لقد وصلت اخبار الى المباحث أن أبكر بتاع العناقريب يتاجر فى الادوية المهربة وله مروجون هم الذين يستلمون تلك الكراتين ليوزعوا محتوياتها وسط الاحياء كما أن شبكته تمتد الى الاقاليم … فاعدت الشرطة كميناً داهم منزله ولكن لسوء حظ مشلهت أنه كان موجوداً ساعة المداهمة ولذلك اقتيد مع الذين كانوا داخل المنزل او الحوش .
إجراءات الاستجواب استمرت فترة طويلة وقد لاحظ مشلهت أن معظم الذين تم استجوابهم كانوا يقولون أن سبب وجودهم داخل منزل أنهم جاءوا لشراء عناقريب او بنابر ولم يذكر احد شيئاً عن الدواء ولكن عندما نودي على مشلهت سأله المتحرى الاسئلة الروتينية اسمك ، عمرك . مهنتك ، عنوأنك . سأله قائلاً:
• ممكن تقول لينا إنت كنت فى بيت أبكر بتعمل شنو؟
• اصلوا أنا سرقوا جزمتى فى الجامع ..
• يا سلام … أن شاء الله تكون جاي تشترى جزمة ؟ يعنى مش عنقريب
• عنقريب بتاع شنو ؟
• ما كل الجماعة السألناهم قالوا جايين يشتروا عناقريب :
• أنا ما قلت ليك جاي اشترى عنقريب …
• طيب جاى تشتري شنو؟
• جاى اشتري مصل سعر … يا جنابو بعد ما سرقوا جزمتى عضانى كلب ….بعدين ما لقيت المصل فى الاسبتالية … قاموا وصفوا لى الزول دا قالوا لى بتلقى عنده المصل …
• الزول منو ؟
• أبكر
• إنت كنت بتعرفوا قبل كدا ؟
• لا ابداً .. دى اول مرة اشوفو فيها …
• وليه اول مرة ؟
• دى اول مرة يعضينى فيها كلب .
• والدلاك على هنا منو؟
• واحد لقيتو واقف قدام صيدلية فى …
• هسع الزول دا لو شفتو بتعرفو
• والله ما عارف … يمكن اعرفو ويمكن ما اعرفوا … زول قابلتو صدفة
• وجيت هنا طوالى ؟
• لا … هو قال لى تمشى لواحد اسمو اسماعيل الساعاتى جنب سوق الالكترونيات فى سوق ليبيا وهو يوصلك لأبكر …
• وإنت مشيت لإسماعيل الساعاتى ؟
• مضبوط …
• واسماعيل وصلك لأبكر
• لا اسماعيل أدانى واحد من الاولاد الشغالين معاهو وهو وصلنى لأبكر .
• ويبدو أن المتحرى وجد الشاهد الذى يبحث عنه … فجميع الذين سألهم أنكروا أنهم جاءوا لشراء أدوية حتى أبكر نفسه قال :
• يا جنابو أنا مالى ومال الدوا… أنا شغال فى العناقريب من عمري عشرة سنين … جيت مع أبوي وأنا وليد صغير وأبوي خدمته ذاتها العناقريب … وكنت بفتل الحبال …
وعندما سأله المتحرى عن كراتين الدواء التي ضبطت فى منزله أجاب :
• ديل ناس بجيبوا دوا لأهلهم من ليبيا وبخلوه عندى هنا لحدى ما اهلو بجوا بشيلوه … نحنا ما نعرف حاجة عن الدواء ولا شكلو ذاتو … هسه ما نعرف الا البندول ولا الاسبرو
ولكن إجابة مشلهت كإنت تحتوي على معلومات مفيدة للشرطة فى حربها ضد مهربى الأدوية وتجارها … وهم لا يحملون رخصاً . كما يبدو أن مشلهت كان الوحيد الذى لم يتفق معه أحد ليقول أنه جاء لشراء عناقريب هذا ما كان من أمر مشلهت وهو فى مركز الشرطة أما ما كان أمر أولاده وزوجته فهذا شأن اخر . فقط طار النوم من عيونهم كما طار (جنا الوزين) وهم لم يجدوا والدهم معهم ولا يعرفون أين ذهب …فليس من عادته الا يعود بعد صلاة الصبح وحاولت زوجته أن تطرد هاجساً قاتماً وهى تسترجع ما اعتادت أن تقرأوه فى الصحف من حالات اختطاف لأشخاص لم يعثر لهم على أثر … هل يمكن أن يكون مشلهت قد اختطف ؟ ومن الذى اختطفه ؟ لقد خرج للصلاة وهو لا يحمل مالاً …. فأين ذهب ؟
القلق والتوتر الذى إنتاب زوجة مشلهت إنتقل الى بقية افراد الاسرة حيث قرر الاطفال عدم الذهاب للمدرسة حتى يقفوا على حقيقة ما جرى لوالدهم … وعندما بلغت الساعة العاشرة صباحاً ومشلهت لم يتصل باتت شكوك الجميع اقرب الى الصدق من أن مكروهاً قد حاق بمشلهت .
صفية زوجة مشلهت لم تدر ماذا تفعل ولكن هداها تفكيرها أن ترسل ابنها علاء الطالب بالمرحلة الثإنوية الى عمه شمس الدين فى المايقوما الحاج يوسف عله يستطيع أن يتصرف … وبين الحين والآخر ترفع سماعة التلفون ولكنها تجدها بلا حرارة … وعند الساعة الثانية عشرة ظهراً ارتفعت درجة التوتر والقلق النفسى الى معدلات عالية … وطيلة هذا الوقت مشلهت لم يحاول أن يتصل بمنزله هاتفياً فيأتيه صوت التسجيل :
• هذا الرقم موقوف عن الخدمة موقتاً .
فى هذا الأثناء كإنت زوجة مشلهت قد استطاعت أن ترسل إبنها لعمه شمس الدين فى المايقوما الحاج يوسف فجاء هو وزوجته وصهره زوج إبنته المقيم معهم فى المنزل وهم يسألون الله أن يكذب " الشينة" وتلقتهم زوجة مشلهت يسبقها قلق عظيم وهم كجبل المرخيات … فما الذى سيحدث لهم لا قدر الله إن حدث مكروه لمشلهت ..
• شفت ياشمس الدين حكاية أخوك … دى طلعة من الصباح الدغش … من صلاة الصبح هو ما جا راجع … وما لابس الا جلابيتو وطاقيتو وجزمتو …. يعنى نقول هسع مشلهت دا نصيح؟.
• يا زولة … اصبري وخلي الامر لله ؟؟؟ مشلهت أن شاء الله نصيح وهسع يجيكي ماشي بكرعينو .
• يسمع منك ربنا … والله ما شفت الحكاية دى عملت فينا كيف .
• وهو ما قال ليكى ناوي يمشي اي حتة ؟
• يقول لى شنو ؟ دا خلانى نايمة ونحنا كلنا نايمين لما مشى الصلاة … وياها عادتو ….دايما بمشي وبجي راجع
ويستعجب شمس الدين :
• والله حكاية غريبة .. غايتو أنا عندى إحساس إنو مافى حاجة حصلت ليهو … لكين كمان ما نقدر نقول حاجة الا هو يجى .
وتقول زوجته بتضرع
• الله يجيبو طيب لوليداتو وأهلو …
ولكن الامر لا يمكن أن يستمر هكذا فلابد من عمل شئ وكان لابد من الطواف على المستشفيات وأقسام البوليس .
بالنسبة لزوجة مشلهت وأولاده وأخيه شمس الدين فإن اختفاء مشلهت يشكل لغزا غريباً صحيح أن مشلهت مشلهت على حد إسمه ولكن لم يتوقع احد أن تصل الشلهتة بمشلهت الى هذا الحد الذى يؤدى الى اختفائه . ولذلك كإنت زوجته تردد :
• هسع يا ربى … نقول الحصل ليهو شنو ؟
وكان شمس الدين يرد :
• يا ولية … اصبري … إن شاء الله ما تكون حصلت ليهو أي حاجة …
وبما أن التلفون يرقد جثة هامدة بعد أن أنقطعت عنه الحرارة لم يتوقع أحد أن تصل اية معلومات عن طريقه … إن صمت التلفون في مثل هذه الظروف يجعل دائرة المعلومات تضيق حتى تصبح مثل خرم الإبرة … فإذا الفراغ العريض الذي يغلف المنزل مثل السبورة الفارغة لم تجد من يكتب عليها حتى تاريخ اليوم … ولكن من أين يبدأ البحث ..؟ في مثل ظروف اختفاء مشلهت يبدأ الناس في البحث في المستشفيات ثم نقاط الشرطة ومراكزها المختلفة ويبدأون عادة من أقسام الحوادث .. ولهذا كان أول شئ فعله شمس الدين وإبن أخيه علاء وزوج إبنته أن ذهبوا لقسم الحوادث .
القسم كان مكتظاً بعدد كبير من الناس … إلا أن كل شي كان روتينياً … الذي يتأوه والذي تسيل منه الدماء والذي يقبض على بطنه … كل هؤلاء في نظر العاملين بقسم الحوادث هم إحصائيات يدونها موظف جالس خلف طربيزة كإنت في يوم من الأيام ذات لون لبنى … تقشر وتبرقع واصبحت أجزاؤها المكشوفة تحمل بصمات الذين كانوا ينحنون على الموظف ليوضحوا له ما بهم .
تقدم شمس الدين نحو الموظف وسأله :
• يا خوى … عندنا زول مفقود … طلع من صلاة الصبح وما عارفين مشى وين … قلنا يمكن يكون عندكم هنا … في حادث ولا كدا …
• اسمو شنو؟
• اسمو مشلهت .
• ما أظن في واحد جانا هنا بالاسم دا … إنت قلت من صلاة الصبح ؟
• ايوا .
• دا لو جا يكون مر على ناس الوردية القبلنا … نحنا استلمنا منهم الساعة سبعة … على العموم فى حادث بتاع حافلة في طريق الخوجلاب … بعض الناس لسع هنا والماتوا ودوهم المشرحة .
ويستعيذ شمس الدين بالله من شرور الحوداث وكوارثها ويستدرك قائلاً :
• بس هو البوديهو للخوجلاب شنو … مافى شي بوديهو هناك … لا … ما أظن يكون مع ناس الخوجلاب ولكن بدافع الفضول يتحرك الركب الى داخل غرف الحوادث حيث يرقد بعض المصابين وهم لا زالوا بدمائهم جفت على ملابسهم فتغير لونها الى بنى غامق … لا … لا يمكن أن يكون مشلهت معهم … ولكي يطمئن قلب شمس الدين سأل أحد الذين يشكون من إصابة طفيفة في ساقه .
• كفارة … يا أخ … أن شاء الله تكون ما اتعوقت ؟
• كفر الله سيئاتك … اتعوقت في ساقي وإنت عارف ضربة عضم الساق دى حارة … والله طرشت مرتين وغبيت تب … لكين هسع الحمد الله كويس .
• وإنتو البص دا كان ماشي ولا جاي ..؟
• البص كان جاي ولما بقينا قصاد الخوجلاب … حصل الحادث … اصلو … كان …
ولم يترك شمس الدين الشخص يكمل قصته … فطالما أن البص كان في طريقه للخرطوم بحري وحدثت الحادثة قصاد الخوجلاب قطع الشك باليقين أن مشلهت لم يكن معهم .
ووقف الثلاثة على شارع المعونة – الاسم الذي ظل الناس يطلقونه على ذلك الشارع الرئيسي في مدينة الخرطوم بحري بالرغم من أن إسمه قد تغير عدة مرات .. وقفوا ليركبوا حافلة في طريقهم الى الخرطوم .. وستكون وجهتهم المشرحة .

وللمشلهت بقية .....

Abubakr Ibrahim
18th October 2010, 08:07 AM
(5) مشلهت
شرحوا لموظف الاستقبال مهمتهم فقال :
• من بحري … في بس زولين قالوا ديل كانوا في بص … وعلى أي حال إنتظروا المسؤول يجى بعد شوية …
يقول علاء مخاطباً عمه شمس الدين :
• طيب ما نمشي يا عم … طالما إنو ديل بتاعين بص الخوجلاب .
• اصبر إنت بس خلي المسؤول يجي وبعدين نحنا نمشي … مش جايز الزول دا ما عارف حاجة .
مشاعر متضاربة تنتاب الناس في مثل هذه الحالة … فبالرغم من أنه لا أحد يتمنى أن يجد مفقوده داخل المشرحة … إلا أن هناك شعوراً بالخيبة ينتاب الشخص إذا لم يجد مفقودة في المشرحة … شئ غريب … مثل الانصات إلى نشرة الوفيات من الإذاعة … فعندما نستمع لأسماء الذين إنتقلوا الى جوار ربهم ولا تجد إسماً تعرفه … ( وحقو كان تفرح ) … تجيب على زوجتك عندما تسألك :
• النشرة فيها شنو ؟
تجيب وظلال من الخيبة تغلف كلماتك :
• ما فيها حاجة
ولذلك عندما جاء المسؤول وقام بجميع الإجراءات وسمح لهم برؤية محتويات المشرحة وحصيلة ليلة البارحة … شعر شمس الدين بأمر غريب يسيطر عليه .
• هل يمكن أن يكون هذا الجسد المسجي لأخيه مشلهت ؟
أن معالم الجثث تختفي بعد أن تكتسي بمعالم الموت .
ويصبح كل الأشخاص متشابهين … ويصبح من الصعب التعرف عليهم وهم في استلقاءاتهم الأبدية … فنحن قد تعودناً على ملامحهم وهم جالسون أو سائرون ولكننا لا نعرف ملامحهم وهم مستلقون على ظهورهم وفاقدوا الحياة .
واختلط الأمر على شمس الدين … ولذلك نادى على إبن أخيه :
• تعال يا علاء … شوف الزول دا … بشبه أبوك ؟
وأخذت ضربات قلب علاء تتسارع … كيف يميز أباه وقد تهشمت جمجمته وتورم وجهه بهذا الشكل … ولكن الخوف والرهبة ولأول مرة في حياته يرى شخصاً فاقداً للحياة .. جعلته يرتجف … ويصاب بدوار …. فيستند على كتف عمه .. وهو يقول :
• لا … لا يا عمي … دا ما أبوي … مش عارف دا منو .
والشخص الواقف على باب المشرحة وكانه يقف على مستودع لكراتين الصابون والشاي … يقول :
• يلا يا أخوانا … شوفوا زولكم … إذا ياهو خلونا نعمل الإجراءات .
ووقف الجميع خارج المشرحة وهم لا يستطيعون الإجابة القاطعة الحاسمة على سؤال واحد :
• هل ذلك الشخص صاحب الجمجمة المهشمة هو مشلهت ؟
واستقر رأيهم أن الشخص الوحيد الذي يمكن أن يتعرف على مشلهت وهو مستلق على ظهره هي زوجته …. فهي التي تراه نائماً وتعرف ملامحه عندما يكون نائماً … فقرروا أن يعودوا ليصطحبوا معهم زوجة مشلهت لتقطع لهم عما إذا كانت تلك الجثة لمشلهت .

كإنت زوجة مشلهت وابنتها تقفان إمام الباب عندما أنزل التاكسي الجماعة فسألتهم بلهفة :
• أها … ما لقيتوه ؟ … عاد سجمي الليلة … ويا مصيبتك يا مشلهت … الحصل عليك شنو ؟
ويرد عليها شمس الدين :
• يا ولية كدي … اصبري وحلينا نفكر نعمل شنو ؟
• تعملوا شنو … ما ياهو خلاص … لحدي هسع يكون مشلهت نصيح وما نعرف ليهو محل؟
علاء كان غائر العينين … ويمر شريط طويل لتلك الاحداث على مخيلته من الصباح الباكر عندما صحا من نومه وكان يجهز نفسه للذهاب لمدرسته … و وقد بلغت الساعة السادسة والنصف مساء ولا أحد يعرف أين يوجد أباه … كيف تتقبل أمه فكرة أن تذهب معهم لتتأكد من أن ذلك الرجل صاحب الجمجمة المهشمة هو والده مشلهت …
ويخاطبها شمس الدين قائلاً :
• كدي يا صفية أسمعي كلامي دا كويس … مافى زول عارف أجلو وقدرو يكون كيف ودي كلها أمور بيد الله … والله إذا أراد الزول يموت تاني ما في قوة بتجيبو .. وهنا تتأكد صفية أن مكروهاً قد حدث لزوجها فتصيح :
خلاص ؟ يعني مات؟
ويدرجها شمس الدين الى داخل البيت وهو يؤكد لها :
• يا صفية ما تكوني مجنونة … أسمعي كلامي … أنا بقول ليكي نحنا مشينا المشرحة ولقينا واحد هناك ومتأكدين إنو ما مشلهت لكين عايزنك إنتي تمشي معانا وتشوفي وتتأكدي بعينك وتصيح صفية وهى غير مقتنعة .
• ما دام إنتو لقيتهو في المشرحة … ما خلاص تاني شنو ؟ مالكم ما جبيتوه بالإسعاف عشان تكفنوهو وتدفنوهو... بتخلوا مشلهت راقد في المشرحة لشنو؟ .
• هسع منو القال ليكى دا مشلهت ؟
• وطيب عايزني أمشي معاكم ليه ؟
• عايزنك تمشي عشان تتأكدي بنفسك …
• يعنى إنتو ما اتاكدتوا مش كدا ؟
• غايتو … الله مخير في حكمو …كدي شوفوا لينا محل اتصالات نكلم أختك سعاد ونكلم ناس ونكلم حيدر في السعودية .
ويرد شمس الدين :
• يا ولية … هسع دا كلو لزومو شنو … ليه نقلق الناس … ما يمكن الراجل دا هسع يجى راجع ؟
• أولا : إنت ما تقنعني إنو مشلهت يطلع من البيت طلعة الصباح وما يتصل وما يجى راجع وما يتعرف ليهو محل ويكون كويس .
وتأنياً : لازم الناس ديل كلهم يعرفوا إذا ما عرفوا هسع بعدين بكون كويس؟ .
ويوافق شمس الدين على مضض … وتخرج معهم صفية ويتوجهون صوب التاكسي الذي كان صاحبه في إنتظارهم ثم ينطلق بهم نحو المشرحة .

صرخت صفية وأنهارت عندما كشف لها المسؤول عن المشرحة الوجه المهشم لذلك الرجل والذي جاءوا به بعد أن توفي فى حادث مروري بالقرب من الخوجلاب .
• الليلة يا سواد ليلك يا مشلهت … الليلة ووب .. حي ووب … الليلة حي…حي
وأخذت تولول وتصرخ في هستريا وشمس الدين يحاول تهدئتها :
• يعنى إنتي خلاص إتاكدتي إنو دا مشلهت ؟
ياهو ذاتو … مشلهت ما بغباني … ياهو ذاتو … مخير الله عاد الليلة حي ووب … يا أبو حيدر وعلاء …
وعلاء فقد إحساسه بالمكان وبالزمان فأن تسارع الأحداث قد داهمه بصورة لم تقو تجاربه القصيرة على امتصاصها …. فقد كان على موعد مع والده مشلهت أن يعطيه رسوم الجلوس لامتحان الشهادة السودأنية ولم يبق على الإمتحان إلا أسابيع قليلة … وهاهو والده يموت ويمضي بسرعة لم يتوقعها أحد … مشلهت الذي كان ملء السمع والبصر في البيت … يرقد في المشرحة كآخر محطة له يغادر بعدها الى مقابر حلة حمد حيث تدفن الأسرة أفرادها .
ويوجه شمس الدين حديثه لابن أخيه :
• شوف يا ولد … شد حيلك وخليك راجل … أبوك بقى في حق الله دلوقت إنت تأخذ أمك وتمشوا وكلموا جيرانكم واعملوا نظام الصيوان … وأنا بقعد هنا لحدي ما اكمل الإجراءات وبجيب معاي االجثمان عشان ندفن وشوف واحد رسلو للإذاعة عشان ناس البلد يعرفوا … المهم كل حاجة بقت عليك .. فخليك راجل … وسد محلة أبوك …
علاء يستمع لإرشادات عمه وتتضارب وتتقاطع في ذهنه خطوط متشابكة …. أيهما والده االجثمان الذي يرقد مهشم الرأس داخل المشرحة ام والده مشلهت الذي هو على موعد معه ليعطيه رسوم الإمتحان ؟ … وخيل إليه أن والده لا يمكن أن يكون قد تحول الى جثمأن …واصبح يشار اليه بلا اسم فقط جثمان .
صحيح إنه اخذ والدته وتعرفت والدته على جثمان والده والذهول يخيم عليه اكثر من الحزن لفقد والده … فهذه تجربة ربما تمر عليه بعد أيام فيبكى أما الآن فمشاعره عبارة عن ذهول مستمر ممتد كصداع طويل يرفض أن يبارحه وحتى الصيوان لم يشعر أنه يمت لوالده بصلة مثله مثل أي صيوان عزاء … يتجمع الناس تحته للحديث وتبادل النكات والقفشات ولا أحد يفكر في الميت … وحتى سورة الفاتحة والتي يتظاهر الناس بقراءتها قلة هي التي تقرأها الى آخرها .. لأن الزمن الذي يرفع فيه الشخص يديه وهو يقول الفاتحة ثم يقول البركة فيكم لا يكفي لقراءة سورة الكوثر . اختفت السورة وبقي المظهر … ولذلك لم يكن يشعر أن الصيوان له علاقة بفقده لوالده … على أن الشيء الذي خلق واقعاً يصعب تصديقه هو أن جيرانه كانوا يؤكدون :
• يا أخوانا الراجل دا صلى معانا نصيح … وما عنده أي عوجة وبعدين لما ما لقى جزمتو .. كل الحصل إنو عضاه كلب … طيب دى حاجة بتكتل ؟
• يا أخ … أنا وديتو بعربيتي وكان كويس جداً حتى هو أصر علىّ إنو أنا أمشي وقال لي : يا أخ إنت شغال الساعة سبعة ونص وأنا بس باخد الحقنة وبرجع البيت … يا سبحان الله … هسع معقول تكون عضة الكلب كانت سبب وفاته ؟
ويجيب أحد العالمين ببواطن الأمور :
• يا أخي مش جايز تكون العضة عملت ليهو صدمة سكري … وبعدين يا أخي هو الموت عايز ليهو سبب … ما ياهو كل يوم نحنا دافنين زول … غايتو قول الله يحسن العمل .
ويتدخل آخر بسرعة حتى لا يخطف منه أحد هذا التعليق المناسب .
• المهم حسن الخاتمة ايوا … الزول يسأل الله إنو يديهو حسن الخاتمة .
ويجلس بالقرب منهم أحد الأشخاص الذين يمتون لمشلهت بصلة القرابة فيقول :
• كلب شنو ؟ وسكري شنو ؟ الزول قالوا مات في حادث حركة في طريق الخوجلاب …
ويصيح جاره :
• دا كلام شنو ؟ حادث في طريق الخوجلاب؟
• ايوا ..
• يعنى مشلهت ما مات بالعضة ولا بالسكري ؟
• ايوا
• وطيب هو الوداهو الخوجلاب شنو ؟
• والله مش عارف …
• يا أخ أنا بقول ليك وديتو بعربيتي دى لقسم الحوادث … كيف يعني حكاية الخوجلاب دى ؟
ويرد أحدهم :
• طيب مش جايز يكون ما لقى مصل السعر في الحوادث ووصفوه ليهو قالوا ليهو في الخوجلاب وفى السكة حصل ليهو ما حصل .
• جايز .. بس أنا شايف الحكاية دى ما راكبة عدلها
• كيف ما راكبة عدلها … يعنى القبيل دفناهو دا منو ؟
• والله مش عارف … وإنتو يعنى مشيتوا وشفتوا االجثمان وتأكدتوا إنو دا جثمان مشلهت ؟
• مشى أخوه شمس الدين وولدو ومرتو … وكلهم جوا قالوا دا مشلهت :
• ما دام كدا .. لازم يكون ياهو ..نحنا بنعرف اكتر منهم؟ على أي حال ربنا يرحمه ويغفر ليهو … كان راجل بحر …. تاكل في طرفو … ونوعو قليل في الزمن دا …
• أي والله مشلهت كان ود ناس … وراجل خدوم … اصلو ما جيناهو في حاجة … ردانا خايبين .
وللمشلهت بقية ........

Abubakr Ibrahim
19th October 2010, 07:59 AM
(6) مشلهت
في هذا الأثناء كان مشلهت يواجه المتحري وهو لا يدري لماذا سارت أمور هذا اليوم من بدايته على هذه الطريقة :
• طيب يا مشلهت … إنت قلت إنو إنت جيت عشان تشترى مصل للسعر … منو الدلاك علي بتاع العناقريب ؟ …
• واحد لاقيتو واقف قصاد الأجزخانة الكبيرة في أم درمان …
• وهو طوالى قال ليك أمشي لأبكر بتاع العناقريب ؟ ..
• لا … هو قال لي تمشي لواحد إسمو إسماعيل الساعاتي … وهو بوصلك لأبكر بتاع العناقريب .
ويكتب المتحرى اسم إسماعيل الساعاتي :
• إسماعيل الساعاتي ... ودا محلو وين ؟
• في سوق ليبيا جنب سوق الإليكترونيات
• وبعدين بعد ما وصلت لبيت أبكر بتاع العناقريب هو طوالى اداك المصل بتاع السعر ؟
• لا … ما أدني المصل ؟
• وليه ما اداك المصل ؟
• أنا ما قلت ليهو ؟
• وكنت منتظر شنو ؟ ليه ما قلت ليهو إنك عايز مصل ؟
• كنت محتار … المصل بكون دايما فى ترمسة ومعاهو تلج .. وما كنت متصور إنو عنده الحكاية دى …
• وفى الآخر عرفت ؟
• ايوا …
• الكلمك منو ؟ ..
• في واحد قاعد جنبي لما شاف إنو أنا كنت متحير … قام سألني بعدين قال لي : ما تخاف … أبكر عارف الحكاية دى وعنده المصل في ترمسة ومعاهو تلج …
• طيب لو واجهناك مع أبكر بتقدر تقول الكلام دا .. ؟
• جداً … اقولو…طيب ممكن أسال سؤال ؟ .
• ايوا ..
• هو اصلو جريمتو شنو ؟
• يعنى إنت من قبيل بتجاوب وما عارف جريمتو شنو ؟ جريمتو إنو بتاجر في الأدوية بدون ترخيص … وكمان بعض الأدوية فاقدة الصلاحية .

والآن فقط عرف مشلهت أنه كان يحوم في واد والجماعة أصحاب أبكر في واد آخر … والآن فقط عرف لماذا أنكر كل شخص أنه جاء ليشترى دواء … وقد أطلق سراح الجميع الا هو فقد بقي في الحراسة ومعه أبكر وارسل المتحرى شرطياً ليحضر إسماعيل الساعاتي … ولكن ما ذنبه هو ؟ يبدو أن ذنبه أنه أقر بأنه جاء ليشترى مصلاً … وكان الأحرى به أن ينكر مثل الآخرين … ولكنه لم يكن يعلم أن في ذلك جريمة طالما أن المصل غير متوفر في الصيدليات فمن أين يحصل عليه ؟… وهو لا يعلم أيضا أن السلطات يهمها في المقام الأول أن تقبض على أبكر وشبكته الذين يقومون بترويج أدويته وتوزيعها … اكثر من اهتمامها بتوفير المصل له … فهذا ليس من شأنهم .. وربما يكون مشلهت أحد الذين يروجون … أو ربما يكون أحد أفراد الشبكة .

المتحرى في قرارة نفسه يدرك أن مشلهت رجل ( داقس) حسب التعبير السائد .. وربما حكم عليه القاضي بحسن سير وسلوك وتعهد بألا يشتري دواء من شخص غير مرخص له … ولكنه كشاهد مفيد جداً في الإيقاع بشبكة أبكر … وهذه هي المرة الثالثة التي تداهم فيها الشركة منزل أبكر إلا أنه يخرج بريئاً حيث أنه لا أحد يتطوع للشهادة ضده … فالرجل يبسط سطوة جبارة على اتباعه الذين يروجون لأدويته ولأشياء أخرى يتاجر فيها .. ربما … لا أحد يدري وهذه أول مرة يواجه بشخص يقول أنه جاء لشراء دواء من بتاع العناقريب .
إسماعيل الساعاتي جاء بصحبة شرطي وحدج مشلهت بنظرة قاسية فقد وصلته الأخبار أن أحد الأشخاص اعترف على نفسه وعلى أبكر … وهو لا يدري دوره في القضية الا أنه خمن أن يكون ذلك الشخص قد ذكر إسمه … وعندما رأى مشلهت تأكد أن إسمه قد ورد .. فلابد أن يكون مشلهت قد ذكر إسمه واخذ المتحرى يسأل :
• اسمك؟
• إسماعيل الساعاتي
• عمرك ؟
• 47 سنة .
• سكنك؟
• في امبدة
• مهنتك ؟
• ساعاتي … طبعا..
• وليه طبعاً … ما جايز تكون بتاجر في حاجة كدا ولا كدا ؟ …
• بتاجر في شنو يعني ؟
• يعنى زي أدوية كدا ..
• أدوية ؟ … أدوية بتاعة شنو يا جنابك ؟
أنا بصلح الساعات ومن الصباح للمسا ما قاعد أقوم من محلي … أتاجر في الأدوية كيف ؟
• علي العموم …في واحد قال إنو جاك عشان تدلو على بتاع العناقريب .
• مش الزول القاعد بره دا ؟
• يعنى إنت بتعرفو؟
• ايوا شفتو جاني وسأل من أبكر … لكين أنا قلت ليهو ما بعرف زول بالإسم دا …هنا اسم أبكر دا كتير … فإنت خصص … قام قال لي بتاع العناقريب … وفى الحقيقة أنا ما بعرف زول بالاسم دا … فقلت ليهو … أنا متأسف … أنا ما بعرف زول بالاسم دا …
• ولما إنت قلت ليهو الكلام دا عمل شنو ؟
• طوالى اخد بعضو وفات .. وتانى ما شفتو الا هسع هنا …. عندكم هنا أيوا وكمان إتذكرت هو قال عندو قروش ماشي يوديهم لأبكر وعشان أنا ما بعرف أبكر قلت ليهو ما بعرفو
• طيب هو ما قال ليك القروش دي بتاعة شنو؟
• لا ما قال لي لكن أنا في نفسي قلت يمكن شغال معاهو ولا طالبو قروش…
وللمشلهت بقية ............

عمار محجوب محمد زكي
19th October 2010, 10:57 AM
يا أبوبكر والله حكاية لم أتوقع أنها لن تكتمل .. الرجاء الإسراع بتكملتها رجاء قصة ما عادية

Abubakr Ibrahim
20th October 2010, 07:50 AM
(7) مشلهت
اليوم طويل وكأنه ذلك اليوم المقداره سبعون الف سنة .. او قل سبعون الف ساعة … تدافعت فيه الأحداث ولم يستطع مشلهت أن يتصل بأهله وظل في مخفر البوليس . كل الذي تحصل عليه سأندوتش جاءت به صاحبة الشاي بعد أن أرسلت إبنها لإحضاره من بوفيه على الناصية الثانية من الشارع . وكان بإمكانه أن يستلف أي موبايل من أحد الذين يحملونه ليهاتف أسرته إلا إن تلفونه في المنزل مقطوع . ولا يدرى ماذا تفعل أسرته وهو متغيب عنهم منذ صلاة الصبح ؟ لابد أن القلق قد فتك بهم . وعليه فقد قرر أن يعطي أي شخص يتوسم فيه الخير مبلغاً من المال ليستأجر تاكسياً من مخفر البوليس ويصف له المنزل حتى يخبر أسرته بمكانه … ولكن الليل قد أنقضى منه جزء كبير ولا أحد يستطيع أن يتحرك وعليه أن ينتظر للصبح .

المخفر يعمل كخلية النحل ليلاً .. ولا يتوقف دخول وخروج الناس .. لصوص ومخمورون ومتشاجرون ومتشردون جميع صنوف البشر الذين لا يصلحون الا ديكوراً بشرياً لكل مخفر بوليس .
جلس بالقرب منه أحد الأشخاص وقد القى نظرة سريعة على مشلهت فعلم أن هذا الشخص لا يمت لهذه الملة وإن الظروف قد قذفت به هنا ثم إنه مصاب بجرح في رجله تيبس الدم قشوراً حوله … فقال له :
• يا خوى … إنت متعور مالك .؟
• والله يا أخي تقول شنو ؟ عضاني كلب قبيل في صلاة الصبح .
• وعملت شنو ؟
• ماهو دى المصيبة الأنا فيها دلوقت .. جيت افتش للمصل قاموا كشونا كلنا .
• ايوا … إنت مع ناس أبكر بتاع العناقريب ..
• ايوا …
• يا خوى دا شديد … اصلو دايما يمرق منها وطبعاً إذا مرق منها فإنت طبعاً ما حيلقوا عليك حاجة .. وبعدين بفكوك .
• يمرق منها كيف ؟ مش هو متهم بإنو بتاجر بأدوية بدون ترخيص ؟
• ايوا … لكن مافى إثبات عليهو … لأن أي زول بقبضوه معاهو بقول أنا جيت اشترى عناقريب ومافى زول ليوم الليلة جاء وقال إنو جاي يشتري أدوية من أبكر .
ويصمت مشلهت برهة يستعيد فيها أقواله التي أدلي بها للمتحري … ثم يقول :
• ما أظن المرة دى بمرق منها … أنا لما سألوني قلت ليهم أنا جيت عشان اشترى مصل .
• يا زول أوع تكون قلت ليهم كدا ؟
• ايوا
• ودونوا أقوالك ؟
• ايوا
• لا حول ولا قوة الا بالله … الموديك تقول كدا شنو؟ … يا أخي دى ورطة كبيرة ..
• ورطة لي أنا ولا لأبكر؟
• ورطة ليك إنت طبعاً … أبكر عنده ستين حيلة وحيلة عشان يمرق منها لكنه ما بخليك … وخاصة عنده واحد أسمو إسماعيل الساعاتي دا عنده سفلي كافر … والله يجننك .. إنت قايل الحكاية شنو ؟
واسقط في يد مشلهت … هذا بعد جديد يضاف الى مأساته … حذاء وكلب وسفلي .. وهل يخاف هو من مثل هذه الخزعبلات ولكن يبدو أن ثمة خوف ما اخذ يساوره … هل صحيح هناك سفلي كافر يستطيع أن يضره؟ ولماذا لا يكتفي بما ادخله فيه ؟ … لماذا يسلط عليه إسماعيل ومعه ذلك السفلي الكافر؟ .. ويبدو أن الموضوع قد اتخذ منعطفاً جديداً .
ظل مشلهت في مخفر الشرطة ذلك الذي يعج بحركة دائمة لا تنقطع … أصحاب المشاجرات ولصوص المنازل والمتشردين بالمستشفيات ….فالذين يخرجون من هذا المخفر ومعهم شرطي يحمل اورنيك 8 يتجه بهم نحو قسم الحوادث .
اتجه مشلهت الى دورة المياه ليتوضأ ويصلى الصبح في فناء المخفر بعد أن إستأذن الشرطي الذي يقف خلف الكاونتر.

الدخان يتصاعد من الورق الذي حشرته ست الشاي لتشعل النار في الفحم وهى تستعد لاستقبال يوم جديد حافل بشرب الشاي والقهوة من رواد المخفر. ووضعت برطمانيات المربة بداخلها متطلبات صنع الشاي والقهوة ورصت الأكواب بعناية … وتلتفت من حين لآخر لتزجر ابنها حتى لا يعبث بمحتويات كرتونة صغيرة داخلها أواني وخرق بالية وأكياس صغيرة تحتوى على سكر وشاي و" أدوية" للقهوة مثل الزنجبيل وغيرها ..
كان مشلهت يجلس ساهماً وهو لا يعرف كيف يخرج من ورطته هذه … ولكن منظر بائعة الشاي شد إنتباهه.. إمرأة ذات إطراف نحيلة ممصوصة من لوازم العافية ورفاهية نساء المدن تجلس على " بنبر" تتحرك منه يميناً ويساراً في نصف دائرة هى كل عالمها فى هذه المنطقة .
قال لها :
• الشاي جهز ؟
• أجابت :
• إي خلاص جهز … نديك ؟
• ايوه … بس السكر خفيف جداً
• نسوى ليك معلقة ونصف
• لا … خليها ملعقة واحدة …
وتعلق المرأة :
ناس هني … كن اديتو معلقتين بقول شوية … هسع أنحنا قاعدين نكب تلاتة معالق .
وتحرك الملعقة ثم تناوله كوب الشاي .
ويشعر مشلهت أن هناك خيطاً رفيعاً يربطه بهذه المرأة فهو يشرب منها الشاي كما اعتاد أن يشربه في منزله كل صباح … ولو لم تكن موجودة لا يدري ما الذي يمكن أن يحدث له … بالأمس أرسلت إبنها الأكبر ليحضر له سندوتشاً وشرب منها كوباً أنعشه كثيراً ..
سألها قائلاً :
• إنتي ساكنة وين ؟
• في كرتون مايو في الخرتوم
وصاح بدهشة:
• لا حول ولا قوة الا بالله … من كرتون مايو من الخرطوم تقومي كل يوم تجي سوق ليبيا هنا ؟ … وبعدين كمان ترجعي؟
• أي والله نقوم بدري من كرتون مايو .. عشان نحصل هني
• وليه ما تعملي الشاي قبلك في كرتون مايو؟
• عشان أنحنا في الأول جينا هني في سوق ليبيا وخلاص عرفنا الناس والناس عرفونا … كرتون مايو ملان ستات شاي …
• ومعاكى منو في كرتون مايو
• معاى أختي ووليداتها هي وأنا أمنا واحد واخوى كمان أمو براهو …
• وأبو عيالك وين ؟
• أبو عيالي في حواتة
• وبعمل شنو في حواتة
• بشتغل في مشاريع …
• وإنتو اصلو جيتو من وين ؟
• جينا من جنقدة … بعيد … ما قريب من هنا …
وبالطبع إذا كإنت جاءت هي وعائلتها من "جنقدة " والتي هي بعيدة وليست قريبة من هنا فلن يصعب عليها أن تأتي كل يوم من كرتون مايو لسوق ليبيا .. إذ أن هذه المسألة لا تساوى شيئاً بالنسبة لجنقدة … ترى كيف يحمل الناس الإحساس بالمسافة في داخلهم ؟ … وكيف يعيشون الزمن ؟ امر نسبي … ولكن المعايش جبارة .. تنحني قامة الرجال وهم يبحثون عن أرزاقهم في فجاج الأرض .. وتلتصق هذه المرأة ببنبرها ولا تغادره …في صراع عنيد مع كل الاحتمالات … والأقدار التي تستعصي على التوقيت .
بعد قليل ستأتي الوردية الجديدة ولا يعرف مشلهت ماذا تخبئ الأقدار في هذا اليوم سيكون همه الأكبر أن يجد شخصاً يصف له منزله ليذهب ويخبر أولاده أنه موجود بالمخفر هنا وأن يحضروا له ملابسه وأن يخبروا أخاه شمس الدين ليخرجه بالكفالة إذا تطلب الأمر ذلك .
باب المخفر يفتح على ميدأن فسيح تناثرت محتويات كوشة عتيقة على أحد أركانه … هنا يثور العراك بين الكلاب … فالعظام شحيحة … ولابد أن المحلية تعمل بجد لتجفيف تلك الكوشة … فلم تبق فيها الا أكياس النايلون واغنام تدخل رؤوسها في تلك الأكياس بحثاً عن شئ تأكله .
امتد بصر مشلهت عبر بوابة المخفر الى تلك الكوشة فلمح الكلاب المتعاركة فشعر بشيء من الغيظ فلولا تلك الاكلاب لما كان هنا … أن العضة التي تعرض لها والمصل الذي يبحث عنه قاداه الى حيث يجلس .
فلماذا لا تبيد السلطات تلك الكلاب الضالة حتى لا يجد أمثال بتاع العناقريب شيئاً يتاجرون فيه ؟ ..
ومن بعيد لمح رجلاً يحمل " بقجة " منتفخة وعراريق ادخل فيها عيدأناً جعلتها "مفرورة" تسر الناظرين … أشار الى إبن بائعة الشاي وطلب منه أن ينادي على ذلك الرجل … جاء الرجل وعرض بضاعته على مشلهت …
فاختار منها " عراقياً يغير به جلابيته التي خرج بها لصلاة الصبح والتي تلطخ جزء منها بالدم .." عراقي" يصلح لامتصاص كل العرق في نهار الحر … وتفوح منه رائحة القماش المخلوط بزيت ماكينة الخياطة .. ولو كإنت الامور عادية لبعثه للغسل والكوي قبل أن يرتديه .. ومرة أخرى توجه مشلهت الى دورات المياه فغاب فيها لحظة وغير جلابيته ووضعها في كيس بلاستيك ثم ارتدى العراقي بعد أن صب شيئاً من الماء على رأسه فشعر بالهواء الرطب ينعشه ويبعث فيه شيئاً من الحياة .
الرجل صاحب " البقجة" بقي في المخفر عله يجد زبوناً آخر … فليس هناك مكان محدد يتحرك فيه … وخطر لمشلهت خاطر … نادى على الرجل البائع وسأله قائلاً :
• إنت غير هدومك الشايلها دى عندك شغلة تانية ؟
• شغلة تانية زي شنو ؟
• أنا بسألك … يعنى إنت بس بتحوم بي هدومك دى محل ما تكون ؟
• أي … أنا بس ببيع هني وهني …
• طيب يا أخي أنا عايز أكلفك بخدمة . اصلو أنا جيت هنا وحاجزننا في حاجة أنا ذاتي ما عارفها شنو … وأولادي ما قادر اتصل بيهم التلفون مقطوع … بس أنا عايز اديك قروش تركب من هنا تكس او اى حاجة وأوصف ليك البيت في بحري … تمشى تقول ليهم مشلهت في مركز البوليس وتخليهم يتصلوا بأخوي شمس الدين عشان يجي يضمني … وإنت تخلى حاجاتك دى هنا معاي أنا بحرسها ليك لحدي ما تمشى وتجي ودي تلاتين الف تركب منها وخل الباقي معاك ..
واخذ مشلهت يصف للرجل منزله في الخرطوم بحري ويكرر الوصف :
• ولو ما عرفت الوصف أسال صاحب البقالة الفى الركن دا أسمو عبد الحميد … قول ليهو بيت مشلهت وين وهو بوصف ليك البيت … ما بعيد منو …
ويضع الرجل " بقجته" بالقرب من مشلهت بعد أن يلف " العراريق" برباط ويأخذ القروش وينصرف …
اخذ مشلهت نفساً عميقاً وهو يشعر بأنه علي الأقل قد كسر حاجز العزلة الذي يفصله عن أولاده … كلها ساعة أو ساعتان ويصلهم الخبر ليطمئنهم وساعة أخرى تكفى لوصول أخيه شمس الدين وعمل الإجراءات التي تضمن عودته الى منزله بعد يوم وليل طويل كأنه كابوس مخيف .
ويشعر بتورم في رجله . ويحاول أن يطرد هاجساً مزعجاً بأن تورم رجله سيكون له آثار مفزعة … خاصة وهو مصاب بمرض السكري … وقد نسي موضوع المصل تماماً . وحانت منه التفاتة فلمح شرطياً يعرفه

وللمشلهت بقية .......

عمار محجوب محمد زكي
20th October 2010, 12:36 PM
والله يا أبوبكر شحتفت روحنا شحتفة ما عادية وبقى الموضوع زي مسلسل ليالي الحلمية يقطعهوه ليك في أحرج موقف .. ياخي واصل الكتابة ماذا حدث بعد أن لمح شرطيا يعرفه .. نحن في شوق أحر م الجمر لسماع باقي القصة

Abubakr Ibrahim
21st October 2010, 07:46 AM
مشلهت (8)
ملامحه معهودة الا أن ذاكرته لم تدون اسمه … فقام من المصطبة التي كان يجلس عليها وتقدم نحو ذلك الشرطي والذي يبدو أن ذاكرته أقوى من ذاكرة مشلهت إذ أنه بادره قائلاً :
• اهلاً يا مشلهت … ازيك … مالك بجاي ؟
• والله يا أخي تقول شنو يا أبوها .. دى حكاية عجيبة جداً .
وحكى مشلهت للشرطي ما حدث له من ساعة قيامه لصلاة الصبح الى ساعة رؤيته له فقال له:
• شوف … إنت دلوقت أهم حاجة أنك تأخذ اورنيك طبي ونودي معاك عسكري للمستشفى عشان رجلك دي …بعدين بعد ما تجي نشوف بقية الإجراءات . أنا ما عارف منو الماسك التحري في القضية دى لكين كدي إنت تعال معاى .
فحمل مشلهت البقجة وذهب مع الشرطي لأحد المكاتب وهناك قابل الشرطي الرقيب حسين :
• اسمع عندكم هنا اورنيك طبي … عايزين نودى دا الإسبتالية .
• مالو …
• عاضيه كلب ..
• عمل بلاغ بالعضة دى …
• لا .. هو اصلو عنده قضية تانية ..
• طيب لازم يعمل بلاغ ضد صاحب الكلب … إنت يا زول بتعرف صاحب الكلب ؟
• لا ما بعرفو …
• بس لو كنت بتعرفو كان تفتح بلاغ ضد صاحب الكلب... الإهمال في رعاية حيوان .. وهو عضاك وين ؟
• في بحري ..
• لا …دا لازم تفتحو في بحري … على أي حال ممكن تأخذ الاورنيك من هنا وتمشي تفتح بلاغ في بحري
ويشرح الشرطي للرقيب حسين :
• نحنا دلوقت همنا إنو يتعالج لأنو هو رهن التحقيق في قضية بتاع العناقريب .
• ها ..دى عند … أسمو شنو يا أخ .. قول معاي ..
• حسبو ؟
• لا .. ما حسبو .. الزول بتاع العليفون دا ..
• مضوى ..
• ايوا مضوى ..ديل جابوهم أمس ..وكلهم فكوهم الا الزول دا … هو الوحيد القال جا عشان يشترى مصل .
• أبكر دا دا جابوه كتير هنا ..مش كدا؟
• جابوه كتير وكل مرة بمرق منها.. لكين المرة دى ما اظنو بمرق منها. على أي حال إنت اخد الاورنيك …عندكم عربية ؟
• بمشي أشوف عربية الأحوال …
• ويخرج الشرطي ومعه مشلهت … ويقوم الشرطي بكل الإجراءات ثم يرسل مشلهت ومعه شرطي آخر للمستشفى بأورنيك طبي … ويتساءل الشرطي :
• اها … وبعدين حكاية القضية دى …
ويجيب الشرطي :
• لا … دى خليها علينا …أنا حأكلم المتحري …وبعدين بعد ما تجي من الإسبتالية حيواصل معاك التحري …ولو شاف يعرضك علي وكيل النيابة يعرضك عليهو ..
ويحمل مشلهت معه بقجة الملابس ويصعد الى ظهر العربة التي تقله للمستشفى.

وصل البائع المتجول الذي أرسله مشلهت إلى أولاده إلى عبد الحميد صاحب البقالة في بحري … وكان هناك عدد من الناس في البقالة … يطلبون شراء بعض الأشياء فإنتظر البائع فترة … حتى قال له عبد الحميد :
• أيوا يا خوي..؟
• يا اخوى بسأل من بيت واحد إسمو مشلهت قال جنبكم هنا …
وخرج الرجل من بقالته ووقف على ناحية الشارع وهو يشير بيده :
• شايف الصيوان داك؟ .. اهو هم فارشين هناك .
ويتساءل البائع :
• دا بيت مشلهت ؟
• ايوا دا ذاتو فراشو .. مش إنت جاي عشان العزا ..
• لا يا خوي … أنا ماجاي عشان العزا ولا عارف فى عزا هنا ..
• إنت ما سمعت ولا شنو ؟ مشلهت الله يرحمه مات …
ويستغرب البائع :
• والله دى مسعلة عجيبة … الوصف يا هو الوصف … دحين إنت ما اسمك عبد الحميد ؟
• ايوا …
• طيب كيفين يعنى يكون مشلهت مات ؟
• مات زى ما كل الناس بموتو … ودى فيها شنو يعني ؟
• مات ودفنوه كدي … يعنى إنتو مشيتو فى جنازتو
• بسم الله الرحمن الرحيم … يا راجل بقول ليك مات ونحنا مشينا فى جنازتو …فى ايه ؟ في حاجة ؟ .
• يا اخوى أنا هسع جاي من سوق ليبيا .. ولقيت في نقطة البوليس واحد اسمو مشلهت وهو الاداني الوصف دا .. وقال لى تمشي لأهلي في بحري وتكلمهم وتقول لهم إنو مشلهت فى النقطة ويجى أخوه شمس الدين يضمنو … باقى هو عاضيهو كلب … وأنا ما عارف جريمتهم شنو الماسكنهم بيها فى النقطة … وقال يجيبوا ليهو معاهم هدوم حتى اشترى منى عراقي … وأدانى القروش ديل وقال لي التلفون بتاعنا مقطوع .
وتنعقد غمامة من الدهشة حول بقالة عبد الحميد والذين كانوا فيها وسمعوا حديث العزاء فيهب شمس الدين لملاقاتهم الا أن عبد الحميد يناديه على جنب ويقول له .
• شفت يا شمس الدين … عندكم حاجة غريبة حاصلة الراجل دا جا هسع من سوق ليبيا قال رسلو مشلهت …قال لقى مشلهت فى الحراسة وعاضيه كلب … وقال ليهو أنا حاولت اتصل بأهلي في بحري لكين التلفون بتاعهم مقطوع … ويكلموا أخوي شمس الدين يجي يضمني .
ولم يصدق شمس الدين أذنيه … فجذب كرسياً جلس عليه وهو يوجه سؤاله للرجل :
• اسمع إنت متأكد من كلامك دا ؟
• استغفر الله العظيم … أنا قلت ليك الزول دا اشترى منى عراقي واداني تلاتين الف وقال لى اجر تاكسى ووصف لى البيت حتى اسم عبد الحميد سيد البقالة دا هو الورأني ليهو …
ويتساءل شمس الدين :
• شكلو كيف ؟
• زول اخدر … مربوع .. لابس جلابية وسفنجة ودمو زى دمك وبشبهك .
ويغمغم شمس الدين :
• جايز … جايز … طيب ما في داعي نكلم الجماعة ديل … نمشي لحدي ما نتأكد وبعدين لو لقيناهو نسوقوا نجيبوا حتى نكلمهم ..
ولكن ذلك لم يحدث إذ أن الذين كانوا بالبقالة وسمعوا حديث الرجل مع عبد الحميد إنتشروا في جميع أركان صيوان العزاء وهم يرددون :
• مشلهت ما مات … مشلهت في سوق ليبيا … ماسكينوا في الحراسة



مشلهت (9)
تحركت العربة النوبتجية من امام مركز الشرطة وعليها مشلهت وشخصان احدهما وضعت يداه فى قيد حديدى مرتبط بجنزير يتفرع الى قيدين لكل رجل .. الشخص الآخر كان من ابناء الجنوب … وجلس على ظهر العربة جنديان يحملان بندقتين … الطريق يمر بشارع العرضة ؟؟؟ بعضه مغطى بالتراب وبعضه تنام في داخله حفر مستعرضة ومستديرة ومستطيلة ، ومستحيلة … تصطف الحافلات والركشات والامجاد والدفارات وكأن الامة السوادنية قد تعلبت فى هذا النهار … وترتفع ضوضاء الشارع وتتجاوز الاذنين مختلطة بالغبار فى جو يجعلك تفكر بصورة جادة فى خنق اى مخلوق بالقرب منك .
موظف الاستقبال في المستشفى الذى استلم الأرانيك المرضية أشار إلى الشرطيين المرافقين أن ياخذا مساجينهما إلى حيث يجلس طابور طويل من البشر… جلس مشلهت بالقرب من الشخص الذى يحمل القيد على يديه ورجليه. منظره يدل على أنه أنسان مغلوب على أمره …… يضع طاقية على رأسه…… مستسلم كنواة تمر …… يحاول أن يخفي القيد الذى على رجليه تحت جلبابه … نظرات غريبة تهبط عليه من الذين اكتظت بهم ردهة المستشفى … بعضها شامت وبعضها مشفق … وبعضهم مزهو بأنهم احسن حالاً من ذلك الرجل .. تعثرت امرأة على رجل المسجون … فقالت :
• معليش يا ولدى … ما شفتك …
ثم إنتبهت الى القيد علي يديه بعد أن حاول هو أن يساعدها على النهوض من كبوتها فقالت :
• الله يفك كربتك يا ولدى …
فاجابها :
* يفك كربتنا كلنا يا حاجة …
وكانما اشعلت هذه الكلمات فى الجميع موجة الطاقة الخفية فسرت همهمات تؤمن على ما قاله … يا حلال الكرب … يا فراج يا سريع النهمة من الضيق والزحمة .
مشلهت الذى كان يحاور المسجون منذ أن نقل معه الى المستشفى من مركز الشرطة شعر أنه ينتمى الى كربة ذلك الرجل فقال له :
• كلنا معاك يا اخوى كربتنا واحدة … الله يحلها …
استغرب الرجل فقال متسائلاً :
• إنت كمأن كتلت زول ؟
• لا … ابداً
• طيب كربتك بسيطة … أنا كتلت زول …… وهسع فى رقبتي روح زول…
• مالك؟ الحكاية شنو ؟
• تقول شنو … أنا ذاتى ما عارف اتصرفت كدا ليه … غايتو نقول قدر مكتوب … الله يلعنك يا شيطأن…
• الله يلعنك يا شيطأن دى كان تقولها قبال ما تكتل الزول …
لكين بعد ما كتلتو تجي تلعن الشيطأن … والشيطأن اصلوا ملعون … ويصمت الرجل ثم يتأوه
• اووف حاجة كدا زى الحلم .. زول لا بعرفو لا بعرفني لا بيني لا بينو … لاقانى نازل من البص … عترت فيهو ساكت زى عترة المرة دى هسع فيني…… وقبال ما اقول ليهو " سورى" ومعليش .. قال لي :
• إنت عميأن ؟ العمى اليقلع عينيك … ناس حمير
الحقيقة الكلام دا خلاني اعمى واطرش … ما شعرت ليك الا وأنا بطلع سكيني من ضراعي وبدى ليك طعنة واحدة فى رقبتو أصلو ما تنيتها …فد سجة والزول وقع وفرفر وفرفر زى الجدادة .. ما تقول داك الزول المنفوخ زى القربة … وأنا اهو رحت فى الحديد …أنا ذاتي ما عارف الركبني البص الشوم داك شنو ؟ اولاً من البص ما اتحرك … ستين شكلة ونبذ وشتايم … وناس روحها محرقاها ..
ويسأله مشلهت بعد أن شعر بأن مشكلته مشابهة لمشكلة الرجل … فكلاهما قد وجد نفسه تحركه احداث هو لم يخطط لها …
• وإنتو أهلكم من وين ؟
• من الجزيرة … حتة ما بعيدة من المحيريبة … وحالتو أنا جاي نازل من البص بفتش لعليش ود عمي عشان اديهو قروش يوديها للجماعة هناك فى الحلة … لكين تقول شنو … حصل الحصل وبعد دا قالوا مرحليننا لكوبر عشان جرايم الكتل هناك..
• وهسع هنا مالك ؟ شاعر بشنو ؟
• شاعر بحمى وعندي رجفة وصداع شديد …
• دى اعراض ملاريا ..
• زمان جاتني الحكاية دى مشيت فحصت قالوا لى ما عندك ملاريا …
تمر الساعات ببطء وبين الحين والآخر يتحدث احد الشرطيين مع موظف الاستقبال الذى ينظر في ساعة يده ثم يقول :
• بس شوية كدا والدكتور يجي …
" يجي الدكتور … وهو لسه ما جا " … يدور هذا بذهن مشلهت فما الذى يجعل الناس ينتظرون دكتوراً لسه ما جا .. وكانه الامام الغائب ؟ ولكن الواقع يقول أن الامة السودأنية قد ادمنت الإنتظار وأنها تفعل ذلك ببراعة تحسد عليها … ففي سبيل الإنتظار يهون كل شئ …لا احد يتململ فى قعدته ولا احد يتبرم … بل الجميع فى حالة إنتظار دائم .. والوحيد الذى يبدى شيئاً من عدم الصبر يتأوه :
• اللهم طولك يا روح …
واخيراً جاء الدكتور ولم يره احد …ولكنه جاء … ألا تشعر احياناً أن الأطباء فى العيادات فجاة يظهرون وفجأة يختفون … الامر الذى يجعلك تتساءل … اين هى تلك الابواب السرية او الخفية التى يظهر او يختفى خلفها الاطباء ؟
جاء دور مشلهت الذى شرح للدكتور حالته … فقال له :
• قلت العضة دى حصلت متين ؟
• امس الصباح
• ومن امس الصباح ما لقيت زول يغير ليك ولا يديك المصل ؟
• ما لقيت
• وقلت عندك سكر؟
• ايوا
• اخر مرة كشفت كان السكر كم
• تلاتة صلايب فى البول
• وكنت بتاخذ شنو ؟
• دوانيل …
• طيب امشى ارقد ورا الستارة ..
ويستلقى مشلهت وراء الستارة … بينما يبقى الدكتور يكتب شيئاً على الاوراق .. فى هذا الاثناء تستلقى افكار مشلهت بشكل مسطح .. حتى إنه يتمنى لو أنه لم يغادر ذلك المكان … يا له من شعور رائع عندما تشعر همومك كلها ترقد بجانبك … ربما تنهض وتتركها نائمة … اجرى الدكتور فحصه بالطريقة المعهودة … ثم طلب من مشلهت أن ينهض ويأخذ ورقة لفحص الدم للسكر ..
حجرة الفحص ترقد فى نهاية المستشفى وبالقرب من دورات المياه …ولا يعرف احد هل وجودها هناك بالصدفة او أمر مقصود … على سقفها مروحة أعيد طلاؤها اغلب الظن فى يوم من ايام الخدمة الا أن خيوط العنكبوت التى إنتظمت بين ريشها ظلت موجودة بالرغم من الحركة الدائرية للمروحة .. ترى كيف لا تشعر العنكبوت بتلك الحركة؟… تماماً مثلما لا نشعر نحن بحركة دوران الارض؟
تربيزة عليها بعض الفتايل والقطن ورف رصت عليه زجاجات وفتايل ودولاب اعيد طلاؤه ايضاً .. الممرض الذى استلم الورقة من مشلهت اعطاه قارورة قائلاً:
• جيب شوية بول هنا ؟
ترك مشلهت بقجة الملابس التى كان يحملها مع الشرطي الذي كان مرافقاً له ثم ذهب لدورة المياه وعاد وهو يحمل القارورة .
اخذ الممرض القارورة …
ثم قال لمشلهت
• شوف أنا ممكن اخذ منك دم من الوريد وبعدين أقوم أحلله واشوف نسبة السكر فيهو كم لكن الحكاية دى بتأخذ وقت … وأنا شايف معاك بوليس وكدا…
ويصيح البوليس :
• ايوا … نحنا من الصباح هنا … اتاخرنا خلاص وورديتنا قربت تنتهي.
ويواصل الممرض حديثه قائلاً :
• لو إنت عايز كشف سريع وبسيط ومضبوط أنا عندي ولدى في السعودية رسل لي الجهاز دا وممكن في دقيقة اديك نتيجة الكشف لكين تدفع عشرة الف…
ووافق مشلهت دون تردد …اخذ الممرض إصبع مشلهت وشكه بإبرة ثم وضع نقطة من الدم على شريط صغير مثبت داخل جهاز رفيع وإنتظر لحظة حتى ظهرت قراءة على شاشة الجهاز 472 ..
• يا سلام … إنت سكريك مرتفع جداً .. ما في داعي حتى نكشف على البول … خذ النتيجة دى طوالى للدكتور … وطبعاً إنت مفروض تجينا بكره صايم وبعدين نعمل ليك كشف كامل .. على أي حال لازم تقابل الدكتور …
اخذ مشلهت النتيجة وإنتظر فترة خارج عيادة الدكتور حت يخرج مريض كان مع الدكتور. نظر الدكتور للنتيجة وقال
• إنت السكري عندك مرتفع وكمان رجلك فيها جرح وعايز غيار وعايز مصل لازم نحجزك عندنا هنا … خذ الورقة دى لعنبر الباطنية خليهم يشوفوا ليك سرير ويعملوا ليك الإسعافات المطلوبة دى … وأنا حاكتب ليك هنا في الاورنيك تسلمه يا عسكري لناسكم هناك .
ويصاب الشرطي بفزع :
• يعنى هو ما برجع معانا ؟
• يرجع وين ؟ دا لازم يبقى هنا في المستشفى لحدي ما يتعالج دا حالته خطرة جداً … يمكن هسع يدخل فى غيبوبة سكر يروح فيها …
واسقط في يد الشرطي … فمعنى هذا أن يبقى مع مشلهت فى المستشفى يحرسه حسب التعليمات ولا يبارحه حتى يأتي من يسد خانته … وسيعود الشرطي الآخر بالأوراق ومعه بقية المحجوزين او المساجين كما اعتاد الناس أن يطلقوا على كل من يكون في حراسة البوليس .
وللمشلهت بقية ......

Abubakr Ibrahim
23rd October 2010, 08:02 AM
مشلهت (10)
أخذت إجراءات مشلهت وقتاً طويلاً لأن إيجاد سرير له في قسم الباطنية أمر عسير وعندما وجد السرير كان بالقرب من النافذة ويطل على ميدأن جاف به بقايا أعشاب متيبسة وتدل هيئته على أن الماء لم يمر بناحيته منذ سنين … الأشجار التي تنمو على حوافه تناثرت تحتها الفرشات وترامس الشاي والقهوة ومجموعات من الرجال والنساء وزجاجات البلاستيك والجركانات التي تحتوي على الماء …. ومن بعيد بالقرب من السور تلوح بعض الملابس التي غسلها أصحابها من مرافقي المرضى وعلقوها لتنشف … مثل هذه الأشياء أصبحت من الأمور العادية التي لا تسترعى إنتباه أحد … فمثلاً عدم وجود قطط بالقرب من حاويات القمامة يمكن أن يسترعى الإتباه ولكن وجود القطط نفسه لا يثير أي إنتباه .
كل تلك الخواطر جالت بفكر مشلهت وهو يرسل بصره من خلال النافذة … قطعت عليه سيل أفكاره ممرضة تحمل ميزان حرارة وضعته في فمه وكانت تخاطب فراشة تحمل جردلاً .
• عليكى الله يا أم الحسين أمشي عنبر القاينا كلمى الطيب يجيب لي قروش الختة عشان قاعدة اجمع فيهم … قولي ليهو التومة قالت ليك جيب ليها القروش عشان أسيادهم راجينهم .
تنزع الممرضة ميزان الحرارة من فم مشلهت ثم تقرأه وتهزه لترجعه في مكانه وتدون الرقم في ورقة تحملها ثم تخاطب مشلهت قائلة :
• وين الجرح العايز غيار ؟
• يبرز لها مشلهت رجله … فترى آثار دماء متيبسة ذات لون بنى غامق…
• وإنت اصلوا الجرح بتاعك دا ما عملوا ليهو غيار ..
• لا …
لكين بالطريقة دى ما بتتسمم .. طيب خليك أنا هسع أجى أغير ليك لكن عايزين شاش وقطن ..
ويتساءل مشلهت :
• شاش وقطن من وين …
• إذا عندك قروش أنا برسل ليك أم الحسين الفراشة تمشى تجيبهم ليك … ولا … خلاص جيب القروش … أنا بمشي بجيبهم …
• كم ؟
• جيب 5 الف ..
ويناولها مشلهت القروش فتأخذها وتنصرف …
تحسس مشلهت بقجة الملابس التي تخص البائع المتجول … وشعر بأنقباض … فالرجل تكرم مشكوراً بالذهاب لأهل مشلهت في بحري حتى يوصل لهم رسالة مشلهت وطلب منهم الحضور معه … فماذا لو جاءوا ولم يجدوه ..
ماذا يظن الرجل ؟ هل يظن أنه قد احتال عليه ليأخذ ملابسه ؟ وماذا ستقول زوجته وماذا يقول أخوه شمس الدين ؟ والإحباط الذي سيتعرضون له …. من الذي سيخبرهم أن مشلهت في المستشفى … ومعه شرطي على رأسه لا يسمح له بمغادرة سريره ……الفراغ الممتد بين سريره والأسرة الآخرى في عنبر الباطنية تملاه تلك النظرات الغائرة عند المرضى ومرافقي المرضى والباعة المتجولين الذين يعرضون بضائعهم على المرضى ابتداء من الأمشاط وحلاوة اللبأن وأمواس الحلاقة وأباريق " قطع الجمار" والبطاريات ، وغيرها … ورواية طويلة تراجيدية اسمها الحياة …
آفاق مشلهت على صوت الممرضة وهى تحضر الشاش وتبدأ في تنظيف الجرح … شعر مشلهت لاول مرة بألم فى موضع الجرح … فقد نسى في الأوقات السابقة وهو في قمة أنشغاله بألم الجرح … الألم يشعرنا أنه لا زالت هناك حياة تسرى في أوصالنا … طيلة الوقت كإنت الممرضة صامتة وهى تقوم بعملها ووجها يخلو من أي تعبير وفجأة سألته :
• وبعدين حتعمل شنو مع موضوع المصل … المصل دا مهم جداً …
وإنت هسع ليك يومين كان حقو تكون أخذت حقنتين ..
شرح لها مشلهت مشكلته وأنه عاجز عن الحصول على المصل وهو تحت حراسة البوليس وفى المستشفى … يا لسخرية القدر … الأمل الوحيد في حصوله على المصل هو أن يخرج من المستشفى ليذهب للبحث عنه … بعيداً عن المستشفى ….الكهرباء يبحث الناس عنها بعيداً عن مرفق الكهرباء في المولدات المتناثرة وسط الأحياء وأماكن العمل …… الماء يبحث الناس عنه عند أصحاب الكارو وبعيداً عن النيل … الراحة الحقيقية يبحث الناس عنها في المقابر …وكذلك المصل الذي ذهب يبحث عنه عند بتاع العناقريب وها هو ينتهي به البحث هنا في المستشفى تحت الحراسة ……اخذ مشلهت يردد فى سره بيتاً من قصيدة للشاعر اليمني عبدالله البردوني:
عجيب أمر ما يجري واعجب منه أن تدري …

مشلهت (11)
زوجة مشلهت وإبنه علاء واخوه شمس الدين وزوج ابنته والبائع المتجول كلهم حشروا أجسادهم داخل عربة تاكسي واتجهوا صوب مركز الشرطة.. شمس الدين لم يستوعب كل الذي حدث يتساءل ويوجه سؤاله للبائع المتجول …
• إنت اصلوا لقيتو وين ؟
• قت لك " قلت لك " لقيتو في المركز هناك …
وناداني حتى اخد مني عراقي غير بيهو جلابيتو ..
• وقال ليك إنو عضاهو كلب ؟
• أيا … هو قال كدي … وأنا شايف رجلو فيها دم ..
• نان البوديهو سوق ليبيا شنو ؟ دى حكاية تمخول … وكمان في مركز البوليس … ومشلهت اصلو ما بتاع مشاكل ولا مراكز بوليس ولا حاجة .. وتعلق زوجته :
• يا أخوي دى حكاية اصلها ما عارفين ليها تفسير … دحين إنت يا شمس الدين ما بردتو وغسلتو ..
• بالحيل …
• شفت أي عضة في رجله ..
• ابداً ما في عضة في رجله …
ويتدخل علاء إبن مشلهت :
• يا يمة الزول الدفناهو هو دا جايز يكون زول تاني ..يمكن الزول العاضي الكلب دا ما أبوي ..
• وأبوك الكلب لقاهو وين ؟
• ما يمكن في صلاة الصبح عضاهو الكلب …
• ونان ما يجي راجع ؟ إنت يا زول قلت هو قال ليك شنو بالضبط كدا …
ويكرر البائع المتجول ما أوصاه به مشلهت …
• أولا بالتبادي هو وصف لي البيت وأنا جيت حسب الوصف وقال لي لو تهت أسال عبد الحميد سيد البقالة " مو اسمو كدي "
• ايوا … تمام …
• وقال لي تمشي تكلم مرتي تقول ليها مشلهت في مركز البوليس وعاضيهو كلب وخليها تكلم اخوي شمس الدين يجى يضمني ويجيبوا لي معاهم غيارات عشان أغير هدومي دى ..
ويعلق زوج إبنة شمس الدين وهو الذي ظل طيلة هذا الوقت صامتاً …
• يا أخوانا الكلام دا عديل … مافى زول تانى بقول كدا الا مشلهت …
ويتساءل شمس الدين :
• وطيب الزول الدفناهو دا منو ؟ أنا من بدري قلبي كان ماكلني إنو الزول داك ما مشلهت لكن إنتي يا صفية أول ما شفتي الزول داك ضربتي الثكلى…
وتبرر صفية موقفها قائلة :
• هي لكين نعمل شنو؟ … مشلهت ما أتعرف ليهو محل … الوش أنا صحي ما اتاكدت منو …. عاد كيفن دايريني كمان أتفرج في وش زول رأسه مكسر زي داك ..
• ونحنا سقناكي معانا ليه ؟ مش عشان تتأكدي ؟
ويتدخل سائق التاكسي إذ أن مثل ذلك الحوار لا يحدث كل يوم في عربته فيقول:
• اصلو اليومين دى البطلع ما بجي راجع … وحوادث الحركة كثيرة … غايتو ربك يستر .
واخذ يحكى عن عدد الذين نقلهم بعربته الى قسم الحوادث في مستشفيات العاصمة … مؤكداً أن فرصة الذي يخرج من بيته في رجوعه الى منزله ضعيفة وكان كل مرة يختم حديثه قائلاً :
قول يا لطيف والأمل ضعيف …
هذه مقولة غير مطمئنة بالمرة … هل صحيح أن الأمل ضعيف في الحصول على مشلهت على قيد الحياة ؟ إذن من هو ذلك الرجل الذي أوصى البائع المتجول بإحضار أهله ؟
هل يمكن أن يكون شخصاً آخر غير مشلهت .
وقف التاكسي أمام المركز …. فقام شمس الدين بحسابه واتجه الجميع نحو الباب يتقدمهم البائع المتجول وهو يقول :
• خلاص وصلنا … تعالوا بجاي … زولكم قاعد في البرندة البهناك دى…
وهرع الجميع … ووقفوا أمام البرندة …. والبائع المتجول يتجول بين مساطبها متسائلاً :
• هوى يا ناس .. الراجل البقولوا لو مشلهت الهسع كان قاعد هني مشى وين ؟
لم يجد جواباً شافيا .. إذا أن الوجوه التي تركها …لم يجدها.. هذه وجوه جديدة فرواد المخفر يتغيرون ويتبدلون كل ساعة … ويجئ البائع المتجول للمجموعة قائلاً :
• الزول دا أنا هسع خليتو كان قاعد هنا …
• مشى وين ما عارف … كدي خليكم واقفين هنا وأنا بمشي اسأل العساكر ديك .
ويتقدم البائع المتجول من شرطي يجلس في مكتب وهو يكتب شيئاً :
• يا أخوي … بدور اسعلك .. دحين كان في واحد اسمو مشلهت …أنا خليتو قاعد بجاي … مشى وين ويرفع الشرطي رأسه ثم يقول :
• الناس كتار هنا …. زولك دا أنا ماشفتو …
• كيف ما شفتو يا جنابو … دا حتى أنا خليت معاهو بقجتي بتاعة الهدوم…
• قلت ليك ما شفتو … أمشي أتحرى عنه هناك في مكتب التحري ويخرج البائع المتجول والاف الاحتمالات تدور برأسه ….
قبل مدة مشلهت … وبيت بكا وهسع مشلهت مافي … والجماعة الذين أتوا معه … هل يظنون أنه جاء بهم ليحتال عليهم ؟ وماذا عن بقجته هل غدر به ذلك الرجل ؟ …. لا … لا يمكن أن يغدر به لأنه أعطاه 30 الف جنيه … اكثر مما يستحق في ذلك المشوار … ولكن أين يكون طار ؟ هل ابتلعته الأرض ؟
وشعر الرجل بحرج شديد فماذا يقول ؟
• والله دى حكاية عجيبة … الزول كان هني وأدانى القروش دى وقال لي تمشى تجيب الجماعة … هسع نجي ما نلقاهو ولا في زول يكون عارف محلتو؟ .
وداخل مكتب التحري وقف البائع المتجول موجهاً حديثه لرجل شرطة :
• يا أخوي بالله ما بتعرف ليك زول اسمو مشلهت عاضيهو كلب … كان معاكم بجاي …
ويرد عليه أحد رجال الشرطة مستفسراً ..
• عاضيهو كلب البجيبو لينا هنا شنو ؟ ما تمشي تشوفو في الإسبتالية …
• والله أنا ذاتي ما عارف بس هو قال لي خلي الهدوم حقتك دى معاي هنا وامشى كلم أهلي في بحري …
• وإنت هسع ما لقيتو ولا لقيت هدومك ؟
• أيا … ما لقيتو ولا لميت في هدومي …
• خلاص أمشي افتح بلاغ …دا زول محتال غشاك وشال هدومك وفر …
• الا يكون كدي ….
وعاد البائع المتجول لآل مشلهت قائلاً :
• والله يا أخوانا مانى عارف أقول ليكم شنو ؟ جنابو قال لي دا زول محتال غشاك وشال هدومك امشي افتح بلاغ …… والله الزول شكلو ود ناس أبدا ما عليه شكل الاحتيال وبعدين أداني 30 الف قال لي تمشي بيهم وادانى الوصف …
• ويسأله شمس الدين :
• وإنت هدومك بكم ؟
• عندي خمسة عراريق و10 سراويل و6 ملايات كإنون…
• يعني اكتر من التلاتين الف الأداك ليهم الزول القلت لاقيتو هنا ؟.
• أيا …
• كان كدي ليك حق تتهمو بأنو غشاك …
وتفتح زوجة مشلهت عينيها واسعتين وهى تقول :
• سجمي … يعني الزول طلع غشاش … يعني مش مشلهت ؟
ويصمت الجميع وكل منهم يشيح بنظره بعيداً فتقول :
• أنا ما قلت ليكم ياهو داك مشلهت الدفناهو وبكيناهو … ساكت قعدتوا تغالطوني وتشكوكنى …
شمس الدين وزوجة مشلهت وابنه وزوج ابنة شمس الدين حشروا أنفسهم مرة اخرى فى عربة تاكسي عائدين الى الخرطوم بحري وهم لا يجدون تفسيراً لما حدث … يختفي مشلهت ويعثرون على شخص في المشرحة توفي في حادث مروري في طريق الخوجلاب ويعتقدون أنه مشلهت … فيدفنونه ويقيمون العزاء … ولكن يأتيهم هذا البائع المتجول وهو ينقل لهم وصية من مشلهت وعندما يذهبون الى مركز البوليس لا يجدونه … ما معنى هذا ؟ هل هناك من يريد أن يستغل حزنهم على مشلهت فيزيد من وقع المأساة عليهم بمثل هذه التصرفات ؟ يقول شمس الدين :
• والله دا كلام ما مفهوم … يعنى الزول دا قصدو شنو ؟
وتتساءل زوجة مشلهت :
• الزول منو ؟
• الزول الجانا قال مشلهت رسلو لينا …
وترد زوجة مشلهت :
• ودا قصدوا شنو ؟ … ما أظن عنده قصد دا زول هو ذاتو طلع ضحية … يمكن الزول القابلو دا زول محتال …
• وطيب عرف من وين اسم مشلهت …ووصف البيت … وعبد الحميد صاحب البقالة ؟
• غايتو دى حكاية تسغرب المخ …
ويتواصل الحوار بتلك النبرة المتسائلة الى أن تقف عربة التاكسي أمام صيوان العزاء …. فيأتى الابن الأصغر لمشلهت :
• ماما .. ماما … حيدر وصل ..
وترفع الام يديها ثم تصرخ :
• حى ووب … حى ووب … الليلة يا أبو حيدر … مخير الله عليك …
وتندفع داخل المنزل وتشتبك مع إبنها في عناق طويل باك تعدد فيه مناقب والده … وحيدر يجهش بالبكاء … ثم يندفع نحو عمه شمس الدين يقول له وهو يغالب الدموع :
• لا اله الا الله … شد حيلك يا أبني … استغفر … هكذا حال الدنيا … ما تعمل في روحك كدا … أنا لله وإنا اليه راجعون رويداً رويداً تخفت الأصوات …. ويستغفر الجميع ويمسحون دموعهم بثيابهم … ويرفعون أياديهم بالفاتحة ..
الفاتحة ..
وبصوت متهدج يسأل شمس الدين ابن أخيه :
• وصلت متين يا حيدر ؟
• قبل ربع ساعة
• ووصلك الخبر متين ؟
• امبارح بالليل … وكنت اصلو جاي وصادف أنا كنت حاجز في السفرية دى …
• دا كله عشان ربنا قاسم ليك تصل طوالي … وما تتأخر …
ويتساءل حيدر :
• لكين يا عمي شمس الدين …. قالوا إنتو مشيتوا محلة كدا قالوا ليكم أبوي منتظركم ؟
ويجيب شمس الدين وهو يلتقط الكلمات :
• تقول شنو يا ولدي … جانا واحد هنا وقال أبوك موصيهو وإنو موجود في مركز البوليس في سوق ليبيا ومشينا هناك وما لقيناهو ولا لقينا حتى زول يدلنا عليهو … وكل واحد نسألو يقول ما عارف عنو حاجة … وفى الآخر ما لقينا أكيدة جينا راجعين .
• وإنتو يا عمي شمس الدين ما اتاكدتوا إنو ابوى مات قبال ما تفرشوا ؟
• أنا غايتو كنت شاكي … لكين أمك أكدت لينا إنو الزول الكان في المشرحة داك كان أبوك
• وطيب حكاية الزول الجاكم وقال أبوي موصيهو ؟
• ما ياها دى المشكلة هنا …
• وأبوي ليه يرسل زول ؟ ما يضرب تلفون من اي محل بتاع اتصالات …
• تلفونكم فى البيت مقطوع …
ويصمت حيدر فترة من الزمن وهو يركز بصره على كوب شاي ملقى وقد سالت محتوياته على الأرض … وتجمع أفراد النمل يعملون بهمة ونشاط حول الكوب … هكذا خرج الناس يبحثون عن رزقهم في فجاج الأرض وخرج معهم حيدر وقد بقي عاماً كاملاً وهو يبحث عن عمل في بلاد الاغتراب واخيراً وجد عملاً وكان عليه أن يعود ليتم التعاقد معه في بلده …. وهاهو يعود ويجد والده قد توفي في ظروف غامضة …
سمع الجيرأن بحضور حيدر فجاءوا مرة اخرى للتعزية وامتلأ الصيوان بجمهرة من المعزين وأنحصر حديثهم كله في الشخص الذي جاء يحمل خبراً من مشلهت والذي تبخر في هواء مركز البوليس فلم يعثر عليه أحد ……
وتقدم جار مشلهت الذي أخذه للمستشفى صبيحة ذلك اليوم من شمس الدين وجلس بجانبه ثم قال :
• الحكاية شنو يا شمس الدين ؟ قالوا جاكم واحد هنا وقال شنو مش عارف ……. غايتو كلام عجيب كدا …..
• جا واحد يا سيدي قال لقى مشلهت في مركز البوليس في سوق ليبيا ورسلو عشان يكلمنا …. وبعدين مشينا معاهو ما لقينا مشلهت ولا لقينا زول بيعرفو ولا شافو ويتعجب الجار ويقول :
• دى حكاية عجيبة جداً … أنا غايتو قلبي كان ماكلني …… الطريقة المات بيها مشلهت دى غريبة جداً ويوافقه شمس الدين ……
• إنت براك قلبك ماكلك ؟ …. أنا ذاتي قلبي ماكلني وما كنت عايز صفية تتسرع وتتعرف على الزول بتاع المشرحة دا وتقول إنو مشلهت …
ويقرب الجار وجهه من شمس الدين قائلاً :
• إنت بردت الميت ؟
• ايوا
• طيب لاحظت في رجله جرح ؟
• أبدا ما لاحظت أي جرح في رجله …
• كلام شنو دا يا أخي أنا وديتو المستشفى … ودمو سايل بعد ما عضاهو الكلب … هسع كلامك دا بخلينا نشك إنو الزول الدفنتوه دا يكون مشلهت .
• والله أنا ذاتي الأمور ملخبطة في رأسي … غايتو الحمد لله حيدر وصل ونقدر نرفع الفراش الليلة …
وللمشلهت بقية ........

عمار محجوب محمد زكي
23rd October 2010, 08:39 AM
يا أبو بكر الجماعة ديل كان مفروض يكونوا متأكدين أنو المات دا ما مشلهت لأنو مشلهت (كما يشهد بذلك جاره الذي ذهب به للمستشفى) عاضيهو كلب والدم سائل من كراعو والزول الغسلو لا زم يكون لاحظ عضة الكلب ولما كان الميت لا تظهر عليه أي عضة كلب فهو ليس مشلهت .. لكن يا أبوبكر جننتنا جن وأنا في إنتظار أن ترسل لي بقية الحلقات على الإيميل رجاء أنا لن أتمكن من الصبر حتى النهاية كيف سيجدون مشلهت وهل يمكن علاجه من السكر وتجنب مضاعفات عضة الكلب على مريض بالسكر

Abubakr Ibrahim
24th October 2010, 07:49 AM
مشلهت (12)
ظل مشلهت في المستشفى وهو مشغول بأمر بقجة الملابس التي سيعود صاحبها ومعه أولاد مشلهت وعمهم ولكنهم لن يجدوه في نقطة البوليس فماذا يفعلون … اغلب الظن أنهم سيجدون من يخبرهم أن مشلهت قد نقل للمستشفى وعليه فإنه يثب جالساً على سريره عندما يسمع أصوات أقدام أو حركة أشخاص في الممر متوقعاً أن يكونوا أهله ومعهم البائع المتجول … القلق والحيرة التائهة في أقاليم الترقب فعلت فعلها في بسطته النفسية … شئ كالغضب وإنفعال يتسلل الى شرايينه فيجعلها تضيق بما رحبت فترتفع بضغطة الى معدلات خطيرة.

عادت الممرضة ومعها ورقة دونت عليها درجة حراراته بعد أن نزعت ميزان الحرارة من فمه …
• حرارتك مرتفعة شوية … مالك حاسي بحمى ؟ ..
• ما عارف … لكين حاسي بنفسي حار … دا يكون من شنو ؟
• أنا ما قلت ليك لازم تأخذ المصل …. إنت ما عندك زول يجيب ليك المصل ؟
• والله أنا رسلت الزول سيد البقجة دى لأولادي في بحري عشان يوريهم أنا هنا … لكين لحدي هسع ما وصلوا ما عارف الأخرهم كدا شنو …
• كدي اصبر شوية …لو ما جوا نشوف نعمل ليك شنو …
وأنصرفت الممرضة وتركته جالساً على سريره … ضجة العنبر أصبحت مألوفة … والذين يأتون بحثاً عن مرضاهم عددهم كبير … فليس هناك من يدلهم … واقتربت منه إمرأة سلمت عليه وجلست على الأرض … ويبدو عليها أنها قد تعبت من صعود السلالم ونزولها والبحث بين الأقسام ……
فقالت :
• هوى يا ولد …. دحين عندنا ولداً بقولولو الماحى قالوا جابوا هني عشان الغسيل …يعلم الله لينا يومين نساسق بجاي وبجاي كل مرة يقولولنا في فجة ثأنية دحين ما عندكم ولداً بقولولو الماحى ؟
خاطبته المرأة قائلة : هوى يا ولد … ولم تقل له يا ولدي.. والتي تحمل درجة عالية من الخصوصية أما يا ولد فهي على العموم …. فشعر بأنه اصغر من سنه …. إذ أن يا ولد تضعه في مصاف الأولاد الذين يمكن أن ترسلهم لأي مكان … ورداً على سؤالها عن الماحي قال :
• مافى ولداً بالاسم دا مر علينا بجاي …لكين ممكن تسألي الممرضة .
فتقول بشئ من الامتعاض :
• بس... هي القشيرة خشمها وهى ستو … ابت تب تنضم معاي …. ما بعرف حكايتها معاي شنو ؟
• الممرضة ياتا ؟
• واحدتن لاقيتا هناك … هي يا زول خلها … أن شاء الله ما تنضم .. أنا ما كجنت الا الفلهمة …
• ما يمكن ما سمعتك ؟
• اجى ؟!! سمعتني وفات أضانها …
• إنتي مش قلت جابوه للغسيل؟
• ايا ..
• طيب الغسيل ما هنا … إنتي تمشي قسم الكلى … هناك بقولوا ليكى ودوهو وين ..

يقول مشلهت هذا للمرأة وهو لا يعلم إن كان هناك قسم للكلى ام لا … فكل تلك الأمراض تعتبر باطنية … ولكن كان عليه أن يعطيها إجابة يراها هو مناسبة وتشفي غليل تلك المرأة.. إلا أنها تقول له :
• هوى يا جنا … ما عندك تمباك؟ باقى متقريفة …
لم يكن مشلهت يتوقع مثل ذلك الطلب … المرأة يابسة كشجر المرخيات … ولا يبدو عليها أنها تناولت أية وجبة في الزمن القريب … وهاهي تطلب تمباكاً .. لقد نحتت الحياة القاسية أولئك النسوة … وجعلت متطلباتهن في الحياة بسيطة .. إن درجة الجفاف التي يحتملها جسد هذه المرأة تقتل أية امرأة من نساء المدينة .
كان البوليس المكلف بحراسة مشلهت يستمع الى هذا الحوار … فقال مبتسماً :
• إنتي يا عجوز كمان بتسفي؟
• هي نان العلي هين ؟ نحنا في بلدنا هناك عندنا شنو غير السفة …. علا أنا ما جبت معاى حقتي ..
ويسألها مشلهت :
• اهلكم وين إنتو ؟
• أهلنا في الشاهلاب … أنا حالتي جاية من ام كركر سمعت قالوا جنا ناس أبو حليمة البقولولو الماحي عيأن جابوه للغسيل .. عاد كما شفتو ما بمشي…
• وجيتى بشنو ؟
• جيت بلوارى الخط .. هسع ما تساعلني .. كان عندك سعوط أدني .. وكما عندك ودعتك الله …
ويلتفت البوليس الى أحد الأشخاص ويبدو عليه أنه يعمل ميكانيكاً وذلك من لبسه المتسخ بالزيت .. ويتحصل على سفة في كيس نايلون يناوله للمرأة فتكور منه سفة معتبرة تضعها بكل حرافة في شفتها الشفلى وتشكر الجميع … وتتحرك خارجة من العنبر ….
• عاد اللقوم أمش … الليلة عاد يا الماحي محل ودوك ما خبرناهو …

على باب الله وعلى رزق الله وعلى كرمه يسير هؤلاء القوم … تلفح وجوهم الشمس وينساب عبر مساماتهم الفراغية السموم … لا أحد يأبه بهم أو يثيرون شيئاً من اهتمامات الجميع الا إنهم لا يفرطون في واجباتهم الاجتماعية … يكفي أن يكون الماحي قد نقل للمستشفى في مكان ما لا أحد يعرف أي مستشفى أو أي عنبر أو أي مدينة أو أي حي وفي هذه الرحلة ..رحلة البحث عن الماحي قد يلاقي البعض منيتهم … ولكن الذي يسأل لايتوه …وهل هناك توهان اكتر من هذا ؟
وللمشلهت بقية ..........

عمار محجوب محمد زكي
24th October 2010, 11:49 AM
يا أبوبكر الحلقة (12) دي حشو ساكت ما فيها أي أحداث جديدة نطالب بأكثر من حلقة متتالية في المرة الواحدة والله ما عارفين نعمل شنو أرجوك رجاء خاصاأرسل لك كامل الحلقات

Abubakr Ibrahim
25th October 2010, 07:32 AM
مشلهت (13)
يحدق مشلهت في هذا الفراغ الممتد خلف نافذة المستشفى ولا يعود من تحديقه ذلك الا بعد أن يلكزه البوليس المكلف بحراسته وكان قد أحس بأن هناك رابطاً قوياً يربطه بمشلهت بخلاف العمل الرسمي :
• اسمع .. أنا ماشي مشوار قريب .. إنت بس خليك في محلك ما تمشي من هنا … ولو أي زول سأل قول ليهو مشي يتسير ..
وبقي مشلهت علي سريره … ترقد تحته بقجة الملابس وهاهو حرسه وقد ذهب وتركه يحرس نفسه وإذا سأله اى شخص عليه أن يقول أن الحرس ذهب ليتسير .. وهو في تأملاته تلك جاءت الممرضة وسألته :
• اها عملت شنو ؟ … لحدي هسع أهلك ماجوا ولا جابوا المصل ؟
• والله أنا ما عارف حكاية الزول دا شنو … كان مفروض يكون كلمهم وكان مفروض يكونوا جوا .
وتتساءل الممرضة :
• وإنتو ما عندكم تلفون ؟
• التلفون مقطوع
• طيب ما بتعرف تلفون جيرانكم ولا أى واحد نتصل بيهو .
• أنا قمت من البيت بجلابيتي … ما شايل معاى النوتة الفيها أرقام التلفونات .. وحتى القروش العندي دي أداني ليها واحد صاحبي لقيتو في المستشفى صدفة .
وصمتت الممرضة برهة ثم قالت :
• أنا ورديتي بتنتهي بعد شوية … وأنا اصلو ماشة لجماعة أهلنا في الدروشاب عندهم عرس … وممكن توصف لي بيتكم وأنا بمشي لأهلك في بحري وأكلمهم ..
وتنفس مشلهت الصعداء … فهذا هو الحل المثالي لمشكلته … فاستعدل في جلسته ثم رسم لها خريطة واضحة لمنزله فأخذتها الممرضة وغابت في زحام ممر المستشفى…
لعلها ساعة أو ساعتان ويأتي أهله وتنتهي مشكلته. ضجيج العنبر ورائحة المستشفى التي ظلت عالقة بأنفه منذ حضوره … تبخرت في الهواء …… لقد ظل ذلك المستشفى بنفس رائحته العتيقة تلك وهي خليط من رائحة الفنيك أو الديتول الذي تغسل به الأرض ورائحة دورات المياه الموجودة في نهاية الممر شي ظل معلقاً في الهواء منذ أنشاء ذلك المستشفى … ولكنه لا يشمه ونحن عادة لا نشم الروائح التي تلتصق بنا بل يشمها الآخرون.
الطبيب في مروره علي المرضى توقف عند سرير مشلهت … وتفحص الأوراق ثم رفع رأسه عنها وقال :
• إنت حرارتك مرتفعة والسكر ما نزل … وكمان ما أخدت المصل ونحنا لازم نحولك لمستشفى السكر … خليك جاهز الجماعة حيجوا ياخدوك لمستشفى السكر…
وفتح مشلهت فمه من الدهشة الا أنه لم يقل شيئاً … يأخذونه لمستشفى السكر ومن هم هؤلاء الجماعة ؟ إسعاف المستشفى ام عربة البوليس؟ … وتلفت حوله مستنجداً برجل البوليس الا إنه لم يجده … فما زال الرجل " يتسير" … وكيف يبارح سريره وهو في حراسة البوليس ؟ أسئلة كثيرة تزحم رأسه لم يدر ماذا يفعل. وتوجه نحو غرفة التمريض … كان هناك ممرض وممرضة وطبيب يقرأ في دفتر … فالقي إليهم بالتحية ثم قال :
• يا أخوأنا الدكتور هسع في المرور جا وقال يحولوني لمستشفى السكر … وأنا..
فقاطعته الممرضة :
• إنت العاضيك كلب ؟
• ايوا …
فأنفجر الممرض ضاحكاً :
* يا شيخة حرام عليكى … شنو يعنى إنت العاضيك كلب؟ … حسني ألفاظك … معليش يا ابن العم اصلها غشيمة ..
وتحتجج الممرضة :
• غشيمة أنا ؟ ما صحي عاضيهو كلب … يعنى أنا جبت الكلام دا من وين؟.
ويرد الممرض
• ايوا عاضيهو كلب … لكين ما بقولوها كدا ..
ويتدخل الطبيب الذي يقرأ في دفتر ويقول :
• خلاص يا ابن العم .. إذا إنت عاضيك كلب … أنا راميني جمل …
وأنفجر الجميع يضحكون إلا مشلهت والذي لم يجد رغبة في الضحك .. ولا رغبة في مجارة هؤلاء فى قافيتهم التي فتحوها ..
وخشي إن استمر الحال على ذلك المنوال أن ينبري الطبيب ليحكى .. كيف رماه الجمل .. وهل هناك مصل للجمل ؟
واكتسى وجه الممرضة شئ من الجد وهى تقول :
• خلاص … شوية كدي وبجي الإسعاف وياخدوك لمستشفى السكر .

***

مشلهت (14)

كان هناك طرق على الباب .. فقد رفع الفراش وأزيل صيوان العزاء ولم تبق الا بعض الأباريق والكراسي المرصوصة في إنتظار عربة مؤسسة المناسبات … خرج علاء ابن مشلهت ووجد الممرضة تقف عند الباب …
• دا بيت مشلهت
• ايوا ..
• وينا أمك
• اتفضلى جوه
ودخلت الممرضة وبحاستها النسائية ولا أقول أنثوية تبينت أن هناك مناسبة غير سعيدة قد مرت بتلك الأسرة … وخاصة عندما سلمت عليها زوجة مشلهت وكانها كإنت تتوقع الفاتحة منها …
وبعد فترة قصيرة من الهمهمات والجمل القصيرة والتوتر الذي يسود في مثل هذه الظروف قالت الممرضة:
• أنا الحقيقة جاية مرسلني ليكم مشلهت
وتقفز زوجة مشلهت من سريرها وتقول :
سجمى مشلهت ؟ تانى مشلهت دا بقى بعاتي ولا شنو ؟
• بسم الله يا مرة مالك أنخلعتي كدي ؟ .. الحاصل شنو ؟
وتجيب زوجة مشلهت :
• مش بتقولي مشلهت رسلك ؟
• ايوا .. ودي فيها شنو ؟
• فيها شنو ؟ إنتي عارفة مشلهت مات ودفناهو وهسع البكا دا عشان شنو؟
• والله أنا ما عارفة حاجة زي دي .. يا أخواني أنا أكون غلطت في العنوأن؟ ياهو الوصف ذاتو … طيب الحكاية شنو ؟
• الحكاية يا أختي تقوليها لينا إنتي … كدي اشرحي لينا معناة كلامك دا شنو؟

وبين الذهول وعدم التصديق تبدأ الممرضة قائلة
اولاً : أنا ممرضة في الإسبتالية … وامس البوليس جاب لينا واحد أسمو مشلهت عاضيهو كلب وعنده السكر مرتفع … فحكى لي إنو كلم واحد بائع متجول إنو يجي يكلمكم ويقول ليكم مشلهت في نقطة البوليس …
• أي صحي في واحد وحتى مشينا معاهو لنقطة البوليس لكن ما لقينا مشلهت …
وتستمر الممرضة قائلة :
• ايوا .. إذن الحكاية ظهرت … في الوقت الإنتو مشيتوا ليهو في النقطة هو جابوهو عندنا في الإسبتالية عشان كدا إنتو ما لقيتوه … وكمان معاهو بقجة هدوم قال بتاعة البائع المتجول وهو ما عارف يوديها وين … وهسع خليتو هناك في العنبر …
وتتساءل زوجة مشلهت :
• وطيب ما قال ليكي جريمتو شنو الجابوهو بيها دي؟
• قال هو مشي يفتش المصل بتاع الكلب .. وبعدين كشوهم وهو ما عارف ذاتو الحاصل شنو .. وما قادر يتصل بيكم تلفونكم مقطوع ؟
ويبدو على زوجة مشلهت الاقتناع :
• دا كلام عديل … وياهو دا هو ذاتو مشلهت … وإنتي قلتي وين ؟
• في عنبر الباطنية في الإسبتالية وأنا هسع لو ما ماشة الدروشاب كان مشيت معاكم … لكين تمشوا تلقوهو قاعد حتى قال لي خلي أخوي شمس الدين يجي عشان يضمني …
وتتساءل الممرضة :
• وإنتو القال ليكم مشلهت مات منو؟
وترد زوجة مشلهت :
• يا بت الحلال … لما مشلهت ما عرفنا ليهو درب … مشينا نفتش فى الاستباليات لحدي ما لقينا زول في المشرحة افتكرناهو دا مشلهت وشلناهو ودفناهو وبكينا عليهو .. لكين جانا الزول دا وهسع جيتينا إنتي غايتو ما عارفين الحكاية شنو …
وتصر الممرضة :
• لا يا أختي ابو عيالك نصيح ما عنده حاجة وأنا هسع جيت منو .. وتمشوا هسع تلقوهو زي ما قلت ليكم وأنا أعذروني لازم أمشي .
• هي أقعدي أشربي الموية
• لا والله ما بقدر … وإنتو حقو تسرعوا مشلهت حرارته مرتفعة وكمان لازم تجيبوا ليهو المصل .. الليلة ليهو أربعة أيام ..
وتنقل صفية الأخبار لابنها حيدر ويقرر الجميع أن يسرعوا الى المستشفى وذلك بعد أن يرسلوا علاء مرة أخري لعمه شمس الدين بالأخبار الجديدة ويطلبوا منه أن يحصلهم على المستشفى …
وللمشلهت بقية ........

عمار محجوب محمد زكي
25th October 2010, 10:02 AM
يا أبوبكر الراجل ليهو أربعة أيام عاضيهو كلب وما أخد المصل دي حكاية خطيرة وما ممكن نقعد ننتظرها بالقطاعي لو ما نشرت القصة كلها سأضطر للحضور لكم بالمنزل ونسخ القصة كاملة ونشرها على الملأ .. ياخي أسرار حرب العراق نشروها كلها برغم خطورتها ونحن مع مشلهت دا بالقطاعي .. أناشدك بنشر القصة كاملة ونعدك بأن نقرأها بالتقسيط

Abubakr Ibrahim
26th October 2010, 07:44 AM
مشلهت (15)
توقف التاكسي أمام المستشفى ونزلت زوجة مشلهت وإبنها حيدر وهرعوا مسرعين للداخل وهم يسألون عن عنابر الباطنية مروا على جميع العنابر والأسرة ولم يعثروا لمشلهت على اثر …
وفى نفس الوقت كان رجل الشرطة المكلف بحراسة مشلهت قد عاد لتوه من رحلة "التسيير" وظل هو الآخر يبحث عن مشلهت ولم يجد من يدله على مكانه وتيقن أن مشلهت ذلك الرجل الوديع والذي وثق فيه وظن أنه لن يبارح مكانه .. قد فعلها وإنتهز فرصة عدم وجوده فهرب…وهذا يعنى خراب بيت رجل الشرطة … فما الذي دفعه لمغادرة مسجون هو في عهدته … ولذلك كان عليه أن يدون عند مركز الشرطة أن الشخص الذي يسمى مشلهت والمقبوض على ذمة التحري قد هرب من المستشفى … ويجب أن ترسل معلومات بأوصافه لجميع نقاط البوليس حتى يتمكنوا من إلقاء القبض عليه وأعادته للحراسة … أما زوجة مشلهت وابنه حيدر فقد وقفا حائرين لا يدريأن ولا يجدان تفسيراً لما حدث .
كإنت المعضلة بالنسبة لمشلهت وهو في طريقه الى مستشفى السكر تكمن في عدة مسائل لا يجد لها حلاً . أولها أن أهله سيأتون للمرة الثأنية ولا يجدونه في المستشفى … وثانيها إنه بالإضافة الى بقجة الرجل البائع المتجول التي ظلت ملازمة له في حله وترحاله فأن رجل البوليس المكلف بحراسته أضاف لها بعداً جديداً . فبعد أن استأذن مشلهت بأنه ذاهب في مشوار قصير وسيعود وإذا سأله أي شخص يقول أن البوليس ذهب (يتسير) فأن البوليس ترك مسدسه وديعة عند مشلهت الذي وضعه داخل بقجة الملابس . ثم ماذا يفعل مع المصل وهذا هو اليوم الرابع وهو لم يحصل عليه . كم من الزمن تبقى حتى تظهر عليه علامات مرض السعر ؟
كان مشلهت مستغرقاً في لجة المشاكل التي أفقدته القدرة على التفكير …. ودخان كثيف يعشعش في ذاكرته يجعل الأيام الأربعة الماضية كابوساً خأنقاً .
وقفت العربة أمام مستشفى السكر … ونزل الممرض وهو يحمل أوراق مشلهت ثم خاطبه قائلاً :
• بتقدر تمشى ولا نجيب ليك نقالة ..
• وبنصف ابتسامة كان عقله يقول :
• هي حصلت ؟
• لا … شكراً .. بمشي ..
هل وصلت به الحالة الى هذا الحد الذي جعل الممرض يسأله ذلك السؤال ام أن الممرض يتفوه بشي روتيني يقوله لكل مريض بالسكر ؟ من ناحية المشي هو يستطيع أن يمشي … ولم يدر بخلده أنه سيأتي اليوم الذي يتخلى فيه عن المشي … ولكن عندما تهبط عليك الظروف وتكبلك فتجعلك تلتصق بغراء المسافات… يمشى الزمن وإنت واقف في مكانك …… عندها تصبح في نظر الجميع في خانة الأمس … كم عدد الذين اصبحوا أمساً ؟…… لا حاضر و لا مستقبل لهم ؟ … اغلب الظن أنهم كثر … طافت هذه الخواطر بذهنه وهو يجلس محتضناً بقجة الملابس وبداخلها مسدس البوليس المكلف بحراسته ……بعض الأشخاص يشاركونه المصطبة الأسمنتية في ردهة ذلك المستشفى … وعندما جاء دوره حمل أغراضه ودخل حجرة الكشف … كانت توجد بداخلها طبيبة منطفئة النظرات… ربما بسبب روتينية العمل الذي أنحصر في نوع واحد من المرض … وأنحصرت بذلك اهتماماتها في درجة السكر فى البول في الدم الأسيتون الجروح … الخ مشلهت يقف أمامها يضاف الى إحصائية اليوم فالأسبوع فالشهر فالسنة … وفى النهاية يتحول الى رقم بارد … فلماذا تتعب نفسها بذلك الرقم؟ ولذلك جاءت أسئلتها : اسمك ، عمرك ، من متين فحصت واتضح عندك سكرى ؟ بتاكل شنو ؟ قاعد تتريض ؟ وزنك ؟ ... ما عارفو … ما عارفو ؟ … خد الورقة خلى يوزنوك ويعملوا ليك كشف النظر وكشف الدم .. يخرج من عندها حاملاً علامات الاستفهام التي يتوجب على معمل الفحص الإجابة عليها …
عندما وصل مشلهت أخيرا الى سريره المقرر له القى بالتحية على الذين كان عليه أن يشاركهم الغرفة ، الغرفة نظيفة كما إن الزحمة داخل العنابر ليست مثل الزحمة في المستشفى العمومي … فوضع بقجته تحت السرير واغفى في نوم عميق …


مشلهت (16)
صفيه زوجة مشلهت واخوه شمس الدين وحيدر ابنه كانوا في حيرة عظيمة …ما معنى كل الذي يحدث … هل مشلهت حي بلحمه ودمه ويلعب معهم لعبة القط والفأر ام هذا شخص آخر يلعب بأعصابهم أما مشلهت فأنه قد مات وشبع موتاً وأنهم دفنوه في مقابر حلة حمد . قالت صفية :
حسبنا الله ونعم الوكيل … يا أخواني هسع دا بسموه شنو؟ بقولوا عليهو شنو ؟
ويقف حيدر صامتاً بينما يغمغم شمس الدين وهو ينظر بعيداً وكانه لا يوجه الكلام لأحد .
• هي … ما نلقي زول ساكت نسأله … الناس دي كلها معقول ما فيها زول عارف حاجة عن مشلهت ؟
والأمر الذي قاد الجميع الى هذا الموقف هو أنهم كانوا عندما يأتون تكون الوردية الموجودة والتي تملك معلومات عن مشلهت قد إنتهى وقتها وحلت محلها وردية جديدة وكل الناس يجيبون على الأسئلة من رؤوسهم لا أحد يفتح دفتراً أو كراساً ليرى أن كان فيه اسم لذلك الشخص .. صحيح أن الممرضة الجديدة التي سألها شمس الدين عن مشلهت لم تسمع بذلك الاسم … الا أنها لا تفتح لترى ما الذي كتبه الطبيب أمام اسمه …… والحكاية ببساطة سؤال وجواب …
• عندكم واحد هنا أسمو مشلهت ؟
• لا …… ما عندنا ……
• طيب الممرضة جاتنا في البيت وقالت مشلهت كان هنا وحتى هو وصاها ووصف ليها بيتنا وجاتنا بنفسها.
• الممرضة ياتا ؟ اسمها شنو ؟
وتلفت الجميع كل واحد منهم يبحث عن الإجابة عند الآخر …
• إنتي يا صفية ما سألتيها قلت ليها اسمك شنو ؟
• ما سألتها …
• ولا في أي زول في البيت عارف اسمها شنو ؟
• مافى … هي بس جات وأدتنا الخبر ونحنا في الخلعة حتى ما اتنبهنا نسألها عن اسمها …
والممرضة طيلة هذا الوقت وهى تراقب هذا الحوار بين أفراد المجموعة التي جاءت تبحث عن هذا المشلهت … فتشعر بشيء من الارتياح … لأن إجابتها في محلها … والكرة في ملعبهم … فعليهم أن يعرفوا اسم الممرضة التي جاءتهم برجليها تسعى وهى تحمل لهم نبأ مشلهت … والا فأن الممرضة لا تستطيع مساعدتهم … وجاء السؤال القنبلة من حيدر :
• هسع نعمل شنو ؟
وسؤال يحتاج الى معلومات غائبة حتى يستطيع أحد أن يجيب عليه … فمن وسط ذلك الضباب وتلك الغشاوة كيف يتسنى لاحد أن يحدد ماذا يفعل الجميع ؟ واستقر رأيهم أن يعودوا الى منزلهم … ليجاوبوا على أسئلة من تركوهم في الدار ويعتمل في صدورهم سؤال كبير تتفرع منه عدة أسئلة …
• وينو مشلهت ما جبتوه معاكم ؟ الحصل شنو ؟
يعنى طلعت الحكاية كضبة ؟ وديل قصدهم شنو ؟
والممرضة قصدها شنو ؟ ومعقول تكونوا ما لقيتوه ؟ طيب قالوا مشي ين ؟
وللمشلهت بقية .........

اسامه محمد عوض السيد
26th October 2010, 09:14 AM
شهلتنا معاك يا بكور يارائع- ربنا يحفظ اهلنا و:sd:يصلح الحال

عمار محجوب محمد زكي
26th October 2010, 12:55 PM
يا أبوبكر لقد أبدعت جدا في سرد هذه القصة ولعل ما جعلها رائعة هو تقسيمك لها لحلقات فإنها تشد المرء ليكون غارقاً في احداثها وفي نهاية كل حلقة يبدأ الإنسان في تخيل ماذا سيحدث في الحلقة القادمة .. إنها قصة بحق تستحق أن تمنح جائزة أفضل قصة على صفحات المنتدى وتمنح أنت جائزة أفضل مخرج لها .. واصل بارك الله فيك ونتمنى ألا تحصل لك ظروف تمنعك من مواصلة الكتابة ونحن ندعو الله صباح مساء أن يحفظك ويسهل لك كل أمر عسير ونأمل أن تتحفنا دوماً بمثل هذه المسلسلات الرائعة .. واصل ونحن نتابع معك بشوق ولهفة .. لك كل الود

Abubakr Ibrahim
27th October 2010, 07:41 AM
(17) مشلهت
وبالنسبة لرجل الشرطة فإن إختفاء مشلهت له تفسير واحد وهو أنه هرب.
لقد تسلل مشلهت خارجاً من المستشفى وهو يحمل معه سلاح حكومي …. كيف يمكن لرجل في وداعه مشلهت أن يرتكب جرماً كهذا … هروب وسرقة سلاح حكومي ؟ وبالطبع لم يغب عن بال رجل الشرطة أن الشاويش المناوب سيأخذ أقواله ويرفعها للرائد الذي سيحبسه بتهمة الإهمال في حراسة متهم وفقدان سلاح حكومي …. التهمة الأولى قد تعنى أنه قد تواطأ مع المتهم فمهد له الهروب .. ولكن ماذا عن التهمة الثأنية في نظر الجهات المسؤولة ؟ فأن الجريمتين يفتحان الباب لإحتمالات كثيرة … أخفها الإهمال وأقصاها … التآمر لقلب نظام الحكم …فربما كان مشلهت ورجل الشرطي يعملان مع خلية تعمل لقلب نظام الحكم ؟ كلها أمور غير مستبعدة … واخذ رجل الشرطة يقلب الأمر في رأسه … ويصل تارة الى أن مدة حبسه قد تطول …. وأهون منها الا يبلغ عن فقد ذلك السلاح وأن يختفي هو الآخر حتى يصل بطريقته الخاصة لمشلهت ويلقى عليه القبض ويقتاده الى النقطة ثم يشرح قضيته التي ربما تجد تعاطفاً من المحكمة .. ويكتفى بطرده من الخدمة دون حبسه … أو ربما الأصوب أن يبلغ عما حدث له ويحث زملاءه على البحث عن مشلهت ذلك اللص الخطير الذي فر بسلاح حكومي .
وقبل أن يصل الى مركز البوليس … أوقف الحافلة ونزل منها وما هي الا دقائق وكان هو في حافلة أخرى في الاتجاه المعاكس في طريق يأخذه الى السوق العربي في الخرطوم … حيث امتطى صهوة حافلة الى حى جبرة …
واستغربت زوجته حضوره مبكراً فقالت :
• الليلة شنو فكوكم بدري ؟
ويجيبها بتنهيدة عميقة :
• الليلة فكونا … ولا فكونا …
وتستفهم زوجته :
• كيف الكلام دا … ؟
ويجيبها :
• الكلام بقى كلام مشلهت … مشلهت هو عنده الكلام كلو … مش هو عنده المسدس خلاص تانى شنو ؟ زول عندو المشلهت … اقصد المسدس … خلاص تانى شنو ؟ بس ناقص أنا يقبضونى يودونى الحراسة ما ياهو دى الكلام ……
ولا تفهم زوجته شيئاً مما يخطرف به زوجها :
• يا زول .. قول بسم الله … إنت مالك ؟ … تعالى يا بنية شوفي أبوك دا .. كن عندو ملاريا … أمشي جيبي بندول … وبضيق يرد الشرطي :
• إنتي مجنونة يا مرة … ملاريا بتاع شنو ؟ أنا نقول ليكى الكلام هو حقيقة كلام مشلهت … تقولي لي ملاريا وبندول ..
وتنتفض زوجته وترفع يديها :
• والله … الليلة إنت ما نصيح … ومشلهت دا شنو كمان ؟ ..الليلة جيتنا بيهو من وين ؟
• من الإسبتالية
• استبالية ياتو؟ …
• الإسبتالية الفوقو العيانين دا .. الإسبتالية بتاع الحكومة … الودو ليهو المساجين … دا كلو إنتي ما عارفو .. سمح تعالي نوريك … ويشرح لها المشكلة من أولها لآخرها فترفع يديها :
• الله واحد ليك يا مشلهت .. الله اكبر عليك … كن تضر أبو عيالي … ولا تبشتنو متل دا…
وأبو عيالها ينظر للعيال بحسرة شديدة فقد عمل مدة طويلة وسجله نظيف .. وكان دائماً يجد التقدير من رؤسائه … وهذه أول مرة يفقد فيها أو يفرط في عهدة من عهد الحكومة … ولكنه وضع ثقة كبيرة في مشلهت وكان يعتقد أن مشلهت شخص ضائع كألآف الضائعين الذين حكمت عليهم الأقدار أن يكونوا في المكان الخطأ في التوقيت الخطأ …..ولذلك ترك مسدسه معه ولم يدر بخلده أنه سيغدر به ويضعه في هذا الموقف الحرج …
أرسل الشرطي ابنه ليحضر له أخ زوجته زكريا من زريبة الفحم .. وزكريا يقيم في راكوبة بالقرب من زريبة الفحم يبيع فيها بقايا المواسير القديمة والأقفال والمفاتيح الصدئة والمسامير وأشياء لو وجدها أي أنسان في طريقه لما التقطها … ولكن زكريا له عين فاحصة يجمع هذه الأشياء عنده فتصبح ذات قيمة ثم أنها ( لا تعفن) كما اعتاد أن يقول .
جاء زكريا وهو يحمل معه ابن الشرطي على عجلته التي أوقفها بالقرب من "مزيرة" داخل المنزل … وبعد السلام والسؤال عن الأحوال … شرح الشرطي لزكريا ما حدث له وهو يقول :
• شوف يا زكريا … ناس الدنيا بقوا كيف ؟ …. ديل عيال أختك أمانة في رقبتك … وأنا ماشي اسلم نفسي للمركز … وبعدين البسوي الله يسوي ؟
ولكن زكريا له رأى آخر …
• أولا كلام تسلم نفسك دا … شيلو بره من رأسك … يعنى لو سلمت نفسك يسووك في سيم وجيم …
• طيب كيف العمل ؟
• ايوا … يا موسى أخوي .. العمل أنا نقول ليك تعمل شنو … باكر من الصباح تركب البص من السوق الشعبي هنا وتمشي طوالي لسنار … ابو راكوبة ما بتعرفو؟ .
• ايوا … بعرفو …
• اها … ابو راكوبة دا يحلك ..
• يحلني كيف ؟
• أولا … الزول دا بكتف ليك مشلهت حقك دا … إنت بتعرف مشلهت امو أسمو شنو .
• لا.. نعرف من وين ؟
• ما خلاص … كل الناس أمهم حوا … هو راجل قاطع .. يقوم يكتف مشلهت عشان ما يمشي برة الخرطوم … وما يتصرف في المسدس لحدي ما إنت تقبضو وامسك قوى في أبو راكوبة … دا زول قاطع … ناس كتار مشوا ليهو جو مبسوطين … وكمان دفتر بتاع الحكومة دا … اسمك ما ينزل فيهو بتاتاً …

(18)
الممرضة التومة التي جاءت لأهل مشلهت ونقلت لهم وصيته نزلت الشغل هذا الصباح … مرت على العنبر الذي كان يشغله مشلهت فلاحظت أن شخصاً آخر يجلس عليه خمنت أن يكون أهل مشلهت جاءوا ووجدوه وعملوا إجراءاتهم واخذوه عندهم لم تهتم بسؤال أحد .. بل نادت على أم الحسين الفراشة :
• يا ام الحسين يومداك أنا مش رسلتك للطيب في عنبر القاينا قلت ليكي كلميهو يجبيب لي قروش الختة عشان سيدها راجيها …
• ايا … بلحيل كلمتو … علا قال لي قولي للتومة باكر بجيبهم ..
وتصيح التومة باستنكار :
• باكر شنو ؟ الليلة ليهم خمسة يوم … من يوم الراجل العاضيهو الكلب كان هنا … إنتي متذكرة ؟
• ايا متذكرة ..
• خلاص … أمشي ليهو تاني كلميهو .. الطيب دا عايز يأكل قروش الناس ولا شنو ؟
وتهم أم الحسين بالذهاب لعنبر القاينا لكنها تتوقف قليلاً ثم تقول :
• اقيفي يا التومة اللسعلك … دحين الراجل العاضيهو الكلب بالصح نقولوه مستشفى السكر ؟
وتفتح التومة الممرضة فمها من الدهشة :
• بتقولي مستشفى السكر ؟
• ايا …
• نقلوه متين ؟
• والله سمعت كلاماً كدي … ظنيتو أمس … ولا أقول ليك أول أمس …
• لا … لا … أول أمس كان موجود … وامس دى كان موجود لحدي ما أنا مشيت من هنا … يعنى يكونوا نقلوه قبال اهلو ما يجوا ولا اهلو جو .
• ما متوكدة …
• طيب إنتي أمشي دلوقت للطيب … وأنا بشوف الحكاية دي .
وتنصرف ام الحسين الفراشة … وتدخل الممرضة غرفة الاستقبال وتقول لأحد الممرضين :
• خليل … إنت مشلهت ودوهو وين ؟
• مشلهت منو ؟
• المريض الكان في عنبر 6 … دا
• دا مش مات؟
• مات شنو يا أخي … دا جابوه هنا بالسكر وكان عاضيهو كلب ..
• ها .. بتاع الكلب … ايوا دا دكتور حامد قال يودوهو مستشفى السكر … وافتكر أمس بعد ورديتكم ودوهو هناك …
• عندك فكرة أهلو جو هنا ولا لا ؟
• ما عندي فكرة …
وتلتقط ممرضة أخري كإنت تحمل في يديها محاليل ورديات جزءاً من هذه المحادثة فتتدخل قائلة :
• الزول دا جابو ليهو الإسعاف ودوهو …
• طيب ما كان معاهو أهلو ومرتو كدا ؟
• ما شفت مرة ولا حاجة …
• وتصمت التومة برهة ثم تقول :
• تبقى مصيبة لو اهلو جو هنا وما لقوهو .. هسع يقولوا شنو ؟ يقولوا أنا كضبت عليهم … لازم أمشي اكلمهم دى مصيبة شنو دى .

وللمشلهت بقية .......

عمار محجوب محمد زكي
27th October 2010, 10:21 AM
ولم يدر بخلده أنه سيأتي اليوم الذي يتخلى فيه عن المشي …
هذه العبارة وردت في الحلقة (15) أعلاه وهي إشارة إلى أن مشلهت لن يتمكن من المشي .. يا ربي ح يقطعوا ليهو كراعو بسبب السكري وعضة الكلب .. ألحقنا يا أبوبكر بباقي الحلقات

Abubakr Ibrahim
28th October 2010, 08:01 AM
(19)
في مستشفى السكر كان أحد رجال الأمن يقف في مواجهة الباب الذي يظهر من ورائه سرير مشلهت … وحانت منه التفاتة الى البقجة التي وضعها مشلهت أسفل السرير وبحاسته الأمنية لاحظ في داخلها جسماً صلباً له معالم سلاح من نوع ما … فأيقظ مشلهت قائلاً :
• يا أخينا ..
• ايوا …
• البقجة دى بتاعتك؟
• ايوا …
• طيب لو أمكن عايزين نفتشها … واخرج رجل الأمن بطاقة لمشلهت … لمح فيها صورة الرجل الا أنه لم يقرأ اسمه ولا يعرف رتبته ؟
• وجذب رجل الأمن البقجة واعمل يده في داخلها فاخرج المسدس …
• المسدس دا بتاعك؟
• لا ..
• طيب جبتو من وين؟
• دا بتاع واحد بوليس مسكني ليهو وأنا جابوني هنا وما عرفت أوديهو وين…
• بوليس اسمو شنو ؟
• والله ما عارف اسمو …
• يعنى دا مسدس بتاع حكومة .
• ايوا …
• وقلت ما بتعرف اسم البوليس الأداك ليهو .
• ما ب عرف اسمو هو اصلو كان مفروض يحرسني …
• يعنى إنت كمان هارب ؟
• يا أخي هارب بتاع شنو ؟ خليني أحكي ليك الحكاية .
• ماهو … قبل ما تحكى الحكاية إنت جاوب على الأسئلة بتاعتى … السلاح دا بتاع حكومة … وإنت ما عارف اسم الأداك ليهو منو … وهسع بتقول أنك كنت في الحراسة …
اقتيد مشلهت حسب أقواله التي أدلي بها لرجل الأمن الى مركز البوليس بجهة سوق ليبيا حيث تم إيقافه أول مرة . كان مشلهت ساهماً وهو يمسك ببقجة الملابس ويستعيد ما حدث له وكانه كابوس مريع طويل تتابعت حلقاته وتمدد في داخله كالقطران …
فأيقن أنه لن يفيق من ذلك الكابوس … والأحداث تجرى هكذا لا شئ ينبئ أن فقاعة الوقت تخفى في جوفها المعجزات التي ستخرجه من ورطاته المتلاحقة … عربة الشرطة التي كإنت تنقله من مستشفى السكر تسير فى شوارع مكتظة بالحافلات والركائب الميكانيكية من شتى الانواع في سلحفائية بطيئة … لم يجد رجل الأمن الجالس (قصاده) شيئاً يتسلي به الا أن يتأمل هيئة مشلهت وهو يحتضن الملابس التي وجد بداخلها المسدس … وتذكر أنه في بحثه عن ذلك المسدس وسط كومة الملابس قد مسح بنظره ملايات وعراريق وسراويل .. فقال مخاطباً مشلهت :
• إنت بايع متجول ؟
• لا ..
• طيب الهدوم دى شنو الشايلها والملايات ؟
• دى بتاعة واحد خلاها معاي .
• واحد اسمو شنو ؟
• ما بعرف اسمو …
• وتملأ الدهشة وجه رجل الأمن :
• المسدس أداك ليهو واحد ما بتعرف اسمو والهدوم دى هسع بتقول أداك ليها واحد ما بتعرف اسمو .. إنت حكايتك شنو ؟
• ويجيب مشلهت بضيق ظاهر ؟
• حكايتي عاضينى كلب …
ويشعر رجل الأمن بأن مشلهت يسخر منه فيظهر عليه الغضب ويقول :
• يعنى كمأن بتتريق … مش احسن ليك تخلى اللماضة البتعمل فيها دى … إنت قايل نفسك مودينك في فسحة …
ويستعدل مشلهت في جلسته ثم يقول :
• لماضة بتاعة شنو ؟ … بقول ليك عاضيني كلب .. تقول لي لماضة ؟
• ايوا لماضة … لو ما لماضة … ما كان رديت كدا …
• طيب أنا حكايتي عاضينى كلب … خد شوف .
ويبرز مشلهت رجله وقد ظهرت عليها الأربطة
طيب وين اللماضة هنا ؟
ويتراجع رجل الأمن قليلاً … ثم يقول :
• والكلب لقاك وين عشان يعضيك
ويتضايق مشلهت اكثر :
• ليه كلكم بتسألونى الكلب لقاني وين ؟ يا أخي هو لقاني ولا أنا لقيتو ؟ … يعنى أنا اصلو شغلتى أمشي أفتش للكلاب لحدي ما القى كلب يعضينى ولا شنو ؟
ويتساءل رجل الأمن :
• وإنت مالك يا أخي خلقك ضايق … أنا بسألك سؤال بسيط تقوم تتضايق بالشكل دا ؟
فيرد مشلهت :
• ما إنتو اصلو حياتكم كلها بتسألوا والناس بتجاوب يعنى من الأسئلة دى كلها ما لقيت الا تسألني بالشكل دا ..
يؤكد رجل الأمن :
• شوف إنت قصتك كبيرة … وهسع حكاية الهدوم الشايلها دى ذاتها ماهينة .. على العموم لما نصل المركز.

(20)
نفس المركز الذي نقل اليه أول مرة منذ أن داهمتهم قوة البوليس في منزل أبكرأبكر بتاع العناقريب … وتلفت حوله عله يجد ذلك الشرطي الذي تعرف عليه في المركز والذي قام بإجراءات نقله للمستشفى …لكنه أيضا لا يعرف اسمه … ولم يجرؤ على السؤال عنه لأنهم سيسألونه عن اسمه وهو لا يريد أن يضيف للأسماء المجهولة لديه اسماً جديداً ..
ادخله رجل الأمن على المتحري وهو يقول :
دا جنابك قبضنا عندو المسدس دا والمسدس حكومي وهو ما قدر يورينا جابو من وين ؟
ويتساءل :
• كيف يعنى ما قدر يوريكم جابو من وين ما لازم يوريكم …
إنت يا زول تعال هنا …
ويتقدم مشلهت وهو يحمل بقجة الملابس:
• اسمك ؟
• مشلهت
• ساكن وين ؟
• في بحري …
• قبل ما ندخل معاك في إجراءات كدي وريني المسدس دا جبتو من وين؟
• أنا اصلو ما جبتو … أنا اصلو ..
ويقاطعه المتحرى :
• ما جبتو يعنى شنو؟ .. وقع عليك من السما ؟
• يا جنابو … إنت بس أسمعني... أنا حاحكى ليك الحكاية …
• طيب أتفضل أحكي ..
• أنا كان جابوني عندكم هنا .. مع ناس أبكر بتاع العناقريب وبعدين عشان كان عاضينى كلب اخدت اورنيك ومشى معاى بوليس للأسبتالية .. وهناك حجزوني عشان لقوا السكر عندي مرتفع .. والبوليس الكان حارسني خلى عندي المسدس دا … وقال ماشى يتسير … بعدين هو ما جاء طوالي .. قاموا ناس الإسبتالية قالوا لي لازم ينقلوك مستشفى السكر … وأنا قلت ليهم في حرس معاى هنا قالوا دى غلطة الحرس … كان مفروض يكون معاك وإنت حالتك متأخرة ولازم ننقلك لمستشفى السكر … وجا الإسعاف واخدونى هناك وبعدين رجل الأمن دا شاف المسدس مع بقجة الهدوم دى …قام قبض على … واهي دي الحكاية كلها ..
ويسأل المتحرى :
• إنت قلت العسكري دا مشى معاك من هنا ؟
• ايوا …
• هسع وين ؟
• ما عارفو ..
• وأسمو شنو ؟
• والله ما عارف اسمو …
• طيب ودوك المستشفى يوم كم …
• قبل خمسة أيام … لا أسف …. قبل ستة أيام يوم الأحد الماضي .
ويصمت المتحرى برهة ثم ينادي على أحد الرقباء :
• اسمع … امشي شوف دفتر الأحوال… وشوف العسكري المشى مع الزول دا منو … وهسع وين … وخليك إنت هنا لحدي ما الراجل دا يجي…
ويعود الرقيب حاملاً معه دفتر الأحوال..
• هو اسمو شنو ؟
• اسمو مشلهت محمد مشلهت …
• اهو دا .. مشلهت اورنيك طبي .. معاه موسى الحاكم .
• طيب امشي شوف وين موسى الحاكم …
ويذهب الرقيب … ليعود قائلاً :
• موسى يا جنابو مبلغين عنه غياب … ليهو يومين …
• وموسى دا .. مش الجابوه أخيرا سد طلب ؟
• ايوا …
• طيب المسدس دا … ما عندنا عهدة هنا … موسى كان تابع لشرطة غرب الحارات … وموسى واوراقه ذاتها نحنا بنحولها لوحدته … إنتو تاخدوا الزول دا تودوهو مركز غرب الحارات يمسكوا المسدس بتاعهم ويتحروا معاهو وبعدين تجيبوه لينا هنا عشان البلاغ بتاع ناس أبكر …
ويرد رجل الأمن :
• بعد ما نوديهو مركز غرب الحارات ويتحروا معاهو لازم نرجعوا لمستشفى السكر ولازم تكون معاهو حراسة … طيب الحراسة تكون من عندكم ولا من عند مركز غرب الحارات .
• لا …الحراسة تكون من عندهم لأن المسدس مفقود من عندهم ونحنا لو عايزنوا في قضية أبكر بتاع العناقريب بنجيبوا منهم ولا من الإسبتالية ؟
ويتوقف رجل الأمن قليلاً ثم يقول :
• وهو كمان معاهو البقجة دى وفيها ملابس وملايات وأنا لما سألتو عنها قال مسكها ليهو واحد هو ما بعرف اسمو ..
ويوجه له المتحرى :
• وايه حكاية البقجة دى …
• اصلو أنا في الحراسة هنا … كنت عايز اتصل بأولادي وما لقيت زول أرسلوا الا صاحب البقجة دى … قمت اديتو قروش ووصفت ليهو البيت وهو خلى بقجته معاي هنا ومشى .. وبعدين قبل ما يجي أنا اخدوني للاستبالية فأخذت معاى البقجة .. يعنى أخليها مع منو ..
• وصاحب البقجة دي اسمو شنو ؟
• والله يا جنابك ما عارف اسمو … بس زول لقيتو ورسلتو ..
ويتذكر المتحرى :
• ايوا … في بلاغ فاتحو واحد بايع متجول قال خلى بقجته مع زول والزول احتال عليهو وشال البقجة وفات … إنت وقعتك وقعة … الزول يخلى عندك بقجته تقوم تشيلها وتمشى ..
• يا جنابو … أنا شرحت ليك … أنا شلتها أخدونى للاستبالية وما كان في زول عشان أخليها معاهو …
• على العموم نحنا حنأخذ أقوالك في البلاغ دا … والبقجة دى حنمسكها هنا عندنا بعد ما نجرد محتوياتها ويجى صاحب البقجة يشوف حكاية البلاغ بتاعو دا ..
لا شئ أراح مشلهت اكثر من ذلك القرار … فلأول مرة منذ أن دخل في هذه الورطة يتنفس الصعداء فقد ظلت تلك البقجة جاثمة على صدره وعلى إنتباهه وعلى حواسه … يأخذها معه في حله وترحاله … تزيد من مأساته وتعمق ما تأتي به الأقدار .. فلولا وجودها لما دخل في ورطة المسدس لأنه كان سيسلم المسدس لإدارة المستشفى ولكن وجود البقجة جعله يضع المسدس في داخلها … وظهر كانه يخفيه بين طيات ملابسها وكلها بينات ظرفية ساعدت على توجيه تهمة سرقة وحيازة سلاح حكومي … لا يعرف هو كيف تكون عقوبتها…
ويشعر بجوع شديد … جعله يقترح على رجل الأمن .
• يا أخي شوف لينا حتة نأكل لينا حاجة … أنا راجل عندي سكرى وبخاف من الصدمة .
ويرد رجل الأمن :
• طيب بس خلينا نشوف لينا عربية عشان نمشي مركز غرب الحارات .

وللمشلهت بقية ........

Abubakr Ibrahim
30th October 2010, 07:54 AM
(21)
ويبدو أن مجهودات رجل الأمن باءت كلها بالفشل للحصول على عربة .. والجوع ينهش أمعاء مشلهت … فتعوي وتقرقر وتتلوى .. ويشعر بنشاف في ريقة … ويقول لرجل الأمن :
• يا أخي دى حكاية صعبة جداً هسع نعمل شنو .. أنا لازم آكل حاجة … وبعدين حكاية العربية دى شنو ؟
• مافى عربية هسع لكن لو عندك قروش ممكن نأخذ تاكسي على حسابك لمركز غرب الحارات وبعدين نجى بعربيتهم من هناك .
• ويتحسس مشلهت جيبه … فلا يزال يحتفظ بجزء كبير من المائتى الف جنيه التي سلفها له صديقه عبد الرؤوف عند عيادة الحوادث ببحري … فيقول :
• مافى مأنع … بس خليهو يعرج لينا على محل فول ناكل لينا حاجة .
ويعرج ثلاثتهم على صاحب فول في ناصية الشارع …
• يا أخي استعجل … ثلاثة فول وجبنة قوام ..
صاحب التاكسي … يكسر حاجز الصمت وهو يتفقد عربته :
• قبيل أنا سائق العربية جا كلب ناطى ضربتو لحدي ما الرفرف بتاع العربية دخل في اللستك .. بالله شوف الكلاب دى قوية كيف …
ويصيح مشلهت :
• ومات ؟
• ما مات … قام جاري زي الشيطان … الكلاب يا أخوي عندها سبعة أرواح.
• دى عندها سبعة أرواح بس .. دى عندها مليون روح … يقول هذا الكلام وهو يشعر أن ورطته كلها بدأت منذ أن عضه ذلك الكلب ..
ويقوم رجل الأمن بمداخلة سريعة :
• إنت مش قلت عضاك كلب ؟
• ايوا ..
ويسمع سائق التاكسي هذه المحادثة … فينهض ويجلس على كرسي فى مواجهة الاثنين
• عضاك وين ؟…
• في رجلي
• وعملت شنو؟ .
• دى قصة طويلة .. ليكن تقدر تقول لحدي هسع ما عملت حاجة …
• اسمع أنا أقول ليك تعمل شنو … تمشى التيمان … يدوك طينة ود الطريفى خسيم السعر وجاموس الوعر … مافى زول بقدر على السعر دا إلا ود الطريفى … وطينته مجربة … وقاطعة ….ويشعر مشلهت أنه لا شئ يمكن أن يقيل عثرته فهذا هو اليوم السادس وهو لم يتحصل على المصل ولكن أن كان الأمر يتعلق بطينة ود الطريفى فليتحصل عليها ويتطوع سائق التاكسي :
• هسع في دربنا دا ممكن نغشى التيمان … نأخذ منهم الطينة وبعدين نواصل …
وينظر مشلهت ناحية رجل الأمن والذي لا يجد مانعاً من ذلك … فها هو سجينه معه ولا يبدو عليه أنه من النوع الذي يخطط للهرب كما إنه إلتقى صدفة بسائق التاكسي وهذا عمل إنساني يقوم به تجاه رجل ماهى الا دقائق ويكونون معه حول مائدة واحدة يتناولون الفول على حسابه
الشمس تجلد شارع الإسفلت بأشعتها المحرقة وكانها تقيم عليه الحد لأنه يزخر بكم هائل من الحفر يستأهل الجلد عليها … وقد تناثرت طرابيز الحديد الظهرية اللون المبرقعة وكذلك كراسي الحديد بعضها في الشمس وبعضها تغطيه نصف ظلال أمام متجر بائع الفول حيث إنك لا تستطيع أن تطلق عليه اسم مطعم … فلا هو مطعم ولا هو كفتريا ولا هو مكان سندوتشات … شئ للأن لم تجد البشرية السودأنية أسماً له … يقف ماسح أحذية وهو يحرك بأصابعه كشكوشاً مزعجاً مثبتاً نظره على أرجل الجالسين … بينما تأتي بنت صغيرة تقود والدها الأعمى تمد يدها تطلب نقوداً تشترى بها فطوراً … إنتهت فترة الفطور وعرج الجميع على متجر التيمان للعطارة للحصول على طينة ود الطريفى …


(22)
الممرضة التومة كإنت تدخل وتخرج وفى رأسها أمر واحد أن تذهب لاهل مشلهت وتخبرهم بما حدث ولذلك كانت كل دقيقة وأخرى تنظر في ساعتها … إنتهى يوم العمل بالنسبة لها … وقبل أن تغادر لمحت الممرض الطيب :
• هيا الطيب … تتجازى … وينا قروش الختة ؟ أم الحسين ما كلمتك …؟
ويبتسم والطيب في ارتباك ويتلعثم وهو يقول :
• كلمتني والله … وأنا ذاتي كنت جاييك لكن حصلت لينا ظروف … وغايتو أن شاء الله بكرة القريبة دى بجي أسلمك القروش …
وتتشكك التومة:
هوى يا الطيب … أنا كلام الاستهبال دا ما بنفع معاي … إنت لما جا دورك … نحنا مش سلمناك القروش طوالي ؟ اتاخرنا عليك ..؟
• لا أبدا والله …
• وطيب هسع مالك ؟ ما تجيب القروش عشان نوديهم لسيدهم …
• خلاص .. يا ستي … قلت ليك بكرة … والله بكرة بجيبها ليكي .
وتنصرف الممرضة التومة على مضض وهى تردد …
• ناس ما عندهم ذوق … يجى جاري وكت القروش حقتو … وهسع يزوغ زي ود الموية … دا شنو دا ؟
للمرة الثأنية كإنت الممرضة التومة تقف أمام منزل مشلهت وهى تطرق على الباب …. مضت مدة قبل أن تأتى بنت صغيرة تضع أصبعها في فمها.
• يا بت ناس البيت ديل وين ؟
• سافروا
• سافروا مشوا وين؟
• ما عارفة …
• طيب في منو زول كبير نسألوا؟
• مافى زول …
• كيف مافى زول ؟ يعنى إنتي قاعدة براكي …
• لا …
• معاكي منو ؟
• معاى أمي
• طيب نادي أمك … والله يا بتي عاد حكايتك حكاية ..
وغابت البنت فترة قصيرة ثم جاءت أمها … ويبدو عليها إنها تعمل خادمة في المنزل …
• سلام عليكم
• وعليكم السلام … أدخلي ..
• لا أنا ماشة … بس جيت أسال من أهل البيت... بتك قالت لي مسافرين…
• البت مجنونة وغبيانة … هم مشوا الليلة مقيلين في بيت عمهم شمس الدين عشان مرتو عيانة عملوا ليها عملية .
• وبيت عمهم وين ؟
• في المايقوما الحاج يوسف
• وبجوا متين
• بجوا بعدين
• طيب عليكى الله … لما يجوا تديهم رقم التلفون دا وتخليهم يضربوا لي ضروري … ضروري جداً … إنتو التلفون ما إتصلح ؟
• ما عارفة والله …
• المهم تكلميهم لازم بأي طريقة يضربوا لي تلفون وتقولي ليهم الموضوع متعلق بمشلهت .
وتنصرف التومة الممرضة وهى تشعر إنها لم تنجز الا نصف المهمة … إنها على أحر من الجمر لتنقل لهم أن مشلهت حي وموجود في مستشفى السكر وأنها هذه المرة ستذهب معهم الحجل بالرجل ولن تفارقهم حتى تسلمهم مشلهت في يدهم .
وللمشلهت بقية .....

Abubakr Ibrahim
31st October 2010, 08:15 AM
(23)

سائق التاكسي يقود عربته وسط شوارع ملتوية في قلب سوق في طريقه لعطارة التيمان لشراء طينة ود الطريفى خسيم السعر وجاموس الوعر … وذلك لعلاج مشلهت بدلاً من المصل الذي لم يجد مشلهت له سبيلاً وطيلة الوقت كان سائق التاكسي يقول
• شوف تاكل منها وتلبخ منها .
• وينتبه مشلهت متسائلاً :
• آكل شنو ؟
• تأكل حتة من طينة ود الطريفى وحتة تبلها بالموية وتلبخ بها رجلك محل العضة … وخلاص الكمدة بالرمدة … داك الليلة عندنا مرة عند أهلنا … حتى هي عضاها كلب … عليك أمان الله … بس فد لبخة … التكتح ماجاها … هديك سمينة وماكنة الحمار ما يشيلها . وواحداً في حلتنا عضاعو كلب قعد لمن سعر وبقى يهوهو متل الكلب.. عليك أمان الله جابوا ليهو طينة ود الطريفي وسقوهو ليها... عليك أمان الله قال لك طرشن سبع جريوات.. الجريو ورا الجريو..
أوقف سائق التاكسي عربته في شارع ضيق مزدحم بخلق عجيب .. جاءوا من أين لا أحد يعرف … ماذا يفعلون لا أحد يعرف … اختلط بائع الماء " برد" بأطفال يحملون أكياسا وبعضهم يحمل امشاطاً وبطاريات وحلاوة لبان وبعضهم يحملق دون أدنى هدف … يسير خطوة خطوتين ثم يقف ليحملق … وسط هذه الزحمة تبرز من وقت لآخر فتاة شابة حسناء وقد " قدرت ظروفها " بما تستطيع من مساحيق وفاتحات بشرة … يمسحها بعضهم بنظره ماسحة مثل " الاسكانر" ولكن لا أحد يدرى ما يدور بدواخلهم … وواحد يلمح إمرأة تسير أمامه.. يشاهدها من الخلف... فيسرع الخطى حتى يفوتها ثم يلتفت ليرى وجهها.. هذا دائماً يحدث.. ولا يدري أحد لماذا.
بقي مشلهت ورجل الأمن داخل التاكسي وقد غطت المكان رائحة هي خليط بهارات وعطارة وما يضيفه لها بائع ودعمارى الذي اختبأ خلف طبلية يطل من ورائها على زبائنه وقد رتب أكياس النايلون الصغيرة بعناية … رائحة نفاذة مميزة لو تذكرت هذا المكان وإنت في باريس لطافت على خياشيمك بقايا أشياء لا تزال عالقة بذاكرتك الشمية .
ووسط مجموعة من الناس كان يكتظ بها دكان العطارة رفع سائق التاكسي يده … دون اعتبار لمن كان قبله في الدكان وهو يخاطب البائع :
• اسمع … أدينا بالله طينة ودى الطريفى …
ويرد عليه البائع وكان يزن شيحاً لامرأة تقف أمامه …
• والله الطينة دى .. إلا نرسل الولد للحلفاية يجيبها من هناك …
• ليه ؟… ما عندكم ؟
• كإنت عندنا لكين كملت … الظاهر اليومين دى الكلاب شايفا شغلها … إنتو العاضي كلب ليكم منو؟ .
• واحد أخونا …
• طيب دقيقة … أنا بضرب تلفون لواحد في بحري يمشى الحلفاية يجيب لينا كمية وإنت مر علينا العصرية …
• العصرية البيجيبنى هنا شنو؟
• إنت مش بتقول زول أخوكم … خلاص … تعال بعدين … نكون حضرناها ليك …
يعود سائق التاكسي ليجيب على تساؤل متوقع ؟
• وينا الطينة ما جبتها معاك؟
ويرد بنصف خيبة أمل :
• الجماعة قالوا خلصت … ما عندهم … إلا يرسلوا لواحد يجيبها من الحلفاية … وقال نمر عليهم العصرية ويرد مشلهت
• العصرية ؟.. وين نحنا نكون في العصرية؟ .
ويظهر رجل الأمن بعض الضيق
• خلاص يا أخينا سوق عربيتك وامرق بينا من هنا … نحنا اتاخرنا … وقليلاً قليلاً … حركة ثم توقف .. تخرج العربة الى شارع حى العمدة … وكانها قد وصلت " الميس" .. وشعر الجميع بارتياح عظيم … فبعض الشوارع والأزقة والمنعطفات تجثم على صدرك وتصيبك بضيق لا حدود له …

(24)
إجراءات التحقيق في مركز غرب الحارات سارت بطريقة روتينية كالعادة حيث شرح مشلهت للمتحري كل الظروف التي أوقعت مسدس الرقيب موسى الحاكم في يده … وهو لا يدرى أين ذهب موسى الحاكم …
• هو ما قال ليك ماشي وين .
• قال ماشى يتسير … وبعدين ناس الإسبتالية إنتظروه كدا وهو ما جا … قاموا ودوني لمستشفى السكر وأنا ما لقيت زول أخلي معاهو المسدس قمت دخلتو في بقجة كنت شايلها واخوكم دا شافني وحقق معاى وودونى لمركز سوق ليبيا ومن هناك جينا هنا ..
ويضيف رجل الأمن :
• وهو نفسه كان في مستشفى السكر وهسع بعد الإجراءات لازم نرجعو هناك وتعملوا معاهو حراسة من عندكم ؟؟؟
ويجيب :
• حراسة من عندنا دي … الا يجى الضابط العظيم ويقرر يعمل معاهو شنو … نحنا هنا بس نأخذ اقوالو وبنفتح ليهو بلاغ بحيازة سلاح حكومي مسروق … وبالنسبة للرقيب موسى الحاكم .. غياب فى الخدمة دون عذر ودا إجراءاتو براها .
ويتساءل رجل الأمن :
• وطيب دا حنعمل ليهو شنو هسع ؟
• خليه يقعد لحدي ما الضابط يجي ..
وينظر رجل الأمن ناحية مشلهت فيثير في نفسه شفقة وعاطفة خاصة قد تقاسم معه عيش وملح وفول ومشوار لعطارة التيمأن … فيقول :
• بس الزول دا عيأن ولازم يمشى الإسبتالية … نحنا ما نقدر نخليه معانا مدة طويلة …
ويتضايق :
• إنت مش وصلتو لينا هنا ؟
• ايوا
• خلاص دى بقت مسئوليتنا … نحنا بنعمل إجراءاتنا ولو لقينا إنو لازم يمشى الإسبتالية بنعمل ليهو اورنيك وبنوديهو
• هو اصلو عنده اورنيك طبي … جا بيهو من مركز ليبيا وناس الإسبتالية حولوهو لمستشفى السكر بأورنيك برضو
ويصر المتحرى على موقفه
• لا … دي حكاية لازم يقررها الضابط العظيم … وبعدين نحنا حنوديهو استبالية قريبة من هنا … ما ممكن نوديهو لمستشفى السكر …
• طيلة هذا الوقت ومشلهت صامت يسمع لمصيره يتقرر ويتشكل قدره أمامه وهو لا يملك من أمره شيئاً فهناك بلاغ مفتوح ضده في مركز سوق ليبيا بالتعامل في أدوية دون ترخيص وبلاغ آخر بالاحتيال وسرقة بقجة ملابس … وهنا بلاغ ثالث في مركز غرب الحارات بحيازة سلاح حكومي مسروق … ولا أحد يأبه بموضوعه الأساسي الذي أوقعه في كل هذه المصائب … وهو الحصول على مصل مضاد للسعر … سائق التاكسي ظل يتململ طيلة الوقت الا أنه لم يقل شيئاً … فكل هذا محسوب على مشلهت وهو لا يدري هل يملك مشلهت أجرة التاكسي مقابل مروره وتوقفه والزمن الذي قضاه … الا أن سائق التاكسي كغيره من عامة السودانيين الذين يحملون معهم قدراً من المرؤة والشهامة منذ نشأتهم يشعر أن مشلهت في ورطة وإنه يحتاج لمن يقف بجانبه وهو قد تطوع لإرشاده الى طينة ود الطريفى ولكنه أخيراً قال موجهاً حديثه لرجل الأمن :
• يا جنابو … أنا اتاخرت كتير وبدور أمشي … دحين شوف الزول دا … كان …
وينتبه رجل الأمن :
• ايوا … تمام بس خليك شوية يمكن ارجع معاك أنا ما عارف الناس ديل عندهم عربية ولا لا … طيب حسابك كم ؟
• إنتو شوفوا المناسب
• المناسب كم ؟
• نحنا من الأول ما إتقاولنا … شوف حاجة معقولة كدا .. ويتدخل مشلهت في هذا الجزء من المحادثة :
• يا ابن العم إنت مشيت معانا وما قصرت … بس ورينا إنت المعقول … ونحنا بندفع ليك .
وبصمت سائق التاكسي فترة .. ثم يقول :
• والله ما بقدر أقول لكم … إنتو بس شوفوا المعقول يعني…
يقوم رجل الأمن بخطوة حاسمة ويوجه حديثه لمشلهت :
• هات 20
ويتدخل سائق التاكسي :
• نان ما شوية … عاد إنتو كمان أعملوا المعقول ...
يرد رجل الأمن
• طيب … نحنا من قبيل قلنا ليك ورينا عايز كم .. إنت ما راضي تورينا … على العموم خلاص حنديك 30 … هات يا مشلهت 30 الف …
• ويدخل مشلهت يده في جيبه ويدفع ثلاثين الف عبارة عن ثلاثة ورقات خضراء لرجل الأمن والذي يدفع بها ليد سائق التاكسي … وفجأة يتذكر سائق التاكسي موضوع الطينة
• هسع الطينة دى نعمل معاها شنو ؟
ويصمت مشلهت برهة كمن يفكر :
• إذا عندك وكت أمشي ليهم بعدين وجيبها منهم
• أجيبها وين ؟
لا أحد يدرى إجابة السؤال … إذ أنه من المتوقع أن يحول مشلهت الى المستشفى بأم درمان … ولكن أي مستشفى ؟ ويقترح رجل الأمن :
• إنت إذا جبيتها … جيبها هنا .. واسال الشاويش النبطشى وهو يوريك مشلهت وين ؟
ويوافق مشلهت على هذا الاقتراح … غير أنه كان يفكر في أمر آخر طالما أن سائق التاكسي يمكن أن يذهب لعطارة التيمأن ويحضر طينة ود الطريفى فإنه يمكن أيضاً أن يصل أهله في الخرطوم بحري ويحضرهم بسيارته وبذلك يكون قد حل لمشلهت مشكلة مستعصية قال مشلهت :
• إنت لو اصلك حتمشي للتيمان عشان تجيب طينة ودي الطريفى أنا بعدين حاديك مشوار مهم للخرطوم بحري .. ضروري جداً تجي .
• خلاص … أن شاء الله أنا أول ما استلم الطينة اجي عندك هنا طوالى …
• وإذا حصل أنك ما لقيتني هنا … لازم تسال العسكري النبطشي عشان تعرف ودوني وين ؟
ولاول مرة يشعر مشلهت أن الأمور ربما تستعدل فسائق التاكسي الذي بعثه الله له … يمكن أن يجمعه بعائلته وهو لا يدرى كيف استقبلوا نبأ اختفائه وماذا فعلوا في هذه المدة … لابد أنهم ظلوا يبحثون عنه ولم يخطر ببال مشلهت أنهم دفنوا شخصاً ظانين أنه مشلهت … وبما أن الأمور قد تعقدت الى هذا الحد لابد أنها ستنفرج أو كما قال الشاعر :
ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج .
سائق التاكسي انصرف هو ورجل الأمن وبقى مشلهت وحيداً يجلس على كنبة بمخفر الشرطة بمركز غرب الحارات … فشعر بوحدة قاسية فللحظة شعر أن سائق التاكسي ورجل الأمن هم كل عالمه الذي يستطيع أن يتخاطب معه … من داخل المأساة والاحباطات يرسل الله لك من يجعلك تتذوق حلاوة الحنظل … وهنا تكمن المفارقة الكبيرة … ففي الليالي حالكة المصير يلمع ضوء خافت في نهاية النفق … وعل ذلك الضوء الخافت يأتي على يد سائق التاكسي …
المتحرى كان يقلب المسدس بين يديه ويقول :
• هو دا فاضي ما فيهو رصاص … إنت طلعت رصاصو ولا شالو الرقيب موسى معاهو ؟
• أنا اصلو ما هبشتو ولا شفت فيهو شنو … هو أداني ليهو كدا وأنا ختيتو مع الهدوم …
• هدوم بتاعة شنو .
• دى قصة طويلة … المهم كان عندي بقجة بتاعة واحد ممسكنى ليها ختيت فيها المسدس بعدين زول الأمن دا شافو وعمل لي قضية …
الغريب في الأمر أنه بعد محادثة محادثتين مع مشلهت يجد الجميع إنهم في تعاطف معه … ويشعر الجميع أن ذلك الرجل يستحق أن يطلق سراحه … ويشعرون أيضا في قرارة أنفسهم أنه صادق فيما يقوله ولكن القإنون هو القإنون والإجراءات هي الإجراءات ولا يمكن تجاوزها … كما إنه في حاجة لمن يتكفل بتوقيع ضمان نيابة عنه ولكن هذا يتطلب عرضه على وكيل نيابة وهو للآن لم يعرض على أي وكيل نيابة … وتمر الأيام وهو متنقل بين المستشفيات والحراسات .
وللمشلهت بقية ........

Abubakr Ibrahim
1st November 2010, 07:41 AM
(25)
ظلت التومة الممرضة في إنتظار أن يرن جرس التلفون في المستشفى بين كل لحظة وثأنية وأن يكون المتكلم من الناحية الآخرى زوجة مشلهت حتى تسارع بزف النبأ لها بأن مشلهت موجود فى مستشفى السكر وأنشغلت بهذا الامر عن الطيب الممرض الذى لم يسدد قسط الختة … حتى جاءت الفراشة ام الحسين لتنقل نبأ غريباً للتومة :
• اسكتى يا التومة … ما شفتي الطيب سوى شنو ؟
• سوى شنو كمان ؟
• والله ناس عنبرو قالوا هاجر لو لى بلداً بعيد … عاد الله عليمو …كان يجى راجع ولا بقعد قبلو ما عارفة … وبغضب ظاهر تصيح التومة الممرضة:
• يجي راجع … هو قال ليكى هاجر … يجى كيفن راجع تانى اظنوا ما صدق … آكل قروش الناس وفر … عاد كر منكم يا ناس الدنيا … هسع أنا أسوي شنو يا اخواني؟ هسع سيد القروش دا يمكن يقول أنا أستلمتهم من الطيب واكلتهم … عاد دى نصيبة شنو دى يا ربى … ؟
في انشغالها ذلك بموضوع الطيب الذي هاجر دون أن يدفع قروش الختة … أنشغلت التومة الممرضة عن ذلك التلفون الذي ظل يرن ويرن في المكتب … وعندما تنبهت إحدى الممرضات للتلفون واخدت السماعة …
• ايوا .. عايز منو ؟ … سمح دقيقة اللناديها ليك
يا التومة …. التومة .. هوى يا التومة التلفون …
ولكن التومة أشاحت بيديها :
• يا شيخة سبيني من التلفون هسع تلقيهو دا سيد القروش الشفقان دا …
قالت هذا الكلام وهى تتجه نحو عنبر القاينا حيث كان يعمل الطيب … بقيت سماعة التلفون في يد صفية زوجة مشلهت مدة طويلة دون أن تحضر التومة فوضعت السماعة في مكانها وهى تقول :
• حكاية عجيبة … هسع المرة قالت لي إنتظري أناديها ليكى … تكون طارت وين ؟ وهى دى ذاتها منو ؟ كاتبة نمرة التلفون وكاتبة اسمها التومة … يا ربي التومة دى منو ؟ وتلتفت الى "الخدامة " .
• إنتي قلتي مرة جاتك هنا وأدتك الورقة دى وقالت ليكي ضروري نتصل بيها؟
• ايوا …
• وما قالت ليكي الموضوع شنو ؟
• ما قالت …
• " لم تتذكر المرأة أن التومة قالت لها أن الموضوع بخصوص مشلهت "
• والمرة دى شكلها كيف ؟
• واحدتن … قصيرة ومليانة .. وخدرة …
• يا ربى دى تكون منو؟ … غايتو نحاول نتصل بيها تانى …
فى هذا الاثناء وصلت التومة عنبر القاينا واخذت تسال الممرضين والممرضات فرداً فرداً.
• وإنتو عرفتو من وين إنو هاجر ؟ ..
• أمس جا سلم حاجاتو وودعنا ومشى …
• يودعكم كيفن يعنى يمشي بدون ما يجي يسدد حق الختة ؟ ولى شنو ما كلمتوني ؟ ؟؟
• وهو كان داخل معاكم في الختة ؟
• ايوا وصرف الثانية كمان … ظنيتو دبر بيها حال السفر والهجرة … بالله مش عيب عليهو يمشي بحق الناس ؟
يعنى بقى حرامي … عاد تعالوا شوفوا الكلام دا معناتو شنو … ما ياهو … أمور الحرامية … الزول بهاجر وفوق ضهرو قروش قدر دي ؟ … استغفر الله.
وعنبر القاينا هو آخر مكان وصلت اليه التومة الممرضة في ثورتها علي الطيب الممرض … ولا تعرف ماذا تفعل …إذ أن الطيب ليس متزوجاً وقد اتضح إنه كان يقيم مع جماعة من أصحابه في الرميلة … واحيأناً يذهب لأهله في قرية الدشاش … بالقرب من العيكورة على طريق الخرطوم مدني … ودفع فقط القسط الثالث وتبقت عليه سبعة أقساط هاجر بها … الأمر الذي أزعج التومة الممرضة وجعلها تغادر مبكرة الى منزلها .. هو أنها كإنت منذ زمن بعيد تعمل أمينة لصندوق الختة وتجمع الأقساط وتوزعها لاصحابها بدقة بالغة وهذه أول مرة تحدث لها هذه المسألة .. واليوم فقد أنسدت نفسها من الشغل وعادت الى منزلها ولم تنتظر أية محادثة تلفونية .
صفية زوجة مشلهت ولولا ظروف موته المفاجئ وما أحاط بها من غموض ما كان لها أن تخرج من منزلها بل كان المفترض أن تبقى " في بيت الحبس" الى أن تتم عدتها .. وأن تلف نفسها بثوب ابيض في طقوس هي خليط بين ما أمر به الشرع وبين عادات اجتماعية درج الناس على اتباعها … ولكن الشك الذي بذره البائع المتجول والممرضة التومة في زيارتها الأولى والمعلومات التي أدلت بها جعلتها تؤمن في قرارة نفسها أن مشلهت ربما يعود يوماً سليماً معافى وأن الذي تم دفنه شخص آخر … ولهذا كإنت تنتبه لأي طرق على الباب …



(26)
الضابط العظيم الذي عرضت عليه أوراق مشلهت وجه بعض الأسئلة للمتحري ليطمئن على سلامة الإجراءات ثم دون بقلمه بعض التعليمات ومنها أن يستخرج لمشلهت اورنيك طبي وأن يخصص له حارس يصحبه لمستشفى بمدينة الثورة حتى يكون قريباً من مركز غرب الحارات … في إنتظار العثور أو القبض على الرقيب موسى الحاكم ومعرفة الملابسات التي أدت الى وقوع ذلك المسدس في يد مشلهت مما أدى الى فتح بلاغ ضده بحيازة سلاح حكومي مسروق
مرة أخري يعود مشلهت الى مستشفى ولكن غير مستشفى السكر … وتمت إجراءات دخوله وحجزه وقد لاحظت الممرضة أن الجرح الذي في رجله بقي مدة طويلة دون غيار مما أدى الى تورم ظاهر …
• وليك كم يوم ما غيروا ليك للجرح بتاعك دا ؟ …
• يومين ..
• وليه أصلك كنت وين ؟
• كنت في الحراسة …
وتوقفت الممرضة برهة ثم نظرت في وجه مشلهت وهيئته وقد شعرت بخوف ورهبة … وكانها ترى مجرماً لاول مرة … ولكنها باشرت عملها وهى تقول :
• جرح زي دا … لازم يدوك عليهو مضاد حيوي … وأنا حأكلم الدكتور بعدين لما يجى في المرور …. وإنت اصلو الضربك شنو ؟
• عضأني كلب …
• يا ساتر … وما أخذت المصل ؟
• ما اخدتو …
• ليه ؟
• ما لقيتو …
• ما لقيتو كيف يعنى ؟ … المصل موجود في أي حتة …
• أنا أي حتة مشيت ليها ما لقيت المصل وهسع أنا مقبوض على هنا عشان المصل الموجود في أي حتة دا
• ما فاهمة بتقصد شنو ؟
• اقصد إنو ما لقيت المصل وبعدين مشيت أفتش عليهو قبضونى هسع إنتي عارفة ليكى محل مصل … جيبيهو لي وأنا بديكي حقو …
• خلاص بكرة … أنا بمشي لواحد في الديوم عنده مصل جايبو معاهو من مدة وهو كلمني وقال لي إذا لقيتي زول عايز مصل تعالي اخدي دا وديهو ليهو .
• خلاص … بسرعة أنا الليلة لي اكثر من أسبوع مما عضاني الكلب … ولازم اخد المصل ولا بعدين الواحد يروح فيها .
• بعيد الشر يا ابن العم … أن شاء الله ما تروح فيها .
من بعد زمن طويل يقابل مشلهت مثل هذه المشاعر الشفوقة التي لا تريد له مكروهاً … وهو لا يعرفها ولا تعرفه ولكنها تتمتع بطيبة جبلت عليها بعض البنات والسيدات والحبوبات عندنا في هذا المجتمع … تتصرف بتلقائية وعفوية محببة … تجعلك تشعر إنها أختك أو ابنتك في المقام الأول … وهى تضمد جراحه تخبره بأنها ستحضر له ذلك المصل السحري الذي ظل يجري خلفه كالسراب …
سائق التاكسي عاد صباح اليوم التالي وهو يسال عن مشلهت فقد احضر معه طينة ود الطريفى … ولكنه لم يجده فقد حول مشلهت لمستشفى بمدينة الثورة بأم درمان … ولكن سائق التاكسي استطاع أن يعرف المستشفى الذي نقل اليه مشلهت وذلك بعد أن سأل سائق عربة المركز التي اقلت مشلهت الى المستشفى .
تجول في ردهات المستشفى واخذ يطل على العنابر حتى شاهد مشلهت مستلقياً على أحد الأسرة في أحد العنابر … شق طريقه وسط زحمة معتبرة …
• ازيك يا أخينا …
• أهلا وسهلاً … أتفضل .
• خلاص جابوك هنا .
• ايوا
• برضو احسن من الحراسة … لازم عندك واسطة قوية …
• واسطتى السكري والجرح البتشوفو دا …
ويصيح سائق التاكسي :
• يا زول … خلاص لقيت ليك طينة ود الطريفى … أول ما مشيت لهم الولد لقيتو مجهز الطينة طوالي أخذتها منو … حتى حلف ما يأخذ مني أي قروش قال لي دى تعليمات أهلا في الحلفاية … إنو يقدموها مجاناً والظاهر عليهم تابعين وصية الشيخ نفسه … زول التيمأن قال لي الكلام دا ..
وناول سائق التاكسي مشلهت كيساً به تلك الطينة الرمادية التي يميل لونها للسواد …. بينما قام الحرس من مكانه ليتفقد محتويات ذلك الكيس وهو يسال :
• ودا بعملوا بيه شنو ؟
• دا علاج لعضة الكلب
• دوا نافع ؟
• يا سلام .. دا كلامك . ياهو دا الدوا الأصلي .
وبعد أن شرح سائق التاكسي لمشلهت طريقة الاستعمال … جلس معه فترة من الزمن يقول مشلهت :
• إنتو يا خوى أهلكم وين
• أهلنا في المسعودية ..
• طيب يا ود المسعودية أنا عندي مشكلة … وأنا عايز اشرحها ليك وعايزك تساعدني … ومشاويرك دى كلها على الحساب ..
• يا زول مافى عوجة … تب ما عندك عوجة … بس إنت قول وأن شاء الله كل شي يتصلح ..
واخذ مشلهت يحكى لود المسعودية حكايته من بدايتها الى حين وصوله للمستشفى بالثورة …. ويصف له منزله بالخرطوم بحري ويرجوه أن يصل هناك ولا يعود الا ومعه أفراد العائلة وإذا لم يجده لأي سبب من الأسباب في هذا المستشفى أن يتقصى ويسأل عنه حتى يجده … لقد مضت عشرة أيام مشلهت لا يجد طريقة للاتصال بأهله وهو لا يعلم عنهم شيئاً ولا يعرف كيف استقبلوا نبأ أنقطاعه عنهم…
ووعد ود المسعودية أن يبدا أول مشاويره بالذهاب لمنزل مشلهت … الا أن مشلهت قال له :
• استنى اقيف … ماشي وين؟
• ما خلاص أنا من دربي دا ماشي بحري …
• لا …. إنتظر شوية …اصلوا ما في زول جاب لينا حاجة ناكلها أو نشربها … وأنا شايف الناس هنا أهلهم بجيبوا ليهم الأكل …عليك الله ..هاك شوف لينا أكل أنا والعسكري دا …. وجيب قزاز موية معاك …
• ويؤمن العسكري علي اقتراح مشلهت :
• ايوا … والله جيعانين الجوع قرضنا …هنا ما في زول بديك أكل … غايتو الا تاكل من جيبك …
ويكمل مشلهت :
• وأنا حالتو المفروض يكون عندي غذا خاص عندي سكرى … لكين نقول شنو … صاحب السكري والفشل الكلوي والضغط واليرقان … كلهم يأكلوا زي ما تجى … الواحد أهل بطبخوا في البيت وما في زول قال ليهم ياكلوا شنو ولا ما ياكلوا شنو …
وخرج سائق التاكسي لإحضار الطعام والموية …
وللمشلهت بقية ..........

عمار محجوب محمد زكي
1st November 2010, 10:57 AM
واصل أيها العزيز أبا بكر إبراهيم عبدالله العوض جزيت خيرا .. قصة رائعة .. نتابعك بإهتمام بالغ....

Abubakr Ibrahim
2nd November 2010, 09:21 AM
(27)
لم يكن هناك أمر يشغل بال التومة الممرضة الا حكاية الممرض الطيب الذي صرف ( الختة) ثم زاغ في هجرة لا يعلم الا الله متى يعود منها …
وطيلة الوقت كإنت التومة تتحسر على أخلاق هؤلاء الناس الذين أنعدمت فيهم المروءة والنخوة …
• ديل عاد …. برى منهم … يبلعوا حق الناس زي ما ببلعوا البندول … الواحد تب ما عنده قشة مرة … وتعزي نفسها قائلة وهى توجه كلامها لاحد الممرضين في العنبر :
• وهم قايلين حق الناس دا برقد ليهم ؟ والله يمرق منهم في الدنيا هنا قبال الآخرة …
وتشعر أم الحسين الفراشة والتي كإنت تستمع للتومة بمدى الحرقة التي تشعر بها التومة فتهدئها قائلة :
• هيا التومة أختي … قليلا رايح وكتيرها رايح وناس الدنيا ما فيهم فائدة … ونحنا عارفينك مرة دغرية وما عندك لولوة … أهل القروش أن شاء الله يلقوا قروشهم وتقاطعها التومة :
• يلقوها وين ؟ … أكان الطيب ذاتو زاغ ؟
• الله كريم …
وفى هذا الأثناء يتقدم شاب حليق الرأس ويرتدى قميصاً رمادياً مخططاً بالأسود فضفاضاً وبنطلون جينز كأنه بنطلون أخيه الأكبر وحذاء متعدد الطبقات لم يستقر على حال … هل هو حذاء أم " بوت" عليه غبرة مستعصية :
• يا أخوانا في واحدة ممرضة هنا اسمها التومة ؟
وتنتبه التومة :
• أي …أنا التومة …
ويناولها الشاب لفة في كيس بلاستيك اسود :
• دى أمأنة أداني ليها الطيب قال يسلموكي ليها .. ويشتعل المكان بحيوية لا يدري أحد من أين هبطت … وتقوم التومة بإخراج محتويات الكيس من أوراق مالية وهى تغمغم قائلة :
• ود حلال … والله ود حلال .. جيد لي جيد لي … الليلة الطيب عاد حق اسمو … الطيب ما ساهل … وما باكل حق الناس .
وتوافقها أم الحسين :
• اها شفتي .. أنا ما قلت ليكى الناس أولاد الناس بينين وأنا عارفة الطيب ما الولد البياكل حق الناس ؟
ويخاطبها الممرض :
• اها … خلاص رقتي؟ … من أمس وإنتي ماكلة لحم الزول .. اهو جاب ليكى القروش … تأنى كلامك شنو؟
وتشعر التومة ببعض الخجل :
• هي لكين أنا اعمل شنو ؟ ناس عنبروا قالوا لي هاجر … وأنا قلت يمكن زاغ بقروش الناس .. عاد أنا أختها من وين؟ ..
النهاية السعيدة التي إنتهت إليها أزمة الختة … رفعت الروح المعنوية لدي التومة الممرضة … وجعلتها تتذكر حكاية التلفون من أهل مشلهت :
• يا أخواني … ما جاني تلفون ؟
• أمس اليوم كلو التلفون يضرب … وقالوا عايزنك …. لكين إنتي مشيتي .. وما إنتظرتي :
• لازم يكونو ديل أهل مشلهت .. وعلى العموم لازم أصلهم الليلة بس خلى الوردية دى تخلص … من دربي دا عديل عليهم …
وتسألها أم الحسين الفراشة :
• الرسول يا التومة … عاد اصبري لي النسعلك …. الناس ديل إنتي بتعرفيهم .
• لا … والله بس مشلهت حكي لي حكايتو وطلب منى أمشي اكلم أهله …
• ومشيتي كلمتيهم ؟
• مشيت كلمتهم في المرة الأولى .. وهم يظهر جو الإسبتالية ولقوه حولوه لمستشفى السكر وفى المرة التأنية ما لقيتهم لكين خليت ليهم نمرة تلفون العنبر عشان يتصلوا بي وأنا زي ما شايفة كنت مشغولة بموضوع الطيب .
• أي والله كان شاغلك شغلة شديدة …
كإنت صفية زوجة مشلهت تؤدى فريضة العصر عندما وصلت التومة … وبعد أن فرغت من صلاتها سلمت على التومة والتي كإنت تجلس على سرير وقد وضع أمامها كوب ماء على تربيزة صغيرة …
• شوفي يا أختي أنا يومداك جيت ولقيتكم مافيشين … وخليت ليكم نمرة تلفون العنبر …
وتقاطعها صفية :
• ايوا … وضربنا ليكى كم تلفون لكين بقولوا لينا مافى …
• صحي … كلامك تمام … اصلوا أنا مشيت بدري … كنت متضايقة ….. وهسع إنتو ما عرفتو أبو عيالك وين ؟
• ويعنى وين … ما نحنا مشينا الإسبتالية مالقيناهو ..
• ايوا … صحي هو اصلوا جا الدكتور وحولو لمستشفى السكر … عشان كدا إنتو لما جيتوا ما لقيتوهو … والمستشفى بتاعنا قاعد يحول مرضى السكر لمستشفى السكر عشان بقولوا هنا ما بلقوا عناية … وهناك داك مستشفى متخصص … على العموم أنا بمشي معاكم من دربي دا لحدي ما أسلمكم زولكم من ايدو ..
وتشعر صفية زوجة مشلهت بصدق حديث التومة فتشكرها وتدعوها للبقاء حتى يتنالوا وجبة الغداء وتوابعها من شاي وغيره ..
وتتساءل التومة :
• وإنتو اصلو أبو عيالك دا ما فتشتوهو ؟
• فتشناهو … ما خلينا فجة … لكين تقولي شنو يا بت الحلال ؟ حكاية زاتا بقت لينا عجيبة … هسع بتقولي شفتيهو حي وبتكلم ووصاك؟ .
وتستنكر التومة هذا السؤال:
• استغفر الله يا بنت أمي … يعنى أنا الجابنى هنا شنو ؟ والوصف لي منو؟ وأنا عرفت اسمو كيف مشلهت؟ ما ياهو اسمو ؟
• ايوا … كلامك عديل…
وبينما العائلة تتناول طعام الغداء ومعهم التومة الممرضة … يدخل حيدر الابن الأكبر لمشلهت ومعه صديقه عبد الباقي ويلقيأن بالتحية ثم يدخلان الصالون وينضم اليهم علاء الابن الأصغر لمشلهت :
• شفت يا حيدر المرة القاعدة تتغدى مع ناس أمي قالت شنو ؟
• قالت شنو ؟
• قالت أبوي اخدوهو ودوهو مستشفى السكر وهى هسع جات عشان تاخدنا نمشى معاها تورينا محلتو :
• أبوك ؟
• ايوا
• كلام شنو دا؟
• وينتبه عبد الباقي لما سمعه :
• اسمع … الحكاية شنو ؟

(28)
• والله يا أخي .. نحنا مخنا دا عايز يطرشق … كل يوم والتاني يجينا زول يقول لقي أبوي في حتة .. واحد قال في الحراسة … قمنا مشينا لحراسة سوق ليبيا وما لقيناهو … جات المرة دى زاتا وقالت خليتو في الإسبتالية … مشينا الإسبتالية ما لقيناهو … هسع اهو إنت سامع علاء بقول إنها جاءت وقالت إنو فى مستشفى السكر …
ويقول عبد الباقي
• مش جايز الجماعة ديل كلامهم صاح … وجايز أبوك يكون ما مات … وتكونوا إنتو دفنتوا ليكم زول آخر …
• والله يا أخي كل شي جائز … لكين ليه محل ما نمشى ما نلقاهو ؟ … اهو دا البخلى الواحد يشك … … والحاجة التأنية … هو لو اصلو حي وموجود وما بقدر يجى البيت …ما يحاول يضرب تلفون؟ دى كمان بتخلينا نشك في كلام الناس ديل .
ويتساءل عبد الباقي :
• طيب لكين الناس ديل بستفيدوا شنو من حكايتهم دي؟ … إذا كان هو ما موجود ؟
• والله دى حكاية تحير فعلاً .
تعرض صفية على ابنها حيدر أن تجهز لهما الغداء لكنه يؤجل ذلك لحين الفراغ من مشوار الذهاب لمستشفى السكر مع التومة الممرضة طالما أن عربة صديقه عبد الباقي معهما .
وقفت العربة أمام مستشفى السكر وخرج منها الجميع ودخلوا فناء المستشفى تتقدمهم التومة الممرضة وكإنت تقول لكل من يقف على أحد الأبواب
• أنا زميلة .. من الإسبتالية الكبيرة وديل معاي.. فلا يعترضها أحد … حتى تقف أمام موظف الاستقبال كان قد خلع حذاءه لصبى صغير أنهمك في تلميعه …. وكأنما فاجات التومة ذلك الموظف عندما قدمت نفسها قائلة :
• زميلة … من الإسبتالية الكبيرة …
فهب واقفاً ومد يده يسلم عليها في ارتباك واضح بينما كان يقوس أصابع رجليه على البلاط … لا أدري لماذا … سألته التومة :
• قالوا في واحد هنا حولوه ليكم من الإسبتالية الكبيرة اسمو مشلهت محمد مشلهت …
• مشلهت
• ايوا …
• قلتي حولوه من وين ؟
• من المستشفى الكبير
• متين ؟
• يعنى قول قبل يومين ..
ويصمت الموظف برهة ثم يقول:
• طيب دقيقة … ويلتفت خلفه فيشاهد أحد الممرضين وهو يغسل يديه فى حوض ليس بعيداً عن الاستقبال :
• اسمع إنتو في واحد كان محول من الإسبتالية الكبيرة إسمو مشلهت كان عندكم هنا؟
• دا مات واهلو استلموه …
وتصرخ التومة الممرضة فزعة :
• مات متين ؟
• مات قبيل في الصباح … جابوه هنا وعندو سكرى وقطعوا ليهو رجله …لكين مات …
• يا أخي كدي أتذكر .. واحد اسمو مشلهت …
• ياهو مشلهت … أنا ذاتي لما سألتهم لقيت اسمو غريب كدا …
• إنت متأكد ؟ …
• كيف ما متأكد … تعالى معاى نشوف دفتر شهادات الوفاة ..

كإنت زوجة مشلهت أسرته يتابعون ما يحدث غير مصدقين … هل هذا حلم أم كابوس ؟ … هذا شخص آخر يموت ولا يدرون هل هو مشلهت أم غيره … ولكن الممرض حسم القضية إذ أنه جاء يحمل دفتر صور شهادات الوفاة
مشلهت … مشلهت … مشقلب … أنا عارف الناس دى بتجيب الأسماء دى من وين ؟ .. واحد مشلهت وواحد مشقلب … وما بعيد يكون كمان في واحد اسمه مشنقل … ما خلاص الحكاية جاطت ..
أهو دا ... بس دا إسمو مشقلب.. ما مشلهت.
لم يكن أحد يهتم بما يردده الممرض بل كان كل همهم هل هناك شخص باسم مشلهت قد توفي هو الآخر … وأين ذهبوا به .. وتتساءل زوجة مشلهت :
• يعنى دا مش مشلهت …
ويجيب الممرض والتومة الممرضة في أن واحد :
• لا …
وتواصل صفية تساؤلاتها :
• وطيب مشلهت مشي وين ؟
وتتحفز التومة بعدة أسئلة :
• اسمع طيب في منو هنا ممكن نسأله عن مشلهت ؟ .
• إذا كان اسمو في دفتر العيادة يكون موجود إنتو قلتوا جابوه هنا متين ؟
• على حسب كلامهم يمكن قبل يومين …
• قبل يومين ما ممكن يخرجوه .. الا يكون دخل في كوما بتاعة سكر وديل قاعدين يوودهم عنبر العناية المكثفة يلا نمشى هناك نشوف …
ويذهب الجميع الى عنبر العناية المكثفة ويقفون عند الباب بينما تدخل التومة الممرضة وحيدر الى حجرة الاستقبال … ويبدأ السؤال والبحث في الأوراق ولكن لا أحد مصاب بكوما أو غيبوبة سكر يحمل اسم مشلهت … وتخرج التومة وحيدر والممرض ومعهم لغز كبير … أين ذهب مشلهت ؟ أو قل هل جاء أصلا لمستشفى السكر أم الذي جاء شخص آخر … كما مات شخص آخر يحمل اسم مشقلب ؟ …
هذا الموقف الملئ بالألغاز آثار جواً من التوتر … لم يتبدد الا عندما اقترحت التومة :
• يا أخوأني … والله ما عارفة أقول ليكم شنو … دى تانى مرة تجوا ما تلقوا مشلهت مع إنو كلهم أكدوا إنو نقلوه لمستشفى السكر …
وتصححها صفية :
• دى تالت مرة … أول مرة مشينا الحراسة في سوق ليبيا ما لقيناهو … وتتخارج التومة من الموقف ببعض الاقتراحات :
• غايتو إنتو احسن تمشوا دلوقت وأنا بقعد هنا لحدي ما أشوف الحكاية شنو وبعدين بتصل بيكم … تلفونكم مش شغال .
• ايوا …
• خلاص أنا اول ما اعرف حاجة بضرب ليكم …
• ونطيب خاطرها صفية :
• يا اختى ما تتعبى روحك .. إنت ما قصرتى … عملتي العليكي … واكتر منو … على اي حال نحنا رضيانين بالبسوي الله … وما فى حاجة بتتعمل بدون اراداتو …
وتصر التومة :
• لا إنتو لازم تمشوا وأنا بقعد هنا اصلو ما عندى حاجة لحدي ما اشوف الحكاية دى اخرتها شنو …
ويتحرك الجميع نحو الخرطوم بحري عائدين على عربة عبد الباقى صديق حيدر.
لقد ألجمت الدهشة ألسنة الجميع … كل الافكار التى تدور برؤوسهم لا تصلح لطرحها داخل العربة لأنها لا تقدم ولا تؤخر … هى عملية اجترار لما حدث منذ اليوم الاول الذي اختفى فيه مشلهت وكانه فص ملح وذاب …شئ تبخر فى الهواء الا إنه يعاود الظهور من وقت لآخر فى الحراسات وفى المستشفيات … او سراب … يظهر من بعيد لا يدركه احد … ولكن ما معنى كل هذا ؟
وهناك امام منزل مشلهت كان علاء يقف متحفزاً للخروج بنبأ العثور على والده مشلهت الى جميع سكان الحى ولكن لا يبدو أن العربة تحمل شخصاً اخر … بل أنها تنقص فرداً واحداً وهو التومة الممرضة … فما الذى حدث ؟ … كان هذا هو التساؤل الذى حمله علاء على شفتيه دون أن يلفظه … فاذا بالاجابة تأتيه :
• ما لقينا أى حاجة …. تعبنا ساكت … اتخمخمنا ومشينا .. لكين الحكاية طلعت فشوش …
• يعنى ما لقيتوا ابوى .
• ابداً …
وللمشلهت بقية ........

Abubakr Ibrahim
3rd November 2010, 07:55 AM
(29)
وهناك فى مكان فى مستشفى اخر بمدينة الثورة كان مشلهت فى إنتظار عودة سائق التاكسى يحمل شيئاً يؤكل … وكذلك كان الشرطى الحارس لمشلهت ..
وبعد فترة غير قصيرة عاد صاحب التاكسي يحمل معه بعض السندوتشات وزجاجات الماء … فترة الغذاء تخللتها بعض الحكايات عن حوادث المرور اذ أن صاحب التاكسى كان يحكى عن السبب الذى ادى لتاخيره هو أن الشارع كان مغلقاً بسبب عناق حميم حدث بين امجاد وركشا .. غير أنه لم تحدث اصابات تذكر .. وأن مكان الحادث كان مكتظاً بالذين وقفوا يتفرجون على ذلك الحادث … وبالرغم من أنه كان بسيطاً الا أنه كسر ذلك الركود لعشرات المتفرجين الذين اصيبوا بخيبة امل دفينة عندما كانوا يسألون وتأتيهم الاجابة :
• ما حصلت حاجة … كل الناس كانوا سالمين …
الأمر يحتاج الى تحريك بجرح هنا وجرح هنا او موت هنا … او موت هناك … حتى يحدث فضولاً واهتماماً زائداً …
ويقول سائق التاكسي :
• هسع الناس دي… كلها جات اتكبت في الخرطوم بعدين اهو يموتوا فى المواصلات بالشكل دا …
• المعايش جبارة .
• وين المعايش يصيح سائق التاكسى … معايش هنا فى الخرطوم ودي عيشة دي ..
ولكن الشرطي لا يوافقه مائة بالمائة …
• برضو أخير من المحل الجات منو الناس …
مشلهت كان يهمه شئ واحد هو أن يفرغ الجميع من الأكل وأن يتجه سائق التاكسي الى بحري لإحضار عائلته له …
سائق التاكسي كان يجمع بقايا الأكل في أوراق الصحف التي جاء يحمل في داخلها السندوتشات …. استرعت إنتباه مشلهت صورة منشورة مع خبر صغير جانبها … الصورة ليست غريب عليه … هذا شخص مألوف .. تناول الورقة … أنها صورته … نعم صورته وبجانبها خبر يقول أن أهل مشلهت يحتسبونه عند الله … بعد أن توفى في حادث حركة مؤلم … وبحركة لا إرادية … وضع مشلهت يده على رأسه وتحسس رقبته .. ما معنى هذا؟ … من الذي قال لهم أن مشلهت قد لقي حتفه في حادث حركة او حادث مرورى ؟ كيف صدقوا هم هذا الخبر ؟ ولماذا لم يكلفوا أنفسهم مشقة البحث عنه ؟ اذن هذا يفسر عدم اهتماهم بأمره وهو الذى ظل يرسل الوفود تباعاً ليخبرهم أنه موجود … هل وجدوا جثة لشخص يشبهه فكفنوها ودفنوها … وفرشوا حدادا عليه يتقبلون التعازي؟ … وماذا عن ابنه حيدر المغترب فى السعودية ؟ هل اخبروه وهل حضر تاركاً عمله… كل ذلك بسبب خطأ لم يتبين احد حقيقته ؟ لقد صدمته تلك الصحيفة وهى تحمل خبر نعيه … كما لم يصدم من قبل . وماهو وضعه ؟ … هل يعتبرونه ( بعاتيا) او شبحاً من الماضي ؟ … ام سيقيمون له حقيقته جديدة على أنقاض ذلك الخطأ غير المتعمد ؟ لقد كان جل همه ينحصر فى الاتصال بأهله ثم بالحصول على مصل للوقاية من تبعات عضة الكلب … و اطل هم جديد …. هو أن يثبت أنه حى يرزق وشعر برجفة وقشعريرة سرت فى جسده … لعلها اشارة من الجهاز العصبى الذى يرفض بشدة فكرة موته …. أن للجسد لغة فصيحة لها مفردات عديدة تنقل ما تود الافصاح عنه من خلال اشارات وخلجات اشبه بإشارات المرور …. وشعر فى تلك اللحظة أن واجبه أن يتحرك من مكانه ويذهب مع سائق التاكسى الى منزله ليؤكد لهم أنه حى … الا أنه تذكر ذلك الشرطى الذى يحرسه … ولذلك صاح يتحدث مع سائق التاكسى .
شوف اوع تمشي وتجي بدونهم … لازم تجيبهم معاك … ولوما لقيتهم فى البيت …. اسال الجيران عنهم لحدي ما تعرف محلهم وتجيبهم .
وتنتاب سائق التاكسى نوبة من الظرافة والنكتة .
• يعنى يا غرق يا جيت حازمة .
ويشدد مشلهت :
• غرق ولا ما غرق … المهم تجي ومعاك المرة والاولاد … يلا … من دربك دا عديل حسب الوصف الأديتك ليهو … لا تلف جاي ولا جاي .
ويشارك الشرطي فى هذا التأكيد :
• إنت بس اعمل زي ما قالوا ليك … تمشي طوالي تجيب الاولاد وتجي .
ويشعر سائق التاكسى باهمية الموضوع :
• خلاص …. خلاص … من دربي دا … ويا بحري جاك زول … اها مع السلامة … ما نضيع الوكت فى الكلام .
أنطلق سائق التاكسي وهو يشعر بعظم المهمة الملقاة على عاتقه وعاتق عربته … وبعد أن تبع الخريطة التى سمرها مشلهت له فى دماغه … وصل الى ذلك الباب الحديدي المطل على ( فسحة ) يلعب ويتغبر بترابها بعض الصبية والاطفال.


(30)
طرق الباب … مضت مدة ثم سمع حركة ارجل تقترب من الباب ..وفتح الباب على بنت صغيرة .
• يا بت …. اهل البيت ديل وين .؟
• في ..
• موجودين؟
• ايوا
• طيب امشى نادي زول كبير
• زول كبير منو؟
• اي زول …
• راجل ولا مرة ؟…
• لا حول ولا قوة الا بالله … يا بن انتي جابوكي من وين؟
بقول ليكي امشى نادي اي زول … راجل … مرة … اي زول …
وتسمع امها جزءاً من هذا الحوار:
• شنو يا بت … بتتكلمي مع منو ؟
• مع راجل …
• اجي الراجل منو كمان ؟
• وتتحرك امها بعد ان تعدل ثوبها ثم تتجه نحو الباب
• حبابك
• اهلا …. ازيك … اصلو انا جاي لأهل البيت ديل موصيني ليهم مشلهت .
وتنظر المرة بريبة وشك لسائق التاكسي … فهذه ليست المرة الاول ولا الثانية ولا الثالثة التي يدعي فيها احد أنه يحمل وصية من مشلهت ثم " يطرشق" الموضوع ..
وتتساءل المرأة :
• انت بتقول مشلهت ؟
• ايوا …
• يا خوي مشلهت منو ؟
• مشلهت سيد البيت دا
• لاقيتو وين ؟
• انتي بتحققي معاي دايرة شنو . … انا قلت ليكي نادي لي مرتو ولا أولادو ولا اي زول يجي معاي يمشى معاي …
• يمشى معاك وين؟ …
• يمشى معاي الاسبتالية …
• وتصمت المراة برهة وتزداد شكوكها :
• يا خوي … كان للاسبتالية الناس ديل هسع جو راجعين من الاسبتالية وما لقو مشلهت … تجي انت تقول الاسبتالية .
• يا ولية … انا من الصباح في الاسبتالية معاهو … مافي اي زول جاهو هناك …
وتستنكر المرأة ما يقوله سائق التاكسي :
• اجي … عاد دا سمعتو بو ؟ كيفين يعني ما جا زول هناك؟ .. ومال الناس ديل كلهم بصمتهم ركبوا في عربية الجنا … عبد الباقي ومشوا وجوا راجعين… يكونوا مشوا وين يعني ؟
ويصيح سائق التاكسي :
• انتي من فضلك امشى كلمي اي زول من ناس البيت … وما تعملي معاي حجة فارغة .
وتتحرك المرأة إلى داخل المنزل وهي تجذب بنتها من يدها وتغمغم :
• هو شنو هو الحكاية ؟ الزول بقى في حق الله … الناس ما يريحوهو ؟ عاد يا ناس الدنيا .. قبلكم وحدكم … قال مشلهت قال… هو مشلهت وين؟ …
وتدخل على صفية فتجدها مستلقية على سرير في فراندة احدي الغرف … وقد استغرقت في النوم بعد ذلك المشوار .
• هوي … يا صفية .. صفية ..
• تهب صفية فزعة … كمن عاد من رحلة بين السماء والارض وفجأة وجد نفسه مستلقياً على سرير في تلك الفراندة .
• بسم الله الرحمن الرحيم … مالك يا ولية خلعتيني ؟ الحصل شنو ؟
وترجع المرأة إلى الخلف وهي تلمح عيني صفية المحمومتين …
• معليش … اصلو في راجل واقف برة
• راجل منو؟
• ما بعرفوا … لكين سايق ليهو تاكسي .
• ومالو … عايز شنو ؟
• والله قال كلاماً كدي تلاطيش … تلاطيش .. قال موصيهو مشلهت
• وتصيح صفية :
• مشلهت تاني ؟ يا ناس خافوا الله … نحنا صبرنا ورضينا بالقدر … لكين جنس دا اصلوا ما سمعنابو ولا شفناهو … كل دقيقة جايينا زول ناطي قال مشلهت موصيهو … ولما نمشي ما نلقي حاجة … وهسع قال عايز شنو يعني ؟
• والله انا ما نضمت معاهو كتير … بس قال لازم يقابل زول عشان يكلمو بحكاية مشلهت … وانا قلت ليه انتو مشيتوا كم مرة وما لقيتوا حاجة .
• امشى قولي ليهو … اولاً مافي راجل في البيت … حيدر وعلاء وصاحبهم عبد الباقي مشوا للخطوط عشان حيدر عايز يحجز للسفر .. راجع السعودية وانا طبعاً محبوسة ما بقابل رجال .
• ياهو كدي الكلام … بعد دا اخير ياخد بعضو ويمشي . وتعود المرأة لتخاطب سائق التاكسي :
• يا خوي … البيت مافيهو راجل هسع … علاء وحيدر مشوا مع عبد الباقي عشان حيدر بدور يحجز مسافر السعودية .
• حيدر منو؟
• حيدر ما بتعرفو
• ما بعرفو؟
• عاد كيفين ما بتعرف حيدر وبتعرف ابوه لمن وصاك؟ اها هسع كن لقيت حيدر جاي تقول لو شنو وانت ما بتعرفو ؟
• يا ولية انا زول موصيني مشلهت عشان اقابل اي زول في البيت آخدو معاي… وهو ما شرح لي عندو ولد اسمو حيدر ولا علاء … بس قال لي تمشى تجيب اهل البيت … هسع لو ممكن تكلمي مرتو …. تجي تمشى معاي .
• اجي .. تمشى معاك وين ؟ وهي محبوسة … لا بتقابل رجال ولا غربا
ويتساءل سائق التاكسي
• محبوسة كيف ؟
• الحبس الواحد دا … مالك ما بتعرفو كمان؟ المرة وكت راجلها يموت ما بتتحبس؟.
• وتتحبس ليه ؟
• قلت ليك المرة لما راجلها يموت ما بتتحبس؟
• لكين دي راجلها ما مات … راجلها حي … انا بقول ليكي هو مرسلني … تقوم هي تنحبس ليه ؟
• يا زول صفية ما بتمشي معاك … كن قعدت في محلك دا لي بكره .. ومافي مرة راجلها ميت وفي الحبس بتفك الحبس وتقابل الرجال الأغراب … دي صفية ما بتسويها .
ويحتار سائق التاكسي :
• وطيب انا اعمل شنو ؟ مشلهت مشرط على انو ما ارجع فاضي …. لازم أجيب زول معاي … وانا هسع بطلت شغلي لي يومين في الحكاية دي؟
• بطلت شغلك بطريقتك … ولكن مافي مرة بتمشى معاك وانت مشلهت دا ما تجيبو هو بنفسو مالو ما جا معاك؟
• أولا هو حاجزنوا في الاسبتالية …
• ما قلت ليك الاسبتالية دي مشو ليها مرتين مالقوهو .
• هم مشوا ياتو اسبتالية ؟
• ما عارفة … لكين انا متوكدة انهم مشوا الاسبتالية مرتين مالقوه … وهسع انت ما قلت لي لشنو هو ما جا معاك … يعني حالتو ختري ؟
• لا … حالتو ما ختري … لكن معاهو واحد بوليس حارسو …
• يا كافي البلا … وحايد المحن .. بوليس عشان شنو؟ يا زول أمشى شوف لك زولاً تاني … مشلهت من يومو وزمانو لا هو زول بواليس ولا زول محاكم ولا زول شبك … زول خايف ربه وماسك دربه عديل..
ويقف سائق التاكسي ولا يعرف ماذا يفعل .. فكيف يؤكد لهذه المرأة أو زوجة مشلهت أن مشلهت بخير وأنه يود أن يرى زوجته وأولاده الذين انقطع عنهم قرابة الأسبوعين .. ولا أحد يصدقه ألآن عندما يقول انه يحمل وصية من مشلهت .
وللمشلهت بقية ........

عمار محجوب محمد زكي
3rd November 2010, 01:31 PM
يا أبو بكر ...
بعد ما تخلص حكاية مشلهت دي
أحكي لينا حكاية مشقلب
الجابوه المستشفى عندو سكري وقطعوا رجله ومات

Abubakr Ibrahim
4th November 2010, 07:44 AM
(31)
في هذا الأثناء كان مشلهت يحسب الدقائق والثواني ولم يتوقع ان يستغرق سائق التاكسي كل هذا الوقت لكي يحضر عائلته … فالمسافة مهما بعدت لن تستغرق هذا الزمن ويلتفت إلى رجل البوليس المكلف بحراسته :
• تفتكر بتاع التاكسي دا ما أتأخر؟
• يمكن يكون أتأخر شوية … لكين الغايب حجتو معاه … غايتو انت اصبر … وهو بجي .
وينتظر مشلهت والقلق ينشب مخالبه في روحه وتتمدد براثن غربة هائلة في داخله … هذا المكان لا يعرفه ولا ينتمي إليه … انه يفقد علاقته بالأشياء … هل صحيح إنه مات ؟ لقد قرأ نعيه في الصحف … والصحف عادة لا تكذب في مثل هذه الأخبار فلا يمكن ان تنشر أية صحيفة صورة لشخص متوفي ومعها نعياً له ثم تنفي ذلك في اليوم التالي … فأغلب الظن انه قد توفي ودفن وانتهت رحلة الحياة لديه بتلك الصورة التي اقتلعوها من جواز سفره وبعثوا بها للجريدة لانها تحمل ختماً ظهر جزء منه على الصورة .
هذه الوجوه من حوله تبدو مصلوبة على الأسرة … يدخل آخرون ويخرج آخرون ولكن نفس الملامح والشبه … نظرات … نظرات منطفئة من المرض … ونظرات اكثر انطفاءة من الجوع. وعندما يغادر الشخص المستشفى يوصونه ألا يكثر من الأكل. كلمات معلقة في زور أي مغادر للمستشفى مع إنه لو كان يأكل تلك الأشياء لما أصابه مرض في المقام الأول . طافت هذه الأفكار بذهن مشلهت وهو في انتظار سائق التاكسي … تري ما الذي أخره ؟ هل زحمة الشوارع أم حدث له مكروه أم أوقفه شرطي مرور .
وسائق التاكسي يقف محتاراً .. يود لو يصرخ في آذان جميع اهل الحي ويخبرهم ان مشلهت موجود وانه يود ان يرى عائلته واولاده حتى يطمئن عليهم ويطمئنوا عليه ولكن لا احد يصدقه … وهذه المرأة تقف امامه حاجزاً منيعاً بين ما قد كان وبين ماهو كائن فعلاً .
ويسأل المرأة :
• طيب .. حيدر بجي متين ؟
• انت بتدور تنتظرو ؟
• ايوا
• والله عاد اقول ليك شنو… الله عليمو … هو ماشي يحجز وعنده غشوات .
• طيب ممكن تقولي ليهو ما يسافر لحدي ما يعرف حقيقة ابوه … وانا حتماً بجي راجع تاني
• تجي تسوي شنو ؟
• انت مالك اجي اسلم عليهو مش على كيفي ؟
• ونان هسع ما قلت ما بتعرفو
• ويكاد ينفجر من الغيظ
• يا ولية … انتي مالك ومالي …. اجي ولا ما اجي … الراجل يمكن لما احكي ليهو يصدقني ويمشى معاي يشوف ابوه …
وفي هذه الاثناء يمر احد الجيران … ويسمع جزءاً من هذا الحوار :
• شنو يا اخوانا الحاصل شنو ؟
ويلتفت سائق التاكسي ويحمد الله ان بعث له رجلاً ربما يستمع إليه فيسأله :
• انت ساكن هنا …
• ويجيب الرجل :
• ايوا انا اسمي العاقب … وساكن هناك في البيت القصاد الشجرتين ديك .
• الحمد لله .. شوف يا إبن العم … انا لي يومين في الاسبتالية في أم درمان مع مشلهت … وهو وصاني قال اجي ابلغ اولاده انو هو موجود واجيبهم معاي عشان يطمئن عليهم ويطمئنوا عليه .. لكين المرة دي ولا حتى مرتو عايزين يصدقوني .
• انت قلت مشلهت
• ايوا
• عجيبة والله .. مشلهت دا نحنا دفناهو وفرشنا ليهو هنا …
• يا خوي … يمكن داك زول تاني .. وهسع انت بتقول انك جارو ؟
• ايوا بلحيل ..
• وبتعرفو كويس .
• جداً … كمان مشلهت بيغباني ..؟
• طيب ممكن تجي معاي تشوفو بعينك وتحكم بنفسك وتجي تكلم أهله هنا ؟ أنا ما لقيت ولده حيدر ولا ولده علاء .. فبالله عليك تمشي معاي الزول دا في حالة بطالة جداً … ولو ما مشى معاي اي زول من هنا … يمكن تحصل ليهو حاجة .
ويقف العاقب … جار مشلهت … برهة يفكر .. ويقلب الموضوع في ذهنه … ولكنه يعود إلى نقطة البداية :
• طيب الزول الدفناهو دا منو ؟
ولا يجد سائق التاكسي إجابة حاضرة لأنه هو أيضا لا يعرف حقيقة الشخص الذي دفن ولا حتى مشلهت نفسه يعرف ما الذي حدث ومن الذي دفن بدلاً عنه .. كل ما يدريه انه هو ليس ذلك الشخص المدفون .
ويلمح العاقب في نظرات سائق التاكسي توسل ملح واستجداء ان يذهب معه ليحسم هذا الموضوع طالما إنه يعرف مشلهت معرفة حقة إذ يقول انه نشأ في نفس الحي الذي نشأ فيه مشلهت … فيقول ؟
• طيب … انا بمشي معاك … لكين انت بعدين تجيبني راجع
ويتنفس سائق التاكسي الصعداء :
بجيبك راجع ونص وخمسة …
ويلتفت للمرأة قائلاً :
• خلاص … قولي لمرة مشلهت نحنا ماشين نجيب ليها حقيقة مشلهت … وهي ما عليها حبس ولا حاجة .
ويتحرك التاكسي وعلى ظهره سائقه والعاقب جار مشلهت الذي يعرفه حق المعرفة.
يقف التاكسي أمام المستشفى … ويخرج سائقه بسرعة فائقة … وينزل العاقب على مهل لانه يشكو من رطوبة كان كثيراً ما يتحدث عنها لمشلهت … ويتبع سائق التاكسي فيبادره :
• وين الجماعة ما جبتهم معاك ؟
• الأولاد ما لقيتهم … قالوا حيدر مشى يحجز عشان يرجع السعودية .
• يعني حيدر ذاتو جا … طبعاً إذا كان أبوه مات ليه ما يجي … وصفية مالا ما جات معاك ؟
• زوجتك ؟
• ايوا
• دي قالت هي محبوسة ما بتقابل الرجال ويصيح مشلهت غير مصدق :
• محبوسة على منو ؟ على انا ؟ طيب انا أهو حي وما مت … المرة دي جنت ولا شنو ؟ وعملت شنو طيب ؟
• جبت ليك واحد من جيرانك اسمو العاقب … ويصيح مشلهت بفرح :
• حاج العاقب …. وينو هسع ؟
• اهو جاي بوراي … اصلو عنده رطوبة … ومشيهو تقيل .
وفي نهاية الممر يظهر حاج العاقب وهو يسير ببطء …
ويسارع سائق التاكسي ويمسك بيده ويساعده إلى حيث يوجد مشلهت :
• اها وينو مشلهت؟
• اهو قدامك …
• ويحدق حاج العاقب في الشخص الواقف أمامه الممدود إليدين ولم يصدق :
• دا مشلهت …؟
• ايوا … دا مشلهت …
• لا يا خوي .. دا ما مشلهت … مشلهت ما كدي … !!
شئ يعصف بمشلهت كالملح في حلقه … لم يصدق مشلهت ان يديه تيبستا في نصف المسافة وهو يمدها ترحيباً بحاج العاقب الا ان حاج العاقب الذي نشأ معه في ذات الحي … انكره أمام الجميع :
• دا مشلهت ؟ … دا ما مشلهت … مشلهت ما كدي …
وكيف يكون مشلهت إذن ؟ وكيف يبرهن مشلهت إنه مشلهت الذي عاش حياته كلها وسط قومه ما عدا تلك السنين التي قضاها في الاغتراب بعد ان أجبرته ظروف الحكم المايوي على مغادرة السودان بعد ان كان وكيلاً لإحدي الوزارات ذات الشنة والرنة ؟
• يا حاج العاقب … ما عرفتني ؟
• ما عرفتك انت منو ؟
• لا حول ولا قوة الا بالله … انا مشلهت يا حاج العاقب … مالك انت حاصل عليك شنو ؟
• انا ما حاصلة على حاجة … لكن انت ما مشلهت البنعرفو … مشلهت داك غير كدا … وما بشبهك ولا انت بتشبهو .. وبعدين يا أخي مشلهت مات ودفناهو وقعدنا في فراشه كيف يعني بتكون انت مشلهت؟
• يا حاج العاقب … انا بقول ليك انا مشلهت … حتى كمان انا بعرف أولادك على وصبير …
• يا زول هوي … كن بتعرف شنو … انت ما مشلهت … واخير ليك تقول انت منو … قوم يا زول وديني … قال هذا الكلام وهو ينظر ناحية سائق التاكسي حاثاً له على الذهاب . سائق التاكسي كان يستمع لهذه المحادثة وهو غير مصدق … لابد ان أحد الرجلين يكذب وخرج سائق التاكسي من العنبر وسط دهشة الشرطي ومشلهت الذي قذفته المفاجأة في قاع التساؤلات والإحباط والحيرة ...حاج العاقب الذي خاطبه إبنه حيدر بخصوصه وانه يود من مشلهت ان ينقل له رغبة حيدر في الاقتران بإبنته فائزة … كيف يتناسى عرفته … وماهو الهدف من وراء ذلك ؟
ويغمغم الشرطي :
• دا كلام شنو دا ؟ … هسع طيب الزول دا منو .
• ويفتح سائق التاكسي باب عربته ثم يقفز في داخلها .. بينما يتحرك العاقب ببطء حتى يقترب من باب العربة وبعد جهد يستطيع ان يفتحه ثم يرمي بجسده على المعقد .
• يا لطيف …
• ويتحرك التاكسي … ثم يقول حاج العاقب :
• انت هسع موديني وين .
• موديك محل ما جبتك … موديك بحري طبعاً …
• وأسوي شنو في بحري ؟
• الله … انا مش جبتك من بحري ؟
• انتي جبتني من بحري … ؟
• بسم الله الرحمن الرحيم .. جبتك من وين طيب ؟ … انت مش ساكن جنب ناس مشلهت ؟
• ايوا … ايوا …. ايو خلاص نمشي بحري … قول يا لطيف .
وتدور بذهن سائق التاكسي أسئلة كثيرة … ما معني هذه الأسئلة التي يسال عنها حاج العاقب ؟ لقد اتفق معه ان يحضره لمشلهت في المستشفى وان يعيده إلى المكان الذي أخذه منه … وألآن فان المهمة التي نقل حاج العاقب من أجلها إلى مقابلة مشلهت قد انتهت ولكن إلى غير ما يشتهي أحد … وهاهو يحمله إلى منزله … فلماذا يسأل بتلك الطريقة … هل يمكن ان يكون حاج العاقب قد "خرف" وانه لا يعرف الناس ؟ إذا كان هذا هو الحاصل فان هذا يوضح لماذا لم يتعرف على مشلهت … والتفت سائق التاكسي إلى يمينه فإذا بحاج العاقب يغط في نوم عميق وقد فتح فمه واخذ يشخر بصوت واضح … ومن وقت لآخر يفتح عينين محمرتين عندما يتوقف التاكسي عند إشارة مرور يسأل :
• يا خوي .. انت موديني وين ؟
• موديك لبيتكم يا حاج …
• كدي؟
• أيا …
ويواصل نومه مرة أخرى …
وتوقف سائق التاكسي أمام الشجرتين في نهاية الشارع الذي يقع فيه منزل مشلهت ويوقظ الحاج :
• يا حاج … يا حاج … خلاص وصلت …
• وصلت وين؟
• وصلت بيتك
• وينو بيتي؟
• ماياهو دا القدامو الشجرتين … مش انت قلت دا بيتك ؟
• ايوا … لكن قاعدة فيهو بتي … قول يا ليطف …
وخرج حاج العاقب ببط شديد من التاكسي … وبدلاً من ان يتجه نحو بيته … اتجه في الاتجاه الآخر … فإذا بسائق التاكسي يناديه :
• وين يا حاج … وين ماشي .. ؟ دا مو بيتك ؟ …
• ايوا … بس عايز أسأل صاحب البفالة
• تسأل صاحب البقالة؟ والله حكاية … 
(32)
واخيراً قرر سائق التاكسي ان يقود عربته ويغادر … فقد أوفى بوعده واوصل حاج العاقب إلى منزله … أما إذا أراد حاج العاقب ان يذهب لصاحب البقالة فهذا من شأنه بينما لا توجد بقالة في الإتجاه الذي ذهب إليه حاج العاقب.
ويستعيد سائق التاكسي في ذهنه تلك الأحداث العجيبة … ولا يدري ما الذي يمكن ان يفعله مشلهت بعد ألآن … واحس بتعاطف قوي وعميق يربطه بمشلهت … ولا يمكن ان يتركه في محنته هذه … صحيح إنه لا يدري لماذا يرافق ذلك الشرطي مشلهت ولكن الذي يدريه هو إنه يواجه محنة قاسية … تتشابك حلقاتها كل يوم ولا يدري أحد كيف ستنتهي .
مشلهت يجلس حائرا … ما معني كل هذا ؟ … أهله لا يصدقون انه على قيد الحياة … وذلك بعد ان قاموا بثلاث زيارات لمراكز الشرطة والمستشفيات … والشخص الوحيد الذي زاره كان يمكن ان يساهم مساهمة فاعلة في حل مشكلته لم يتعرف عليه …
وبحث مشلهت حوله ليجد مرآة يرى فيها صورته … وهل صحيح إن ملامحه قد تغيرت إلى الحد الذي جعل حاج العاقب لا يتعرف عليه ؟ حمامات المستشفى ليست بها مرآة … ولو كانت بها بقية من ماء فان هذا يعتبر محمدة عظيمة للفيلق الإداري الذي يقود المستشفى .. واخيراً هداه تفكيره ان ينتهز فرصة الزيارة ويتقدم لأي فتاة تحمل شنطة ان تعطيه مرآة ولابد ان تكون هناك مرآة داخل شنطتها … ان فتيات اليوم يحملن معهن غرفة مكياج متحركة ويضربن بأحمرهن على شفاههن فلا نامت أعين المتطفلين .
جلست الفتاة بالقرب من والدها على السرير وأول شئ وقع عليه نظر مشلهت هو شنطتها وكانت الفتاة تضبطه من وقت لآخر وهو يطيل النظر لشنطتها … فتغير من جلستها وتضع كفيها الاثنتين على الشنطة … ولكن الأمور لا يمكن ان تسير هكذا … فزمن الزيارة سينتهي وستغادر الفتاة المستشفى دون أن يكون مشلهت قد نظر إلى وجهه في المرآة … فتشجع وقال لها :
• يا بتي …. ما عندك مراية أشوف فيها عيني دي … باقي وقعت لي فيها وقيعة .
ألآن فقط تدرك الفتاة لماذا كان هذا الرجل يطيل النظر إلى شنطتها … فأسرعت بالبحث في محتوياتها وناولته مرآة صغيرة مستديرة .. لا يستطيع أن يرى فيها كل وجهه في آن واحد … ولذلك قرر ان يقسم مساحة وجهه ( لحواشات) صغيرة يمر من خلالها على تفاصيل ما حدث له في الأسبوعين الماضيين منذ أن فارق بيته .
تجاعيد مبعثرة تحت العينين أصبحت سوداء وذات خطوط واضحة تفشى فيها قلق واضح … وعلى جبينه تقطيبة لم تكن موجودة من قبل ولكنها حفرت أخدودا بين الحاجبين … أما الشيء الذي غطي مساحة كبيرة من وجهه كانت ذقناً ( بلاك آند وايت) مثل التلفزيون ابيض واسود يمكن ان تقاس بالبوصة .. لقد مضي الزمن الذي كان يمكن ان يرى فيه صورته وهو يرتدي ذقناً سوداء … لان طيلة مرحلة الشباب هو لم يدعها تنمو بل كان يحلقها .. واليوم يا عجائب الزمان .. هاهي تخرج من قبوها بيضاء من غير سوء … يتخللها بعض السواد … انتهزت فرصة إنشغال مشلهت بمشاكله المتعددة فلم ينتبه لحلاقاتها كما كان يفعل … فنمت وترعرعت وها هي تطل من وجهه معلنة للجميع ان هذا ليس بمشلهت … والا لماذا لم يعرفه حاج العاقب ؟
ولكن هل تعرفه زوجته وأولاده ان رأوه على هذه الحال ؟ تلك أمور يصعب الجزم بشأنها ولكن … مشلهت لم يكن يدري ان حاج العاقب قد (خرف) وإنه أصيب بمرض الزهايمر أو النسيان منذ مدة وان أولاده بحجة العلاج حجزوه في المنزل فترة طويلة وأول يوم يغادر فيه المنزل كان عندما سمع بوفاة مشلهت ثم عندما وجد سائق التاكسي يقف أمام منزل مشلهت … ولهذا عندما عاد سائق التاكسي ووجد مشلهت ينظر في المرآة بادره مشلهت قائلاً :
• شفت المصيبة … الزول الجبتو ما قدر يتعرف علي ونحنا ناس ساكنين سوا … يعني بعد دا معقول أولادي يتعرفوا علي ..؟
• ويرد سائق التاكسي :
• أولادك يا خوي … ما ممكن ما يتعرفوا عليك … علا بس الموضوع يعني الله ما أراد يلاقيك بيهم … وهسع لو مرتك ساكت سمعت كلامي وجات كان خلاص الموضوع اتحل … لكين هي المسكينة عشان جات تلاتة مرات وطلعت الحكاية فشوش استسلمت ورضت بحكم السيد .
ويرد مشلهت بيأس :
• وحتى ولو جات ما حتعرفني … انا ذاتي ما كنت قايل شكلي دا بتغير بالطريقة دي .. وبعدين يا أخي حاج العاقب نفسه ما عرفني
• ويوضح سائق التاكسي مخففاً عن مشلهت ما يحس به :
• حاج العاقب دا بقولوا في كلاماً … والله انا ذاتي ما خابر حكايتو شنو … مرة يقول لي انت موديني وين وهو عارف انا موديهو البيت .. ومرة يقول لي المحل دا … وين .. يا خوي .. الزول دا ظنيتوا عقلو ما تمام
ويرد مشلهت بقوة :
• كيف يا راجل تقول على حاج العاقب كدا … دا مخه زي الساعة الراجل كان محاسب كبير وحافظ ليك الأرقام كلها … تجي تقول لي عقلو ما تمام؟ .. عقلوا تمام وستين تمام … بس انا الشكلي ما تمام … وخلاص نقنع من حكاية ناس البيت دي لحدي ما انا أمشى ليهم برجلي … يمكن ربك يفرجها … وزي ما شايف … اهو انا هنا في الاسبتالية مافي زول عمل لي حاجة … بس كل يوم تجي الممرضة تغير الجرح وتسألني:
ما جابوا ليك المصل ؟
وانا خلاص نسيت حكاية المصل دي وبقيت على طينة ود الطريفي .. ويؤكد سائق التاكسي :
• يا زول ارقد قفا …الطينة دي اصلو ما بتجيك معاها عوجة .. لكين يا أخوي مشلهت بدور اسالك … انت خبارك معاك البوليس دا هنا … سويت شنو ؟
• دي زي ما قلت ليك قصة طويلة … واخذ مشلهت يحكي قصته لسائق التاكسي والذي ازداد تعاطفاً مع مشلهت … وكأنه يستمع لقصة من قصص الأحاجي التي كانت تقصها جدته عليه وهو صغير ينام على رجليها في قريته … ولا بد ان يجد حلاً لمعضلة صديقه مشلهت فيقول :
• اسمع … انا بكرة بمشى لمركز سوق ليبيا أشوف القضية عملوا فيها شنو … لازم يحكموا فيها عشان تعرف البيك والعليك …
ويراجعه مشلهت :
• يا أخي … انت هسع بطلت شغلك … وضيعت وقتك معاي كتر خيرك .
• لا والله … انا ما عملت الا الواجب … وبعدين الناس بالناس وكان للشغل … انا عندي موظفين بوصلهم واخر اليوم برجعهم والصباحية دي كلها شغال … وموضوعك دا لو ما خلص انا أصلي ما برتاح …
• يا أخي كتر خيرك .. والله قمت بالواجب واكتر وما خليت للرجالة شئ … وعلى أي حال ما تتعب نفسك ناس القضية نفسهم بجوا هنا عشان يحققوا معاي … وهم اصلاً اخدوا أقوالى …
• لا … انا لازم أمشى ليهم …
وتمد الفتاة يدها لمشلهت .
• عمو … إذا انتهيت من المراية …
• ايوا .. يا سلام … اتفضلي … شكراً جزيلاً.
ويناولها المراية ويشعر إنه في هذه اللحظة محتاج لحمام ولماكينة حلاقة ليحلق ذقنه ولنومة طويلة … طويلة …
وللمشلهت بقية ........

Abubakr Ibrahim
6th November 2010, 08:04 AM
(33)
وقف سائق التاكسي أمام المتحري…هو يسأل عن قضية مشلهت و أبكر بتاع العناقريب .
• وليه انت عايز تعرف حاجة عن قضية أبكر بتاع العناقريب ..
• انا عندي واحد قريبي مقبوض في القضية دي …
• قريبك اسمو شنو ؟
• بقولولو مشلهت
• مشلهت دا … هو وين هسع ؟
• في الاسبتالية في الثورة
• والوداهو هناك شنو ؟
• اصلو عنده قضية مع ناس غرب الحارات .
• على أي حال بالنسبة للقضية دلوقت قدام النيابة ومر علينا بعد يومين تعرف الحاصل .
ويقف سائق التاكسي ليشرب ماء من زير تحت شجرة في فناء المركز عندما يقف بالقرب من رجل جاء هو الآخر ليشرب .
• يا أخوي … بسمعك … بتتكلم مع عن قضية أبكر بتاع العناقريب .
• ايوا .. باقي عندنا ولدا لينا مقبوض … وجايين نعرف الحصل لهم شنو
• ويفاجأه الرجل قائلاً :
• اسمع يا خوي … ولدكم دا … والله قول لو الحبة دي ما جاياك … وخلو إليطمئن
• كيف ؟
• انا سمعت كلام كتير … فايت اضاني .. اصلو انا شغال في البوفيه الهناك دا… والخبورات بتجيني في محلي … اها من الخبورات السمعتها قالوا اصلو القضية دي فيها واحد اسمو إسماعيل الساعاتي وإسماعيل الساعاتي دا عنده سفلي وحتى هو اسمو ورد في القضية .. بعدين عاد بقولوا تحت تحت … إسماعيل رسل خدامو … غتسوا ليك حجر القضية … وهسع موهن قادرين يسووا شئ … لكين عليك آمان الله قضية مافي … وهداك إسماعيل الساعاتي في شغلو … دا زول ختري … من المغرب يقفل دكانو وبيتو زي العيادة … والسفلي حقو دا … سفلي كافر … نسأل الله السلامة
ويتساءل سائق التاكسي :
• لكين قال القضية قدام النيابة :
• هي وين … تسمع الكلام دا … غايتو إسماعيل الساعاتي والسفلي بتاعو عملوا عملتهم … وقلت ليك قضية مافي … وكل مرة ما بلقوا أي شهود .
• لكين المرة دي في شهود .
• شهود زي منو مثلاً ؟
• قريبي القلت ليك مقبوض دا … هو الشهد وقال جا عشان يشتري مصل .
• اوف .. اوف ..اوف .. أمانة ما كتل … لي شنو تخلي قريبك يشهد كدي … والله وقع في ورطة كبيرة … انت قايل إسماعيل والسفلي حقو دا بخلوا قريبك ؟ ديل والله بجهجهو ليك ما يقدر ينضم … إذا كان هم غتسوا حجر القضية ما بقدروا يغتسوا ليك حجر قريبك ؟
ويشعر سائق التاكسي عوض الله بخوف شديد على صديقه مشلهت … فيستفهم اكثر من الرجل :
• اسمع انت قلت إسماعيل الساعاتي ما بخليهو ؟
• طبعاً … يخليهو كيف ؟ تلقي هسع مرسل ليهو السفلي حقو مطير جنو … وفي حالة القضية ذاتها لازم زولك دا يغير اقوالو …. وبعدين انت لازم تمشى معاهو لإسماعيل الساعاتي تراضوه وتخليهو يفكوا … ديل يا خوي ناس الزول العاقل ما بقع في شبكتهم .
ويتساءل عوض الله :
• ويعني تفتكر لو مشيت أنا لإسماعيل الساعاتي ممكن يفكو لينا؟
• دون شك …
• يفكو كيف؟
• دي شغلتو هو … بس لازم تمشوا وتراضوه .
ويتحرك عوض الله وقد ألقي بجسمه داخل التاكسي في طريقه للمستشفى بالثورة وفي ذهنه تختلط أشياء كثيرة .. هل كل تلك المتاعب التي مر بها مشلهت كانت بسبب تلك الشهادة التي أدلى بها ضد أبكر بتاع العناقريب وإسماعيل الساعاتي ؟ هل مجيء أهله وعدم مقابلتهم له وما حدث له مع المسدس وعدم حصوله على المصل وعدم معرفة حاج العاقب له كلها بسبب شهادته تلك ؟ هل أرسل إسماعيل الساعاتي السفلي الذي يعمل معه ليعقدها على مشلهت بمثل ذلك التعقيد ؟ ربما … ولكن من أين يستمد ذلك السفلي قوته وقدرته على تنغيص حياة الأخرين أمثال مشلهت وهو رجل قذفت به الأقدار في دوامة من المشاكل ليس له فيها يد ولا كراع؟ .. صحيح ان الظروف التي مر ويمر بها مشلهت ليست عادية … وكانما الأقدار تترصده لتضع أمامه كومة من العراقيل والمطبات ولذلك قرر ان ينقل هذه المعلومات لمشلهت في المستشفى .
(34)
لم يجد مشلهت ماكينة حلاقة لحلاقة ذقنه ولم يأخذ حماماً بل غط في نوم عميق … تلك الأمنية الثالثة التي لم يستطع أحد ان يحرمه منها … وظلت ذقنه معشعشة تغطي جزءاً كبيراً من وجهه .
جلس عوض الله سائق التاكسي بالقرب منه يراقب الحركة الروتينية داخل العنابر … كالعادة الباعة المتجولين والمرافقين وزوار المرضي والممرضات والنقالة التي تحمل مريضاً من وقت لآخر لتضعه على سريره .
واخيراً صحا مشلهت ونظر في ساعة يده ووجد ان وقت صلاة العصر قد دخل . فجلس على سريره واصلح طاقيته بينما كان الشرطي الذي يحرسه ينام على كرسيه وقد اسند يده على حافة شباك العنبر .
• اها … مشيت للمتحري ؟
• ايوا …
• قال ليك شنو؟ …
• كلامو خلو … قال القضية لسع قدام النيابة لكين انا سمعت كلاماً اخر قالو لي زول البوفية .
• قال ليك شنو؟ ..
• قال في واحد أسمو إسماعيل الساعاتي … بتعرف الزول دا ؟
• ايوا .. بعرفو … دا اصلو الوصلني ل أبكر بتاع العناقريب .
• وانت عارف عنده سفلي ؟
• بقولوا كدا …
• الزول دا قالوا عنده سفلي كافر … وهو رسل السفلي دا وغتس حجر القضية .. وهسع ما لاقينها وقالوا زعلان منك جداً …
• زعلان مني انا .. ؟
• ايوا …
• وانا عملت ليهو شنو ؟
• كيف … انت شهدت ضدهم وقلت انك جاي تشتري مصل …
• ودي مش حقيقة ؟ ودي فيها شنو؟
• فيها انو اسماعيل الساعاتي رسل ليك خدامو عشان يجهجهوك ويخلبطوا عليك امورك … وهسع دا السبب الخلا اهلك ما يلموا فيك و لاتلم فيهم وبعدين عملية القضية الكلو يوم انت داخل في قضية .
ولم يشعر ان هناك ربطاً بين ما شهد به وما يحدث له .. فمن الطبيعي ان يدلي بشهادته والتي يقول فيها إنه قد جاء لشراء مصل ولا يمكن أن يقول بغيرها
كما إنه ليس هناك من نبهه إلى هذه المسألة .. ثم انه يمكن ان يدافع عن نفسه لانه لم يجد مصلا في الصيدليات وسمع أن المصل موجود في سوق ليبيا فماذا يفعل؟ …ولكن هل صحيح ان ما حدث له كان بسبب غضب اسماعيل الساعاتي والسفلي؟ … اذا كان الامر كذلك فانه يشكل خطورة عليه .. لقد ظل حياته كلها لا يؤمن بهذه الاشياء … فقال :
• والراجل دا عايز مننا شنو ؟
• انا الزول الكلمني قال لي لازم انت تمشي تراضيهو وتتعضر ليهو يمكن يرفع منك شوية …
• وانا امشى كيف ؟ ما انت شايف الحراسة المشددة دي …
• ولا يهمك انا بمشى لاسماعيل وبخليهو يشتغل الحكاية دي ويمهد ليك تقابلو

بالنسبة لمشلهت فالأحداث تأخذ برقاب بعضها وتشتبك كشوك شجر الكتر … لا تستطيع ان تعبر من نقطة إلى أخرى دون ان تدمي جسمك أشواك كانها قرون الشياطين . فما الذي أتي بإسماعيل الساعاتي مرة أخرى في هذا الكابوس المتسلسل … لقد ظن مشلهت ان قضية أبكر بتاع العناقريب وإسماعيل الساعاتي أمرها انتهي بأنتقاله من حراسة سوق ليبيا وتجواله بين المستشفيات وانتهائه بحراسة غرب الحارات ثم إلى هذا المستشفى بالثورة ولكن يبدو انه يجر من خلفه قائمة من القضايا ستظل تلاحقه وتنفرد به وأهله لا يدرون عنه شيئاً . أية ريح مجنونة تلك التي قذفت به إلى هذه الأصقاع دون إرادته واسلمته للتيه والأرق العبثي .
اقتحم بصره وجه عوض الله سائق التاكسي … وشعر ان عوض الله ضائع مثله .. ولكنه ضائع باختياره … فلم يكن هناك شئ يجبره ان يغوص في وحل التيه الذي يتلاطم حول مشلهت .. هل هو ذلك الفضول الذي ينتاب بعض الناس أمثال عوض الله فيجعله يغرق في تفاصيل كربة رجل اخر ؟ … لا … لا يمكن ان يفسر الفضول بقاء عوض الله بجانبه … شئ يتحرك داخل التركيبة النفسية لبعض السودانيين فيجعل منهم أسرة واحدة … تنهار بين أفرادها الحواجز والأسوار .
قال مشلهت لعوض الله :
تفتكر ممكن إسماعيل الساعاتي والسفلي بتاعو البقولوه دا يغطسوا حجر القضية وممكن كمان يتسلط على ويغطس حجري انا ذاتي ؟
ويجيب عوض الله بالكثير من التأكيد :
• يا زول … عليك أمان الله … ديل ناساً خترين .. الزول تب ما يرقد لهم على أمان .. وانا عندي الزول لو أتساوى معاهم احسن … على الأقل يكفي شرهم .
ويتساءل مشلهت :
• لكين انا ذنبي شنو عشان ما يغطس حجري ..؟ وبعدين يا أخي هو اصلو حيغطس حجري اكتر من دا يعني يعمل لي شنو ؟
• هه .. يعمل شنو ؟ … قلت لك دا عندو سفلي … جان وجان كمان كافر … والما بخاف الله انت خافو … ونحنا عايزين شنو هسع ؟ نحنا عايزنك تطلع من هنا … عشان تمشي اهلك .. وتشوف حكايتك هناك شنو .
• طيب انت بتقترح شنو .
• انا كان في محلك … لازم أصلو … واتساوى معاهو …
• أصلو كيف؟ … ما انت شايف … انا ما عندي طريقة
• كيف ما عندك طريقة ؟ انا أولا بمشى بقابل إسماعيل … انت بس وصف لي محلو ..
• محلو في سوق ليبيا .. لو سالت أي زول .. في محل الإلكترونيات بوريك ليهو … وبعد ما تمشى تقابلو حتقول ليهو شنو ؟
• انا بعد ما اقابلو … بشرح ليهو ظروفك كلها وبشوفو هو داير شنو …
• بعدين بجي بوريك ؟
ويوافق مشلهت وهو غير مقتنع مائة بالمائة ان تلك الخطوة سينتج عنها إطلاق سراحه … فهو رجل متعلم ولا يؤمن بالدجل والشعوذة … ولكن قناعته تلك وهو في محنته هذه اهتزت … فلماذا لا يجرب … ربما كانت هناك أمور هو لا يدركها تقع في لحظة زمنية مصيرية في تاريخه .
وللمشلهت بقية ......

Abubakr Ibrahim
7th November 2010, 06:58 AM
(35)
إسماعيل الساعاتي يجلس على كرسي وأمامه طربيزة لها سياج زجاجي … معلقة عليه بعض الساعات وتناثرت أمامه على سطح الطربيزة عدد من الساعات التي أخرجت أمعاؤها وملأت مساميرها أرجاء المكان … وإسماعيل يضع على عينه عدسة أسطوانية ينظر من خلالها إلى ساعة مكشوفة الحال امسكها بأصابعه وامسك بمفتاح صغير يلعب في أحشائها … و لا يرفع رأسه إلا من فترة لأخرى … أو عندما يريد ان يخاطب الولد الذي يعمل مساعدا له في المحل … ولذلك عندما وقف عوض الله أمامه … ظل إسماعيل فترة منهمكاً في العمل في أحشاء الساعة ثم توقف برهة رفع فيها رأسه فرأى عوض الله يقف أمامه .. فقال :
• أهلا .. خير
• خير ان شاء الله .. انا اصلو جاييك بخصوص أخونا مشلهت
• مشلهت دا منو
• دا الراجل الكان شهد على أبكر بتاع العناقريب وقال انو جا بيتو عشان يشتري مصل .
• انا ما بعرف زول بالاسم دا …
• يا أخي كان جاك هنا … وانت رسلت معاهو واحد وصلو ل أبكر بتاع العناقريب
• شوف يا أخي انا ما بعرف حاجة زي دي .. ولا عندي علاقة بزولك دا … ولا بي أبكر بتاع العناقريب … يمكن انت وصوك تقابل زول تاني :
• زول تاني زي منو مثلا ؟
• الناس كتار … انت أمشي شوف زولك الوصوك تقابلو
• انا بس وصوني أقابلك انت …
• يا أخي تقابلني عشان شنو ؟ انا زول ساعاتي … والناس دي كلها بصلحوا ساعاتهم عندي وعارفيني انا ما عندي كدا ولا كدا ولا بشتغل في الأمور الفارغة.
إسماعيل كان يتكلم بصوت عال وكأنه يريد ان يرسل تلك الرسالة لأحد .
لم يكترث عوض الله بما كان يقوله إسماعيل إلى اخر الحكاية حتى يفهم حقيقة الموقف ولكن إسماعيل ظل في انكاره بأنه لا يعرف مشلهت أو أي شئ متعلق بقضية أبكر بتاع العناقريب .
بالقرب من محل إسماعيل الساعاتي توجد كافتيريا من تلك التي تستطيع ان تتحصل منها على زجاجة مشروب غازي وسندوتش شاورما … وفنانة ذات صوت مشروخ تملأ الساحة غناءً هابطاً.
يا يابا يا والد
ما تبقي لي عارض
ود الناس احرجتو
بسؤالك البارد …
وبما ان عوض الله طلب شيئاً بارداً يشربه فلا بأس ان يستمع لود الناس وقد أحرجته أسئلة الوالد البارد.. وبينما هو يحتسي مشروبه ويفكر في الذي سيفعله بعد انكار إسماعيل جهاراً نهاراً لعلاقته بأي شئ يختص بمشلهت أو بمشكلته ربت على كتفه المساعد الذي يعمل مع اسماعيل في الدكان … وقال له :
• اسمع …انا عايزنك في كلمة .
• ان شاء الله خير…
• انت لما كنت بتتكلم مع اسماعيل انا كنت بغمز ليك عايزنك تفهم انو اسماعيل ما ممكن يتكلم معاك في موضوع مشلهت هنا في الدكان وناس الأمن في كل بكان .
• يعني انت بتعرف مشلهت ؟
• ايوا بعرفو .. واسماعيل ذاتو بعرفو …
• طيب يعني شنو هسع؟
• ما قلت ليك يا اخي دا ما محل كلام بخصوص مشلهت ؟
• طيب هسع نعمل شنو؟
• هسع بس انت اسمعني ..اولاً لو عايز تعرف حاجة عن قضية مشلهت لازم تجي في بيت اسماعيل .
• واسماعيل بيتو وين ؟
• ما هنا ..
• ما هنا يعني وين ؟
• بعيد شوية …انا بوصف ليك البيت .. انت لازم تجي بعد المغرب … شفت محطي الرملة …
• ايوا …
• لما تصل محطة الرملة .. على يمينك مش في محل اتصالات ؟
• ايوا…
• انا بنتظرك هناك في محل الاتصالات … ونمشى سوا …
• نمشى وين ؟
• نمشى لبيت إسماعيل …
• وإسماعيل بيتو مش هنا ؟
• ايوا … هنا بيتو .. فيهو أولادو … لكين محل الخدام والشغل هناك …
ويتساءل عوض الله :
• طيب إذا انا جيت هناك … وبرضو أتغابى فيني العرفة … وقال ما بعرف مشلهت زي ما قال.... هسع انا اعمل شنو ؟
ويجيب المساعد مؤكداً :
• ما ممكن يقول كدا … هو ذات نفسه كلمني ورسلني ليك عشان أقول ليك الكلام دا …
ويطمئن عوض الله سائق التاكسي لما سمعه من المساعد … ويتحرك راجعا من سوق ليبيا … ويعود لينقل ما دار بينه وبين إسماعيل إلى مشلهت … وانه لا شئ يمكن عمله الا بعد المغرب وذلك بعد مقابلة إسماعيل الساعاتي بواسطة مساعده في محطة الرملة .
ويقول مشلهت :
• شوف يا عوض الله … انت خلاص كتر خيرك … تعبتك معاي دحين انت أمشى قضي باقي يومك .. وأمشى شوف إسماعيل في المساء وما تجيني الا الصباح بعد ما تودي الموظفين بتاعينك … رينا يقدرنا على جزاك .
• يا راجل … انا ما عملت الا الواجب .. وانت ان شاء الله ربي يفك كربتك ويفرجها عليك .

أمور مشلهت وهو في المستشفى تسير بروتينية لا يكسرها الا حضور عوض الله سائق التاكسي والذي لازمه منذ ان تعرف عليه وقد اعتاد مشلهت ان يعطي رجل الشرطة المكلف بحراسته بعض النقود لإحضار طعام له ولرجل الشرطة الذي اصبح يعرف كل شئ عن مشلهت واخذ يشترك معه في اقتراحات تتعلق بحل مشكلته:
• انا شايف يا مشلهت .. حقو انت تشوف زول يضمنك وتقدر تمشى لأهلك … بعدين يوم القضية تجي .
• زول يضمني وين ؟ وانا عندي كم قضية هسع ؟ … قضية أبكر بتاع العناقريب وقضية الهدوم بتاعة البقجة الفاتحين على بلاغ فيها والبلاغ المفتوح برضو بخصوص المسدس وكمان ما تنسى انو حاج العاقب ما عرفني … ودا زول نحنا اتربينا سوا … يعني تاني منو الحيعرفني … وطبعاً انا ذاتي بالنسبة لأودلاي مفروض اكون مت … ودي كلها حاجات عجيبة غريبة بتجي من وين انا ما عارف .
ويوافقه الشرطي إنها فعلاً ظروف عجيبة … غير انه لا يتوانى عن إحضار الطعام .
(36)
إسماعيل الساعاتي في منزله إسماعيل آخر … ليس هو ذلك الرجل الذي ينكر انه يعرف مشلهت هذا شخص آخر … ذو شخصية طاغية متحكمة… يتحرك وسط الموجودين في تلك الصالة والتي بطنت بستائر حمراء وينطلق من وسطها بخور اجتهدت في صنعه " خردوات" عديدة مثل اللبان وحبة الملوك والكافور الطيار والكابسندة وعرق الطيب وغيرها من العيدان العطرية فتجعل الجو مسحوراً .. يسلب ما تبقي من إرادة مقاومة للدجل والشعوذة … وسط هذا الجو يتحرك إسماعيل وهو يرتدي عباءة حمراء يقال ان السفلي المرافق له أحضرها من فاس أما ما يضعه على رأسه من غطاء اخضر فقد وهبه له شيخه الذي علمه هذا العلم وذلك بعد ان بلغ مرحلة كبيرة في الشياخة … فأذن له بالعلاج وكشف المستور وتسهيل الزواج منهن وان ظفروا بالزواج يسلبهم القدرة فيصابوا بالخزي والعار … فنعوذ بالله من سوء الحال وبلاء المآل وتوبيخ النساء للرجال … يتحرك إسماعيل واسمه في البيت الشيخ إسماعيل وسط ذلك الحشد من الناس من أصحاب الحاجات والمرضى مزهوا بقدراته وما يمكن ان يتحقق على يديه وهو يعرض أصلة ضخمة يلفها حوله … جعلت عوض الله سائق التاكسي يرتجف ويتعلثم وهو يفصح عن مشكلة مشلهت للشيخ إسماعيل :
• والله يا الشيخ بدور اتكلم لكين المصيبة حقتك دي ام لسنات بالحيل مخوفاني … دحين ابعدها منى خلني اتكلم .
ويبتسم الشيخ اسماعيل بزهو :
• اتكلم … اتكلم … دي بس من الحراس … ما بتعمل حاجة
الجو كله مشحون بطاقة من السحر التي تجعل سيدنا موسى عليه السلام يتخيل من سحر سحرة فرعون ان العصي حيات تسعى … فلا غرو ان تملك ذلك السحر وجدان عوض الله .
• انا جيت بخصوص ولدنا مشلهت
• هو ولدكم؟
• يعني .. اخونا …
• واخوكم دا … ليه يغلط معانا كدا … ويخلي الخدام يزعلوا منو ؟
• والله يا الشيخ .. هو اصلوا غشيم وما عارف … وما في زول وجهو ولا كلمو يقول شنو.
• يمشى يقول هو جا عشان يشتري مصل ؟
• غايتو الحصل … حصل … وانت عايزنك تسامحو وتحل مشكلتو … هسع أهلو ذاتهم ما عرفوه .
• ايوا … اهلو ما يعرفوه … عشان نحنا والخدام زعلانين منو جداً … أبكر بتاع العناقريب دا راجل أخونا وما عمل ليهو حاجة … يمشى يفتن عليهو ؟
• ما خلاص … انت بس سامحو …
• انا بسامحو … بشرط انو يمشى يغير اقوالو ويقول انو هو ما جا بيت ابكر عشان يشتري مصل لكين جا عشان يشتري حبال … وكان قاعد منتظر يديهو الحبال وبعدين هم قبضوا عليهم … يقول الكلام دا قدام النيابة .
• خلاص … دي ليك على … انا اخليهو يغير اقوالو … هو اصلو جا عشان يشتري حبال … وبعدين كان منتظر يقوم يديهو الحبال والبوليس جا وقبض عليهو … وانا ذاتي ممكن اقول الحبال دي كان جايبها لي انا … انا الوصيتو يجيب لي الحبال … ويشعر الشيخ إسماعيل بقدرته على السيطرة على زبونه فيسأله :
• انت لكين عندك ناس مضادينك في التاكسي بتاعك دا وديل ناس قريبين منك
ويفتح عوض الله فمه من الدهشة … فمن اخبره بذلك ؟
• والله يا شيخنا كلامك تمام … وانا حالتي جيت في موضوع أخونا مشلهت تقوم انت تشوف لي موضوعي انا ذاتي ؟ والله دي حكاية عجيبة .
ويؤكد الشيخ إسماعيل :
• ولا عجيبة ولا حاجة … الخدام دلوقت كلموني …
• طيب انا اعمل شنو ؟
• في كلام كتير تقدر تعملو
• طيب ما تعملو لي انت …
• خلاص نشوف الخدام بقولو شنو
ويغمض إسماعيل عينيه كمن يستمع لصوت يأتيه من بعيد وبقول
ايوا … ايوا …تمام … تمام … خلاص نبلغو … طلباتكم ؟ معقول … معقول … معقول
ويفتح إسماعيل عينيه :
• الخدام بقولوا … نعمل ليك كشحة … انت تاخذها وتكشحها محل الجماعة ديل يلمو .. تاني ليوم القيامة ما يلمو … وانت تمشي تلقى شهادة البحث بتاعة التاكسي باسمك … وناسك ديل مارقين كيت ..
ويصيح عوض الله بفرح :
• الله يبارك فيك … خلاص يعني ارقد قفا ؟
• ايوا ارقد قفا … واشخر كمان .
• الله يبارك فيك .. خلاص تكون مشكلتي اتحلت .
• ومشكلة صاحبك مشلهت اتحلت … لكين لازم يمشى يغير اقوالو
• يا سلام .. دا كلامك؟ … يمشى يغير اقوالو هوا .
• والخدام بقولوا .. هم ما بياخدوا قروش هسع لكن تديهم أيراد التاكسي بتاع يومين … ولو نقصت منو قرش هم بيعرفوا الحكاية دي وبعدين التاكسي بتاعك دا ما بقوم من محلو
ويصيح عوض الله بفزع .
• لا .. لا .. انا كلو شئ ولا يقيف التاكسي إيراد بكرة وبعد بكرة ان شاء الله يصلك هنا في محلك .. بس انت طمن الخدام .
ويشعر عوض الله انه قد انجز عملاً عظيماً لصديقه مشلهت ولنفسه لأن موضوع التاكسي كان يؤرقه جداً وخاصة من الذين استدان منهم بعض المال وذلك لتصليح وعمل عمرة للتاكسي … واضطر أن يرهن التاكسي بأسمهم … وهم يطالبونه فيضطر إلى الزوغان منهم … وألآن فانه سيرتاح منهم إلى الأبد بتلك الكشحة وقبل ان يغادر منزل إسماعيل … طلب منه إسماعيل ان يبقى فترة حتى يقضي بعض الأمور مع شخص نادى عليه من وسط الناس … فإذا به يقول له :
• شوف انت مشيت سنار لابو راكوبة عشان المسدس بتاعك … وابو راكوبة ما عمل ليك حاجة … دلوقت انا جبت ليك زول مشلهت هنا في محلك وهو من دربه دا ياخدك لمشلهت محل ما يكون وانت تلقي المسدس بتاعك .
ويسلم ذلك الشخص على يد الشيخ إسماعيل ويتجه نحو عوض الله .
• انت بتعرف محل مشلهت ؟
• ايوا…
• يا سلام … خلاص انا ما بفكك لحدي ما توديني لمشلهت … انا مشيت سنار لابوراكوبة طلع غير راكوبتو ما عنده حاجة … وهسع أخوي زكريا جابني هني … وقال لي الناس وصفوا ليهو شيخ إسماعيل … واهو شوف جابك من وين عشان توديني لمشلهت .
• انت منو؟
• انا الرقيب موسى الحاكم … كنت حارس مشلهت في الاسبتالية … بعدين جيت لقيتو مافي … والمسدس بتاعي برضو مافي عشان هو اخدو معاهو … وانا مشيت سنار عشان أحوطه عشان ما يمرق من ولاية الخرطوم .
• يمرق وين … يا أخي دا فاتحين عليهو ستين بلاغ وهسع عشان مسدسك دا ودهو لغرب الحارات :
• غرب الحارات .. دا انا كنت تابع ليهو … وهسع مشلهت وين ؟
• مشلهت في المستشفى في الثورة …
• طيب يلا وديني ليهو بالليل دا … ما بنتظر لبكرة الصباح .
• يلا نمشى…
وخرج الاثنان من منزل شيخ إسماعيل في طريقهما إلى المستشفى بالثورة .

وللمشلهت بقية ...

Abubakr Ibrahim
8th November 2010, 06:33 AM
(37)
اختفت حركة الزوار داخل عنابر المستشفى وبقيت حركة المرافقين وبعض المرضى الذين وجدوا ان الجلوس مشكلة وان النوم مشكلة وان " الصحيان" مشكلة … واخف تلك المشاكل ان يتجولوا بين ردهات المستشفى والعنابر … يزورن دورة المياه دون هدف معلوم ويقفون ليبصقوا خارج البرندات … في انتظار ان يأتي النهار فإذا جاء النهار تحوصلوا داخل قلقهم حتى يهبط الليل … ولكن مشلهت كان يغط في نوم عميق عندما وقف بالقرب من سريره عوض الله سائق التاكسي والرقيب موسى الحاكم .
ومن أغوار سحيقة يعود مشلهت ليرى شبح الرقيب موسى الحاكم أمامه فينهض من نومه مذعوراً:
• بسم الله الرحمن الرجيم … منو ؟
• كيف حالك يا زول ؟
• انت مش … مش
ويرد عوض الله :
• ايوا … هو ذاتو …
• وجيت من وين … ولاجبتو من وين هسع ؟
• كدي انت روق وأهدأ .. وبعدين نشرح ليك
وفي هذا الأثناء يصحو الشرطي المكلف بحراسة مشلهت وقد تسربت إلى أذنيه تلك الضوضاء • اها … يا أخوانا …. انتو عاوزين شنو ؟
ولكنه يتدارك السؤال عندما يلمح عوض الله :
• ايوا … عوض الله …لا … كويس .. كويس …
ويجلس الرقيب موسى على طرف السرير الذي جلس عليه مشلهت بينما يجلس عوض الله بالقرب من الشرطي الآخر … وتتقدم منهم امرأة منطفئة النظرات … وتقول :
• في زول فيكم عنده حبة وجع راس ؟
ويلتفت كل منهم نحو الآخر وكانه يبحث في جيوب الآخر قبل ان يبحث في جيبه وذلك لتأكده انها خإلية من حبوب وجع الرأس …
• انتي ما تشوفي الممرضة … تديكي حبة …
• الممرضة ما عندها… وقالت لي … شوفي الجماعة العيانين ديل بتلقي في زول فيهم عنده حبة وجع راس
ويدخل مشلهت يده تحت المخدة ويخرج قرصين بندول ويسلمها للمرأة :
• خدي …
• يا يابا تتبارك …
وتتحرك المرأة مبتعدة عن المسرح … هذا مستشفى … يتحرك في داخله الباعة والمتسولون .. ولكن تسول الدواء من المرضى هذا لم يسمع به أحد من قبل ولكن بالنسبة لمشلهت فان ظهور الشرطي صاحب المسدس الذي اختفى مرة أخرى جعل الأمور تتحرك في عدة اتجاهات ويتساءل مشلهت :
• انت اصلو حكايتك شنو ؟ مش انت كنت آخر مرة في مستشفى السكر ؟
• ايوا …
طيب … مش خليت المسدس بتاعك معاي وقلت لي انا ماشي أتسير ؟
• ايوا
• وتاني ما جيت؟
• لا … جيت لكين ما لقيتك … مافي زول قال لي انت مشيت وين …
• يعني انا … أكون مشيت وين ؟
• ما انا قلت يمكن انت هربت بالمسدس بتاعي …
• طيب وعملت شنو ؟
• ماياهو … بعد داك … انا مشيت لاخوي زكريا … وهو قال لي تمشي سنار
• وتمشى سنار ليه ؟
• عشان نشوف كلام المسدس دا
• وباستغراب شديد يستفهم مشلهت :
• كلام المسدس في سنار ؟ وسنار دخلها شنو ؟ والودا المسدس لسنار شنو؟
• ما ياهو دا كلام زكريا … قال انت تمشي لابوراكوبة في سنار وهو بوريك المسدس والزول الشال المسدس وين … دا كلام زكريا أخوي …
• يا أخي … بدل تسال ناس الاسبتالية عني وعن المحل الودوني ليهو … تمشى تسأل ابوراكوبة في سنار ؟ وتدخلنا نحنا في حيص بيص ؟ انت عارف انو بسبب مسدسك دا انا فاتحين لي بلاغ في غرب الحارات … مش انت كنت في غرب الحارات ؟
• ايوا …
• طيب هسع انت حتتصرف كيف ؟
• انا بكرة بمشى لغرب الحارات وببلغ هناك …
ويتدخل الشرطي الآخر وكان قد عرف القصة كلها من مشلهت .
• لا … انت ما تمشي غرب الحارات …انت تمشي تبلغ مع وحدتك في سوق ليبيا … مش انت نقلوك هناك سد طلب ؟
• ايوا
• خلاص انت شيل معاك اورنيك … قول انك كنت عيان وكان عندك ملاريا شديدة وهسع نصيح وجيت راجع …
• وحكاية المسدس أقول فيها شنو ؟
• قول انك خليتو مع مشلهت … ولما جيت راجع ما لقيت مشلهت عشان هم كانوا حولوه لمستشفى السكر … لكين برضوا دا كلو ما بمرقك من المساءلة … أصلك خليت شغلك وأهملت في حراسة متهم …
• وبعدين كيف موضوع المسدس دا ؟
• المسدس ناس سوق ليبيا بكتبوا جواب لغرب الحارات وبرسلوك هناك عشان يأخذوا أقوالك عشان انت ماخد المسدس عهدة منهم … وبعدين هم يشطبوا القضية ضد الزول دا …
ويبدو على الرقيب موسى الحاكم انه قد اقتنع بما يفعله … وهدأت خواطر مشلهت الا إنه يريد ان يعرف كيف سارت الأمور مع إسماعيل الساعاتي وبالأحرى كيف التقي سائق التاكسي عوض الله بالرقيب موسى الحاكم ؟
• وانتو اتلاقيتو كيف ؟
• يرد عوض :
• لقيتو بالصدفة عند إسماعيل الساعاتي ….
• وهو ذاتو مشى إسماعيل الساعاتي ؟ والله دي حكاية ….
• ايوا … انا بعد ما جيت من سنار وأبو راكوبة ما عمل لي حاجة … أخوي زكريا قال نمشي نقابل إسماعيل الساعاتي … كمان جيت هناك …. ياهو لقيت الزول دا … وإسماعيل الساعاتي قال لي :
• شفت الشغل كيف ؟ اهو نحنا جبنا ليك الزول البوديك لي مشلهت في محلو…
• ويفتر فم مشلهت عن ابتسامة
• يعني هسع اسماعيل الساعاتي جابك لي هنا؟
• ايوا إسماعيل الساعاتي انا بسمع قالوا عندو سفلي بوريهو حاجات كتير… ومن ضمن الحاجات ياهو وصف محلك … وشوية كدي جا سيد التاكسي دا وجابني ليك .
• على العموم انا ذاتي كنت عايزك … عشان تفكني من حكاية المسدس دا … الفاتحين على بلاغ بسرقته … ويلتفت نحو عوض الله :
• اها … ما قلت لي حصل شنو مع إسماعيل الساعات .
• إسماعيل الساعاتي كان زعلان جداً
• مني انا ؟
• ايوا … زعلان منك … قال انت شهدت ضد صاحبو أبكر بتاع العناقريب والخدام زعلانين جداً وعشان كدا قاموا عملوا ليك الجهجهة دي كلها … ودلوقت لازم تمشى تغير أقوالك تقول انك جيت تشتري عناقريب ويصمت مشلهت برهة ثم يتساءل :
• وافرض أبيت أغير أقوالى …. الحيحصل شنو ؟
• الحيحصل الله لا وراك ليهو … يا زول … إسماعيل دا ملعون … والسفلي ألعن منو … البدخلك في شبكتو شنو ؟
يتدخل الرقيب موسى الحاكم :
• والله كلامك صحي … انا إسماعيل دا مما شافني طوالي سألني قال لي مشكلتك شنو ؟ حكيت ليهو المشكلة … ما اشعر ليك الا دقائق كدا وناداني وقال لي اهو دا الزول البوديك لمشلهت … وناس كتار حل ليهم مشاكلهم … وانا شايف … إذا قال ليك تغير أقوالك … تغيرها المكاجرة ما من الصالح … وانا بكرة بمشي ببلغ هناك …. وممكن اسحب ورقة الأقوال دي ذاتها …
ان فكرة تغيير الأقوال التي ينادي بها إسماعيل الساعاتي ويروج لها عوض الله سائق التاكسي والرقيب موسى الحاكم تحتاج لتقليب على نار هادئة في دماغ مشلهت فهو رجل قضى فترة من الوقت في السجن من قبل في نظام الحكم المايوي وذلك لانه رفض ان يغير أقواله في ادانة الوزير … ولما كان شخصاً ناشفاً مثل الويكة لم تستطيع كل الاغراءات ان تجعله يغير أقواله … فحكم عليه بالطرد من الوزارة … واضطرته الظروف إلى الهجرة خارج السودان … وعاد أخيرا ومر ببعض الصعاب ولكن الناس كالأشجار … ينحنون للطرق المستمر ولكنهم يخضرون من جديد … وهاهو ألآن يواجه بإمتحان جديد … فهل يصمد أم ان الظروف تستدعي ألا يكون الشخص لينا فيعصر ولا يابساً فيكسر … وان كانت كمية العصر التي تعرض لها تفوق توقعاته …. مما جعله يؤمن ان ألآنسان لفي خسر .
وما الذي سيحدث لو انه انكر انه قال انه جاء لشراء مصل – الدليل الوحيد الذي يدين أبكر بتاع العناقريب – وقال انه جاء ليشتري حبال؟ … هل عدم انكاره سيوقف سيل الأدوية التي تباع " كيرى" أي خارج نطاق التصاريح الطبية والضوابط الطبية ؟
وانتقل إلى السطح سؤال ظل يلح عليه من وقت لآخر .
• لماذا هو هنا ؟ ما الذي يبقيه هنا في هذا السرير وفي هذا المستشفى بصحبة هذا الحرس الذي توطدت علاقته به ؟ ان كان ذلك للعلاج فهو لا يجد علاجاً … كل الذي يجده فحوصات تقوم بها الممرضة أحيانا فما الذي سيحدث لو انه عاد إلى مركز الشرطة وبقي في الحراسة هناك ؟ على الأقل سيضمن تحريك قضيته … وهو قد نسي تماماً الكلب … والمصل المضاد للسعر … ولذلك عندما أعلن عن رغبته صراحة في الرجوع إلى الحراسة بسوق ليبيا بادره … الشرطي قائلاً :
• مركز ليبيا ما عندو بيك أي شغلة … دلوقت انت مقبوض في بلاغ في مركز غرب الحارات ولو عاوز تمشي هناك خلي ناس سوق ليبيا لو عايزنك يطلبوك من قسم غرب الحارات .
• حتى لو ما عندي حاجة مع غرب الحارات ؟ وحتى لو الرقيب موسى مشى وشرح ليهم الموضوع ؟
• ناس غرب الحارات بعرفوا ليك دفترهم دا وبعرفوا المكتوب فيهو شنو … وإلى ان يكتب في الدفتر ان القضية شطبت في مرحلة التحري أو ما بعد التحري فالوضع هو … هو
(38)
وفي هذا الأثناء تأتي الممرضة وبطريقة روتينية تتناول أوراق المريض مشلهت لتفحصها ثم تسأل:
• طيب … انت عندك سكري .. والسكر مرتفع ….
وبتاخذ حبة دوانيل في الصباح وحبه في المساء وعندك غذا خاص
ويقاطعها مشلهت :
• اهو دا ما حصل … غذا بتاع شنو ؟ انا من ما جيت هنا بأكل من حسابي وبأكل العسكري دا معاي .. ويعني انا محل ما أمشي بستعمل الحبايتين ديل بالطريقة دي … ودي محتاجة ليها لإسبتالية ؟
وترد الممرضة :
• يا أخي ماهي دي اصلها الاسبتالية كدا ولا انت ما عارف؟ … وبعدين يا أخي حقو تحمد الله انك في الاسبتالية على الأقل بجوا اهلك بزورك كل يوم … وناس كتار في السجن عايزين يجوا هنا ما لاقين .
ويصيح مشلهت :
• أهلي وين يزورني ؟ حلوين زي ديل بجوا يزورني ؟ ليه … انا عندي أهل ؟

وتشعر الممرضة بمرارة شديدة في كلمات مشلهت ولكنها لا تدري لها سبباً … الا انها تصر على رأيها :
• شوف من هنا ما عندك مرقة الا الدكتور يكتب ليك …. ويتدخل عوض الله سائق التاكسي :
• ما يمرق كيف ؟ مش عندو اورنيك طبي هنا ؟
• ايوا … لكن إلا يجي الدكتور يكتب في الاورنيك دا خروج ويسلمه للحارس بتاعو …
ذلك الحوار الذي دار ليقرر مصير مشلهت أضاف لحيرته حيرة جديدة … ولأول مرة يشعر انه في سجن حقيقي … وتفور في داخله نافورة من الأحزان والكآبة. لقد فقد صبره ورباطه جأشه وأهله وذلك الخيط الذي يربطه من الداخل ويجعله يشد حيله وألآن فقد حريته وهو ميت مدفون بالحياة … ففي نظر أهله مات وانتقل إلى جوار ربه ونصب صيوان العزاء … أمه جميع معارفه وأهله وأصدقاؤه وجيرانه ونشر نعيه في الصحف مع انه ينادي ويصر على انه حي وانه مستعد لاعطاء الدليل على ذلك ولكن الحصار الذي ضربته حوله الممرضة وحارسه والبلاغات المفتوحة ضده ثم تلك المساومة التي فرضت عليه مع إسماعيل الساعاتي لتغيير أقواله … كلها تدفنه بالحياة … فهل سيبقي حجراً ملقى على قارعة الطريق أم انه سيملك إرادة من نوع ما ويتدحرج إلى المكان الذي يختاره ؟
في تلك الليلة لم يستطع مشلهت ان يعقد حلفاً مع النوم. لقد كان يشعر بأن الكلب الذي عضه في البداية تحول إلى وحش جائع يعوي في داخله وهو ألآن يعيش في ذاكرة الأمس.. شخص كان يتحرك بإرادته واليوم فهو لا يملك الا ذاكرة مليئة بالاحباطات والخيبة .
تحرك من سريره ومشى في الممر الذي نام الرجال والنساء على جنباته والرائحة المميزة للعنابر تملا خياشيمه وهو لا يرى لماذا وصل إلى هنا … وكان يقصد دورة المياه وليس له رغبة في ذلك … ربما كانت تلك الخطوات هي الوحيدة التي بقيت له يمارس من خلالها إرادة محصورة في مساحة لا تتعدى ستين متراً مربعاً هي بطول الممر وعرضه … وعندما رجع إلى سريره واستلقي لينعم ببعض الراحة والنوم كان الآذان يعلن دخول الفجر.
في الصباح جاءت عربة عليها شرطي يحمل أمرا بأخذ مشلهت إلى مركز سوق ليبيا. كان هناك ممرض تولى أمر العنبر جاء خلفاً للممرضة التي كانت تؤدي وردية الليل .
• عندنا أمر هنا عشان نأخذ مشلهت للحراسة …
• بس الراجل دا عيان … وحالته امبارح ما كانت كويسة وهو دلوقت نايم
• نايم نصحيه..
• ايوا … بس انتظر يجي الدكتور عشان يكتب ليهو خروج .
• نحنا مش عايزين يكتبوا ليهو خروج … نحنا حناخدوا عشان ناخد اقوالو … وبعدين نرجعوا …
ويوافق الشرطي المرافق لمشلهت .. والذي جاء لتوه ليغير الشرطي الذي كان مرابطاً بالقرب من مشلهت ليلة البارحة .
• ايوا … دا إجراء عادي … اصلوا قاعدين ناخذهم ونرجعهم والموضوع تحت تعهدنا …
ويرد الممرض :
• بس انا غير مخول لي عشان اكتب خروج أو أدي إذن لمريض عشان يخرج … انتو انتظروا الدكتور يجي في المرور ويكتب ليهو خروج ؟
• بس نحنا لازم ناخدوا عندنا جلسة بعد ساعة ووكيل النيابة لازم يشوفو ويسمع اقوالو. ولا يستطيع الممرض ان يعترض سبيل الشرطي وهو يوقظ مشلهت ويخبره بأنه مطلوب للمثول أمام النيابة في شرطة سوق ليبيا. لم يفاجئ هذا الأمر مشلهت لانه كان قد تعود على ان تحمله الأحداث ولا يحمل هو الأحداث فإذا كانت الأحداث ألآن تحمله على ظهر عربة إلى مركز سوق ليبيا … فان ذلك يتوافق مع جريان الأحداث التي مر بها .
خرجت عربة البوليس من المستشفى وعلى ظهرها مشلهت و بقية أفراد الشرطة و الشخص الوحيد الذي كان غائبا عن هذا المولد هو عوض الله سائق التاكسي و لهذا التفت مشلهت إلى الممرض موصياً:
• بالله إذا عوض الله جا هنا قول ليهو مشلهت أخدوه لمركز البوليس في سوق ليبيا و بعدين حيرجعوه آخر اليوم.
و في مركز الشرطة كان وكيل النيابة يوجه أسئلته التقليدية لمشلهت .. اسمك ، عمرك ، عنوانك … الخ ثم قرأ عليه الاتهام و هو انه متورط بأنه قد احتال على البائع المتجول فأخذ ملابسه دون حق و اختفى.. و كان البائع المتجول يقف على ناحية و هو ينظر إلى مشلهت و تتجاذبه مشاعر متعددة .. هل فعلاً هذا هو الرجل الذي احتال عليه ؟ و لماذا احتال عليه و هو قد ذهب لإحضار أهله لرؤيته؟

أوضح مشلهت للمتحري انه فعلاً أخذ بقجة الملابس بعد ان تركها البائع المتجول معه و ذلك عندما أخذ للمستشفى إذ انه ليس هناك مكان يتركها فيه .. و عندما عادوا به من المستشفى مرة أخرى للمركز وجد بلاغاً مفتوحاً ضده و انه قد سرق الملابس و هو يقول انه لو كان فعلاً ينوي سرقة الملابس أو الاحتيال على صاحبها .. لم تركها دون ان تمسسها يد و دون ان يفقد صاحبها قطعة واحدة ؟

ظهر التأثر على وجه البائع المتجول و هو يستمع إلى مشلهت يدافع عن نفسه و شعر انه قد تسرع بفتح ذلك البلاغ و لذلك عندما سأله وكيل النيابة عن رأيه فيما سمعه من مشلهت أجاب:
• و الله يا جنابو انا يبقى لي غلطت .. و الزول دا ما عليهو شبه سرقة .. لكين تقول شنو .. انا جيت و ما لقيتو و ما في زول قال لي هو وين.
و يقاطعه وكيل النيابة:
• يعني انت عايز تشطب البلاغ ؟
• انا بقول الزول دا شايفو كدي ود حلال .. و يقاطعه وكيل النيابة مرة أخرى:
• يا أخي خليك من حكاية شايفو .. و ما شايفو انت عايز تشطب البلاغ و لا لا؟
• انمهل يا جنابو اللحدثك
و لكن جنابو لا ينمهل .. فالموضوع يحتاج لكلمة و غطايتها.
• ما بنمهل .. انت عايز تشطب البلاغ ؟
• أيوا
• خلاص شطب البلاغ كطلب الشاكي و عليه تقفل القضية و تحفظ. 
وللمشلهت بقية ......

Abubakr Ibrahim
9th November 2010, 06:44 AM
(39)
سارت عربة البوليس على ذات الشوارع المزدحمة في طريقها لمركز غرب الحارات .. و بقي مشلهت ساهماً ينظر من خلال النافذة تنقله أفكاره الشاردة إلى أزمان بعيدة في الذاكرة .. لا يشوش عليها إلا توقف العربة أمام إشارة المرور و متسول يمد يده من خلال النافذة يطلب شيئاً .. فلا يجيب عليه أحد .. و من وقت لآخر يدخل سائق العربة مع العسكري في حديث مثل:
• هسع تلقوا موية وين في غرب الحارات ؟
• الموية تجي و تقطع .. و ناس الحارات أغلبهم بيشتروا الموية من ناس الكارو ..
• و يتذكر مشلهت انه قرأ مرة ان الحرب القادمة ستكون حرب مياه و خاصة في منطقة الشرق الأوسط فقال:
• انتوا عارفين الحرب الجاية حتكون حرب مياه ؟
• كيف يعني تكون حرب مياه ؟
و يجيب مشلهت إجابة الشخص المستنير:
• أصلو الحكاية انو ما حتكون في موية كفاية .. عشان كدا لازم الدول تتحارب عشان كل دولة تاخد نصيبها من الموية..
و يلتفت نحوه العسكري و يقول:
• و هي دي حالتها حرب جاية ؟ نحنا عندنا هناك جات من زمان و بتحصل هسع كل يوم…
و يتساءل مشلهت:
• جات وين ؟
و يجيب العسكري إجابة الواثق:
• انت ما سمعت بالحرب بين المعالية و الرزيقات في الدونكي بتاع أب كارينكا في سنة كم و سبعين؟ ما عرفت الماتوا كم من الجانبين ؟ تفتكر ماتوا في شنو ؟
• مش ماتوا في الموية ؟
• بالله حصلت حكاية زي دي ؟
• و انت كنت قاعد وين .. ما سمعت بحكاية زي دي ؟

أما مشلهت فكان وين ؟ هذه قصة طويلة و لو حكاها لما انتهت .. و يبدو ان الحرب بين المعالية و الرزيقات قد حدثت عندما كان في بلاد الإغتراب .. و يبدو اننا نسبق العالم في جميع الحروب .. و لو بحثنا في التاريخ القديم لوجدنا اننا قد سبقنا حرب داحس و الغبراء بحرب بين موسى ود جلي و بين يوسف ود سنينات .. و يواصل العسكري حديثه:
• هناك الموية و المرعى سبب موت الرجال ..
• و في مداخلة سريعة يقول سائق العربة:
• و النهب المسلح …
• النهب المسلح دا .. ما جا ورا .. في اليومين دي ..
• في اليومين دي كيف ؟ … و طيب الهمباتة ديل كانوا بعملوا شنو ؟
و يستمر النقاش حول ظاهرة النهب المسلح و حول المياه التي تقطع في جميع الحارات .. و يتذكر الرجال عندما كانت السيول تغمر الحارات فينقطع الماء و يغرق الناس من تحت و يعطشون من فوق … جملة من متناقضات المشهد السوداني و كأننا قد انفردنا بها…
و تصل العربة إلى مركز غرب الحارات … و ينزل مشلهت و العسكري و يدخلان مكتباً يجلس بداخله أحد الذين يقومون بالتحري و بعد ان يؤدي العسكري التحية العسكرية يقول:
• المتهم دا قالوا نجيبوا عندكم هنا …
• و يتساءل :
• أولاً هو منو و تجيبوا هنا عشان شنو ؟
• عشان في بلاغ مفتوح ضده هنا …
• بلاغ بتاع شنو ؟
• بلاغ حيازة مسدس حكومي بدون ترخيص …
• و يتذكر برهة ثم يقول:
• أيوا .. دا مش الكان مع الرقيب موسى الحاكم ؟
• أيوا ..
• و هسع انت جبتو من وين ؟
• جبتو من سوق ليبيا
• و الوداهو سوق ليبيا شنو ؟
• عشان كان عنده بلاغ مفتوح هناك و شطبوه …
• و هو أصلاً كان وين ؟
• كان في الاسبتالية .. بعدين أخدناهو من الاسبتالية للبلاغ في سوق ليبيا و هسع جبناهو هنا ..
• و ليه ما رجعتو الاسبتالية ؟
• عشان الرقيب موسى الحاكم مشى بلغ هناك …
• و في هذه الأثناء يدخل الشرطي سائق العربة …
• انا أمشى يا جنابو ؟
• تمشى وين ؟
• أرجع سوق ليبيا .. أصلو قالوا لي وصل الجماعة ديل و تعال طوالي ..
• لا .. انتظر شوية .. عشان تاخد الراجل دا و العسكري المعاهو لللاسبتالية في الثورة هناك ..
و باستجداء يقول العسكري:
• يا جنابو انا مفروض أكون في الراحة .. و يجي واحد يغيرني ..
• و انت معاك منو ؟
• معاي النفر عبيد
• طيب هسع تاخد الراجل و تمشي معاهو الاسبتالية الأورنيك بتاعو بكون هناك .. و انا أخلي النفر عبيد يجيك يغيرك..
• و هنا لا بد ان يقول مشلهت شيئاً … فيسأل:
• طيب و انا هسع مصيري شنو ؟
و ينتبه لذلك السؤال الذي لن يجد له إجابة إلا بعد ان يعرف أين الرقيب موسى الحاكم فيتساءل:
• طيب الرقيب موسى الحاكم نفسه وين هسع ؟
• و يجيب العسكري:
• هناك بتحروا معاهو في سوق ليبيا …
• يعني هو اتعرف ليهو محل ؟
• أيوا
• و يلتفت ناحية مشلهت:
• خلاص القضية بالنسبة ليك قربت تخلص .. الرقيب موسى الحاكم يتحروا معاهو في سوق ليبيا بعدين يجي عندنا هنا و يقول حسب روايتك انو خلى المسدس العهدة عندك و لما جاء ما لقاك نقلوك لمستشفى السكري حسب ما قلت في أقوالك .. و بعد دالك بنطلق سراحك .. إلا إذا في حاجة تانية .. على العموم انت دلوقت ارجع الاسبتالية .. و هناك أحسن ليك من هنا …
و يخرج مشلهت ليصعد على ظهر العربة و تتردد كلمات في إذنيه:
• إلا إذا في حاجة تانية ..
طبعاً في حاجة تانية و تالتة و رابعة .. من الذي قال ان مشاكله ستنتهي بمجرد ان يدلي الرقيب موسى الحاكم بأقواله ؟ و كما هو واضح من الأقوال التي أدلى بها الرقيب موسى في مركز سوق ليبيا فإنه كان يحاول ان يخرج من ورطته و ذلك بإلقاء المسئولية كلها على مشلهت .. فكما ألقى بمسدسه الحكومي في يد مشلهت فكذلك سيلقي بتبعاته عليه .. و شعر مشلهت في تلك اللحظة انه يحتاج فعلاً لمحام قدير يعرف كيف يخترق الثغرات في أقوال الرقيب موسى الحاكم .. و في هذا الوقت بالذات هو في حاجة لصديقه عوض الله سائق التاكسي و الذي كان يتبعهم بعربته إلى مركز غرب الحارات .. و ألآن فهو لا يدري أين اختفى عوض الله
(40)
عوض الله في طريقه إلى غرب الحارات و هو داخل عربته التاكسي .. و لا ينوي ان يأخذ ركاباً .. استوقفه شرطي المرور وهو قد اعتاد على ذلك إذ ان شرطة المرور يقضون وقتاً كبيراً في فحص أوراق السائقين و رخصهم و دائماً تكون أعينهم مفتوحة على سائقي التاكسي. و لذلك فهو يحرص على ان تكون كل أوراقه حسب النظام ولا يحاول ان يخالف القواعد و إشارات المرور ، و لذلك فان إيقاف رجل المرور له لا يهمه كثيراً لان الموضوع لن يتعدى دقيقة أو دقيقتين ويطلع على أوراقه ثم يشير عليه بالتحرك .. و سيلحق بصديقه مشلهت في مركز غرب الحارات .. و لكن رجل المرور هذه المرة صعد إلى عربته و أمره ان يسير بسرعة ليلحق بعربة كان رجل المرور قد أشار لسائقها بالتوقف فلم يتوقف .. و من حق رجل المرور ان يستعين بأي مواطن في مثل هذه الحالات طالما إنه لا توجد عربة مرور أو موترسايكل لدي سلطات المرور .. العربة المطاردة زرقاء اللون ذات زجاج مظلل لا يدري أحد من بداخلها .. كما انها سريعة تمر من بين السيارات كالسهم فكيف يطاردها و هو يسير على عربة كورولا موديل 76 ومن قطع غيار تلك السنة التي انتجت فيها لا شئ يدل عليها إلا إسمها .. و هو يحافظ عليها إذ أنها عادت للخدمة من جديد بعد انتهاء عمرها الإفتراضي و الإضافي والجزافي .. فتساءل قائلاً:
• العربية الزرقاء دي ؟
• أيوا
• عمل شنو ؟
• أشرت ليهوا عايز أشوف ترخيص التظليل .. رفض يقيف ناس ما عارف مخهم كيف .. انت أسرع شوية ..
يسرع شوية ؟ سيسرع كثيراً لو يقدر و لكن هذه قدرته و تقف الحركة فيجدها رجل المرور فرصة سانحة فيقول لعوض الله:
• انت أطلع بجاي و حاول تجيهو من قدام ..
و يحاول عوض الله ان يتجاوز الصفوف المنزرعة أمامه و المتزاحمة بالمناكب الحديدية .. فتسير العربة و نصفها على التلتوار و نصفها على شارع الأسفلت .. و عندما تقترب من بداية الصف تضئ الإشارة باللون الأخضر فتنطلق العربة المطاردة كالسهم .. و تندفع جحافل العربات فتضيق المساحة على عربة عوض الله فينزل شرطي المرور ليوقف العربات و ذلك ليسمح لعوض الله بالدخول في الشارع مرة أخرى ثم يصعد إلى العربة و تكون العربة المطاردة قد توارت عن ألآنظار … و لم يفطن عوض الله إلى وجود سائق موتر على شماله فيدلف شمالاً حيث يصطدم به سائق الموتر فيقع على الأرض وسط ذهول رواد الشارع.
يوقف عوض الله سيارته و ينزل رجل المرور و يحاول ان ينهض سائق الموتر و الذي يبدو عليه أنه قد أصيب على الجنب الأيسر من رأسه حيث كان الدم يتدفق .. و لم تمض دقائق حتى ضاق الشارع بمن فيه و ذلك لتجمهر الناس و هم يتأملون منظر سائق الموتر ملقى على جنبه و العسكري منحني فوقه .. و توقف رجل يحمل جوالاً و قال:
• أديني رقم أتصل بيهو للأسعاف ..
• و في كلمات قليلة شرح الرجل للجهة من الجانب الآخر من المكالمة تفاصيل ما حدث و طلب منهم إسعاف الرجل و مضت فترة ليست بالقصيرة ثم جاء الإسعاف و كانت هناك سيارة مرور نزل منها ضابط تفقد مكان الحادث و وجه حديثه لرجل المرور الآخر:
• إيه الحصل ؟
• دا كان جاي من هنا و قام لف على شماله و صاحب الموتر كان على شماله .. و حصلت الحادثة ..
• و انت عملت شنو ؟
• نحنا بنعمل في الإجراءات لحدي ما الزملاء البغطوا المنطقة دي يجوا ..
• و انت يا زول ما كنت شايف بتاع الموتر بشمالك ؟
• لا أبداً .. انا لو شفته ما بلف على شمإلى …
• انت عندك رخصة وتأمين وأوراقك كلها جاهزة ؟
• أيوا عندي … و ما ناقصاني حاجة ..
• المهم عندنا الزول ده بعدين يكون كويس ..
• ان شاء الله …
قضي عوض الله فترة طويلة و هو بين شرطة المرور و بين المستشفى و بين أهل سائق الموتر .. بينما كان مشلهت منشغلاً عنه طيلة الوقت يتساءل لماذا اختفي عوض الله و هو الذي كان يقود عربته خلفهم .. و كان يتوقع مجيئه في مركز غرب الحارات .. و هو ألآن في طريقه للمستشفى .. ان عوض الله يمثل صلته بالعالم الخارجي .. و قد سهل عليه أموراً كثيرة و لكن يبدو ان عوض الله اليوم في حاجة لمن يكون صلته بالعالم الخارجي و هو لا يدري كم سيبقى في ضيافة الشرطة .. و ينظر باحتجاج صامت و غضب لرجل المرور الذي تسبب في هذا الموقف و لكن رجل المرور لا تظهر عليه أية علامات للتأثر .. فهو يقول لعوض الله:
• يا أخي انت ما شايف الزول على شمالك ؟ تقوم تلف بالطريقة دي ؟
ولكن عوض الله لا يمكن ان يحتفظ بذلك الاحتجاج الصامت فيقول:
• يا أخي ألف يمين و لا شمال .. مش انت الجبتني في الحتة دي .. انا مالى و مال أطارد زول .. وكت انتو ما عندكم عربيات بتطاردوا الناس مالكم ؟
• انا قلت ليك أمشى ورا العربية ديك .. قلت ليك أضرب دا ؟
• هي لكين انا بخاطري أضربو ؟ ما انت قعدت تقول لي لف يمين و لف شمال .. و انا صالحي في دا كلو شنو ؟
ويحاول رجل المرور ان يتنازل في نبرة تصالحية:
• غايتو انحنا ممكن نطلعو هو الغلطان ..
• و يرد عوض الله:
• يا أخي تطلعوه .. ما تطلعوه.. بس انا عايز أمشي من هنا ..
• تمشي من هنا كيف و الزول ما معروف عندو شنو في الاسبتالية ؟ يمكن عنده نزيف داخلي ..
• و دا كلو انا مسئول عنه ؟
• و المسئول عنه منو ؟
• بالله شوف الحكاية دي .. انا لا إيدي لا كراعي أجي ألقى نفسي مدبس في حاجة زي دي …
• و يشعر عوض الله ان هناك خيطاً قوياً يربطه بمشلهت فالظروف ذات الظروف .. و ما حدث لهما متشابه في غرابته بإخراج مختلف.
وللمشلهت بقية ......

Abubakr Ibrahim
10th November 2010, 06:40 AM
(41)
• استقبلت الممرضة مشلهت و هي تقول:
• تاني جابوك هنا ؟
• نعمل شنو ؟
• و انت أصلو عملت شنو ؟
• انا بعمل و لا بعملوا فيني ؟ كل مصيبة رامنها علي …
• خلينا نقيس السكر .. و هاك افتح خشمك .. و وضعت ميزان الحرارة .
و قامت بكل تلك الأعمال الروتينية و سجلتها في الدفتر ثم قامت بإعطائه حبة الداونيل و طلبت منه ان يرتاح ويأكل شيئاً بينما اتخذ العسكري كرسياً بالقرب منه و أسند رأسه على الحائط .. و بعد فترة قصيرة تدلي رأسه على صدره و هو يغط في نوم عميق…
مضي ذلك اليوم بحاله و عوض الله لم يحضر و لكن حانت التفاتة من مشلهت فلمح البائع المتجول .. و كانما قد هبط عليه من السماء ..
• هوي يا عربي هوي .. تعال ..
ودخل البائع المتجول العنبر و فرحة طاغية تغمره ..
• يا زول كيفنك ؟ خلاص وصلتو هني ؟
• أيوا بس انت عرفت محلنا كيف ؟
و يجيب البائع المتجول:
• انا من ما قالوا مودنك غرب الحارات .. مشيت عديل على غرب الحارات و سألتهم في المركز هناك و هم قالوا لي أجي أفتش هنا ..
• الحمد لله انك وصلت .. مش زي صاحبنا عوض الله صاحب التاكسي .. انت مش شفتو معانا في مركز ليبيا ؟
• أيوا تمام ..
• لحدي هسع ما جا .. ما عارفين الحاصل عليهو شنو ؟
• يتلقي حصلوا الحصلوا .. لكين الزول دا راجل عديل ما عندو عوجة .. و لا بد يجي ..
• بس بجي متين ؟ عندنا حاجات كتيرة و مستجدات عايزين نناقشها معاهو .. الراجل دا انا ما اتخيلت انو ما يجيني إلا يكون حصلت ليهو حاجة ..
• يا أخي الغايب حجتو معاهو .. و يمكن يكون لقي ليهو مشوار بره الخرطوم ..
• لا ما أظن .. أصلو مافي يوم هو مرق بره العاصمة ..
• و هو أهله من وين ؟
• من المسعودية ..
• طيب ما يمكن يكون مشى المسعودية كان عندهم فرح و لا كره ؟
• جايز .. على العموم الله يجيبو ..
و في هذه الأثناء تأتي الممرضة و توجه سؤالاً لمشلهت:
• انت عملت شنو في موضوع المصل ؟
• وانا خلوني أمشى عشان أفتش للمصل ؟
• و ليك كم يوم هسع من الكلب ما عضاك ؟
• أكتر من شهر ..
• أكتر من شهر و ما سعرت ؟ ما أظن الكلب بكون سعران ..
• انا برضو قلت كدا .. أو يمكن دي طينة ود الطريفي ..
• و تتساءل الممرضة:
• و انت برضو بتؤمن بالحاجات دي ؟
• أومن و لا ما أومن .. الحاجات دي موجودة و نحنا ما لاقين ليها تفسير .. لكين على أي حال طالما لحدي ألآن ما حصلت لي حاجة .. أقول يمكن الكلب ما كان سعران .. و دي الحاجة البتدي الاطمئنان …و بصراحة انا ما قاعد أفكر في الحكاية دي .. إذا أصلو ربنا حكم على بالسعر نعم بالله … قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .. انا بس عايز عوض الله يجي عشان القصة عايزة ليها محامي وتوكيل و غلبة كتيرة ..
و فجأة تنتاب البائع المتجول حالة بيع فيقول للممرضة:
• يا اختي ما عايزة ليك ملايات كانون أصلية ؟
• عندك انت ؟
• أيوا
• معاك هنا ؟
• بلحيل .. حتى شوفي …
و يجذب بقجة الملابس و يخرج منها الملايات من داخلها و هو يقول:
• شوفي البضاعة دي كيف .. قماش أصلي ونقشة بلدها .. ما في زول الليلة في البلد دي بديكي قماش بالحالة دي .. و السوق مليان بالبضاعة الفاسدة ..
و تتمعن الممرضة في البضاعة ملياَ ثم تقول:
• طيب انا ما عندي قروش هسع ..
• مالو .. انتي ما ست مضمونة . ما ياهو دا محلك ؟ أيوا شيليهم و بعدين انا ذاتي بجي هنا من شهر لشهر و نقول أول كل شهر تجيبي لينا القسط .. و حتى كمان ممكن تخليهم مع ٍأخونا دا .. انا بجي باخدهم منو ..
و ينتبه مشلهت لما قاله البائع المتجول:
• و انا يا خوي حأقعد هنا إلى يوم القيامة ؟
• لا .. حاشاك .. انا ما قصدي .. لكين هي مضمونة و انا بجيها هي و اخواتها .. ان بقى عندها واحداتاً دايرات ملايات متل حقاتها .. انا بجيبهم .. و البضاعة كتيرة و راقدة و رخيصة ..
(42)
كل تلك الحوارات و الأحداث التي تجري في المستشفى لا تلفت انتباه مشلهت بعيدا عن حقيقة أنه في انتظار عوض الله سائق التاكسي .. و هو يحس في قرارة نفسه أن مكروهاً قد لحق بعوض الله .. يسأل الله ان يجعله خفيفاً .. و لكن عوض الله لم يحضر.
ظل عوض الله سائق التاكسي في حراسة البوليس و ظل الشخص راكب الموتر في المستشفى و أدخل العناية المركزة .. إذ انه فقد الوعي بعد وصوله لقسم الحوادث .. و يبدو ان الموضوع دخل مرحلة التعقيد .. لقد قال له رجل المرور انهم سيطلعون صاحب الموتر غلطان .. و لكن كل الأمل ألآن الذي يتعلق به عوض الله ان "يطلعوه" من العناية المركزة سليماً .. وبالرغم من أن هذه المشكلة العارضة التي يمر بها عوض الله فانه لا يزال مشغولاَ بصديقه مشلهت : تري ماذا فعل ألآن ؟ و هل أعادوه للمستشفى أم لا زال بمركز غرب الحارات .. و خيل إلى عوض الله ان جميع أهل السودان متشابهون و ان مشاكلهم متشابهة و ان الذين يوجدون بالحراسات أو السجون هم ضحايا المكان الخطأ والزمان الخطأ … يكفي ان تكون موجوداً في المكان الخطأ أو الزمان الخطأ او كليهما … فتدخل في دوامة من المشاكل لن تجد فكاكا منها … واي مجهود تبذله للخروج من المأزق يزيدك تكبيلاً . ولهذا فضل ان لا يسأل حتى يسأل اذ ان اجابة اي سؤال ربما تسوءه اذا بدت له . وهو ألآن يدرك لماذا ظل مشلهت مستسلماً تعصف به الاقدار .. خوفاً من عاصفة اكبر .
مشلهت كان قلقاً على صديقه عوض الله .. غيابه لا يجد له تفسيراً و كما يقول السودانيون "لعل المانع خير" و لكن ما حدث لعوض الله لا يمكن ان يوصف بأنه خير .. إلا ان الغائب يحمل معه حجته… هكذا كان مشلهت يجد العذر لصديقه

الروتين اليومي في المستشفى يسير كالعادة .. و ليس هناك ما يلفت ألآنتباه .. حتى الذين ينتقلون إلى جوار ربهم ينتقلون بهدوء و كانهم ذاهبون في نزهة .. و كل الذي يفعله الأطباء في هذه الحالة ان يتناقلوا كلمة انجليزية واحدة حاسمة .. تضع المريض في حالته الأبدية "Passed" .. يعني مات..
و كم واحد "Passed" أو مات منذ ان ولجت قدما مشلهت من خلال بوابة المستشفى ؟ لا أحد يدري ..
كان البائع المتجول يتحدث مع الممرضة التي اتفق معها ان يحضر لطاقم المستشفى من الممرضين و الممرضات و السسترات و بقية العاملين .. لبسات و ملايات و لوازم التجميل و غيرها من احتياجات أهل المدن .. و ذلك بالتقسيط المريح جداً للطرفين.
كان مشلهت يستمع للبائع المتجول و هو يصل لذلك الاتفاق مستغرباً كيف استطاع البائع المتجول الذي تبدو عليه سذاجة لا نهائية ان يبرم ذلك الاتفاق؟ ان عبقرية هذا الشعب تتجلي في سلوك أفراده الذين يلتزمون جانب الواقعية.. و لو سارت الأمور على ذلك المنوال لاستطاع السودانيون ان يصلوا لاتفاق شامل كامل حول جميع القضايا. وبينما يعجز السياسيون الفطاحلة .. و دهاقنة علم الحكم أن يصلوا الى تلك المعادلة .. لا يعجز أولئك الناس الذين نطلق عليهم لفظ "عربي ساكت" و لو كان ساكت فانه ساكت فوق رأي.
و ينتهي الاتفاق و تتحرك الممرضة إلى عنبر آخر عندئذ يقول البائع المتجول:
• و الله الست ما عندها عوجة .. نجيضة .. ما شاء الله عارفة كل حاجة.
• و انت خليت ليها حاجة عشان تعرفها ؟ ما انت وريتها كل حاجة ..
• بس عندى فرقة صغيرة ان بقت اتملت خلاص تاني عوجة ما في ..
• زي شنو ؟
• هسع يا مشلهت البضاعة دي ان بقى جبتها خليتها عندك و انت تصرفها حسب معرفتك و تاخد حقك المانع شنو ؟
و يستغرب مشلهت لهذا العرض و يجد نفسه يقول بأندهاش:
• المانع شنو ؟ المانع شنو ؟ انت يا أخي ماك شايف العسكري القاعد دا ؟ و بعدين انا في يد الحكومة .. توديني أي حتة .. أقعد كمان أشيل بضاعتك معاي زي المرة الفاتت .. و أجي ألقاك فتحت على بلاغ؟.. لا يا خوي حكاية زي دي أصلك ما تفكر فيها..
و يجادل البائع:
• يا خوي ان بقى على العسكري .. خلو على انا .. و بعدين نحن قلنا انت ما دام قاعد ساكت .. تستفيد و نحنا نستفيد ..
و يرد مشلهت:
• و يعني انت فهمك الاستفادة لازم تتم بالطريقة دي ؟
و يرد البائع المتجول:
• هي نان كدي ورني كيف الاستفادة بتحصل ؟ الناس دي كلها ما ترى شغالة كدي .. اشمعني يعني لما نجي نحنا عشان نسترزق زيهم تحصل المشاكل ؟
لقد لعبت الصدف دوراً كبيراً إلى الحد الذي دفنته حياً .. و لكن مشلهت لم يكن يتوقع عرضاَ كهذا .. ان يصبح وكيلاً للبائع المتجول .. و باختصار شديد ان يمثل هو البائع المقيم…
و تلفت مشلهت حوله ليجد عدداً من المرضى و مرافقيهم أصبحوا تجاراً وسط العنابر .. و يبدو ان إدارة المستشفى تغض الطرف عن ذلك النشاط لانه يوفر للمرضى ما يحتاجونه من أغذية و مواد مساندة كالشاش و القطن و الإبر أو السرنجات ..
في اليوم الرابع جاء عوض الله سائق التاكسي .. و كان مشلهت يغط في نوم عميق .. فجلس عوض الله يتحدث مع العسكري ..
• انت كنت وين المدة دي كلها ؟
• انا كنت في الحراسة ..
• مالك ؟
• ضربت واحد راكب موتر .. لكن ربك هون .. بقي كويس و انا فكوني بضمان
• عشان صاحبك دا كان قلقان عليك .. طوالي بسأل عنك …
• و الله لو ما ربنا ستر انا ذاتي كنت أكون في قصة و ورطة زي ورطة صاحبي دا ..

و كانما يأتي صوت عوض الله من بئر سحيقة الأغوار .. تسلل الصوت إلى أذن مشلهت .. فاختلط مع حلم كان يأخذ شكلاً ..فرأي مشلهت صديقه عوض الله … و كان يتحدث إلى جماعة .. و كان مشلهت يرجو من العسكري ان يعطيه إذناً حتى يسلم على صديقه .. و لكن العسكري رفض .. و كان مشلهت يحاول ان يصرخ و ينادي على عوض الله و لكن عوض الله لا يسمعه .. و فجأة هب مشلهت من نومه ليجد عوض الله يجلس مع العسكري .. فلم يصدق .. إذ انه قال:
• انت ما كنت سامعني و لا شنو ؟
• سامعك وين ؟
• هنا قبل شوية ..
• بسم الله .. انت بتهلوس و لا شنو ؟
و رويداً رويداً يكتشف مشلهت انه كان في حلم فيبتسم و يسلم على صديقه عوض الله ..
• يا زول شفقتنا عليك .. مالك بالله ؟ حصل ليك شنو ؟
• دي قصة طويلة بحكيها ليك .. المهم كيف انت ؟
• أهو زي ما شايف .. ما في جديد .. و فضلت لينا بس قضية المصيبة دا .. الرقيب موسى الحاكم .. يعني لو كان موسى الحاكم جا و اعترف انو خلى المسدس عندي و انو انا ما عندي بيهو شغلة .. كان من زمان فكوني و مشيت البيت لكين تقول شنو ؟ المهم انت - الحصل عليك شنو؟ ان شاء الله مافي عوجة؟
و أخذ عوض الله يحكي لمشلهت ما حدث له و من وقت لآخر يقاطعه مشلهت:
• شوف بالله .. زي حكايتي تمام ! ..
و أخيراً يقول مشلهت:
• يعني في الآخر اتخارجت منها؟ …
• أيوا .. بعدما اتراضينا انا وبتاع الموتر .. و هو طلع ود حلال و اتنازل .. و بقت حكاية تسوية حأدفعها و خلاص.
و كأنما الجميع كانوا على موعد للالتقاء إذ ان البائع المتجول عاد يحمل بقجة كبيرة .. و صاح عندما رأي عوض الله:
• عان زولك ! .. ما قت لك بجي؟ .. تراهو جا .. ها زول .. إزيك .. كيفنك
و استمر البائع المتجول و عوض الله في عناق و تحيات .. ثم مد البائع المتجول يده ليسلم على مشلهت و العسكري .. و جلس و وضع البقجة على الأرض ثم أدخل يده فيها و أخرج كرتونة صغيرة بداخلها سندوتشات فصاح عوض الله:
• دا الكلام .. و الله يا ود عمي تب ما عندك عوجة .. عفيت منك .. انا ذاتي كنت عايز أجيب أكل لكين تقول شنو .. الواحد لامن يفوت محل السندوتشات حتى يتذكر .. القلب مشغول …
و يتناول ثلاثتهم طعامهم .. و بتلقائية اعتادت عليها تتحرك بائعة الشاي لتقدم لهم الشاي .. و لا أحد يسأل من يدفع الحساب .. المهم في النهاية يأتيها حقها
لاحظ عوض الله ان بقجة البائع المتجول قد زادت وزناً و محتويات فيقول:
• الشئ شنو ؟ شايل السوق الشعبي كله هنا ؟
و يرد البائع:
• سوق شنو ياخوي ؟ دا كلو هتش ..
• و نان وكت دا كله هتش .. مالك شايلو فوق ضهرك متل –الله يكرمك- الحمار؟
و يبتسم البائع فيقول:
• يا خوي خلنا في تلقيط رزقنا .. الزباين منتظرين و الليلة مواعيدهم ..
• زباين شنو كمان ؟ انت عملت ليك زباين هنا ؟
• أي و الله ببركة الزول دا .. جوني ناس كتار واحدين ممرضين و واحدين ممرضات و سسترين و سسترات .. أوع بالك دكاترة كن ماك عارف …
• و هسع انا قلت صاحبك دا طالما هو قاعد هني .. و ما بتحرك من محلو و زول مضمون .. قلت لو .. نشارك .. انا ببضاعتي و هو يبيع في محلو .. و قروشو تصلو لحدي محلتو دي .. لكين بشوفو كدي ما رضيان …
و يفكر عوض الله برهة ثم يقول:
• و الله يا العربي بقيت كمان بتخطط .. خلي بالك العرب ديل ما ساهلين .. شوف الزول دا هسع بفكر كيف .. خامين القروش دي و مكنترنها بجنس الشغل دا .. غايتو انا بفتكر انو الحكاية دي كدا تمام .. و كمان يا مشلهت أخوي انت في محلك دا محتاج لمصاريف و القروش الأخدتها من صاحبك ما فضل فيها شئ .. اشتريت منها الجلاليب و العراريق والمعجون و الفرشة و عدة الحلاقة و سويت ليك منها شنطة فيها حاجاتك المهمة .. و لامن يفرجها الله عليك .. تراكا هنا في الاسبتالية .. و كلام الزول دا تمام .. و انا لو قاعد في محلك هنا .. كنت فتحتو كنتين عديل دحين انت وافقو و انا ذاتي بشتغل معاكم .. بـ"عربيتي" انقل ليكم البضاعة و انتو اشتغلوا بعدين البمرقا الله نتقاسما …
ويتدخل العسكري:
• و الله حكاية عجيية .. و انتو هنا .. تخططوا و تعملوا سوق و تجارة و انا قاعد بسمع في كلامكم .. انتو قايلين حكومة مافي ؟ …
و يسارع عوض الله لتهدئته:
• ياخوي انت موجود .. و حقك برا .. إت قايل نحنا ناسنك .. لا و الله .. نحنا عاملين حسابك …
و يتدخل مشلهت:
• بس الزول الما عاملين حسابو هو انا .. كيف يعني نعمل لينا سوق هنا في العنبر ؟
و يرد عوض الله:
• و فيها شنو ؟ ما الناس كلها عاملة أسواق .. الله ما كتر إلا الأسواق .. و انت قايل البلد دي كلها شايلاها المواهي ولا العلاوات .. أتخن تخين ماهيتو ما بتقضيهو لآخر الشهر .. كل زول فاتحلو سوق .. و الما فاتح سوق بسمسر .. و عليك أمان الله إت قاعد في محلك دا .. الناس يبيعوا و يشتروا فيك .. من قبل التجارة ياها عصب الحياة .. زي ما بقولوا .. إلا بس الحكومات جات و سوت بعض الناس أفندية حددت رزقهم .. بقوا ياخدوا راتبهم آخر الشهر … و ات قايل الضيق الحاصل على الناس دا من وين ؟ مو من الماهية؟ …عشان كدي .. هسع الأسواق فتحت وصاحب كل رزق يجي يشيل رزقو.
وبالطبع فان مشلهت الذي عمل يوماً ما وكيلاً لإحدى الوزارات لا يمكن ان يفهم ذلك المنطق .. فهناك موردون و تجار جملة و تجار تجزئة و بياعون لهم رخص و أسماء مسجلة في الغرفة التجارية و في ديوان رجال الأعمال ... و لا يمكن ان يسمح القانون لكل من هب و دب ان يفتح دكاناً تحت سريره في عنبر المستشفى .. و لكن ماذا يفعل مع هؤلاء ؟ لقد امتدت لوثة البيع و الشراء لتشمل كل مناحي الحياة .. و صدق عوض الله إذ قال ان المجتمع كله تحول إلى باعة و سماسرة .. إلا إنه لا يمكن ان يجاريهم:
• شوفوا يا أخوانا .. انتو ناس كرام .. و انا وجدتكم في محل أهلي هنا .. و كل زول يعمل في المجال الهو بعرفو .. انا لا التجارة مجالي و لا العنبر دا محلي .. لكين انتو إذا عايزين تبيعوا و تشتروا على كيفكم .. لكن انا ما تدخلوني معاكم
و بامتعاض يرد البائع المتجول:
• و الله نحنا قلنا بس تستنفع انت في قعدتك دي لكين معليش .. وكت قلت ما موافق خلاص .. معليش ..
و تمر فترة صمت قصيرة يكسرها عوض الله قائلاً:
• طيب انت آخر حاجة عملوها معاك شنو ؟
و يرد مشلهت:
• مافي حاجة .. بس قالوا ننتظر لحدي ما أوراق الرقيب موسى الحاكم تتحول لمركز غرب الحارات و طبعاً هسع هو بحققوا معاهو في سوق ليبيا و ما عارفين دي بتنتهي بتين و بعدين كويس انك جيت .. انا شايف انو الحكاية دي بعد ما سمعت كلام موسى الحاكم .. حتتعقد .. و لذلك محتاجين نجيب محامي ..
• محامي زي منو ؟
• انا من يومداك بفكر في زملانا من المحامين الكانو معانا في الجامعة .. و عايزك تمش تشوف أخونا المحامي عبد العظيم .. مكتبو جنب الخطوط البلغارية في الخرطوم …
• أيوا شفتها …
• ممكن تصلو و انا بديك جواب ليهو .. و تشوفو يقول شنو …
• طيب انت الجواب بتديني ليهو متين ؟
• بكرة لما تجي حتلقاني حضرت ليك الجواب …
و يستمر القوم في جلستهم تلك حتى يأتي موعد انتهاء الزيارة فيغادرون بينما يكون البائع المتجول قد صرف نصف كمية البضاعة فيحمل الباقي على كتفه و يغادر.
وللمشلهت بقية .......

عمار محجوب محمد زكي
10th November 2010, 10:05 AM
باقي كم حلقة ؟؟؟ لأننا منتظرين كمان قصة مشقلب

Abubakr Ibrahim
11th November 2010, 06:53 AM
(43)
ليل المستشفى طويل .. يحمله المرضي في دواخلهم ألماً و قلقاً و هم يجلسون على بوابة الموت .. فالذي يدخل تلك العنابر لا يخرج منها إلا إلى بيته أو إلى المقابر مروراً بالبيت .. و لا يوجد باب آخر .. و الذين يبقون مع المرضي ملازمين لهم تكتسب شخصياتهم بعداً متشابهاً .. نساء يجلسن على الأرض داخل و خارج الردهات .. كل واحدة لها كوزها الخاص .. و هي دائماً تبحث عن ماء وعندما تتفقد المريض تقول له:
• أديك موية ؟
و في أغلب الأحيان يوافق المريض .. فينهض ليحتسي كوزاً من الماء أكانت به حاجة للماء أم بدون حاجة… و بالتالي فان دورات المياه لا تخلو من رواد …
و في كل ليلة يستعيد مشلهت تلك الصورة المتتابعة لما حدث له منذ أعوام خلت و حتى ورطته الأخيرة.

عند بداية الزيارة في اليوم التالي كان عوض الله يغادر المستشفى وهو يحمل معه خطاباً للمحامي عبد العظيم زميل مشلهت و قد قرر ان يذهب له في المساء . . فقد علم من مشلهت ان عبد العظيم يعمل في المساء عندما يكون في الخرطوم .. إذ انه اعتاد السفر إلى خارج السودان…
لم يستغرق عوض الله زمناً طويلاً في العثور على مكتب المحامي عبد العظيم فهو في مكان ظاهر .. فصعد إلى الدور الثاني و استقبله موظف الاستقبال قائلاً:
• اتفضل اجلس .. الأستاذ معاهو واحد جوه و قرب يخلص …
و بعد مدة خرج الرجل وهو يتكلم مع موظف الاستقبال طالباً ضم بعض الأوراق إلى ملف يحفظه الموظف عنده و هو يقول:
• الأستاذ قال ليك بكرة ذكرو بالملف دا
• كويس…
• أها مع السلامة …
• مع السلامة … و يلتفت إلى عوض الله:
• اتفضل أدخل …
و يقرأ الأستاذ خطاب مشلهت فيرفع حاجبيه و يقول:
• مش معقول .. مشلهت مش مات ؟
• لا أبداً …
• طيب المات منو ؟
• ما عارف …
• يا أخي انا قبل كم شهر كدا واحد صاحبنا قال لي مشلهت مات و مشينا عزينا فيه.. انا شخصياً ما مشيت لأني كنت خارج السودان .. لكين الجماعة أصحابنا قالوا مشلهت مات …
• أبداً .. هو ما مات … و هسع لو ممكن تشوف قضيتو دي و تتولاها …
• طبعاً حأتولاها … لكين بس نشوف حكاية موتو دي …
• قلت ليك ما مات و انا هسع جاي منو.
• أيوا … بس دي كمان إذا ثبت انو الناس اعتقدوا انو مات و دخل في السجلات كدا .. دي قصة تانية .. على العموم انا بكره بجي عليهو .. الساعة حداشر صباحاً …
• شكراً جزيلاً يا أستاذ …
(44)
استمع عبد العظيم المحامي لقصة مشلهت من بدايتها و كان يردد بين الحين و الآخر (شئ غريب) .. لم يكن يتوقع ان تتضافر الأحداث بمثل تلك الصورة لتطبق في النهاية على عنق مشلهت و تحوله إلى كومة من الاستسلام ترقد على سرير في مستشفى في انتظار ما تخبئه الأقدار. أمر غريب في سلوك الناس .. شئ يختص به أهل السودان دون غيرهم من الأمم.. لا أحد يعرف حقوقه القانونية .. حتى في أعلى المستويات التي نالت قدراً عالياً من التعليم .. أمية بالقانون مستشرية جعلت الناس يستسلمون ولا يتمسكون بحقوقهم التي كفلها لهم القانون .. و لذلك تظل الحراسات مكتظة بمنتظرين ما كان لهم ان يكونوا في ألآنتظار لو أنهم وجدوا مساعدة من جهة قانونية .. فكيف بقي مشلهت في الحراسة طيلة هذه المدة دون ان يتحرك هو أو تتحرك الأمور ناحيته .. و سأله المحامي:
• هسع انت في الحراسة ليك كم يوم ؟
• أكثر من شهرين
• في المدة دي كلها ما في زول سألك و لا عرضوا قضيتك في المحكمة ؟
• كان في بلاغين و اتشطبوا و بقي بلاغ واحد ..
• بلاغ بتاع المسدس ؟
• أيوا
• دي حكاية بسيطة .. ما محتاجة لإجراءات كتيرة.. انا دلوقت بمشي لمركز غرب الحارات أشوف البلاغ المسجل كيف و حأمشي برضو مركز سوق ليبيا عشان أطلع على أقوال الرقيب موسى الحاكم .. و حأعمل عريضة للنيابة .. و في أمل كبير الليلة تمشى بيتكم..
و تتهلل أسارير عوض الله سائق التاكسي و هو يرى كيف طوى ذلك المحامي الضليع كل مشاكل مشلهت و وضع يده على ذلك الضوء في نهاية النفق فإذا بكل شئ يبدو ساطعاً مبهجاً مملوءً بالأمل و التفاؤل…
خرج المحامي و قد ترك مشلهت و أصحابه و قد سرت فيهم روح نشطة و حماس و فرح يحسون به يغمرهم و كانهم أطفال .. فيقول عوض الله:
• يا زول شوف كيف الأمور اتحلت .. هسع كان من الأول مشينا لصاحبك دا ما كان قعدت انت في الحراسة المدة دي كلها .. و يوافقه مشلهت بنبرة متفائلة:
• أصلو أيام .. ربنا حكم اننا نقضيها هنا .. و كان لازم نقضيها ..
و يوافق البائع المتجول:
• أيا .. كلامك تمام والله .. الزول عاد جاي يفوت المكتوبالو ؟ لكين الله كريم
و يتواصل الحوار بين الأصحاب و هم يشعرون إنهم يخرجون من دوامة كادت ان تبتلعهم.
كان مشلهت يرقد على سريره و هو يرقب زوار المرضي يتوافدون و تختلط أصواتهم بأصوات الأقدام على ممرات المستشفى .. فيكتظ العنبر بمجموع الزوار و هم يتحلقون حول كل مريض بعضهم واقفون و بعضهم يجلسون بالقرب من المريض على سريره و من وقت لآخر تطوف بنت بصندوق حلوى و أخرى تقدم أكواباً من الماء .. منظر مألوف .. مطبوع في ذاكرة الأمة السودانية .. و لا تكتمل صورة المريض و بقائه في المستشفى إلا به
و من بين الذين زاروا مشلهت في ذلك اليوم كان المحامي .. الذي قضى يومه متجولاً بين مركز غرب الحارات و مركز سوق ليبيا .. كان الرجل يتحدث و مشلهت يثبت نظره على ربطة العنق التي كان يرتديها … و قد أصبحت ربطة العنق شارة يعرفهم بها الناس .. فليس في صيف الخرطوم و حره من يلبس ربطة العنق إلا المحامون …
• شوف يا صديقي .. انا مشيت قريت الكلام المكتوب والأقوال والموضوع واضح جداً .. والمتحري نفسه قال لي يظهر من كلام الرقيب موسى الحاكم انو لقى نفسه في ورطة و عايز يتخارج منها وانا حركت الأمور كلها .. وعلى العموم حتكون في جلسة في اليومين دي .. و دلوقت انا عايزك تركز معاي و تحكي لي الموضوع بتاع المسدس دا من أوله …
أخذ مشلهت يحكي القصة والمحامي يسأل و يدون .. و استمرت هذه العملية مدة طويلة .. نفد صبر مشلهت فتساءل قائلاً:
• هي أصلو الحكاية معقدة بالشكل دا؟
• هي مش معقدة لكين ممكن تكون معقدة .. بيعتمد على إفادات الرقيب موسى الحاكم .. و طبعاً هو لازم يحاول يرمي المسئولية عليك .. و تكون انت الضحية .. عشان كدا الواحد لازم يفتح عينو و يعرف كل كبيرة و صغيرة .. و المهم في الموضوع انو انت ما عندك مصلحة في سرقة المسدس أو إخفاء المسدس .. بس المشكلة انو إتلقى عندك و بواسطة واحد من ناس المباحث .. لكين دي كلها أمور من السهل الواحد يجاوب عليها ؟
• جداً .. مستعدين نجاوب على أي سؤال مهما كان.
و ينهض المحامي مودعاً مشهلت:
• هانت .. كلها يومين تلاتة و ان شاء الله تكون مع أهلك.. طيب مع السلامة …
• الله يسلمك.
و يغادر المحامي و يستلقي مشلهت على سريره في انتظار آذان المغرب و هو يستعيد في مخيلته شريطاً طويلاً .. هل سيعود فعلاً إلى أهله ؟ أمراً كان يظنه بعيد المنال .. زرع في نفسه الحسرة وألآنكسار و عدم الرغبة في المقاومة .. و لكن الأمل ألآن ينهض في داخله وأن ما حدث له لا يمكن ان يكون نهاية العالم .. و لهذا ظل يستمع للمتحري في تلك الجلسة و هو يلخص أقواله وأقوال الرقيب موسى الحاكم وإنه يتحدث عن شخص آخر .. و خاصة عندما كان القاضي يستجوب الرقيب قائلاً:
• انت بتتهم الزول دا بأنو سرق منك المسدس ؟
• انا ما قلت انو سرقو .. انا قلت شالو ..
• الفرق شنو ؟
• أيوا .. الفرق انا كان عندي ملاريا خبيثة و دخلت في غيبوبة و بعدين ما صحيت إلا لقيت نفسي في البيت و المسدس مافي .. و عرفت انو مشلهت لقاهو و شالو ..
و هنا يوجه المحامي للرقيب عدداً من الأسئلة:
• انت قبل كدا جاتك ملاريا خبيثة ؟
• لا
• يعني دي أول مرة تجيك فيها ملاريا خبيثة ؟
• أيوا
• و الفرق شنو بين الملاريا الخبيثة و الملاريا العادية ؟
• انا نعرف كيف ؟ انا ما دكتور .. بس الحمى المسكتني قالو لي دي اسمو ملاريا خبيثة ..
• القال ليك منو انها ملاريا خبيثة ؟
أخوي زكريا ..
• و أخوك زكريا دكتور ؟
• لا
• بشتغل شنو ؟
• بشتغل ترزي ..
• يعني مافي دكتور قال ليك عندك ملاريا خبيثة ؟
• لا
• و لما دخلت في غيبوبة .. كنت قاعد وين ؟
• كنت بقوم بحراسة مشلهت و جالس في الكرسي .. بس شعرت بتعب شديد في جسمي كلو .. بعدين تاني ما وعيت ..
• و الغيبوبة استمرت معاك كم ساعة و لا كم يوم ؟
• انا ما عارف ..
• كيف ما عارف ؟ ما عارف انت كنت واعي بتين .. و بعدين بقيت ما واعي و بعدين وعيت ؟
• لا
• طيب نسهل عليك السؤال .. لما حصل ليك التعب و انت ما وعيت بنفسك كانت الساعة كم ؟
• دي كان يوم الاثنين في العصر .. يعني قول الساعة خمسة ..
• و لما صحيت لقيت نفسك في بيت أخوك زكريا كانت الساعة كم ؟
• كانت الساعة حوالى خمسة و نص ..
• في نفس اليوم ؟
• لا
• كان ياتو يوم ؟
• ما بعرف ..
• يعني انت صحيت لقيت نفسك في بيت أخوك زكريا ؟ طيب دا كان ياتو يوم الثلاثاء .. الأربعاء ..الخميس ؟
• يكون يوم الخميس ..
• انت متأكد ؟
• أيوا متأكد ..
• طيب دي حكاية بتاعة يومين أو ثلاثة .. في اليومين دي انت كنت وين ؟
• كنت في غيبوبة ..
• أيوا ..بس كنت في بيتكم و لا كنت في الاسبتالية ؟
• ما عارف ..
• ما انت لازم تعرف .. لانك لو ما عرفت .. نحنا ما بنقدر نقدر الحصل شنو للمسدس ..
• الحصل للمسدس ما ياهو ظاهر .. الزول براهو بخشمو قال شالو ..
• انت عندك أورنيك طبي ؟
• أيوا ..
• الأورنيك دا الطلعو منو ؟
• طلعوه في الاسبتالية ..
• الماضي عليهو منو ؟
• المراقب ..
• مختوم و معتمد ؟
• أيوا ..
• الأورنيك دا موجود هنا ؟
• أيوا ..
و يتقدم المحامي ليقف أمام القاضي قائلاً:
• ممكن نطلب من المحكمة الموقرة السماح لنا بالاطلاع على الأورنيك الطبي ؟
• اتفضل ..
و يأخذ المحامي الأورنيك و يدون بعض الملاحظات ثم يتجه نحو الرقيب:
• و ليه انت حسب الأورنيك ما قعدت في المستشفى ؟
• عشان أخوي زكريا قال المستشفى ما فيها علاج .. و أحسن يوديني البيت يعمل لي علاج بلدي ..ويموص لي عرديب أشربه.
• و نقلوك في نفس اليوم ؟
• و الله ما عارف ؟
• و جيت تاني راجع المستشفى بعد ما طلعت من بيت أخوك ؟
• لا
• ليه ؟
• بقيت كويس ..
و يتقدم المحامي بطلب:
أرجو من محكمتكم الموقرة السماح للدفاع بفحص الختم على الأورنيك و استدعاء كل الموقعين به بالإضافة إلى رئيس العنبر ..
أوافق ..
• وأن نحتفظ بحقنا في استجواب الشاكي مرة أخرى ؟
• أوافق ..
و يستجوب القاضي مشلهت قائلاً:
• انت سمعت كلام الشاكي ؟
• أيوا ..
• طيب إيه إفاداتك في هذا الموضوع قبل ما نوجه ليك الاسئلة ؟
• أولاً يا مولانا الزول دا جا معاي من مركز سوق ليبيا .. كحرس .. و فضل معاي طوالي إلا لما تنتهي ورديتو بجي واحد تاني يغيرو .. و في يوم الاثنين جا وخلى عندي المسدس بتاعو و قال لي انا ماشي مشوار صغير كدا و لو أي زول سأل مني قول ليهو مشى يتسير .. و بعدين انا جوني و قالوا لي انت السكر بتاعك مرتفع و نحنا حاولنا ننزلوا هنا و ما قدرنا و لازم نوديك مستشفى السكر في بحري .. حتى قلت لواحد ممرض حقو تنتظر الحرس المعاي عشان لما يجي ما حيلقاني هنا .. و هو قال لي:
• نحنا عندنا الإسعاف واقف . . و إذا فوتنا الفرصة دي تاني ما بتلقي بسهولة .. و لازم انت يعملوا ليك إسعاف سريع بعد دا بتخش في غيبوبة و عشان كدا انا مشيت معاهم و ما كنت عارف أودي المسدس وين .. قمت ختيتو مع الهدوم بتاعة البائع المتجول الخلاها عندي .. بعدين شرطي المباحث شاف المسدس في المستشفى بتاع السكر و حقق معاي و فتح على بلاغ ..
و يسأله القاضي:
• طيب .. لما الممرض قال ليك عايزين نرحلك لمستشفى السكر ذكرت ليهو أي حاجة عن المسدس ؟
• لا
• ليه ؟لاني كنت ملخوم و ما كنت عارف أتصرف كيف .. و بعدين يا مولانا انا لو كنت عايز أسرق المسدس أقوم أخليهو في محل ظاهر عشان أي زول يشوفو ؟
• انت بتوجه سؤالك لي انا ؟
• معليش يا مولانا انا متأسف ..
• الأسئلة دي تقولها في دفاعاتك ..
رفعت الجلسة و رجع مشلهت إلى المستشفى و هو منقبض النفس .. ثقيل الهم .. كثير الوساوس .. فقد ظهر الرقيب موسى الحاكم في موقف أقوى من موقفه .. هل يستطيع صديقه عبد العظيم المحامي ان يجد له مخرجاً بعد تلك الأدلة الدامغة التي قدمها الرقيب موسى الحاكم ؟
لاحظ عوض الله ان مشلهت بقي ساهماً بعد عودته من المحكمة .
• يا أخوي ما يهمك .. صاحبك المحامي دا نجيض و هسع بمرقك منها زي السلام عليكم .. الحبة دي ما بتجيك ..
و يتنهد مشلهت و هو مستلق على سريره ينظر للسقف ..
• زي السلام عليكم كيف ؟ مش شايف الرقيب عامل كيف ؟ جايب أورنيك ووثائق .. و انا ذاتي خلاني أشك انو انا سرقت المسدس و انه كان عندو غيبوبة ..
و ينتبه عوض الله قائلاً:
• كان كدي يا خوي الرقيب موسى عاملو حاجة الزول دا انا لقيتو عند إسماعيل الساعاتي صاحب السفلي .. و لازم يكون مشى لإسماعيل و أخد منو عمل .. و خلاك انت و القاضي في شك و لجم المحامي خلاهو ما قادر ينضم ..
و ينهض مشلهت و يستعدل في جلستة في السرير:
• معقول يكون عمل كدا ؟
• معقول و نص و خمسة .. ديل ناس مخافة الله عندهم قليلة .. ناس بتاعين شواطين و جن و سفلي .. لازم يكون إسماعيل عمل ليهو عمل..
• لا لا .. دي حاجات انا ما مؤمن بيها ..
و يجادل عوض الله:
• تقدر تقول لي كيف القضية بتاعة أبكر بتاع العناقريب شطبوها ؟ دي يا خوي حكاية واضحة .. أسماعيل رسل السفلي بتاعو قام غطس حجر القضية ..
و بنصف موافقة يرد مشلهت:
• انا حقيقة ما عارف كيف اتشطبت القضية .. لكين دا ما معناهو انو إسماعيل كانت عندو يد في الحكاية دي ..
• طيب ليه شطبوها ؟
• ما عارف ..
• يا خوي قلت ليك الكلام واضح .. و انا رأيي أقوم من دربي دا أمشي لو .. و أشوف الحكاية معاهو .. باقي هو بكون في بيتو مع خدامو و مصايبو في المسا .. بعد صلاة المغرب ..
• يا خوي ما تتعب نفسك ساكت .. البسويها الله بتبقى ..
وللمشلهت بقية .........

Abubakr Ibrahim
13th November 2010, 07:08 AM
الأخيرة

كان مشلهت يتوقع حضور عبد العظيم المحامي بين كل لحظة و أخرى .. و لكنه لم يحضر .. و أخذت الأوهام تساور مشلهت و تطوف بذهنه مثيرة الكثير من التساؤلات التي لا يجد لها إجابة ..هل يعزي ذلك إلى ان المحامي قد وجد موقف مشلهت ضعيفاً فلم يأبه به ؟ لماذا لم يحضر ليخبره بما ينوي عمله في الخطوة التالية ؟ أشد ما يؤلم مشلهت ان تدينه المحكمة و هو لم يخطر بذهنه ان يدبر لسرقة المسدس .. و ماذا يفعل به و هو الذي لم يمسك بيده مسدساً في يوم من الأيام ..

ليلة طويلة مرت عليه .. تمددت في تاريخه الطويل .. في هذه الليلة الأضداد تنام إلى جوار بعضها .. الصدق و الكذب .. الخير و الشر .. الظلمة و النور .. الحر والبرد .. الأبيض و الأسود .. و الذي يمشى بينهما يقتله الحياد .. فإما ان تقع في حبال الوهم فتتخيل ان الذي مر بك هو كابوس طويل مرعب ستفيق منه حتماً أو ان تسقظ في براثن الحقيقة فيقتلك الوهم .. أشياء كثيرة نمشى بينها و نحن نحمل أكفان اللامبالاة و الاستغراق في تفاصيل الحياة اليومية .. فتنحني قاماتنا من البحث عن الرزق في فجاج الأرض أو البحث عن العدل وسط ركام من الأكاذيب و الافتراءات و التضليل و التزوير .. و كأننا نبحث عن إبرة وسط كوم من القش ..
أطل الفجر .. و استبدل المستشفى نشاط الليل بنشاط النهار .. حيث اختفي عراك القطط الليلي حول القمامة .. بحركة الممرضين و الممرضات و الأطباء و هم يمرون على المرضى .. العسكري الذي يحرسه استبدل بغيره .. اناس طيبون حكمت الظروف ان يحرسوه و هم يؤدون واجبهم وان يكون محروسهم .. و لكن لاحظ إنه سرعان ما تذوب الحواجز بينه وبينهم فيشتركون في طعام واحد ويتبادلون التحايا و يفتحون قلوبهم لبعض .. فإذا كل منهم قصة طويلة من المعاناة والمشاكل .. إلا انهم متماسكون من حيث البناء الخارجي .. مثلهم مثل غيرهم من أهل السودان .. صابرون راضون بما قسمه الله لهم .. و طمأن مشلهت نفسه .. و هو يدير حواراً داخلياً .. هذه قسمتك يا مشلهت .. ما الذي ستفعله .. أو قل (ما الذي ستفعله لو كان هناك أكثر من موت ؟)
لم يمض وقت طويل حتى جاء عوض الله يحمل الفطور كعادته .. جلسوا يفطرون .. مشلهت و عوض الله و العسكري .. و انضم إليهم ممرض كان يقف قريباً دعوه فلبي دعوتهم .. و التفت إلى مشلهت قائلاً:
• انت بتاكل في الرغيف .. ما بنفع معاك ..
• هو انا أصلو البنفع معاي شنو ؟
• بينفع معاك أكل خاص ..
• طيب وينو الأكل الخاص ؟ مالكم ما جبتوه لي ؟
• هو قال ليك المستشفى فيها أكل ؟ إذا كان انت بتجيب الشاش والقطن و الدوا و الإبر .. كلو من بره .. كيف يعني يكون فيها أكل ؟
و يتدخل عوض الله:
• يعني الزول يا مات من السكري يا مات من الجوع ؟ أخير نموت شبعانين .. و لا مو كدي يا جنابك ؟
• أيوه تمام .. الجوع كافر ..
في هذه الأثناء كانت بائعة الشاي "حواية" تجهز الشاي كالعادة أيضاً ..
عالم دخل في موازنة مع أموره المختلفة .. كل شئ يحدث بالتتابع .. تكيف معه الجميع .. لا يكسر ذلك الروتين إلا وفاة شخص أو حضور مريض على النقالة..
و ينظر مشلهت في عيني عوض الله و كانه يقرأ جديداً و صدق حدسه .. إذ ان عوض الله قال:
• يا خوي .. البارح مشيت لك .. لإسماعيل الساعاتي .. لقيت البيت مكردن .. و البوليس و ناس الأمن بطلعوا في الناسم من جوة .. سألت قلت الحكاية شنو .. قالوا لي إسماعيل كشوه ..
• هو و السفلي بتاعو ؟
• أيوا ..
• يعني كنت عايز تودينا هناك عشان كمان يكشونا مش كدا ؟
• و انت ذاتك ربنا سلمك .. انا قلت ليك .. يا أخي دا راجل دجال .. خليهو دلوقت يقدر يفك نفسو ..
و لا زالت عند عوض الله بقية من إيمان بقدرات إسماعيل فيقول:
• يا أخي ديل ناس عندهم سبعة أرواح .. هسع باكر يرجع لمحلو .. و انت تشوف..
و قبل ان يستمر الحديث عن إسماعيل الساعاتي و السفلي .. يطل عليهم عبد العظيم المحامي فتتهلل أسارير مشلهت:
إتفضل.. دخل إيدك معانا..
شكراً... ماكل قبل شوية.
طيب أقعد..
يجلس عبدالعظيم المحامي على حافة السرير وهو يقول:
• انا طلبت تأجيل القضية لحدي بكرة .. عندي شك في الأورنيك القدمو الرقيب . . و كمان في دفتر الاسبتالية ذاتو .. وعلى العموم القضية في صالحنا .. بس انا جيت عشان أطمنك .. أمس ما قدرت مريت عليك كان عندنا عقد بعد صلاة العصر في العزوزاب .. لكين خليك مطمئن .. انا حأطعن في كل أقوال الرقيب و في الشهود بتاعينو ..واضح المسألة فيها تزويز ..

لم يستغرق المحامي عبد العظيم زمناً طويلاً في الكشف عن التزوير الذي توصل إليه في الأوراق التي قدمها الرقيب موسى الحاكم .. كما إنه لم يكن هناك ما يدل على ان الرقيب دخل في غيبوبة أو انه أصيب بملاريا خبيثة..
استمع القاضي لكل تلك الإفادات و أصدر حكمه بشطب البلاغ صد مشلهت و ان يفتح بلاغ بالتزوير في الأوراق التي قدمها الرقيب موسى الحاكم .. و أمر بإطلاق سراح مشلهت.
إجراءات إطلاق سراحه لم تأخذ زمناً طويلاً أيضاً .. و لأول مرة منذ ما يقارب الثلاثة أشهر .. يشعر مشلهت بالهواء يملأ رئتيه و بحيوية و نشاط يتسرب إلى خلاياه .. و إن الدنيا ليست قاتمة كما كان يعتقد .. و لم يستطع ان يعبر عن فرحه لصديقه المحامي ولا لحارسه ولا لصديقه عوض الله سائق التاكسي و لا للبائع المتجول .. هؤلاء هم الذين ربطته بهم وشائج قوية .. و قد إنطوى لسانه على كلمات كثيرة كانت في نظره أضعف من أن تعبر عما بداخله لهؤلاء .. و اندفع نحوه الجميع يهنئون و يباركون و يحمدون الله على انه فرج كربته و أزال عثرته و انه ألآن سيطير إلى بيته ليعلن للجميع إنه لم يمت ..
• قال عبد العظيم المحامي:
• شوف يا مشلهت .. بعد دا عربية البوليس ذاتها ما عايزنها .. انا حأسوقك بعربيتي دي لحدي الأسبتالية تاخد حاجاتك و طوال على بيتكم و أنا عايز أكون أول من ينقل الأخبار السارة دي للأولاد .. يا سلام .. بالله شوف ربنا حلاها كيف ..
و يوافقه عوض الله قائلاً:
• يا زول و الله كنا متوكدين انو حيطلع منها زي السلام عليكم و ياريت كان جيناك من الأول .. دا كلو ما كان يحصل ..
و يقول البائع المتجول:
• يا أخي قال لك دي حكاية مسطرة .. ربنا قدرها .. و الواحد لازم كان يمشى في المكتوب لو ..
جمع مشلهت أشياءه من العنبر و ودع الممرضين و الممرضات و حواية ست الشاي .. ثم وضع كل تلك الأشياء في عربة عبد العظيم المحامي بينما صعد إلى المقعد الخلفي البائع المتجول وقد أصر ان يرافقهم بينما تبعهم عوض الله بعربته التاكسي ..
و بينما هو في عربة عبد العظيم في طريقهم لمنزل مشلهت يقول عبد العظيم:
• نحنا طبعاً بعد دا لازم نعمل عريضة عشان نصحح وضعك لانك هسع بتعتبر في عداد الموتى .. لازم نعمل الحكاية دي ..
يا سبحان الله .. اليوم يعود مشلهت إلى بيته و غداً يعود إلى الحياة في أوراق رسمية .. من كان يصدق هذا؟
من بعد ما يقرب على الثلاثة أشهر يشاهد مشلهت باب منزله و كانه يراه لأول مرة .. ذلك الباب الحديدي الذي اشتراه من منطقة أبوروف بأم درمان و جاء العمال و ركبوه إيذاناً بضرب خصوصية لمشلهت تجعله ينتهي إلى الداخل
• وقف عبد العظيم بعربته أمام الباب ثم قال:
• انت خليك هنا .. انا عايز أعملها مفاجأة .. أقول ليهم انا عايز مشلهت .. يقولوا لي مشلهت مات .. أقوم أدخل معاهم في مغالطة .. و بعدين اناديك تقوم تجي و تكون مفاجأة ..
طرق عبد العظيم الباب .. و بعد مدة جاء رجل يلبس جلابية و على رأسه طاقية مزركشة ..
• أهلاً ..
• يا أخي انا عايز مشلهت ..
• مشلهت منو يا خوي ؟
• مشلهت سيد البيت دا ..
• أيوا تقصد المرحوم أبو الأولاد الكانوا هنا ؟
• كانوا هنا يعني شنو ؟
• يعني كانوا ساكنين هنا ..
• و مشوا وين ؟
• ديل أصلو عندهم ولد في السعودية .. و قدم ليهم في اللوتري بتاع أمريكا .. و جا و ساق والدته و أخوانه عشان يعملوا عمرة و بعدين عرفت انهم مشوا أمريكا أو كندا مش عارف ..
• يا زول ؟!! كيف الكلام دا ؟
• يا هو كدا ..
• و طيب هسع البيت دا ساكنو منو ؟
• البيت دا هو وكل عليهو بتاع عقار قام أجرو لينا ..
كان مشلهت يستمع لذلك الحوارمن المحامي و هو غير مصدق .. كل تلك الأشياء تحدث في مدي ثلاثة أشهر .. يموت هو ويذهب أولاده و أمهم لأداء العمرة ثم يهاجرون لأمريكا أو كندا مش عارف .. أهو حلم أم كابوس جديد ؟ .. أصابه ذهول و تدلت شفته السفلي من الدهشة .. و مر برأسه دوار جعل ألآنجم البعيدة تخرج عن وقارها فتغادر مداراتها ..
و يعود عبد العظيم إلى العربة و هو يقول:
• و الله دي حكاية عجيبة .. انت أصلك ما كان عندك خبر بالحكاية دي ؟
• لا
• طيب هسع حتعمل شنو ؟
• ما عارف ..
• انا طبعاً بكره أول شئ أعملو .. أمشى أصحح وضعك القانوني .. أقدم عريضة أثبت فيها انك حي .. و بصوت خافت و نظرات أخفت .. يقول مشلهت:
• و لزومو شنو دا كلو .. انا خلاص مدفون بالحياة .. كلنا مدفونين بالحياة .. مافي لزوم ..
• و يتساءل عبد العظيم:
• طيب و هسع أوديك وين ؟
• أي حتة ..
• و هكذا تبدأ رحلة الضياع الكبير …

======= النهاية ========================

Abubakr Ibrahim
14th November 2010, 06:45 AM
كل عام والجميع بخير ونخص بالتهنئة قراء جريدتنا الكرام

وبعد عطلة العيد

" حوش بنات ود العمدة "
رواية عن الحب والكراهية ..الخوف والفشل والعنصرية .. وبعض المسكوت عنه

للكاتبه سناء جعفر

والله يديكم الصحة والعافية

عادل سليمان
14th November 2010, 07:30 PM
كل عام وانت بخير ونحن في انتظار ( حوش بنات ود العمدة )

Abubakr Ibrahim
20th November 2010, 03:30 PM
" حوش بنات ود العمدة "
رواية عن الحب والكراهية ..الخوف والفشل والعنصرية .. وبعض المسكوت عنه
للكاتبه سناء جعفر
الفصل الاول
إنطلقت الزغرودة عالية مجلجلة بجرس موسيقي صاف وشقت عنان سماء إختلطت فيها ألوان السحب ما بين الأبيض الناصع والـرمادي المتدرج وطغى عليها لون إحتضار الشمس بزفيـرها النـاري وهي تغيب ببطء خلف الأفق المتأهب لغزو الظلام ... تتالت الزغاريد التي كانت تبدأ بعنفوان متحمس منساب ثم تنخفض برنات متفاوتة في الطول والنعومة ...
وضجت سماء (حي أبوروف ) بالأصوات التي إعتادتها طيلة الشهرين الماضيين ..
في الفضاء إرتفعت أعمدة دخان باهت ترافقها رائحة " الشاف " المحترق وأبخرة الشحم المخلوط بالقرنفل وأعواد الصندل ... قطع مزيج الروائح النفاذة الشارع الأسفلتي الضيق الذي يفصل منزل حامد الأمين عن النيل وتوغل حتى وصل إلى القوارب الصغيرة التي كانت تتهادى في رحلة عودتها من صيد موفق ... تبادل المراكبيه إبتسامات متواطئة عندما سمعوا رنات الفرح الصادحة المصحوبة بمزيج الروائح المغرية وهي تستفز خياشيمهم التي أدمنت رائحة البحر والسمك ... ظهرت علامات الإنتشاء في الوجوه الكالحة ... وصرخ أحدهم منادياً الآخر ...

- بختك يا ورّاق ... ماشي حوش ود العمدة محل الريحة السمحة والوشوش السمحة...
إرتفعت الضحكـات وتبادل الجميع الهمهمات المازحة وهم ينظرون إلى مركب ورّاق الصغير بحسد ... ونادى صوت آخر ...

- والله سمح العرس عند بنات ود العمدة ... إلا هي الحفلة متين ؟؟؟

رد ورّاق بفتور وهو يوجه قاربه الصغير نحو الشاطئ .. وإرتج جسده النحيل قليلا عندما اصطدمت المقدمة بالضفة الرملية :

- العرس الأسبوع الجاي
حمل كيس الخيش الممتلئ بالأسماك .. وبخطوات خفيفة حافية قطع الشارع الضيق ووقف قليلاً يتأمل المنزل المهيب بأبوابه الكبيرة ومساحته الشاسعة التي تمتد حتى نهاية الشارع ... كانت ألوان الغروب الدافئة تنعكس على الجدران الحجرية العالية وتضفي عليها ظلالاً ناعمة بددت جمودها حتى خيل لورّاق كأنها تتحرك ... هز رأسه كي ينفض عنه أوهامه ثم دخل بإلفة من الباب الحديدي العملاق واتجه مباشرة إلى خلف المباني وهو يتبع خليط الروائح المغرية ... عندما وصل إلى الزاوية التي يبدأ بعدها الحوش الفسيح ... راودته نفسه أن يتجاهل أسلوبه المعتاد في إعلان حضوره وإدعاء الغفلة حتى يرى ما تتوق نفسه إلى رؤياه ... همّ بالتحرك ثم توقفت خطواته بغتة عندما تناهى إلى سمعه صوت حجة " السرة " الجهوري وهي تأمر وتنهي كعادتها
- يا بت يا بلقيس زيدي النار دي سريع ... الحفرة بقت باردة والحطب قرب يموت...

تسمّر خوفاً .. ورفع صوته بأعلى ما يستطيع :

- حجة السرة ... يا ناس هوي .. جبت ليكم السمك .. تعالوا شيلوهو مني .

تمتم بالحمد على عدم مطاوعة نفسه الأمارة بالسوء عندما أتاه صوت السرة محذراً ...

- وراق ؟؟ اقيف قبلك أوعاك تدخل ... اجري يا بت يا فاطنة شيلي منو السمك ووديهو لحبوبتك بهناك تنضفو ..وكلمي جدك حامد يديهو القروش ... أتحركي يا بت وبطلي المحركة بتاعت أمك دي ...


تراجع وراق بجسده إلى الخلف ومد رأسه مختلساً النظر داخل الحوش العريض ... كانت فاطمة تتقدم نحوه بخطواتها الراقصة وجسدها الرشيق ... تفوح منها ذات الروائح المستفزة ... بدا جلدها المتراوح بين لون البن المحمص ونعومة ثمرة الطماطم الناضجة ولمعة الدهن السائح يقترب منه ويثير فيه أحاسيس لا يستطيع احتمالها ... ابتلع ريقه بصعوبة عندما وقفت أمامه كإحدى تماثيل الأبنوس المصقولة التي يراها في سوق امدرمان .. خاطبته باستعلاء ..

- أٌف منك ومن ريحتك يا وراق... انت القال ليك منو احنا عاوزين سمك الليلة ؟؟ شايفنا فاضيين ليهو ولزفارتو ؟؟ .. يلا هاته وطير عند ابوي حامد شيل قروشك ... وتاني حسك عينك تجيب سمك لغاية ما العرس ينتهي ...

انتزعت كيس الخيش من يده بعنف واتجهت الى آخر الحوش ... ظل يراقب خطواتها حتى اختفت عن ناظريه خلف سور كثيف من الاشجار المتلاصقة التي كونت ما يشبه دغل صغير بدا واضحاً لمن يراه انه وضع بفعل فاعل كي يفصل ويغطي ما خلفه اكثر من كونه زينة .. وقبل ان يستدير عائداً إختلس نظرة اخرى إلى طرف الحوش الآخر المسكون بمنبع الروائح ...
إرتعشت مفاصله وتسارعت دقات قلبه عندما لمح شبح فتاة رائعة الجمال وقفت بتململ وصبر نافذ ... بدت حبات عرق لامعة تغطي وجهها وتسيل في خطوط متنافسة حتى عنقها ... كانت خصلات شعرها الناعم المتمردة مبعثرة وملتصقة بجبينها الضيق وتدلى بعضها متلوياً على خدودها اللامعة ... حركاتها القلقة جعلت " الشملة " تنحسر عن كتف ذهبي مستدير .. بينما خرجت من أسفلها ساق تشبعت بالدخان حتى صار لونها مائلاً للسواد ...
كانت " بلقيس " كبرى بنات حجة السرة منحنية وهي تلتقط جمرات من "الكانون " أمامها وتضعها بحرص داخل الحفرة العميقة حسب توجيهات امها ...

- رصي الحطب كويس يا بلقيس ... زيدي الجمر دة ووزعيهو عشان يقبض سريع ... وانتي يا بت يا رحمة غتي صدرك ما يلفحك الهوا ... أرفعي الشملة دي لفوق وبطلي الدلع الفارغ البتسوى فيهو ده واقعدي زي الناس في الحفرة ... بنات آخر زمن !! ... الواحدة تقعد عشرة دقايق وتبدا تتململ وتنقنق .. أحي الحفرة حارة ... واي الدخان خنقني ... ما شفتونا إحنا في زمنا نقعد بالساعات الطوال في عزّ الحر وعزّ البرد ... ونتمسح بالودك لمن يسيل ويملا الواطه ... ونتغطى من راسنا لرجلينا مافي مخلوق يشوفنا حتى اقرب الاقربين لغاية ما الدخان يبقى طبقة تخينة لمن يجوا يطلعوها الا يدخلوا القشة .. يلا تعالى اقعدي خلينا
نخلص مواعيد الغناية قربت ...

أدرك وراق بأنه قد أطال الوقوف فخاف من إفتضاح أمره وأجبر قدميه المسمرتين على الحركة رجوعاً الى مقدمة المنزل وهو يدور بعينيه آملاً في رؤية المزيد من فتيات الحوش الحسان ... أحس بخيبة امل عندما وصل الى " الديوان " دون ان يصادف احداً ...
في " المصطبة " العاليـة جلس حـامـد الاميـن الشهير " بود العمدة " في كرسي منخفض وأمامه " إبريق " ملئ بالماء وقد شرع في الوضوء بينما تعالى صوت الآذان الشجي من المئذنة العالية التي تطل على الحوش ...
كان ود العمدة رجلاً نحيلاً منتصب القامة بصورة مهيبة وتثير الحيرة في إمكانية تحديد عمره الحقيقي .. بدا التناقض واضحاً بين ملامحه الطفولية الوسيمة والشيب الذي غزا فوديه وتوزع بفوضى محببة في الشارب الغزير والذقن المستديرة الخفيفة التي لم تستطع اخفاء نغزة عميقة توسطت الحنك الدقيق ... كانت نظراته الحادة تنطلق كالشرر من عيون واسعة يتمازج فيها اللونين البني والعسلي بانسجام غريب .. وعندما يبتسم احدى ابتساماته النادرة تنفرج شفتيه عن أسنان بيضاء لامعة تتوسطها " فلجة" صغيرة وتظهر غمازتان عميقتان على خدوده المشدودة ...

بعد ان فرغ حامد من وضوؤه رفع راسه ونظر الى وراق الواقف بصبر وخاطبه بصوت هادئ

- اهلاً يا وراق .. جبت السمك ؟؟ حسابك كم ؟؟

خفض الشاب نظراته إحتراماً وأتت كلماته متلعثمة كما هو حاله عندما يخاطب صاحب المنزل ...

- خليها عليّ المرة دي يا ود العمدة .. دي هدية بسيطة ما قدر المقام عشان العروس المرة الجاية بشيل منك ...

فتح حامد محفظته المنتفخة وأخرج منها رزمة أوراق مالية ومدها للسماك الخجول ...

- هدية مقبولة يا وراق .. وهاك المبلغ دة هدية مني ليك ...

همّ وراق بالاحتجاج فاسكته ود العمدة باشارة من يده ...

- شيل القروش يا وراق .. مش انا قبلت هديتك ؟؟ انت كمان لازم تقبل هديتي ... يلا بطل نقة عشان ما تفوٍت علينا الصلاة .. المغرب غريب وما بتحمل التاخير ...

تناول وراق النقود الممدودة والتي قدر قيمتها بأربعة أضعاف قيمة السمك الذي احضره .. جاهد ليبدو حاسماً وهو يخاطب ود العمدة ...
حشيلهم المرة دي ... لكن المرة الجاية لو أديتني قروش تاني ما بجيب ليكم سمك..

إكتمل مشروع الابتسامة في الوجه الوسيم ... إستدار ود العمدة دون أن يرد .. إتجه إلى سجادة الصلاة وشرع في التكبير بخشوع ...

داخل المنزل الفسيح كانت هناك حركة دائبة لفتيات يجمع بينهن الجمال ويفرقهن اختلاف الأعمار وتباين الألوان التي تدرجت ما بين الذهبي البراق الى الخمرى الناعم والقمحى الفتان والاسمر اللامع ...
في إحدى الغرف المغلقة جلست فتاتان في منتصف السرير تتهامسان بخفوت متآمر وهما لاهيتان بحديثهما عما يدور خارج الغرفة ... فجأة فتح الباب بعنف شتت شمل الهمس ووقفت على عتبته فتاة تتأرجح بين الطفولة والنضج وقد وضعت يديها في وسطها بتحد مما أظهر صدرها العارم الذي لا يتناسب مع قوامها النحيل ... كانت لهجتها المتسلطة ونبرتها الحادة إرثها الواضح من السرة ... تراقصت علامات الغيظ في عينيها الكحيلتين وهي تتكلم بصوتها الجهوري ...

- منال وجاكلين ؟؟ انتو قاعدين هنا تتوسوسوا والدنيا برة جايطة ؟؟ .. انتو يا بنات ما بتفتروا من الكلام ... الوقت كلو مقابلين بعض وتنقوا .. اصلكم بتقولوا شنو ؟؟ بتحلوا مشكلة فلسطين ؟؟!! ما مكفيكم الوقت البتقضوهوا مع بعض في الجامعة ؟؟...

إنتفضت جاكلين فزعاً وهي تتمتم " يا عدرا يا أم النور " رفعت يدها وقد فردت أصابعها الخمس في وجه بدرية فظهر التناقض واضحاً بين باطن كفها الشديد البياض والصليب الموشوم في أسفله باللون الرمادي الداكن وهي تتمتم .. خمسة وخميسه .. الله اكبر على عينك .. ثم مالت على أذن رفيقتها هامسة خوفا من أن تسمعها بدرية...

- تعرفي يا منال خالتك المفعوصة دي يوم حتجيب لي سكتة قلبية بصوتها العامل زي الرعد دة ...

ثم رفعت صوتها وهي تستدير لتخاطب بدرية ...

- في شنو يا بدرية ؟؟؟ القيامة قامت ولا حاجة ؟؟
تدخلت منال بسرعة وقبل أن ترد خالتها بلؤمها المعتاد على صديقتها المقربة ...

- مالك هايجة يا بدرية ؟؟ في شنو ؟؟ .. إحنا جينا نرتاح شوية لغاية ما الناس تخلص صلاة المغرب وبعدين نطلع ...

رمقتها بدرية بنظرة تنفث ناراً ...
- يعني انتي عارفة دة وقت الصلاة ؟؟؟ طيب مالك يا ختي ما قمتي تصلي ؟؟ عرفنا صاحبتك مسيحية .. اها انتي مالك ؟؟

- انا عندي عذر شرعي يا بدرية وما علي صلاة ... خلصينا عاوزة شنو ؟؟ ...

- ما انا العاوزة يا منال ... امي وبلقيس قالوا ليك تعالي جهزي حاجات التعليمة ... مش انتي عارفة انو الليلة آخر تعليمة لرحمة ؟؟ .. ولا عاوزة الناس تجهز ليك حاجات اختك وانتي قاعدة تتونسي ؟؟ ...

- طيب يا فالحة ... اجري قولي لامي وحبوبة انا وجاكلين جهزنا الحاجات كلها من قبيل ومنتظرين الغناية تجي عشان نطلعها ... يلا هويّنا ...

إستشاطت بدرية غضباً .. وظهرت نزعتها الطفولية في حركة قدمها التي رفعتها وضربت بها الارض ...

- اوعك يا منال تقولي لي هوينّا ... والله اكلم ليك امي وبلقيس ... انا صحي اصغر منك لكن مفروض تحترميني .. انا خالتك ولا انتي ناسية ؟؟ ..

- طيب يا خالتي ... خلاص رسالتك وصلت .. ممكن تمشي هسة ؟؟ ولمن رحمة تخلص دخان والغناية تجي تعالي ناديني ...

إستدارت بدرية والدموع تتلألأ في عينيها ... إتجهت مباشرة الى خلف المنزل وبدأت بالشكوى ما إن رأت امها وشقيقتها الكبرى تحيطان برحمة المتبرمة من حرارة الدخان ... إنتفضت السرة هلعاً عندما رات صغرى بناتها تشرق بدموعها ..

- سجمي .. مالك بتبكي يا بدرية ؟؟ في شنو ؟؟ ...

تجاهلت بدرية امها واتجهت الى شقيقتها ..

- يا بلقيس شوفي منال دي .. بتعاملني كاني طفلة صغيرة وما بتعمل لكلامي أي اعتبار وطول الوقت قاعدة مع جاكلين ولو جيت اقعد معاهم يطردوني ... هي أولى ليها تقعد مع منو ؟؟ انا ولا جاكلين ؟؟

كانت بلقيس تدرك إحساس الغيرة الذي يعتري شقيقتها الصغرى من علاقة إبنتها بجاكلين .. وظلت تراقب بإشفاق محاولاتها المستميتة لدخول الدائـرة المغلقة عليهما ورغبتها الملحة في تصنيفها ضمن ( البنات الكبار ) حتى تخرج من صفة الطفولة التي تلازمها .. من جانبها حاولت بلقيس جاهدة خلق علاقة تآلف بين
شقيقتها وبين " هادية " إبنة نعمات زوجة أبيها التي تماثلها سناً .. لكن العداء المستعر بين السرة ونعمات خلق شرخاً عميقاً بين الاخوات لم تفلح حكمة ود العمدة في تضييقه برغم إسلوبه العادل في المعاملة بين زوجتيه وبناتهما ...

هبت بلقيس من جلستها واحتضنت شقيقتها التي تحس بالامومة تجاهها وخاطبتها بحنو زائد وهي تمسح دموعها بطرف ثوبها ...

- معليش يا بدرية ما تزعلي .. إنتي مش عارفة منال وطريقتها ؟؟ لكن والله هي بتحبك اكتر من أي زول تاني ... بس انا كلمتك من زمان .. وقت المذاكرة ما تمشي ليها .. وبالذات الايام دي امتحاناتها قربت وعرس رحمة عامل ليها ربكة شديدة .. هي وجاكلين بينتهزوا أي فرصة عشان يذاكروا .. وبكرة لمن تدخلي كلية الطب زيهم حتعرفي زنقة المذاكرة كيف ...

ازدادت بدرية التصاقاً بشقيقتها وهي تحتج ...

- ما كانوا بيذاكروا يا بلقيس ..كانوا قاعدين يتونسوا وأول ما دخلت عليهم قطعوا الكلام كالمعتاد ... انا عاوزة اعرف ليه بيسكتوا كل ما اجي اقعد معاهم ؟؟

كانت الكلمات تندفع من فمها كالسيل حتى طغت عليها زغرودة عالية مميزة تعالى بعدها صوت رفيع يتكلم بلكنة محببة ...

- السرة ... بلقيس .. يا جماعة انتو وين ؟؟ لسة ما جهزتوا ؟؟ ... انا جبت اللقيمات وبلح القنديلة الما خمج جابوهو من الشمالية امس ... تعالوا يا بنات شيلوا معاي ..يا بت يا اميرة .. مالك واقفة متنحة كدة ؟؟؟ اتناولي مني كورة المديدة دي ووديها لرحمة خليها تشربها دافية عشان تشد حيلها في الرقيص ...

افلتت بلقيس شقيقتها من بين ذراعيها وهي تحذرها ...

- بدرية .. اوعك تتكلمي فارغ قدام خالتك رجاء ولا تجيبي سيرة منال وجاكلين فاهمة ؟؟

وقبل ان تجاوبها بدرية ارتفع صوت السرة مهدداً ...

- امشي يا بت بلاش دلع فاضي وشوفي ليك شغلة اعمليها بلا كل يوم فالقة راسنا منال وجاكلين .. جاكلين ومنال ... وبحذرك لو لحقتي فتحتي خشمك دة قدام رجاء ولا جبتي السيرة دي بالغلط ما تلومي الا روحك وشوفيني حاعمل فيك شنو ..

ظهرت رجاء في طرف الساحة وهي تحمل الاغراض بكلتا يديها وسيل الزغاريد يندفع من فمها بلا توقف ... كانت امراة قصيرة القامة ممتلئة باعتدال وذات ملامح ناعمة .. يحيط بوجهها المستدير شعر قصير تداخلت فيه الخصلات السوداء مع الفضية لتكسبها عمراً يفوق عمرها الحقيقي .. من خلف اطار النظارة الطبية الذهبي الرفيع شعّت عينان تفيضان لطفاً وحناناً ... وتزينت شفتيها الرفيعتين الباهتتين بابتسامة لا تعرف الخمول ... ظهر بياض بشرتها من خلال فتحة الفستان الاسود الذي اصبح علامة مميزة لم تفارقها منذ ثمان سنوات حينما ارتدته حزناً على وفاة زوجها الشاب بحادث سير ماساوي تاركاً لها جمال على أعتاب الشهادة
جاكلين ؟؟ انتي مش عارفة الليلة عندنا درس الكتاب في الكنيسة ؟؟ البص حيجي ياخدنا بعد شوية ... انتي ما ناوية تمشي ولا شنو ؟؟
ردت جاكلين بلهجة عابثة لا مبالية ...

- جانيت يا حبيبتي ... انتي مش عارفة انو الليلة تعليمة رحمة الاخيرة ؟؟ كيف يعني عاوزاني افوتها ؟؟ لو على درس الكتاب ما هو كل اسبوع ... حامشي الاسبوع الجاي ولو قسيس نجيب سال عني قولي ليهو عيانة ...

هبت جانيت وقد احمر وجهها غضباً ..

- والله عال يا جاكلين ... ما مكفيك انك ما ماشية وكمان عاوزاني اكذب عشان اغطي عليك ؟؟!! انتي انسانة ما مسئولة .. الاهم ليك شنو درس الكتاب ولا التعليمة ؟؟ انتي يا بت ما ناوية تتعدلي وتمشي صح ؟؟

هزت جاكلين راسها فتماوج شعرها الكثيف بنعومة .. استدارت لتواجه توأمها بتحدى ...

- يا جونا يا اختي .. بطلي تعقدي الدنيا لانها ما ناقصة تعقيد ... انتي عاوزة تمشي الكنيسة ؟؟ امشي .. انا ما حايشاك .. وما في داعي تكذبي .. لو سألوك عني قولي ليهم مشت تعليمة بت الجيران .. اوكيه ؟؟ يلا يا حلوة باي ... لمن ترجعي احكي لي درس الكتاب وانا بحكي ليك التعليمة..

غمزت شقيقتها بعينها وهي تخرج من الغرفة منادية ...

- يلا يا منال جيبي الكتاب وتعالي اتاخرنا ...

انتفضت منال عند سماع صوت صديقتها وسحبت يدها النائمة بدعّة في يد جمال .. تلاقت عيناهما في نظرة طويلة معبرة وهمست له قبل ان تخرج من باب الغرفة الموارب ...

- جمال ... لازم اشوفك بعدين ... انا ما بقدر اجي عندكم تاني الليلة .. وبكرة طالعة مشاوير مع امي نقضي باقي حاجات العرس ... يعني إحتمال ما الاقيك ... بعد ما تنتهي التعليمة انت تعال عندنا البيت .. اعمل روحك عاوز أي حاجة من خالتي رجاء ولا جاكلين .. خلاص اتفقنا ؟؟ انت عارف انا لو ما شفتك يومين ورا بعض بتعب شديد ...

احس بالخدر وهو ينظر الى عينيها الجميلتين فاختفى صوته وأومأ ايجاباً وهو يرسل لها قبلة في الهواء
التقطتها وردتها اليه قبل ان تخرج على عجل ...

وبكره فصل ثانى ..............................

Abubakr Ibrahim
21st November 2010, 07:09 AM
[SIZE="4"]الفصل الثاني
تمطّت " نعمات " بليونة في الكرسي المواجه للمرآة داخل غرفة نومها .. مالت بجسدها حتى كاد وجهها يلتصق بانعكاسه في الزجاج المصقول ... كانت تتأمل ملامحها بدقة .. مرت باطراف اناملها على جبينها العريض وهي تتلمس التجاعيد التي تتشكل في خطوط عرضية عميقة عندما ترفع حاجبيها الغليظين إلى أعلى ... احست بكآبة تحتلها فانزلت اصابعها الطويلة الى ركن عينها وهي تحسب عدد الخطوط الصغيرة التي تزايدت خلال الفترة الاخيرة ... ظلت على حالها فترة من الزمن يدها تتجول بلا وعي بين خدودها النحيلة واعلى شفتيها المكتنزتين وعنقها الطويل المشرب بالسمرة
اخيراً نهضت عن الكرسي وتمايلت يميناً ويساراً وهي تستكشف بعرفان تضاريس جسدها اللدن الذي كتم سر سنوات عمرها بمهارة ولم يفصح عن الاثنتنان وخمسون عاماً التي بلغتها منذ شهور ...
كانت شاردة الذهن .. تتنازعها مشاعر متناقضة بين الفرح والحزن ... ما يحدث في المنزل من تجهيزات زواج حفيدة زوجها أهاج شجونها وأعاد اليها ذكريات قديمة راحت تسترجعها بلذة خفية كانت في السابعة والعشرين عندما رأت حامد للمرة الاولى ... شريك والدها في تجارة الاخشاب والذي اصبح صديقه برغم فارق العمر بينهما .. سبقته سمعته اليها قبل ان تراه .. كان والدها يتحدث عنه باعجاب واحترام وهو يثني على ادبه ونشاطه والتزامه وجديته ... تدريجيا انتقل اليها الإنبهار بشخصية ود العمدة واصبحت تتلهف لمعرفة اخباره ...وبرغم علمها بزواجه من ابنه عمه وابوته لاربع بنات ... الا انها لم تكن تملك دفعاً لمشاعرها المتنامية ...
كان زواج شقيقها الاكبر سبباً في اول لقاء بينهما ... عندما راته بجسده النحيل وعينيه الحزينتين بلونهما المتمازج قفز قلبها ... وادركت انها واقعة في هوى هذا الرجل ما ان تلاعبت غمازتاه إثر ضحكة هادئة اطلقها تجاوبا مع إحدى دعابات ابيها ... عزمت على لفت نظره باي طريقة ممكنة ... فانتظرت حتى صدح صوت الفنان باغنية بطيئة الايقاع ودخلت حلبة الرقص بتصميم وهي تتباهى بشعرها الطويل الغزير الذي رفع عنه حظر الاختباء خلف الثوب إكراماً لزواج شقيقها ... أحنت ظهرها بليونة وفردت ذراعيها بدلال فنفر صدرها أمامها بعنفوان وهو يعلو ويهبط بتناسق تام مع حركات عنقها الطويل ... كانت ترقص برشاقة الغزال وعيناها تحدقان في النجوم فوقها بهيام .. تلاشى احساسها بمن حولها واصبحت ترقص له وحده ... كانت بين الحين والاخر تسترق النظر تجاهه لترى تاثير مهارتها التي اجبرت الجميع على التراجع والوقوف متفرجين فصارت وحيدة وسط دائرة من الانظار الشاخصة ... إختل توازنها لبرهة وجيزة عندما راته قادما نحوها برفقة ابيها ثم استعادت سيطرتها على حركاتها واخذت دورة كاملة اصبحت
في نهايتها بمواجهته ... تمايلت باغراء كحمامة منتشية ... ثم خصته ( بالشبال ) دوناً عن غيره ... وعندما لاحظت ارتعاشة رموشه واحتباس انفاسه .. أدركت بانها قد وصلت الى مبتغاها ...
بعدها توالت زيارات ود العمدة الي بيتهم ... لم تكن تعدم الوسيلة التي تجعله يراها بها في أبهى حلة عند كل زيارة ... وعندما لمّح حامد لوالدها عن رغبته بالزواج مرة اخرى املاً في الحصول على الولد الذي يتمناه بعد ان انجبت له زوجته اربع بنات .. فهم الرجل الخبير التلميح ولم يتحفظ في الموافقة على تزويجه ابنته التي كانت تسير نحو العنوسة بخطى حثيثة رغم جمالها واصلها الكريم...
في الثامنة والعشرين من عمرها اصبحت نعمات الزوجة الثانية لحامد الامين ... كان شرطها الوحيد هو بقائها في منزل منفصل وبعيد عن زوجته الاولى .. وكان لها ما ارادت .. اشترى لها حامد منزلاً بالقرب من والديها .. ووزع وقته بالتساوى بينها وبين السرة ... بعد سنة من زواجهما اتت نادية ... ثم تلتها اميرة ... احست نعمات بالقلق والخوف من توالي البنات وامتناع الولد فقررت التوقف عن الانجاب لفترة .. بعد اربع سنوات انجبت هادية التي كان الفرق بينها وبين بدرية ابنة السرة شهر واحد فقط ... وقتها ابلغها زوجها بقراره الواجب التنفيذ عن انتقالها الى البيت الكبير في منطقة ابوروف ورفض كل حججها الممانعة بعد ان وعدها بأن يكون الجزء الخاص بها في المنزل بعيداً عن سلطة السرة ...
وبرغم رفض ود العمدة القاطع بناء جدار يفصل بين المنزلين داخل الحوش الواحد ... الا ان نعمات استطاعت ان تخلق حواجز عالية بينها وبين ضرتها وبناتها ... كانت الصغيرات يخرجن احياناً عن سيطرتها ويذهبن للعب مع اخواتهن بتشجيع من الاب الممتعض من تباعد بناته ... لكن نعمات ظلت بعيدة عن عالم السرة الملئ بالاتباع ... حتى عندما تزوج حامد للمرة الثالثة .. لم تجمعهما المحنة المشتركة ... ومارست كل واحدة منهما رفضها وحزنها باسلوبها الخاص ...
عادت نعمات الى واقعها على صوت ابنتها الكبرى نادية وهي تخاطبها بالحاح ..
- امي انتي سرحانة قدر دة في شنو ؟؟ انا لي ساعة باتكلم معاك.. ما ماشة التعليمة ؟؟. عليك الله يا امي تعالي .. بلقيس حتزعل لو ما جيتي وهي طيبة وبتحبك ... ما ليك دعوة بامي السرة ... اقعدي بعيد منها ...
انتفضت نعمات بغضب عندما سمعت كلمات ابنتها الاخيرة ..
- نادية ؟؟ انا مش حذرتك قبل كدة ما تقولي امي السرة ؟؟ ... اوعى تاني اسمعك تقولي الكلمة دي فاهمة
انتفضت نعمات بغضب عندما سمعت كلمات ابنتها الاخيرة ..
- نادية ؟؟ انا مش حذرتك قبل كدة ما تقولي امي السرة ؟؟ ... اوعى تاني اسمعك تقولي الكلمة دي فاهمة ولا لا ؟؟ انتي عندك ام واحدة بس .. انا بس التقولي لي امي .. قال امي السرة قال ... انشاء الله ( مو ) يفقع مرارتها زي ما فاقعة مرارتي ..
ردت نادية بهدوء وهي تحاول امتصاص غضب والدتها
- حاضر حاضر يا امي ... معليش نسيت ..خلاص تاني قدامك ما باقول كدة ..
صرخت فيها نعمات ..
- لا قدامي ولا وراي ...
تمتمت الابنة بحيرة ..
- لكن يا امي اناديها بشنو ؟؟ باسمها ساكت ؟؟ انتي عاوزة الناس تقول اننا قليلات ادب وانك ما ربيتنا كويس ؟؟ .. هسة مش بناتها كلهم حتى الكبار بيقولوا ليك امي نعمات ؟؟
صمتت نعمات امام منطق ابنتها ثم اخفت عجزها عن الاجابة باشاحة وجهها الى الجهة الاخرى وهي تستمع الى سؤال نادية اللحوح ...
- طيب يا امي انتي حتمشي ولا لا ؟؟
التمعت عينا نعمات بتحد..
- طبعا ماشة ... هو معقولة أنا القى فرصة أغيظ فيها العجوز الشمطاء دي وأخليها ؟؟ اجري طلعي لي
توبي الجديد الجابو لي أبوك ... وجيبي علب دهبي كلها .... خلي أميرة تولع لي مبخر كبير ... وطلعي من الدولاب قزازة الخمرة وعلبة البخور .. الليلة حخلي السرة تنفجر من الغيظ ....
في الحوش الفسيح صفت كراسي الخيزران على شكل هلال تربع في منتصفه ( برش ) تداخل فيه لون السعف الطبيعي مع خطوط بلون زهور ( الكركديه ) الداكنة وتزينت أطرافه بحبات الودع وجنيهات ذهبية مزيفة معقودة بإحكام بخيوط حمراء قانية ... كان المكان يموج بالأصوات والضحكات .. والترقب ... في المقدمة جلست المغنية بثوبها الأزرق الشفاف وشعرها المجدول ضفائر صغيرة وهي تنقر بأظافرها الطويلة على " الدلوكة " النائمة في حجرها بطاعة .. من مدخل المنزل ظهرت جاكلين تتقدمها عاصفة من بخور ( التيمان ) تندفع من ( المبخر ) الفخاري الضخم بين يديها .. من خلفها أتت رحمة تتعثر في خطوات خجولة ومرتبكة تسندها يدي منال ... تعالت الزغاريد حتى اهتز المكان برنينها ... كانت تنتهي لتبدا من جديد في مباراة حامية لإظهار البراعة وطول الأنفاس ... لم يقطع سيلها إلا صوت رخيم ترافق مع ضربات قوية على الجلد المشدود ..
من بعيد جات تمشي المها ...
كل زول قال وين امها ....
هدأ الصخب .. وتركزت الانظار على رحمة التي تهادت في البرش كفراشة ناعمة ... كانت قدماها المشبعتان بلون الحطب المحترق تدوران بحرفية اثارت حسد الكثيرات ... وباشارة سرية من عيني المغنية بدات رحمة تفك رباط ثوبها من وسطها بدلال ... رمته ارضاً وهي تبتسم بعيون مسدلة لكلمات التشجيع التي تطلقها شقيقتها وصديقاتها ... اشتعلت الايدي حماساً ... وغابت رحمة عن الواقع المحيط بها وسرح خيالها في المجهول الذي ينتظرها ....
داخل المنزل شبه الخالي طرقت بلقيس برفق على باب غرفة والدتها ثم فتحته قليلاً ومدت راسها لتجد السرة مستلقية على سريرها وهي تدخن سيجارتها ببطء ولذة .. وتتامل بعيون نصف مغلقة الخاتم الذهبي الضخم في يدها اليسرى ...
خاطبتها بلقيس باحترام ومحبة ...
- يمة !! انتي بتدخني هسة والبيت ملان ناس ؟؟ لو زول شافك يقول شنو ؟؟
رمقتها السرة بنظرة مؤنبة ..
- يا بت انا بدخن قـدام ابوك " حامد ود العمدة " شخصيـاً .. ناس شنو تاني البهتم بيهم ؟؟!! ( طظ ) في أي زول ... جهزتي الحاجات كلها ؟؟ العقربة جات ؟؟
ادركت بلقيس مقصد السرة من كلماتها الاخيرة ... كان العداء سافراً ومستمراً بينها وبين نعمات زوجة حامد الاخرى .. ومنذ انتقال نعمات الى المنزل بعد انجابها لابنتها الثالثة بدأت حرب السيطرة والاستقلال الخفية بين الزوجتين .. وبرغم محاولة نعمات تجنب الصدام مع السرة ... الا ان استفزازات ضرتها كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال ... وكان لابد لها ان ترد الصاع صاعين فتسلحت بجمالها وفارق السن بينها وبين ضرتها لتواجه به جبروت السرة وسطوتها المستمدة من صلة القرابة بينها وبين حامد وقوة دعم الاهل لابنتهم امام الغريبة الغازية ...
- يا امي الله يخليك ما تصطدمي بيها الليلة وخلي التعليمة تمر علي خير عشان خاطر رحمة ..
- اصطدم بيها ؟؟؟ هي دي منو دي خطافة الرجال دي الانا بعبرها ولا اهببوا ليها ؟؟ اها لابسة شنو ؟؟
- لابسة توب عادي يا امي .. يلا تعالي خلينا نطلع برة .. اكيد الناس بدوا يسالوا حبوبة العروس وامها وينهم ..
نهضت السرة من سريرها بصعوبة وتوكأت على كتف بلقيس حتى الباب المؤدي الى الحوش ثم انتزعت يدها منها بحدة ...
- خلاص خليني امشي براي .. ما عاوزة اللبوة دي تشوفني كدة وتشمت فيني وتقول انا عجزت وبقيت ما قادرة امشي ... هي قاعدة وين .. اريتها تقعد في النار ..
اومات بلقيس تجاه مكان نعمات .. وعندما التقت نظرات المراتين ضاقت عينا السرة بحقد وهي تتامل ثوب نعمات الجديد وكمية الحلى الذهبية التي تتزين بها ... فلكزت ابنتها ..
- ما قلتي توب عادي ؟؟ عايني ليها لابسة كيف ؟؟ هي قايلة روحها لسة عروس مدهبة قدر دة ؟؟ ولا التقول جايباهو من بيت ابوها ؟؟ ما كلو من خير راجلي السرقتو مني ..
جلست السرة في اول كرسي صادفها حتى لا يبدو عليها اعياء السبعين عاماً التي تحملها اضافة الى كميات الشحم الهائلة المتمركزة في بطنها وخلفيتها وساقيها ... دارت بنظراتها تتامل الحضور ... اتسعت ابتسامتها لرؤية جيرانها واقاربها الذين اتوا لمجاملتها ... اغمضت عينيها ورفعت راسها لتطلق زغرودة عالية طغت على كل ما عداها ..[/size
وبكره فصل ثالث .............

Abubakr Ibrahim
22nd November 2010, 08:07 AM
[SIZE="4"][COLOR="Blue"]الفصل الثالث
كان ظلام الليل يجثم على صدر ( إبراهيم ) وهو يتقلب في فراشه باضطراب ... ومن بين شفتيه المطبقتين تنبعث اصوات متقطعة .. مختنقة .. نائحة ... انه جحيمه المعتاد الذي ظن انه قد فر منه منذ زمن طويل لكنه تبعه متواريا في دثار الاحلام ..
حلكة الظلام لفت الكون بستائر عميقة من السكون المصبوغ برائحة الخوف .. وهناك خلف سور الاشجـار الذي يفصل بين البيت الكبيـر والمنـزل الصغير الذي تقطنه اسرة ( بخيت ) و زوجته ( العينة ) وأبناؤهما الثلاثة .. يتراءى ضوء واهن يتراقص مع هبات الريح مشكلاً صوراً مخيفة ... انهم ( السحاحير ) الذين ما تفتا السرة تحذره منهم ومن الذهاب الى المنزل المتواري خلف الاشجار حيث يقطنون ... لكنه بحدسه الطفولي ادرك ان امه تحاول منعه من الاختلاط باهل البيت الصغير لسبب لا يعلمه .. لذلك اعتاد التسلل الى هناك دون علمها ... نهاراً .. كان كل شئ يبدو على طبيعته لم يكن هناك ما يخيف ... لكن الليل هو المشكلة ... عندما يجافيه النوم فيغامر بتحدى الظلام ويقطع الحوش الواسع بخطوات وجلة وهو يتلفت في كل الاتجاهات حتى يصل الى الدغل الكثيف ويندس خلفه مستعيناً بضؤ القمر الباهت للبحث عن ممر الدخول .. كان اكثر ما يخيفه هو صوت صرير الباب الخشبي المتهالك المثبت بعشوائية في الحائط الطيني القصير .. صوتاً كئيباً يسرى في صمت الليل وكانه صرخات الشياطين ... هكذا اخبرته السرة ... بان صوت الشياطين يشبه صوت باب بيت بخيت والعينة ...
كان يتخطى هذا العائق بشق الانفس ليدخل الى الساحة الصغيرة على اطراف اصابعه ... يتراءى له من على البعد حوض المياه العميق المطلي بالطحالب الخضراء وماسورته اليتيمة التي أدمنت سكب القطرات رغماً عن قطع الاقمشة الملفوفة حولها لإيقاف نزيفها المتواصل .. كانت القطع المتدلية بعشوائية تتحرك مع أقل هبة ريح كاذرع العناكب التي تنتظر مروره لتتسلق جسده وتمتص دمه ... كان يكره العناكب وكل ما يذكره بها ... عادة يشيح بنظراته من جهة الحوض وهو يضع يديه على أذنيه الصغيرتين حتى لا يسمع صوت تساقـط قطرات الماء بلحن رتيب يصك أسنانه ... أمام المنزل الطيني انتصبت ( راكـوبة ) فسيحـة جٌدل سقفها بسعف النخيل المتكئ على اعواد القنا السميك ..تمددت ظلال الاعواد التي ترفعها واستطالت فصارت اذرع بمخالب واطراف باقدام معقوفة كان المنظـر يزداد سؤاً عندما تكون هناك بقايـا جمـر متخلف عن حـريق الحطب تحت الصاج الذي ( تعوس ) فيه العينة ( الكسرة ) فتشع كعين خبيثة تراقب تقدمه البطئ نحو باب المنزل المبنى من ( الجالوص ) بنوافذه الخشبية المشققة التي تبعد عن الأرض بمسافة اقل من امتداد ذراعه القصير
كان ابراهيم يستمد شجاعته من احساس الوحدة الذي يخنقه في البيت الكبير .. فلا احد هناك يلاعبه او يتكلم معه ... السرة مشغولة دوماً برعاية شقيقتيه .. بلقيس التي تصغره بخمس سنوات .. وبدور التي بلغت عامها الاول منذ ايام اما والده فهو لا يراه الا لماماً ... لم يحدث يوما ان لعب معه كما يفعل بخيت مع اولاده ... حتى في اوقات وجوده الشحيحة بالمنزل يبدو وكانه يتحاشى بقائهما في مكان واحد ... ما ان يراه حتى يدخل يده في جيبه لتخرج ممتلئة بعملات حديدية متنوعة يمنحها له وهو يربت على ظهره بعجلة كما يفعل مع جرو صغير يرغب في التخلص منه ثم يختفي مسرعاً من امامه .. كثيرا ما احس بالالم والحيرة من تجاهل والده له فكان يلجا الى امه ويسالها ..
- انتي يا السرة ... ابوي ليه ما بيحبني ؟؟
وتاتيه اجابتها المكررة المترافقة مع ضربة قوية من يدها على صدرها...
- سجمي ؟؟ يا ولد منو القال ليك الكلام الفارغ دة ؟؟ ابوك حامد بيحبك اكتر من روحو وبعدين انا مش قلت ليك قبال كدة ما تناديني باسمي ساكت كدة ؟؟ مش كلمتك انو كدة عيب وحرام والله حيدخلك النار لو ناديتني باسمي ؟؟ قول امي يا ابراهيم ... ما تقول السرة .. قول امي ... اوعاك اسمعك تاني تقول السرة ....
لكنه يتجاهل كلماتها كما كل مرة ويواصل اسئلته الحائرة ...
- طيب يا السرة هو ليه ما بشيلني ويلعب معاي زي ما بيعمل مع بلقيس وبدور .. ولا زي ما عم بخيت بيعمل مع عبد الرزاق وحبيبة ؟؟
وتاتي الاجابة المتوارية خلف الحقيقة المؤلمة ...
- عشان بلقيس وبدور بنات وانت راجل ... وعشان هم صغار وانت كبير ... وبعدين انا مش حذرتك ما تمشي بيت ناس بخيت ؟؟ ومش قلت ليك ما تقول ليهو عمي ؟؟ انت تناديهو بخيت وبس .. وما تلعب مع اولاده ديل لا زيك ولا بشبهوك ...
كان
- كيف يعني ما زيي ولا بشبهوني ؟؟ قصدك عشان لونهم اسود وشعرهم خشن ؟؟
- لا ما عشان لونهم اسود وشعرهم خشن ... لكن هم بس ما بشبهوك والسلام ... انت لسة صغير وما فاهم حاجة وبكرة لمن تكبر حتفهم معنى كلامي دة ... يلا بطل غلبة كتيرة واتعلم تقول امي ...
لم تقنعه اجاباتها يوماً ولم تمنحه الراحة التي يحتاجها أوتبدد الحيرة التي يحسها ...
- اشمعنى انا عاوزاني اقول ليك امي ؟؟ ما كل الناس بتقول ليك السرة ..
ونكاية في اجاباتها التي لم تشف غليله كان يهرب من امامها تجاه بيت بخيت والعينة تتبعه صرخاتها المحذرة ...
- يا ولد تعال .. ما تمشي هناك ... عندهم سحاحير بياكلوك ..
في النهار .. لم يكن يهتم لتخويفها ...
لكنه الان في قبضة الليل .. خطواته المتسللة الصامتة ترتعش تجاوباً مع دقات قلبه الخائف ... لقد جفاه النوم وعززت صرخات بدور المريضة (بالحصبة) من دوافع صحوه فوجد نفسه وحيداً في الغرفة الواسعة بسقفها الخشبي المرتفع ... وصوّر له خياله ( العناقريب ) الضخمة بارجلها الرفيعة العالية كانها العناكب التي يكرهها فنزل من مكانه بهدوء حتى لا يوقظها من سباتها ... انسلّ من غرفته وركض تجاه غرفة السرة المضيئة ... من شق الباب الموارب سمع صوت بدور الباكي فاختلس النظر ليجدها بين ذراعي امه المتقرفصة في منتصف سريرها وهي تحملها وتهزها برفق بينما استكانت بلقيس بين ذراعي والده وهو يدور بها من اقصى الغرفة الى اقصاها ... يبدو ان لا مكان له هنا ... تسلل بهدوء من باب المطبخ الخلفي باتجاه بيت بخيت والعينة ... هناك دائما يجد مكانا يسعه واشخاصاً يلاعبونه ويهتمون لامره ...
عندما تخطى كل الصعاب ووصل اخيراً الى الباب ... إنفتح امامه بسلاسة ودون اصدار الصوت الشيطاني فركض تجاه المبنى الطيني ودفع بابه ودخل ... وقف في منتصف الصالة الطولية التي تطل عليها غرفتان صغيرتان .. واحدة تخص العينة وبخيت وتشاركهما فيها ( حبيبة ) التي تماثل بلقيس عمراً .. بينما
خصصت الغرفة الاخرى لاستقبال الضيوف نهاراً ونوم عبد الرزاق وعبد الستار ليلاً ... كان يهم بالحركة عندما تناهت الى سمعه اصوات مبهمة تاتي من غرفة بخيت والعينة .. لم تكن واضحة بسبب الباب الموصد ... لكنه ميز بصعوبة صوت العينة المبحوح وهي تتاوه وتصرخ ... وفي لحظة صمتها يرتفع صوت بخيت الاجش وهو يتمتم بعبارات غامضة ... أخافته الأصوات وبدا عقله القاصر يتساءل عن السبب الذي يجعل بخيت يقدم على ضرب العينة ويؤلمها حتى تصرخ ... ركض فزعاً إلى الغرفة الاخرى ودلف من الباب الموارب على عجل .. اوقف اندفاعه اصطدام جسده الصغير بشبح يبدو كل ما فيه هائج ومتحفز ... كان عبد الستار ابن السبعة عشر عاماً واقفاً في منتصف الغرفة يتنصت على صرخات امه وهمهمات ابيه وكل شئ فيه يبدو غريباً .. اختفت من ملامحه الوداعة المعتادة وبدا كصقر جائع يبحث عن فريسة لينقض عليها تبادلا نظرات فزعة متفاجئة وبدأ المشهد غامضاً بسبب الاضاءة الصفراء الشاحبة التي تنبعث من لمبة صغيرة معلقة بسلك يتدلى بمحاذاة الحائط ... وقبل ان يدرك ابراهيم ما يحدث وجد يد عبد الستار التي تفوح منها رائحة نفاذة كريهة تغطي فمه وانفه وهو يجره تجاه سريره ... وفي لحظة بدأ الكابوس يجثم على ظهره بكل ثقله والمه وجموحه ... احس بانه يختنق .. وان روحه تتسلل منه بصمت .. وادخله الالم الحاد في غياهب اللاوعي ...
مرت فترة لا يعلم مداها .. وعندما استفاق كان لا يزال مستلقياً على بطنه يعتريه احساس مخيف بان عمود نار قد اخترق مؤخرته ... فتح عينيه بتعب لتصطدمان بوجه عبد الرزاق النائم باطمئنان في السرير المقابل وقد علت وجهه شبه ابتسامة ... كان ما حدث اكبر من قدرته على الاستيعاب ... وإجتاحته رعشة من الصمت المميت الذي اطبق على المكان ... لم تعد العينة تصرخ .. وتوقفت همهمات بخيت لم يعد هناك غير لون الظلام .. ورائحة الدم ...
عندما استطاع اخيرا ان يرفع راسه وجد عبد الستار جالساً بقلق على طرف السرير وهو يحمل قطعة صغيرة رطبة تبقعت بلون احمر قان ..كان يطويها ويفردها بحركات لا ارادية وعيناه الصغيرتان تدوران بخوف .. غادرته هيئة الصقر المتحفز وعاد الى وداعته المعتادة ... عادت اليه هيئة عبد الستار الذي يلاعبه ويحمله على ظهره جريا الى الدكان الصغير ليشتري الحلوى والالعاب ويساعده في استذكار دروسه وحفظ جداول الضرب وسور القرآن .. لقد استعاد شكله القديم .. شكل صديقه الذي يقوم بعقد الصلح بينه وبين عبد الرزاق عندما يتخاصما اثناء اللعب ... صديقه الذي يطلب منه ان يراقب شقيقته الصغيرة حبيبة عندما تغيب العينة اثناء ساعات خدمتها الطويلة في البيت الكبير ...
أحس بالم ممض عندما رفعه عبد الستار من السرير وطلب منه بهمس ان يتبعه الى الخارج ... خذلته
قدماه ولم يستطع السير فاضطر عبد الستار لحمله حتى وصلا الى السور الشجري ... هناك انزله ببطء وجلس قبالته وهو يسنده بيديه وعيناه تنظران اليه بخجل وندم ...
- ابراهيم ؟؟ احنا اصحاب مش كدة ؟؟
اتت ايماءة الموافقة تلقائية وصامتة ..
- الحصل دة بيحصل بين الاصحاب لمن يكونوا بيحبوا بعض شديد ... مش انت عارف انا بحبك قدر شنو ؟؟ انا بحبك زي عبد الغفار وحبيبة ويمكن اكتر منهم كمان ... عشان كدة الحصل دة لازم يفضل سر بيننا انا وانت وبس ومافي أي زول تاني في الدنيا يعرفو ... اوعك يا ابراهيم تكلم زول والا حازعل منك وما حنبقى اصحاب ... وما حتلقى زول تاني يوديك الدكان ولا زول يذاكر ليك ويحل ليك الواجبات وحتبقى بليد في المدرسة وتطلع الطيش .. ولو امك وابوك عرفوا حيحبسوك في البيت الكبير وما حيخلوك تجي عندنا تاني .. ويمكن كمان السرة تحرش ود العمدة يطردنا من البيت لانها اصلاً ما بتحبنا .. انت عاوزهم يطردونا من البيت يا ابراهيم ؟؟؟
اتت هزة الرفض صامتة من الطفل الحائر المتالم .. كانت عينا عبد الستار مغروزتان في عينيه وهو يحشو راسه بمبررات قابلة للتصديق ... لماذا يكذب عليه صديقه ؟؟ ربما هو فعلا لعب لم يعتده لذلك احس بالالم .. ربما في المرة القادمة سيكون اقل الماً ...
حمله عبد الستار وقطع به مساحات الرعب حتى اوصله الى باب المطبخ الخلفي .. انزله برفق وهو يذكره بالكتمان ...
في تلك الليلة بدات اولى كوابيس ابراهيم واضطرابات نومه التي لازمته طيلة حياته .. عقب صلاة الفجر هرع حامد والسرة الى غرفة الفتى الصغير اثر صرخات هائلة اطلقها وهو يحاول محاربة الاشباح المرعبة التي غزت احلامه .. كان احدها يشبه عبد الستار وقد نبت له قرنان في مقدمة راسه واصبحت عيناه بلون الجمرة المتخلفة عن حريق الحطب تحت صاج الكسرة ..
عندما تحسس حامد جسده .. وجده يحترق بالحمى .. وفى الصباح غطت بثور (الحصبة ) الصغيرة التى إنتشرت فى جسده على آثار إغتيال طفولته التى تمت ليلاً .
وبكره فى فصل رابع ...............

Abubakr Ibrahim
23rd November 2010, 07:13 AM
الفصل الرابع(1)
باقتراب موعد العرس ارتفعت حرارة الاستعدادات في حوش ود العمدة .. كانت جحافل النساء تغزو المكان دخولاً وخروجاً في كل الاوقات ... وترقّب سكان الاحياء المجاورة لحي ابوروف الموعد بلهفة .. كانوا يتوقون لحضور عرس آخر يذكرهم بما شهدوه في اعراس بنات ود العمدة السابقة ... بينما لم يعد احد يتذكر تفاصيل زواج ابراهيم من حبيبة ابنة بخيت والعينة الذي تم على عجل واقتصر على اقرب الاقربين .. لم يكن هناك حفل باذخ مثلما توقع الجميع لزواج الولد الوحيد في الحوش ... فبعد عقد القرآن المتواضع اخذ ابراهيم عروسه واختفى تاركاً جملة من التساؤلات والتكهنات عن سر هذا الزواج الغريب بين ابراهيم وهو من هو ... وحبيبة وهي من هي .. وانتشرت الشائعات عن وجود فضيحة محتملة كان لابد من سترها باسرع وقت ... وبدا الجميع في عد الايام لقدوم طفل حبيبة الاول حتى يتاكدوا من شكوكهم ... لكن ولادة فاطمة ابنة حبيبة البكر بعد سنة وثلاثة اشهر من زواجها دحضت الشائعة وجعلتها تنحصر في فرضية رفض السرة لهذه الزيجة والذي عبرت عنه صراحة بحزم امتعتها وسفرها الى القرية وبقاءها هناك لفترة طويلة بمرور السنين انمحت من الاذهان ذكرى هذا الزواج الباهت بينما بقيت صور زواج بلقيس وبسمة وبدور حاضرة بقوة ... كانت فرحة السرة لا توصف بزواج اولى حفيداتها .. فوزعت رسلها في كل مكان لتوجيه الدعوات والتاكيد على معارفها بالحضور ... اصبح حوش ود العمدة مهرجانا من الفرح المتواصل عندما اعلن حامد موافقته وانتشر الخبر فتوافدت جيوش المهنئين وبدات سلسلة من الطقوس التي ابدعت السرة في تنظيمها واخراجها ... حتى اول جلسة لرحمة في ( حفرة الدخان ) تحولت الى حفل مرتجل امتد الى ما بعد منتصف الليل ... وصار ايقاع ( الدلوكة ) موسيقى رسمية لا تنقطع في فضاء الحي ..
صبيحة يوم العرس فتحت الابواب على مصراعيها ووقف حامد في صدر المكان محاطاً باهله وجيرانه وهو يشرف على الذبائح التي نحرت بالجملة ... كان الصيوان الواسع يموج بحركة الاطفال المتراكضين هنا وهناك ... عمال ينظمون الطاولات والمقاعد ... آخرين يرفعون عقود الاضاءة لتثبيتها .. وفود من النساء تدخل وتخرج ... وبين الحين والاخر تتعالى زغرودة طويلة وتجاوبها اخرى بايقاع يهز القلوب ...
في غرفة بلقيس ارتمت رحمة بين ذراعي والدتها وهي تنتحب بصوت مكتوم وامها تحاول ان تتظاهر بالهدوء والحزم ...
- بس يا رحمة ... بطلي بكا .. انتي عاوزة عيونك تحمر وتورم وبعدين الناس تقول العروس مالا ؟؟ طيب
وريني انتي هسة بتبكي ليه ؟؟ المفروض تكوني فرحانة .. مش محمود دة انتي الوافقتي عليهو وقلتي عاوزاهو ؟؟
رفعت رحمة وجهها الممتلئ بالدموع لدى ذكر رجلها الذي اختارته بعقلها ثم غزا قلبها .. وبصوت متحشرج سارعت تنفي عنه تهمة تسببه ببكائها...
- امي انا ببكي لاني ما متخيلة بعد يومين اقوم من النوم وما القاك انتي ومنال جنبي .. ما القى امي السرة وابوي حامد .. ما متخيلة اني اصحى في مكان غريب مع راجل غريب ... خايفة يمة ... خايفة شديد .. صحي محمود انسان طيب ومتدين والكل شهد ليهو بالاخلاق والاحترام ... لكن انتي قلتي لمن ابوي جا يتقدم ليك برضو كل الناس قالت ليكم انو زول كويس .. وانتي ما عرفتي عيوبو الا بعد ما خلاص بقى امر واقع ما منو مفر ...
تصاعد نحيبها مرة اخرى ...
- خايفة يمة بعد فترة محمود يبقى زي ابوي ويعذبني زي ما ابوي عذبك ...
على الفور تخلت بلقيس عن محاولتها التظاهر بالقوة والحزم ... احتضنت ابنتها بشدة وانهمرت دموعها كالسيل وهي تتذكر والد ابنتيها .. الرجل الذي تزوجته ارضاء لاهلها وتطلقت منه انتصارا لكرامتها بعد ان اذاقها صنوفا من الذل طيلة فترة زواجهما القصيرة التي خرجت منها حطام امراة..
كانت في التاسعة عشرة من عمرها وقد انهت للتو سنتها الجامعية الاولى بتفوق جعل والدها يطير فرحاً .. فبعد الخيبة التي لازمت ابراهيم في كل مراحل دراسته .. اصبح تفوقها مصدر فخر لاسرتها خصوصا بعد ان اعلنت بدور عن عدم رغبتها في مواصلة دراستها الجامعية وقررت الموافقة على الزواج من احد اقرباء والدتها عقب الانتهاء من امتحان الشهادة الثانوية مباشرة ...
بدات مأسآتها في الاجازة عندما قررت السرة اصطحاب بناتها لزيارة جدتهم المريضة في القرية التي تبعد مسافة قصيرة عن مدينة شندي ... كانت المرة الاولى التي يذهبون فيها جميعاً بعد الرحلة الحزينة التي تلت زواج حامد من نعمات منذ ثلاث سنوات عندما هجرت السرة منزلها وحزمت امتعتها وولدها الوحيد وبناتها الاربعة وعادت الى القرية لتؤجج مشاعر الغضب ضد حامد الغائب في شهر العسل مع عروسه ... رفضت كل محاولات الترضية والاصلاح ما لم يقم حامد بطلاق نعمات لكن عندما مرت خمسة اشهر دون ان ينفذ لها طلبها تغلب عليها حنينها لبيتها ولزوجها ولحياتها التي اعتادتها فابدت اشارة خفيفة عن رغبتها في العودة تلقاها حامد بلهفة واتي محملاً بكميات كبيرة من الحلى الذهبية والعطور والملابس لترضية الزوجة الغاضبة التي عادت وبداخلها احساس بالهزيمة والانكسار تمثل في كره شديد لضرتها ومحاولة دائمة للنيل منها...
في هذه الزيارة قررت بلقيس المنتشية بنجاحها ان تخلع رداء المراهقة وتظهر في مجتمع القرية بصفتها فتاة جامعية ناضجة .. لفت قامتها المربوعة بالثوب ورفعتها بالكعب العالي .. وضعت الكحل في عينيها مما اظهر جمال لونهما البني الفاتح .. ونثرت العطر بسخاء حول جسدها فبدت مثيرة ومختلفة عن بنات القرية اللائي يماثلنها سناً ولفتت اليها انظار الجميع ...
في عصر يوم غائم ايقظتها السرة من نومها بوجه يتهلل بشراً ..
- بلقيس ... يا بت يا بلقيس ... اصحي ... النوم الليك شنو زي المواعيد دي .. قومي عندنا ضيوف ..
كانت تهزها بعنف متجاهلة احتجاجاتها الناعسة
- عارفة برة في منو ؟؟ خالتك ( الزهوة ) مرة العمدة سعيد ... عارفاها جاية لشنو؟؟ عاوزة تخطبك لعبد العظيم ولدها ..
كانت الكلمات تندفع من فم السرة يرافقها رزاز من البصاق كما هو شانها في حالات الانفعال الشديد مسحت بلقيس وجهها براحة يدها وهي تتطلع الى امها بانزعاج شديد ...
- خطوبة شنو وعرس شنو ؟؟ انتي يا امي مش عارفة رائيي في الموضوع دة ؟؟ مش السنة الفاتت لمن جاني ولد صاحب ابوي يخطبني رفضت وقلت ليكم عاوزة اكمل دراستي واني ما حتزوج الا بعد اخلص الجامعة ؟؟ مش انتي وابوي قلتوا لي على كيفك وما حنجبرك ؟؟ ليه ما قلتي للناس ديل طوالي انو انا لسة بدري علي لغاية ما اخلص الجامعة وافكر في العرس ؟؟
ضربت السرة صدرها بيدها واتسعت عيناها استنكاراً ...
- سجمي يا بلقيس .. عاوزاني اقول للزهوة بت العمدة ومرة العمدة انو لسة بدري عليك ؟؟ بدري عليك لشنو ؟؟ انتي قايلة روحك صغيرة ؟؟ انا لمن كنت في عمرك كانوا عاقدين علي وبستعد للعرس ... واهي بدور الاصغر منك عرست وعلى وش ولادة ... وبعدين انتي لمن رفضتي العريس الجاك اول داك ما قلنا شئ ووافقناك على كلامك لانو ما كان شيتاً نتحسر عليهو والزيو كتار ... لكن عبد العظيم ولد العمدة سعيد دة الما بترفض .. اصل وفصل .. حسب ونسب .. قرش وجاه .. بنعرفو لغاية جدود جدودو عيلة تمام ما فيها شق ولا طق .. يا بت انتي ما عارفة انتي محظوظة قدر شنو لانو اختارك دوناً عن بنات الفريق كلهم ... تعرفي دة لو مشى لاي بيت من هنا لشندي بيدوهو بقلب قوي..
وفجاة اصبح رايها هامشيا ولا يعتد به ... وافق الجميع وباركوا وابتهجوا ..حتى والدها الذي كانت تعتمد على دعمه في الوقوف بجانبها لرفض هذه الزيجة .. اتي مسرعا بامر من والده الذي اعطاه العمر الطويل سطوة ومهابة .. وبرغم تنازله عن لقب العمدة لابنه الاوسط ( بله ) الا انه ظل صاحب الكلمة الاولى والاخيرة في كل الامور ..
لم تستطع الصمود في وجه الضغوط التي حاصرتها ليلاً ونهاراً .. خاصة بعد ان حضر العريس شخصيا وطلب الجلوس معها بحضور اسرتها .. احست امام طوله الفارع بضآلة حجمها .. وعندما صافحها كانت قبضته قوية ومسيطرة ... كان رجلاً يعرف ميزاته ويستمتع بعرضها.. برغم وسامته الظاهرة .. الا ان فيه شيئا لم تستطع تحديده اثار نفورها .. قطع كل حججها بعد ان تعهد امام الجميع بتركها تواصل دراستها الجامعية واستعداده للاستقرار في العاصمة اكراما لخاطرها وحتى تظل قريبة من اهلها .. وقبل ان تعود اسرة ود العمدة الى منزلها .. تم عقد القرآن وسط مظاهر فرح وبذخ لم تشهدها القرية منذ زواج السرة وإبراهيم ...
طارت الايام وهي ترجوها ان تتمهل .. وبعد شهر ونصف من عقد القرآن كانت تزف الى عبد العظيم .. الى رجل غريب لا تعرف عنه شيئاً ..كان شهر العسل هو بداية رحلة العذاب التي استمرت حتى نهاية الزواج القصير ... كانت معلوماتها عن العلاقة الخاصة بين الرجل والمراة قليلة وسطحية حصلت عليها من صديقاتها المتزوجات بالجامعة وكتب قرأتها خفية وعلى استحياء لتتعرف على اسباب مشاكلها الصحية التي بدات مع وصولها الى مرحلة البلوغ ... لم تكن مهيأة لطلبات عبد العظيم الشبقة ولا خبرته العميقة بعالم النساء .. في اول ليلة لهما معا دفعها خوفها للتعلل بالتعب ورغبتها في النوم بعد عناء النهار الطويل حتى تتفادى أي تواصل حميم بينهما .. كان نومها قلقاً متقطعا ً .. استيقظت منه مذعورة قرابة الفجر على ملمس شئ رطب يتجول ما بين وجهها وعنقها ...
فتحت فمها لتبدا بالصراخ لكن عبد العظيم اغلقه بشفتيه في قبلة طويلة انقطعت معها انفاسها .. حاولت ان تتملص من الهجوم العنيف لكن يبدو ان حركاتها المقاومة وهي ترزح تحت ثقل جسده الضخم جعلته يزداد ضراوة واصراراً ... وفي لحظات تحول قميصها الابيض الناعم الى قطع متناثرة ظل بعضها معلقاً بجسدها وتناثرت البقية على الارض .. توقف عبد العظيم عن هجومه وهو يطل عليها من عل متاملاً بعيون لامعة جسدها شبه العاري المصبوغ بلون البرتقال الناضج .. ابتسم برضا وبدا يحدثها همساً بغية تطمينها وازاحة نظرة الرعب المرتسمة على ملامحها ..
- تعرفي يا بلقيس .. انتي حلوة شديد .. انا ما كنت قايلك حلوة للدرجة دي ... اول ما جيتي البلد حكوا لي عنك لغاية ما اصريت اشوفك .. ومن اول لحظة قررت انك تبقي حقتي
جفلت بلقيس من جملته الاخيرة ... وحاولت جذب الغطاء لستر نفسها لكنه قبض عليه بيد بينما اتكا بالاخرى على جنبه وعيناه تقومان بعملية مسح كامل لجسدها المسجي امامه بلا حول ولا قوة .. وواصل همسه المحموم ..
- انتي عارفة لو ما كنت عرستك كنت جنيت .. ما عاوزك تخافي يا بلقيس .. سلميني نفسك بس .. انا عارف انو ما عندك خبرة برغم انك قاعدة في العاصمة ومشيتي الجامعة انا سالت عنك في كل مكان .. واكتر شئ عجبني انك بت خام وانا حكون الاول في أي شئ
خرجت ضحكته متحشرجة من فرط الاحاسيس التي تعتمل في صدره .. وبدا يفقد السيطرة على حركات يديه فانطلقت تجوب الجسد المتخشب بجراة وحرية ... كانت لمساته خبيرة ... متأنية .. شعرت بها احيانا رقيقة كلمسة الفراشة .. واحياناً مؤلمة ولاسعة كقرصات النحل ..
بدأ جسدها المتشنج يلين ويسترخى تحت تاثير الكلمات الناعمة واللمسات التي تعرف مكامن الاسرار ودخلت في مرحلة خدر لذيذ وانتابتها مشاعر لم تشعر بها قبلاً ... كانت قد بدات تستسلم للمتعة الغامضة عندما سمعت صرخة الاستنكار الصادرة من زوجها ... أحست كانها في بئر عميق وجاهدت كي تطفو على سطح وعيها مجدداً .. تحولت الكلمات الهامسة الى سيل من اللعنات جعلتها تنتفض مذعورة وتعود الى تشنجها .. رفعت رأسها بدهشة وهالها منظر زوجها .. كان ضوء الفجر الشاحب قد تسلل من النافذة وانعكس على ملامحه التي ارتسمت عليها تقطيبة حادة .. وتحول لون بشرته الذهبي الى لون داكن غير مميز ... تصلبت عضلاته وجمدت حركاته وهو ينظر اليها بغضب شديد ... وقبل ان تستطيع سؤاله عما حدث كان قد هب واقفاً .. ارتدى ملابسه على عجل .. وغادر الغرفة دون كلمة واحدة تبدد حيرتها وتهدئ خوفها ...
وللفصل الرابع بقية .......

Abubakr Ibrahim
24th November 2010, 08:13 AM
الفصل الرابع (2)
عادت بلقيس الى الحاضر بارتعاشة قوية من جسد ابنتها المستكين بين ذراعيها ... فاحتضنتها بقوة ثم افلتتها وهي تسمح دموعها بيد حنونة وانخفض صوتها حتى صار اقرب للهمس ..
- ما تخافي يا رحمة .. مستحيل محمود يكون زي ابوك ولا يعمل العملو ابوك .. احنا في زمن مختلف وظروف مختلفة ... محمود ولد متدين وبيخاف الله .. وفوق دة كلو بيحبك وبيحترمك .. وانا لو ما اتاكدت من الحتة دي مستحيل كنت حوافق انك تعرسيهو ... وبعدين انا حاسة انو انتي كمان حبيتيهو برغم نكرانك للشئ دة ... وعشان اكون حقانية يا رحمة في حاجة لازم تعرفيها .. فشل زواجنا انا وابوك ما كان هو براهو السبب فيهو .. انا كمان كان لي دور في الشئ الحصل .. يمكن دور ما اخترته بارادتي واتفرض علي غصباً عني لكن في النهاية النتيجة واحدة ... يا بتي انتي مختلفة عني وبالتاكيد تجربتك حتكون مختلفة عن تجربتي .. انا دخلت الحياة الزوجية وكنت صفحة بيضاء ما فيها أي شئ ... لكن انتي داخلاها وصفحتك مليانة ... انا وريتك وشرحت ليك وفهّمتك ... والما قدرت اشرحو ليك .. جبت ليك كتب عشان تقري وتعرفي .. انا لمن جيت اعرس كل القالتو لي حبوبتك السرة حاجتين .. خليك دائما نضيفة .. خليك دائما مطيعة .. بس وبدون زيادة .. ودخلت العالم دة وانا شبه جاهلة شنو الطريق الممكن يوصلني لبر الامان .. لكن يا رحمة انتي ماشة وانا محفظاك كل الطرق ... كنت عاملة حساب اليوم دة عشان كدة من يوم ما ولدتك ما اعتبرتك بتي .. اعتبرتك صاحبتي ... حتى لمن كنتي طفلة في اللفة كنت باحكي ليك كل حاجة وباشاورك في كل شئ .. كنت باشكي ليك همومي وباضحك معاك ساعة فرحي ... وعمري ما ختيت حاجز الامومة والبنوة بيني وبينك لاني ما عاوزاك تفشلي زي فشلي ... ومن هسة باقول ليك عمرك ما تخجلي مني .. أي حاجة ما تعرفي تتصرفي فيها اول ايام اساليني وانا بوريك .. لكن كمان في المقابل حاطلب منك طلب .. اوعك تحكي لاي زول مشاكلك الخاصة شديد مع راجلك مهما كانت صغيرة ولا كبيرة .. أي مشكلة تحصل ليك ما تطلع من باب اوضة نومك لانو تدخل الاهل بيزيد المشاكل .. فهمتي ؟؟
احتضنتها مرة اخرى ثم ابعدتها عنها وهي تتامل ملامحها الجميلة التي ورثت معظمها من والدها ... ابتسمت لها ومسحت بقايا دموعها باطراف اناملها ثم امرتها بحزم...
- يلا قومي غسلي عيونك بموية باردة وابدي اجهزي عشان تمشي الكوافير .. رسلي أي زول يفتش اختك .. اكيد محشورة عند ناس رجاء .. البت دي تقول انا دفنت صرتها هناك .. بس ما تلقى فرقة الا تشيل رجلينها وتجري عندهم .. شوفوا منو من بنات نعمات عاوزة تمشي معاكم وما تنسي بنات خالك ابراهيم انتي عارفاهم معقدين خلقة ولو ما كلمتيهم حتبقى مشكلة .. اطلعي واقفلي لي الباب دة وراك عاوزة ارقد شوية ... ولو أي زول سال مني قولي ليهم امي عندها صداع وما تزعجوها ... انا بعد شوية بطلع ..
نظرت رحمة الى والدتها بحب كبير .. قبلتها في جبينها ثم خرجت واغلقت الباب خلفها .. بعد رحيلها جلست بلقيس وحيدة في غرفتها وهي تجاهد لابعاد شبح الذكريات المريرة .. لكن يبدو ان الدوامة التي بدات خلسة اصبحت اقوى بمرور الدقائق ولم يعد لها القدرة على مقاومة الانجراف والسقوط في اعماقها حتى القاع ...
صبيحة زواجها غاب عبد العظيم طيلة النهار ..كانت تشعر بالخوف والالم والجوع لكنها لم تجرؤ على طلب خدمة الغرف ..كل ما فعلته هو الاستحمام وتبديل قميصها الممزق ثم الجلوس والتفكير فيما حدث .. ظلت ساعات طويلة تحدق في الباب وهي تامل دخول زوجها ليخبرها ما الخطا الذي ارتكبته ... كان الوقت يتمطى ببطء حقود ... فكرت في الاتصال بامها .. لكن ماذا ستخبرها ؟؟ بأن زوجها هجرها في ليلة زفافها ؟؟ اذا انتشر الخبر سوف تصبح فضيحة مدوية لها ولاسرتها .. كيف ستواجه ابيها ؟؟؟ لابد انها اخطات في شئ ما .. لابد انها فعلت او قالت شيئاً اغضبه .. كانت تحفر عقلها باصرار حتى تتذكر احداث الفجر الغريبة ... لكن معظم ذكرياتها كانت مطموسة ومشوشة وتشعرها بالخجل .. ربما هي قلة خبرتها ؟؟ ربما لانها رفضته وتعللت بالتعب لتتهرب منه في بداية الليلة ؟؟ غلبها النوم وهي متقرفصة في الكرسي الضخم المواجه للسرير ... استيقظت فزعة على وقع خبطة قوية فقفزت حتى كادت تسقط ارضاً... كان زوجها يقف في فتحة الباب مترنحاً بعينان دمويتان ... كانت ملابسه متسخة ومجعدة .. ملامحه مجهدة وجامدة ... اقتربت منه بحذر ..
- عبد العظيم ؟؟ انت كنت وين ؟؟ مشيت وين وخليتني براي الوقت دة كلو ؟؟ في شنو ؟؟ انا عملت ليك شنو زعلك مني ؟؟
خطا خطوة الى الداخل واغلق الباب بكعب حذاؤه .. تقدم نحوها بمشيته المهزوزة والكلمات تخرج من فمه ثقيلة ..
- كنت في السما الاحمر ... مشيت في ستين داهية ..
كانت تتراجع خلفاً وقد ازداد خوفها من اسلوبه ومظهره .. ورائحته ..
- عبد العظيم ؟؟ انت سكران ؟؟
- ايوة سكران ... عندك مانع ؟؟
تعثرت خطواته المترنحة بطرف السجادة المفروشة على الارض وكاد يسقط .. فسارعت اليه بيد ممدودة لتساعده لكنه نفضها عنه بقسوة ونظر اليها شزراً ... ابتعد عنها وارتمى على طرف السرير وهو ما زال مرتدياً حذاؤه ... ومنذ تلك اللحظة بدا يمارس هوايته المفضلة بصب قطرات الاسيد الحارق على روحها ...
- تعرفي يا حرمنا المصون انك طلعتي صفقة خسرانة ؟؟ بضاعة مغشوشة ؟؟
انعقد لسانها من قسوة الكلمات وسالت دموعها غزيرة ..
- بس يا بت السرة انا عاوز اسالك سؤال ... دة شنو ده العندك ده ... يعني عيب اتولدتي بيهو ولا شنو ؟؟ واهلك الطالعين بيك السما ديل وعاملين فيها انو بتهم مكملة .. ما عارفين انك مشوهة كدة وما بتنفعي تعرسي ؟؟ ما تقولي لي انك مطهرة فرعوني وكلام من النوع دة ... انتي ما اول مرا اشوفها .. شفت كتار قبلك ... والظاهر حشوف اكتر بعدك.. يا زولة اقول ليك كلام ؟؟ انتي ميح خالص .. انتي شئ ما مفهوم شئ مقرف ..
خرجت من لسانه اصوات رفض واستنكار بينما كانت يداه تطاردان اشباح وهمية تحوم في الهواء فوق راسه ... فجاة رفع كفه امام وجهها الشاحب ...
- عارفة كفة يدي دي فيها تضاريس اكتر من العندك ؟؟ ... انا في الاول كنت قايل المشكلة في يدي ... لكن بعد شوية عرفت انو المشكلة فيك انتي ... المشكلة فيك انتي المشكلة فيك انتي...
ظل يردد هذه الجملة لفترة طويلة حتى اصبحت معلقة في فضاء الغرفة الساكن .. وعندما صمت اخيراً رفعت رأسها لتجده غارقاً في النوم براس معوج وقدم متدلية خارج السرير ... إنهارت ارضاً وبدات ترتعش من الالم الذي اجتاحها وسلب كل قواها ... هل من الممكن ان تنتهي حياتها الزوجية قبل ان تبدأ بسبب خطا لم يكن لها يد فيه ؟؟!! ...

وللفصل الرابع بقية .........

Abubakr Ibrahim
25th November 2010, 07:10 AM
الفصل الرابع (3)
كانت في السابعة من عمرها عندما اخبرتها امها بان ختانها هي وبدور سوف يكون الاسبوع المقبل صورته لهما وكأنه شئ يستحق الاحتفاء به ... كانت تجهيزاته تشبه تجهيزات العيد ... حضرت الخياطة الى المنزل واحضرت الاقمشة فاختارت بلقيس اجمل الالوان .. وقبل يومين من تاريخ الختان حضر والدها مبكرا وهو يحمل اربع اساور ذهبية عريضة وقلادة طويلة واقراط لكل واحدة من ابنتيه فتوارى الخـوف خلف فرحة الهدايـا والملابس الجديدة ... في اليـوم المشهود حضرت ( الدايـة ) في وقت مبكر ومعها مساعدتها بحقيبتها السوداء الكبيرة ... تم الختان بسهولة بحضور السرة التي امسكت بيد بناتها بينما قامت المساعدة بتثبيت القدمين .. احست بلقيس بوخزة الحقنة ومن ثم تبعها وضع شريط لازق صغير في راس الجرح .. كان الختان ايذانا ببدء اسبوع من الدلال الزائد اصبحت فيه طلباتها هي وشقيقتها اوامر تنفذ بلا نقاش ... انهالت عليهما النقود التي تبارى الاهل والجيران بدسها تحت الوسائد ... كانت بدور ابنة السادسة سعيدة لدرجة انها طلبت من والدتها ان تجري لها عملية ختان كل شهر ...
بعد انقضاء ثلاثة اسابيع ذهبوا الى القرية لزيارة الجدود ... وهناك حصلوا على مزيد من الهدايا والنقود ... عقب وصولهم بيومين وبينما كانت بلقيس تستعد للنوم مع صغيراتها اتت الجدة وبدا فاصل جديد من الاحاديث والحكايات .. فجاة طلبت منها جدتها طلباً غريباً جعل بلقيس تنكمش خجلاً..
- كدي تعالي يا بت يا بلقيس خليني اشوف طهورتك ...
رفضت بلقيس واختبات خلف امها .. لكن الجدة اصرت فما كان من السرة الا ان نهرتها بعنف
- يا بت انتي بتخجلي من حبوبتك ؟؟ يلا امشي وريها طهورتك ...
عندما خلعت سروالها الداخلي وباعدت بين قدميها , ارتسمت نظرة رعب في وجه الجدة وضربت صدرها بكفها وهي تشهق ..
- سجمي يالسرة !!! دة شنو ؟؟ وينو الطهور ؟؟ ما تراها البت قاعدة زي ما هي !! انتي بتغشي على روحك ولا على الناس ؟؟ وافضيحتنا لو زول عرف بناتك ما مطهرات دي بكرة تبقى لينا نبزة .. تعالي يا بت يا بدور خليني اشوفك انتي كمان .. والله الداية دي ضحكت عليكم وشالت القروش ساكت ... انتي مالك يالسرة ؟؟ عميانة ؟؟ ما شفتيها ولا ما شفتي بناتك ؟؟
عندما استطاعت السرة الرد على سيل التانيب ردت بحرج ...
- يمة حامد هو الجاب الداية .. وحذرها قدامي انها ما تطهر البنات فرعوني ... والله انتي لو عرفتي هو حتى طهورة السنة دي ما كان راضي بيها الا انا اصريت عليهو شديد
اخاف شكل الجدة الصغيرات فاختبان وراء ظهر السرة التي عجزت عن تهدئة امها الغاضبة
- شوفي يالسرة .. ما تقولي لي حامد ولا ابوهو العمدة زاتو ... من متين الرجال بيتدخلوا في الحاجات دي ؟؟ كويس انك جيتيني عشان نصلح الغلط دة ..بكرة بدري انا حرسل للداية الليلنا عشان تجي تطهر البنات ديل طهورة زي الناس ..
حاولت السرة الاحتجاج لكن الام المتسلطة قاطعتها بلهجة لا تقبل النقاش
- بكرة حنعيد الطهور يا بلقيس .. ولو خايفة من راجلك ما تجيبي ليهو أي سيرة .. انا مستحيل اخلي البنات بالصورة دي ... يا غبيانة بكرة يكبروا ومافي زول يرضى يعرسهم ليك ...
لم يكن امام السرة الا الموافقة على اصرار امها باعادة الختان شريطة اخفاء الامر عن حامد ... وفي صبيحة اليوم التالي تمت المجزرة ... وبرغم حقنة البنج الكبيرة التي وزعتها المراة الغليظة في جميع الاماكن .. لكن بلقيس احست بضربات الموس وهي تقطع لحمها البض تحت ارشادات جدتها..
- اقطعي كويس شيلي من هنا ... واسي الجنبة دي ... ما تخلي أي حاجة بارزة .. عاوزاها طهورة صح .. خليو املس زي كفة يدي دي ... خيتي لتحت شديد ... ضيقي الفتحة اكتر من كدة ...
كان الالم اقوى من قدرة بلقيس على الاحتمال فوضعت السرة قطعة قماش بين فكيها حتى لا تصرخ حاولت ان تبدي اعتراضها على ما يحدث لابنتها ... لكن الجدة لم تعطها فرصة واسكتتها بصوتها الجهوري ....
- مالك يا السرة ؟؟ انتي قعدة امدرمان خربتك ولا شنو ؟؟ ما ياها دي الطهورة العملناها ليك ولكل اخواتك .. وقبل كدة عملوها لينا نحن ولاماتنا وحبوباتنا ... لو ما قادرة تحضري اطلعي برة وجهزي البت التانية ...
غاصت الابرة المعقوفة عميقا في اللحم الطري وانتشرت رائحة الدم وعبأت جو الغرفة فافلتت بلقيس قطعة القماش واطلقت صرخات داوية هزت اركان البيت فانهارت السرة وهي تبكي عذاب ابنتها ..
- كفاية يا امي .. عليك الله كفاية البت حتموت ..
لمدة اسبوع بعدها ظلت بلقيس ترتعش من الحمي .. خاصمت الاكل .. امتنعت عن شرب الماء والتبول حتى تتفادى الالم الحارق للسائل الذي يخرج بصعوبة ويكوي جراحها النازفة ... احتباس البول داخل بطنها جعلها تنتفخ وتتكور حتى باتت كالحبلى .. اصيب الجميع بالقلق .. وعادت الداية المذعورة مرات ومرات ... واقتصرت مهمة الجميع في حثها على التبول بالاقناع احيانا .. وبالتهديد احيانا اخرى ... لم تعد والدتها تتزحزح من جانبها وهي تستجديها باذلال ..
- يا بتي استريني الله يسترك دنيا وآخرة .. لو أبوك عرف حيطلقني ... انتي عاوزاني اتطلق يا بلقيس ؟؟ لو ما بقيتي كويسة دة الحيحصل .. انتي ما صغيرة وعارفة شنو معنى الطلاق مش كدة ؟؟ انا والله ندمانة وسافة التراب لاني وافقت حبوبتك على إعادة الطهور لكن خلاص الحصل حصل .. الله يرضى عليك يا بلقيس ما تبقي سبب طلاقي من ابوك ...
تعللت السرة بمرض والدتها حتى لا تعود الى بيتها ويكتشف حامد ما فعلته بابنتهما ... وكانت تدعو الله عدم حضوره .. بعد اسبوعين تماثلت بلقيس جسديا للشفاء ...لكن روحها كان قد اصابها شرخ غائر لم تشف منه ابداً ... لكن ما حدث لها اعفى شقيقتها الصغرى من مؤامرة المجزرة ..
بمرور الايام تناسى الجميع التجربة المؤلمة حتى وصلت بلقيس الى مرحلة البلوغ وبدات مشاكلها الصحية تتزايد ... كانت تعاني بصمت وخجل من التهابات متواصلة .. واصبحت ايام دورتها الشهرية فترة معاناة لا توصف ... لم تكن تشتكي .. لكن كثيراً ما تفضحها اهات المها ودموعها العاجزة .. في احدى المرات وبعد ان فشلت كل جهود السرة في تخفيف الآمها باكواب النعناع والحرجل المغلي ... سالتها بهمس ...
- بلقيس ؟؟ انتي بتبلعي حبوب المغص الجابها ليك ابوك ؟؟
- آي ببلعها.. لكن ما عاملة لي أي شئ .. انا اكتر شئ متعبني انو الدم ما بنزل كويس عشان الفتحة ضيقة شديد .. ومرات بتجمع وبيكون قطع لمن تجي تنزل بتالمني تعرفي انا مرات الا ادوس شديد عشان طرفها يطلع واقوم اجرها لبرة ... يمة ؟؟ ممكن توديني لدكتورة تعمل لي عملية توسع الفتحة دي شوية ؟؟؟ انا خلاص تعبت وما قادرة اتحمل الالم دة كل شهر ...
كانت المرة الاولى التي تناقش فيها بلقيس مشكلتها مع أي مخلوق آخر ... واتى رد فعل السرة الغاضب ليجعلها الاخيرة ...
- سجم خشمي .. كيفن يعني تعملي عملية وتوسعي الفتحة ؟؟ يا بت انتي جنيتي ولا شنو ؟؟ ما عاوزة اسمع كلام فاضي زي دة ... وما عافية منك لا دنيا ولا آخرة كان جبتي السيرة دي تاني .. انتي ما اول ولا آخر بت تتالم .. ياهو دة سلو البنات كلهن من الله خلق الدنيا ولمن تقوم القيامة .. اتحملي شوية ... بكرة تعرسي والمشكلة تخلص ...
لكن يبدو ان مشكلتها الحقيقية قد بدات بعد الزواج ولم تنته به ... كان راس بلقيس المتلصق بالارض ينبض الماً وهي تستمع الى شخير عبد العظيم الرتيب ... الحت عليها افكار يائسة ..كان اشدها إيلاماً ان التعاسة ستكون قدرها المسطور الذي لن تملك منه فراراً ...
مر الاسبوعين المقررين لبقائهما في الفندق ببطء السلحفاه ... واحست بلقيس كأن معاناتها تزيد من طول الزمن وتمدده الى ما لا نهاية ... وعندما اعلن زوجها برغبته في مغادرة الفندق احست بالفرح لاول مرة منذ فترة طويلة لان البقاء في غرفة الفندق المنعزلة اصبح عذابا يفوق الوصف ... كان عبد العظيم يغيب عنها بالساعات الطوال تاركاً لها حصيلة من الكلمات المهينة التي تجرحها بصورة لم تكن تتخيل انها قد تتحملها ... وعند حضوره يبدا فاصل العذاب الجسدي .. لم يعد للامر علاقة بالمتعة او الرغبة بعد ان تحول الى تحد وصراع بين رجل فخور بقدراته وامكاناته .. وحاجز منيع رفض الاستسلام ... كانت تستعد له كما الشاه التي تساق الى الذبح .. تستلقي في السرير جسدا بلا روح وتنتظر الهجوم الشرس الذي تزيده مناعة الحاجز شراسة ... احيانا كانت تضع طرف الغطاء بين اسنانها حتى لا تفضحها صرخاتها .. تماما كما علمتها امها يوم اعادة ختانها ... وكثيرا ما انقذها فقدانها للوعي من معايشة الالم الرهيب ...
عادت الى المنزل الفخم الذي اثثه لها زوجها قريبا من اهلها ... وهناك حاولت الحفاظ على الصورة المتوقعة للعروس السعيدة وبدات في استقبال المهنئين وتلبية الدعوات ... بعد عودتها بيومين زارتها امها واخواتها وهن محملات بالهدايا والحلويات ... حاولت اخفاء هزال جسدها بالثوب السميك ... ووضعت طبقات من مساحيق التجميل حتى تخفي شحوب وجهها والهالات السوداء التي ارتسمت تحت عينيها ... تظاهرت بالسعادة .. ضحكت للدعابات .. واستمعت للاخبار ببال شارد ... اخيرا انفردت بها السرة في غرفة نومها واغلقت الباب بوجه بناتها المحتجات وهي تحاول معرفة احوال ابنتها مع زوجها .
- اها يا بلقيس انشاء الله مبسوطة مع عبد العظيم ؟؟ شكلك ما عاجبني .. ضعفتي ولونك غمق وبقيتي عاملة زي الليمونة الممصوصة ... يا بت هوي ما تخلي الراجل دة يعذبك شديد ..
واصلت كلامها بغمزة موحية ...
- باقي يا بتي رجالنا ديل ما شاء الله عليهم ما بيفتروا .. خصوصا اول ايام ... لكن انتو لسة صغار والعمر كلو قدامكم ... بكرة تزهجوا من بعض وتتذكروا الايام دي وتضحكوا على روحكم ..
انحدرت دموع بلقيس غزيرة فرسمت خطوط متعرجة على قناع البودرة السميك ... اندهشت السرة فهبت من مكانها وجلست بالقرب من ابنتها لفت ذراعها حول كتفيها وسالتها بانزعاج ...
- بلقيس ؟؟ مالك بتبكي ؟؟ في شنو ؟؟ عبد العظيم زعلك في شهر العسل ؟؟ قولي لي ما تدسي مني انا امك ومافي زول حيشيل همك اكتر مني ..
هزت بلقيس راسها ومسحت دموعها بسرعة

- لا يا امي مافي حاجة ... عبد العظيم كويس خالص معاي .. انا بس اشتقت ليكم شديد وفرحانة بشوفتكم ... صدقيني ما في حاجة ..

تاملتها السرة بنظرة فاحصة وخبيرة ثم تنهدت بعمق ...

- معليش يا بلقيس انا عارفة الايام دي صعبة عليك قدر شنو ... انتي بالذات لانو وضعك مختلف عن باقي اخواتك ... لكن اتحملي ..بعد شوية بتبقى الامور عادية .. اتحملي يا بتي .. اتحملي ...
حاولت ان تتمسك بنصيحة امها .. فتحملت شتى صنوف الالم الجسدي والمعنوي ... لكن يبدو ان تقدم عبد العظيم البطئ وعدم قدرته على اختراق السد المنيع اصبح اكبر من قدرته هو على التحمل خصوصا بعد ان فقدت الوعي ثلاث مرات خلال ثلاث محاولات متتالية .. في المرة الاخيرة وبعد ان افاقت اتجهت الى الحمام بخطوات واهنة ... عند عودتها وجدته جالسا على طرف السرير وهو ينفث دخان لفافة التبع بشراهة ... نظر اليها حقد واحتقار ..
- تفتكري يا بت السرة انا اعمل معاك شنو ؟؟!! انا زهجت وقرفت وكرهت اليوم العرستك فيهو ..
قاطعته بهدوء ...
- وديني لدكتورة ...
هب صارخاً...
- اوديك دكتورة ؟؟ والدكتورة حتعمل ليك شنو ؟؟انتي عاوزة تفضحيني ؟؟ عاوزة الناس تقول علي ما قدرت ؟؟ لعلمك انا مافي ( مـرا ) قبـل كـدة غلبتني ... لكن انتي ما ( مرا ) انتي حاجة كدة مشوهة ومبتورة وما معروف ليها راس من قعر ... انتي ..
قاطعته بصوت حاد زاعق ... صوت امراة اصبح جرحها اكبر من قدرتها على السكوت ..
- كفاية حرام عليك يا عبد العظيم .. انت ما بتتعب من التجريح والاهانة ؟؟ يا اخي انا جبرتك تعرسني ؟؟ انا جريت وراك ؟؟ مش انت الجريت وراي واصريت برغم انك كنت عارف اني ما عاوزة اعرسك ؟؟ انت بتعاقبني على شنو ؟؟ وضعي دة انا ما لي ذنب فيهو ... دة شئ حصل وانا عمري سبعة سنين ... يا ود الناس قدامك حاجة من اتنين يا توديني لدكتورة تشوف لينا حل .. ولا ترجعني بيت ابوي .. ولغاية ما تقرر تاني ما تلمسني ولا تجي جنبي .. كفاية العذاب الانا عايشة فيهو لي شهر كامل ..كفاية يا عبد العظيم .. كفاية ..
خيار الانفصال بعد شهر واحد من الزواج لم يكن وارداً في حساباته ولا يستطيع تحمل تبعاته ... اخذها الى طبيبة معروفة في مجالها ... وبعد الكشف جلسا متقابلين امام مكتبها
شوف يا سيد عبد العظيم ... حالة زوجتك دي ما اول حالة تجيني بالصورة دي .. وان كانت اصعب حالة ختان اشوفها لغاية الان ... يبدو انكم حاولتوا بالطرق العادية وفشلتوا ودة واضح من الجروح والتمزقات الشفتها ... انا عندي حلين للموضوع وانتو اختاروا البناسبكم .. الحل الاول اننا نعمل جراحة صغيرة نوسع بيها الفتحة لمستوى معقول والباقي الطبيعة حتتكفل بيهو ... الحل التاني انك تصبر لفترة ممكن تطول او تقصر حسب التجاوب والاستعداد وانا ممكن اديكم مراهم وملينات تحد من الالم وتساعد على سلاسة العملية .. القرار راجع ليكم انتو الاتنين فكروا وادوني ردكم ..
اتت كلمات بلقيس في شكل رجاء حار ..
- العملية
واتى رد عبد العظيم حاسماً
- عملية لا ..
نهضت الطبيبة من مقعدها ... ونظرت اليهما بتفهم ..
- انا حخليكم مع بعض شوية .. اتناقشوا وقرروا .. لمن ارجع وروني عاوزين شنو ..
حاولت بلقيس اقناع زوجها بالموافقة على العملية لكنه رفض بشدة .. خرجا من عيادة الطبيبة بروشتة طويلة قام عبد العظيم بشراءها من الصيدلية المجاورة ... ليلتها خف الالم قليلا كما قل تذمر عبد العظيم ... عندما اكتمل الشهر الثالث لزواجها ... بدات اعراض الحمل تظهر على بلقيس ... وانحصر وحمها في رفضها العنيف لزوجها .. لرائحته ولوجوده وكل ما يختص به ... كانت تصاب بالغثيان ما ان تراه وتغيب داخل الحمام فترات طويلة وهي تتقيا كل ما بداخلها حتى هزلت صحتها ولم تعد تقوى على الوقوف ... فوافق عبد العظيم على مضض بانتقالها الى بيت ابويها .. وظلت هناك اربعة اشهر وهي تحاول ان ترمم روحها المتصدعة ... بعد عودتها .. اعفاها زوجها من رؤيته الا فيما ندر ... يغيب طيلة النهار .... يعود عصراً ليتناول طعامه وحيداً .. يستحم ويتعطر ويخرج ... يعود بعد منتصف الليل منتشياً وتفوح منه روائح نساء أخريات ...
وللفصل بقية .........

Abubakr Ibrahim
27th November 2010, 07:11 AM
الفصل الرابع (4)
اتت رحمة الى الوجود فزرعت السعادة في قلب بلقيس المتقرح ومكثت اربعون يوما في منزل والديها وعندما عادت الى منزلها ملأها احساس بالغربة والخوف ...كانت اول ليلة هي الاسوأ ... عاد زوجها متاخراً كالمعتاد فتظاهرت بالنوم كي لا تواجهه .. لكنه اضاء نور الغرفة ووقف في نهاية السرير يراقبها بصمت حتى اضطرت الى رفع راسها والنظر اليه .. خاطبها بابتسامة ساخرة
- اهلاً يا حرمنا المصون .. حمد الله على السلامة .. شنو نايمة من بدري كدة ؟؟ مش تستنيني لمن ارجع ؟؟ ما اشتقتي لي بعد الغياب دة كلو ؟؟
اجابته ببرود وهي تشيح بنظراتها تجاه سرير ابنتها النائمة
- اهلاً عبد العظيم ... اتكلم براحة البت نايمة ... ما قدرت استناك لاني تعبانة .. وبعدين انت مش عارف اننا جايين الليلة .. اتاخرت برة قدر دة ليه ؟؟
وبذات اللهجة الساخرة اتى رده وهو يدنو من السرير
- آسفين ياستهن .. كان مفروض استناك وافرش ليك الارض ورد كمان ... ما رديتي على سؤالي .. ما اشتقتي لي ؟؟ انا شخصياً اشتقت للضيق ويباس الريق .
ردت بلقيس بلهجة منتصرة ...
- ما تتعب روحك يا عبد العظيم ... ما بقى في ضيق ولا يباس ريق ..
ابتسمت شامتة وهي تتذكر رفضها القاطع لمحاولات السرة بان تعيدها كما كانت قبل الانجاب وغضبها عليها عندما طردت الداية التي احضرتها خصيصا للقيام بالمهمة قبل ان تكمل اربعينها بيومين .. لقد اسكتتها بحدة لم تكن معهودة فيها ..
- امي .. عليك الله كفاية العملتي فيني زمان .. ارجوك ما تلحي كتير لاني مستحيل اكرر الغلطة دي تاني .. المرة الاولى ما كنت بقدر ارفض ولا اقول لا ... لكن المرة دي لو بقى التمن طلاقي من عبد العظيم ما بسويها ... انتي يا امي كيف ترضي لي اني اتعذب بالصورة دي عشان هو يستمتع ؟؟ انا ما انسانة ؟؟ ما عندي احساس ؟؟ انتي عاوزاني ابقى زي الغنماية رسني في يد غيري وما عندي رأي حتى في ادق خصوصياتي ؟؟ كلمة واحدة والله واحد يا امي .. لو السماء انطبقت على الارض عملية ما بسوي ... واي شئ حيحصل خليهو يحصل ما هاميني ...
يبدو ان ابتسامتها الشامتة ولهجتها المنتصرة قد اثارتا غضبه من ضمن اشياء اخرى .. فكان هجومه ساحقاً ... لكنه فوجئ بان الحصن المنيع قد اشرع ابوابه على مصراعيها واستسلم بلا مقاومة .. فتوغل بعنف الغازي الحانق من سرعة الاستسلام .. عندما انتهى من هجومه .. نظر اليها بغضب وخرجت كلماته محملة بالكراهية ..
- بالاول كنتي علّة لكن على الاقل كان فيك شئ يخلي الزول يتحملك ... هسة بقيتي مقرفة وخسارة الواحد يتعب فيك ... انعل ابو اليوم الاسود العرستك فيهو ...
بعد شهرين بدات تظهر آثار غزوة تلك الليلة في دورة جديدة من الوحم الرافض لوجود الزوج واللجؤ الى بيت والديها والعودة المتقطعة التي فوجئت في احداها بوجود امراة اخرى في بيتها ... مع زوجها .. وفي سريرها ... كانت في شهرها الثامن ترافقها بدور لاحضار بعض اغراض رحمة التي تركتها نائمة في احضان السرة ...
كان اصعب ما فعلته هو الجلوس مع والدها وشرح مجمل معاناتها مع زوجها دون التطرق للتفاصيل المخزية ... وطلبت منه ان يدعمها في طلب الطلاق ..
- طلاق ؟؟!! طلاق شنو يا بلقيس ؟؟!! احنا ما عندنا بنات بتتطلق .. وبعدين انتي ناسية انك حامل وعلى وش ولادة ؟؟ كدة استهدي بالله وخليك في الطفل الجاي دة .. انا حشوف الموضوع مع عبد العظيم وحخليو يجيك لغاية عندك ويبوس راسك كمان .. ولمن تتحلي بالسلامة انشاء الله ترجعي بيتك معززة مكرمة ..
لم يقتنع والدها بفكرة الطلاق الا بعد ان اتاه ابراهيم غاضبا من منزل عبد العظيم وهو يحمل رده الوقح على طلب والد زوجته بالحضور اليه ...
- لقيتو في البيت ومعاهو واحدة شكلها غريب كدة وقال انها مرتو مع اني اشك في الكلام دة .. المهم لمن قلت ليهو انك عاوزو رد علي بكل قلة ادب وقال لي مش ابوك العاوزني ؟؟ يبقى هو يجيني .. انا ما بمشي لزول .. وبعدين لو عاوزني عشان ارجع اختك ما حيحصل .. زي ما طلعت براها ترجع براها .. ولو عاوز يقول لي طلقها .. ما بطلقها حخليها كدة زي البيت الوقف ومعلقة بين السما والارض ... اها تاني عاوزين شنو ؟؟ عليكم الله ما تحمدوا ربكم اني راضي ببتكم دي وماسكها ليكم ... هي دي محسوبة مرا مع النسوان ... والله دي ربع مرا ما جاية ...
في صبيحة اليوم التالي غادر حامد في رحلة قصيرة الى القرية ... عاد وهو يحمل معه حرية ابنته التي اصبحت فعلية بعد انجابها لمنال ... يومها اقسمت بلقيس ان لا يدخل حياتها رجل آخر ... وبرغم الضغوط التي تعرضت لها على مرّ السنين .. وبرغم تميز كل من تقدم طالباً يدها .. كانت ترفض باصرار شديد وبجملة ثابتة لا تتغير ...
- انا الرجال ديل ختيتهم مكان حامد ابوي وابراهيم اخوي ...
ما ان اكملت منال سنتي رضاعتها حتى قررت بلقيس العودة الى دراستها الجامعية ... تفوقت بجدارة حصلت على شهادة الماجستير في الادب الانجليزي ثم تبعتها الدكتوراه ... هاهي الان ... تعمل استاذة بالجامعة ... رحمة على وشك الزواج .. ومنال في سنتها الاولى بكلية الطب ... كانت تفكر بان القدر قد تصالح معها اخيراً ...
توالت طرقات قوية على باب الغرفة فاعادت بلقيس الى واقعها .. فوجئت بصدرها المبلل بالدموع .. فمسحت عينيها وحاولت استعادة اكبر قدر من السيطرة على افكارها .. نهضت ببطء وفتحت الباب لتجد حبيبة زوجة ابراهيم منتصبة امامها بقوامها المتمرد ونظراتها الكسيرة
- بلقيس ؟؟ انتي هنا وحجة السرة قالبة عليك الدنيا برة ؟؟!!
- اهلاً يا حبيبة .. كان عندي حبة صداع وقلت ارقد اريح شوية .. قولي ليها جاية ... بناتك مشوا مع رحمة الكوافير ؟؟
رمقتها حبيبة بنظرة ممتنة
- ايوة .. رحمة اصرت تسوقهم كلهم معاها ..
اهدتها واحدة من ابتساماتها الشحيحة ثم غادرت بخطواتها الراقصة التي اورثتها لبناتها ... كانت بلقيس تراقبها والافكار تتضارب في راسها
- والله يا حبيبة انتي حكايتك حكاية !! اصلاً الزول ما بيطلع منك بحق ولا باطل .. لكن كونك اتحملتي امي وعمايلها فيك ما يوم ما عرستي ابراهيم .. انا بعتبرك بطلة .. وهي امي بس !! ابراهيم راجلك زاتو مشكلة ماشة على رجلين .. وما عارفة انتي بتحبي فيهو شنو ولا من الاساس وافقتي تعرسيهو ليه ؟؟
كانت تهم باغلاق الباب عندما اندفعت نحوها ابنتها الصغرى منال
- امي استني دقيقة ... اديني قروش زيادة .. العالم كلو مشى مع رحمة الكوافير ويمكن العريس ما يكون عامل حساب ناس كتار ونقوم نحرجو ..
اخرجت بلقيس محفظتها واعطت ابنتها رزمة من الاوراق المالية
- اسمعي يا منال ... ادفعي للبنات كلهم وخلي العريس يدفع لرحمة بس ... وما تاكليني زي كل مرة .. جيبي باقي القروش راجعة ...
اختطفت منال الرزمة ودستها في حقيبتها وهي تطبع قبلة قوية على خد امها
- حاضر يا احلى ام في الدنيا .. لو ... يعني باقول لو فضلت حاجة كتيرة بارجعها ليك ولو شوية حلال علي بتك الصغيرة ...
همت منال بالمسير فسالتها بلقيس ...
- انتي ماشة مع منو ؟؟ ما تركبي تكسي براكي سوقي معاك زول يتقلك في السكة ..
اجابت منال دون ان تلتفت لوالدتها بصوت بدا متردد ومهتز ..
- ما تخافي يا امي .. جمال ولد خالتي رجاء حيوصلني ... يلا مع السلامة .. اشوفك بعدين ..
فتحت منال باب السيارة وما ان استقرت داخلها واغلقت الباب حتى انطلق جمال بسرعة ...
- بسم الله .. مالك مستعجل كدة ؟؟
قالتها بلهجة تقطر رقة وعلى شفتيها ابتسامة حانية .. وكانت لهجة جمال لا تقل عنها رقة وابتسامته تضاهيها حنواً ..
- عشان عاوز اقعد معاك اطول فترة ممكنة قبل ما اوصلك الكوافير ... منال انا لي قريب اسبوع ما شفتك زي الناس ومشتاق ليك شديد .. ما كنت قايل قلبك قوي للدرجة دي وحتقدري تقعدي من غير ما تشوفيني !!
حرر يده اليمنى من عجلة القيادة وقبض بها على يدها اليسرى .. رفعها ببطء وطبع قبلة حارة على راس كل اصبع ... احست منال برعدة تجتاح جسدها من تاثير ملمس شفتيه .. احست بانها تذوب فهمست له ..
- جمال يا مجنون .. احنا في الشارع ..
انزل يده وهي ما تزال قابضة على يدها ووضعها على فخذه ... سحبت منال يدها .. قلبت كفه وبدات ترسم فيها خرائط وهمية وهي تتابع خطوطه المتقاطعة بلمسات خفيفة .. توقفت قليلاً في وشم الصليب المرسوم اعلى كفه واصبعها يدور حوله بشرود .. ثم تابعت رحلتها في مجاري عروقه النابضة بخربشة حانية من اظافرها القصيرة ... ارتعش جمال وتسارعت انفاسه وهو ينطق باسمها

- منال ... انا ما عدت قادر اتحمل الوضع دة ... لازم نقعد ونتكلم عشان نعرف حنعمل شنو ...
على الفور تغيرت ملامح منال الهائمة وارتسمت عليها تقطيبة حادة ... سارعت بوضع يدها على شفتيه برجاء
- جمال .. ارجوك ما الليلة ... حنتكلم بس ما الليلة ... خلينا نخلص من عرس رحمة وبعد كدة اوعدك اننا نقعد مع بعض قعدة طويلة ونناقش كل شئ ... انت ما حتقدر تتخيل انا تعبانة كيف من وضعنا دة ... لدرجة مرات باحس اني حاجن من التفكير الكتير .. ما عارفة حتصرف كيف ولا حاعمل شنو ... الشئ الوحيد المتاكدة منو يا جمال هو احساسي ناحيتك ... احساس نقي وصادق وقوي وعميق ... احساس اتجاوز من زمان عائق اني مسلمة وانت مسيحي..
تهدج صوتها وامتلات عيناها بالدموع ... ترك جمال يدها وبدا يلتفت يمينا ويسارا .. ابطا سيارته وانحرف في احد الازقة الضيقة وتوقف ... التفت الى منال الباكية .. فتح ذراعيه على اتساعهما .. احتواها بينهما وضمها الى صدره بحنان جارف وتغلغلت يداه بين خصلات شعرها الناعم تمسده بلمسات متتابعة ... بينما وضع شفتيه بالقرب من اذنها هامساً ...
- آسف يا منال .. صدقيني حبيبتي ما قصدت اعكنن عليك او ازعلك ... وحياتي ما تبكي انتي عارفة انا ما باتحمل اشوف دموعك ... انا بس كنت عاوز نقعد نتكلم مع بعض عاوز نلقى حل لوضعنا ... منال انتي عارفة انا بحبك قدر شنو ... انا مش بحبك وبس انا بعبدك بعد ربنا .. انا حبيتك من انتي طفلة عندك تلتاشر سنة .. يشهد ربنا اني حاولت اقاوم احساسي بيك ... حاربت نفسي ومشاعري .. حاولت المستحيل عشان ما اتورط معاك لدرجة اني سعيت ارتبط باي بت من جماعتنا ..كنت عارف انو أي علاقة بيننا مستحيلة وانو حبي ليك حيدخلنا احنا الاتنين في متاهات ومشاكل ما بنقدر نواجهها كنت بكتم احساسي بصعوبة خصوصا لمن اشوفك قدامي .. عشان كدة اول ما دخلت الجامعة قررت اقعد في الداخلية برغم احتجاج ماما اني اخلي البيت .. حاولت اركز كل تفكيري في الدراسة عشان انساك ... بس انتي بوظتي كل العملتو عشان اتفاداك لمن دخلتي انتي وجاكلين نفس الكلية معاي السنة الفاتت .. بقيت مسئول عنكم الاتنين وحاولت اتعامل معاك زي ما بتعامل مع جاكلين ... دخلت نفسي في دور الاخو الكبير عشان ما اتذكر حبي ليك .. وكنت مسيطر على الوضع كويس لغاية اليوم الجاتني فيهو جاكلين تجري وقالت انو اغمى عليك في المشرحة لمن بدا الدكتور درس التشريح على جثة حقيقية .. لمن وصلت ليك كنتي واعية لكن شكلك مخيف .. اصريت ارجعك البيت وخليت جاكلين تكمل محاضراتها عشان تجيب ليك الدفاتر وما يفوتك شئ .. متذكرة الحصل اليوم داك يا منال ؟؟ في نص السكة قلتي لي انك ما عاوزة ترجعي البيت بحالتك دي عشان امك وحبوبتك حيتخلعوا لو شافوك كدة .. طلبتي مني اني الف بيك شوية بالعربية لغاية ما تهدي ... ما تتخيلي فرحت قدر شنو للفرصة الجاتني من السما عشان اكون معاك براي ولو لفترة قصيرة ... لكن في نفس الوقت كنت خايف ... ايوة يا منال خفت افضح نفسي قدامك .. قلت اعمل فيها الولد جاد وعرضت عليك ندخل متحف التاريخ الطبيعي اهو في سكتنا ... دخلنا وبدينا نحوم .. ما عارف الحصل شنو ولا كيف حصل لكن فجاة اكتشفت اننا ماشيين وماسكين ايدين بعض .. قعدنا وبرضو ماسكين ايدين بعض ..كأنو دة الوضع الطبيعي المفروض يكون بيننا .. كاننأ متفقين ... كان تصرف تلقائي وبسيط لكن خلاني اطير من السعادة لانو لحظتها بس عرفت انك ممكن تكوني بتبادليني نفس الاحساس ....
انسلت منال من بين ذراعي جمال بعد ان وجدت فيهما السكينة التي كانت تحتاجها ... تاملت وجهه القلق وملامحه المقطبة .. رفعت يدها الناعمة وبدات تمسد مكان التقطيبة بين حاجبيه .. فانحبست انفاس جمال وقبض على يدها المرتعشة فتح كفها المتعرق ... طبع عليه قبلة طويلة وقوية .. ثم اغلقه .. اغمضت منال عينيها واسندت راسها على ظهر المقعد وقد لفهما صمت هائم .. وعندما استعادت منال قدرتها على الكلام كانت كان صوتها مبحوحاً ...
- تعرف يا جمال يمكن ما تصدق انا حبيتك متين ... من اول مرة شفتك فيها ... أي والله كان حب من اول نظرة ... لمن طلعت اقدم صحبتي ولقيتك واقف بتعاين للعمال البنزلوا عفشكم من اللوري ... لفت نظري شكلك .. كنت حزين شديد وزي البتبكي .. لحظتها حنيت عليك وقربت اجي اسالك مالك بس خجلت ... ولمن اتصاحبنا كلنا وبقيت اجي بيتكم كتير .. كان اعجابي بيك بيزيد يوم ورا يوم ... بعترف انو بالاول كان شكلك هو العاجبني ... لكن بعد فترة بقيت مبهورة بادبك واخلاقك وشطارتك واحساسك بالمسئولية ... وبالطريقة البتعاملني بيها .. حسستني كأني اميرة في واحدة من القصص الخرافية ... كنت قدام الناس كلها زول جاد وعرفت تدس مشاعرك كويس ... الا مني انا ... كنت حاسة بيك ... كنت عارفة انك بتبادلني نفس الاحساس ... مرات كتيرة وفي فورة اندفاع المراهقة داك قربت اصارحك .. لكن الخوف والخجل منعوني ... لمن مشيت الداخلية زعلت وفرحت في نفس الوقت ... زعلت لانو غيابك خلق جواي فراغ مافي أي شئ قدر يملاهو .. وما كنت باحس اني ملانة الا لمن تجي من الداخلية نهاية الاسبوع واشوفك ... فرحت لاني كنت خايفة من الاحساس الجواي ... وقلت اثناء غيابك حاقنع نفسي انو دي مشاعر عابرة ولازم اتخلص منها ... كنت عارفة شنو ممكن يحصل لو أي زول عرف بمشاعري الانا داساها بحرص ...لكن يا جمال المشكلة بقت انو انت في وجودك ولا غيابك كل يوم بتتزرع جواي اكتر ... وكل ما اكبر يوم احساسي بيك بيكبر معاي .. يوم مشينا المتحف داك كان اسعد يوم في حياتي برغم اننا ما قلنا ولا كلمة لبعض دخلنا ومشينـا وقعدنـا واحنا ساكتين تصدق انا حتى ما متذكرة منو فينا مسك ايد التاني !! لكن الشئ المتذكراهو انو ايدينا دي قالت كلام كتير كان اللسان خايف وعاجز يقولوا .. ومن اليوم ولغاية هسة مشاعرنا زادت الاف المرات وبقت اعمق وانضج ... انت عارف انو دي اول مرة تنناقش في موضوعنا ؟؟ انا كنت عارفة انو حتجي لحظة لازم نقعد ونتكلم ونحدد حنعمل شنو ... وكنت خايفة من اللحظة دي خوف الموت ... لاني بالجد محتارة احنا حنتصرف كيف ...
عندما صمتت بانفاس متهدجة .. ادار جمال محرك السيارة واصبحت تعابيره مصممة وجادة ...
- ما تخافي يا منال انشاء الله ربنا بيسهل علينا الامور لانو هو بس العالم بالاحساس الجوانا وقدر شنو هو نقي وصادق ... " الله محبة " وهو العادل ... ما حيرضى اننا نتظلم ... انا بس عاوزك تكوني قوية خالص ... وتقتنعي من جواك اننا حنكون لبعض مهما حصل وتختي في بالك انو قرار ارتباطنا حيكون اصعب قرار نتخذه في حياتنا كلها .. واننا لازم نحارب عشان ناخد حقنا ...
ساد بينهما صمت طويل حتى وصلت منال الى " الكوافير " وقبل ان تترك السيارة ضغطت على يده بقوة .. ثم ترجلت بخطوات تعبة تتابعها عينا جمال باشفاق حتى اختفت خلف الباب الزجاجي المظلل باللون الاسود ...

وغداً فصل خامس .............

Abubakr Ibrahim
28th November 2010, 07:01 AM
[SIZE="4"][COLOR="Blue"]الفصل الخامس (1)
تهادت رحمة بفستانها االابيض يتبعها ذيله الطويل على طول الممر المفروش بالسجاد الاحمر ... بدت فاتنة بطولها الفارع وتقاطيعها الجميلة ونظراتها الحالمة .. بين ذراعيها استكانت باقة ورد ناصعة ومزينة بشرائط زهرية لامعة ... تعلقت يدها بيد زوجها الفخور الذي بدت سعادته واضحة في الابتسامة الطفولية الجذلة .. بينما تابعته نظرات الفتيات وهن يتهامسن على اناقته الملفتة ... فقد بدا كأحد فرسان العصور الوسطى ببذته السوداء التي تضارب لونها مع قميصه الابيض والفراشة الحمراء التي تزين عنقه و يتماشى لونها مع حزام الستان العريض في خصره ...
تقدم الموكب صبي صغير يحمل مصحفاً وضع في وسادة من المخمل الاحمر ... تبعته قافلة من الصغيرات اللائي قمن بنثر اوراق الورد على طول الممر لتطاها اقدام الفتيات الاكبر سنا وهن يحملن الشموع البيضاء المزينة بالشرائط الزهرية ... ومن خلف رحمة كانت الاشبينات يدرن كالفراشات وقد احتار الناظرون اليهم في تحديد ايهن اكثر جمالا من الاخرى ... كان همس الحرير يتطاير حول اجسادهن المغرية في فساتين زهرية ناعمة وتكللت رؤوسهن بتيجان من الورد الطبيعي بنفس اللون ... تعالت الزغاريد وبدات موسيقى هادئة تعزف الحانها ووقف معظم الحضور حتى يحظى بمتابعة اوضح للموكب الفخم المتقدم ببطء في الممر الطويل ... من بعيد ظهر حامد ود العمدة وهو يسير برصانة الملوك .. احتضن العريس مهنئاً وقبل حفيدته في جبينها بحنو .. من خلفه وقفت بلقيس بهيئتها المتناقضة ... كانت دموعها تسيل بغزارة في وجه علته ابتسامة مشرقة كضوء الشمس اطلقت زغرودة طويلة بدت وكانها سوف تستمر للابد .. ثم احتضنت ابنتها في عناق قوي استغرقت منال وقتا كي تفصمه وهي تهمس في اذن امها ...
- امي .. فكيها عشان التسريحة ما تخرب ... وما تبكي عشان عشان رحمة حتبكي معاك وتبوظ المكياج ...
عندما وصل الموكب اخيرا الى (الكوشة) الفخمة ..كانت عينا رحمة تدوران بقلق وهي تتامل الحضور بحثا عن وجه بعينه ... عندما اعيتها المحاولة مالت على امها التي تمسك يدها بقوة وهي تسالها ..
- امي ؟؟ حبوبة السرة وينا ما شايفاها ؟؟!! ...
ردت بلقيس بخفوت وهي تتلقى سيل التهاني ...
- حبوبتك تعبت شوية ... اليوم كان طويل عليها وانتي عارفة صحتها ما بقت تستحمل قالت بترتاح حبة وتطلع ..
ظهر الفزع على ملامح رحمة وعلا صوتها بدون وعي وهي تخاطب امها ...
- حبوبة تعبانة وما شافتني لمن دخلت ؟؟ تعال يا محمود ارح جوة نسلم على حبوبة ..
ووسط دهشة الحضور امسكت رحمة بيد زوجها وهي تشق الجموع الى الباب الكبير المؤدي الى المنزل تتبعها بلقيس وهي تقديم التبريرات لتصرفات ابنتها ...
- ماشة تسلم على حبوبتها عشان ما قدرت تطلع تشوفها ...
كانت تلتفت خلفا بانزعاج وهي تبحث عن ابنتها الاخرى ..
- تعالي يا منال ارفعي فستان اختك عشان ما يتوسخ ...
على سرير في منتصف الباحة الخلفية بدت السرة المستلقية وهي تتامل النجوم بصمت وغارقة في خيالاتها كأنها في عالم آخر ... انتبهت على صوت الزغاريد والضجة المصاحبة للعروس .. ابتسمت بفرح وهي ترى حفيدتها تتقدم نحوها مسنودة بيد زوجها ونظرات القلق تملا عينيها ..
- حبوبة مالك ؟؟ سلامتك ... صحي تعبانة ؟؟
نهضت السرة وغطت راسها بثوبها واطلقت زغرودة عالية ثم احتضنت حفيدتها وانحدرت دموعها وهي تردد ...
- ما شاء الله تبارك الله .. الصلاة على النبي .. بتي القمرة عروس ؟؟ يا ولد يا محمود تخت رحمة دي جوة عيونك .. دي الغالية بت الغالية .. واوعى يوم تجي تشتكي لي منك .
تحلّق الجميع حول سرير السرة التي اقنعت حفيدتها انها بخير وطلبت منها الخروج حتى يبدا الحفل وما ان غاب الموكب عن انظارها حتى دست يدها تحت الوسادة واخرجت علبة صغيرة تناولت منها لفافة تبغ رفيعة .. وضعتها على شفتيها باحتراف .. مالت وهي تحجز شعلة اللهب الصغيرة المتراقصة من تيار الهواء ... امتصت نفساً عميقاً حتى توهج طرف اللفافة ثم عاودت الاستلقاء على ظهرها ومراقبة النجوم ... لقد اعادتها فرحة رحمة الى ذكرى اخرى بعيدة ذكرى فرحتها وهي تزف الى حبيبها ابراهيم ... اخرجت الدخان من فمها ونفثته في الجو فتعالت حلقات متراصة تتسع كلما صعدت الى اعلى حتى تتلاشى مع هبات النسيم ... ابتسمت السرة بسخرية فقد كانت الحلقات الدخانية تشبه حياتها تماماً ... الان لم تعد تهتم بما آلت اليه ايامها .. فقد اصبحت كل اللحظات متشابهة ومكررة للحظات عاشتها قبلاً ... لحظات عاشتها بعمق ... صادقت فيها حزنها وتجاوبت مع فرحها ... تجاوزت الصعاب وتخطت الاحباطات ... هادنت الالم وتغلبت عليه .. كانت دروس مهادنة الالم هي الاصعب والاكثر قسوة لانها بدات باكراً ...
تذكرت صباحا شتويا دافئا تدثرت فيه بفانلة الصوف وهي ترسم خطوط لعبة ( الحجلة ) بعود صغير على ارض الحوش الجافة تناوبت بعدها هي وشقيقاتها الاكبر سناً في رمي الحجر ومحاولة تمريره من مربع لآخر وهن يقفزن بقدم واحدة ...كانت في منتصف اللعبة عندما اتت والدتها واقتلعتها من وسط ضجيج اللعب دون ان تابه لاحتجاجها ... ادخلتها غرفتها حيث ( الطشت ) الملئ بالماء الساخن .. فركت جسدها الصغير بالصابون المعطر ... جففتها وجدلت لها شعرها الطويل الكثيف ... البستها قميصاً جديدا زاهيا ... واقتادتها الى غرفة الضيوف المحرمة عليهم في الاحوال العادية ... احست ابنة السابعة بالحيرة .... وسرعان ما تحول احساسها الى الم حاد وصرخات مذعورة اطلقتها بينما كانت الداية تقتطع لحمها بحضور امها المراة القوية التي لقنتها في ذلك اليوم اول دروس مهادنة الالم وهي تهمس في اذنها...
- اسكتي يا بت ... اقفلي خشمك دة واوعاك تتعودي على الصريخ ... المرة التمام ما بتكورك ولو اكلت الجمر ... صوتك دة ما يطلع برة ابدا فاهمة ولا لا ؟؟
لم يتوقف صراخها ... لكنه انعكس واصبح موجه الى داخلها ... لم تعد تصدر صوتا ... بينما امتلات اعماقها بضجيج الالم ... كانت طفلة تضج بالحياة ... ممتلئة القوام بوجه مستدير كالقمر .. وشعر اسود طويل وكثيف .. عيون سوداء لامعة ولون مائل الى السمرة ولكنه يجافيها ... عندما بلغت العاشرة تجدد موعدها مع الالم ... لكن هذه المرة حرصت امها على تهياتها نفسياً لاستقبال ما هو آت ... حفزتها بكلمات مبهمة عن مدى اهمية هذا الطقس ودوره في ابراز جمالها ونقلها من دنيا الاطفال الى عالم النساء ...يبدو ان المها والشتاء كانا على وفاق ... فقد كان البرد قارساً .. وعندما اشتكت من حدته لامها نهرتها قائلة ...
- البرد احسن عشان الجرح يبرا سريع وما يحصل ليك شئ ...
كانت ( الشلاخة ) عجوز شامخة مشهورة بدقتها ومهارتها في قريتهم والقرى المجاورة ... تتميز بوجع مفلطح عريض لامع السواد احتل الانف الافطس مساحة كبيرة منه .. عيناها صغيرتان كحبات الخرز .. ومن اطراف المنديل الابيض المربوط باحكام على راسها ... ظهرت مقدمة شعرها خشنة ومبرومة كحبات الفلفل الاسود ... عندما تتحرك تتبعها موجة من روائح المحلبية المختلطة برائحة اخرى لم يستطع انفها الصغير تمييزها ...
في ذلك اليوم لم تستطع التمسك بنصيحة امها ... وهزت صرخاتها فضاء البيت عندما شرعت الشلاخة في شق خدودها بموس حاد ... بدات بالخد الايمن فرسمت فيه ثلاث خطوط طولية عميقة ثم انتقلت الى الخد الايسر لترسم شبيهتها ... حاولت ان تتملص وتفلت من الالم الذي مزقها لكن مساعدات الشلاخة القويات قمن بتثبيتها حتى خارت قواها ... لحظتها تمنت الموت حتى تتخلص من الالم ... عندما انتهت العملية غسلوا لها جروحها ووضعوا عليها قطع قطن مشبع بالمحلبية والقطران ظل الالم يلازمها قرابة الشهر عانت فيه ما عانت من حمى وهذيان .. تورم وجهها حتى صار كالبالون ... عافت نفسها الاكل وحرمت حتى من نعمة البكاء كي لا تنزل دموعها المالحة على جروحها المفتوحة وتزيد المها ... لم تنظر الى وجهها في المرآة الا بعد مرور شهرين واحست بسعادة غامرة عندما وجدته مزيناً بشلوخ عريضة ... عميقة ومنتفخة ... نسيت معاناتها السابقة واصبحت تتباهى بشلوخها المتقنة بين قريناتها .
عندما بلغت الخامسة عشرة كانت قد اصبحت امراة مكتملة الانوثة ... ووقتها سمعت لاول مرة جملة ( ابراهيم للسرة والسرة لابراهيم ) وانتفض قلبها طرباً لفكرة الزواج من ابن عمها الامين عمدة القرية ... كان يكبرها بثلاث سنوات ... تميز عن اخوانه بوسامة ظاهرة وذكاء حاد ... وبعد ان انهى دراسته الثانوية توقع الجميع ان يتفرغ لادارة تجارة ابيه الواسعة خصوصا بعد ترشيحه لمنصب العمدة خلفا لوالده بحكم انه اكبر الاولاد ... لكنه فاجا الجميع بقرار دخول الجامعة في العاصمة ... انقبض قلب السرة عندما سمعت بقراره ... انتابتها الهواجس وملات عقلها الوساوس خوفا من ان يغير ابن عمها رايه من الزواج بها اذا ما عاش في العاصمة ووجد اخرى تنسيه ابنة عمه القروية لكنه بدد مخاوفها وكان وفيا لارتباطه بها ... وعند عودته في اجازاته الدراسية التي كانت تمر بسرعة البرق .. كان يجلب لها الهدايا ويغمرها بالاهتمام ... اكمل دراسته بعد اربع سنوات مرت عليها كالدهر وجعلتها تزداد تعلقا به الى درجة مخيفة ... لقد احبته بكل جوارحها ومشاعرها البكر واختزل بوجوده كل الرجال ... بعد تخرجه عقد قرآنه عليها وامهلها سنة حتى تتهيا للزواج ....
في التاسعة عشرة كانت قد اصبحت من اجمل بنات القرية .. اكمل وجهها استدارته واصبحت شلوخها اعمق وادكن ... ظهرت اشراقة الحب جلية في ملامحها وحركاتها ... توزع امتلاء جسدها بشكل مغر ... نفر صدرها معلنا عن وجوده بافصح الطرق ... تضمر خصرها وبرزت خلفيتها بصورة جعلتها موضع حسد الكثيرات اللائي يتهامسن ما ان يرينها عند ظهورها في أي مجتمع ( السرة ام صلب جات ) ...
بدات طقوس الانتقال من عالم البنات الى دنيا النساء بكل حماس ... كانت تجلس في حفرة الدخان بالساعات الطوال حتى تفحم لونها وصار بسواد الشملة التي تتغطى بها ... جدلت شعرها الطويل في ضفائر صغيرة بعد ان اغرقته بدهن ( الكركار ) .. خاصمت الكحل الذي تعشقه ... واعتزلت الخروج من المنزل مهما كانت الاسباب ...
وقبل موعد العرس بثلاثة اشهر جددت عهدها مع الالم عندما خضعت لوشم شفتها السفلي ايذانا بانتقالها النهائي الى مجتمع النساء المتزوجات ... كتمت انفاسها بينما كانت الابر الصغيرة الحادة تغرز بسرعة وحرفية ... اغمضت عينيها حتى لا ترى الدم المندفع برغم طعمه الذي ملا فمها ... حاولت ان تلهي نفسها عن التفكير فيما يحدث لها بالغرق في تذكر حبيبها ولقاءتهما الخاطفة عند حضوره الى منزلهم ... نظراته الواعدة ولمساته المختلسة عندما يضمن اختفاء الاعين المراقبة ... كانت تتوق ليوم زواجهما .. وتتلهف كي يصبح كل منهما ملك للاخر ...
عندما انتهى الوخز المؤلم مسح الدم بقطعة نظيفة وذر نبات النيلج على شفتها المتقرحة التي تورمت حتى احست بانها تحمل شيئا غيرها في وجهها .. وكان الالم رهيبا خصوصا عندما تحاول شرب الماء .. فقط الغوص في خيالها مع ابراهيم كان يخفف المها ويجعلها تحتمل كل ما تمر به ليقينها بانها تفعله من اجله .. وكي تكون جميلة امام عينيه ...
في يوم العرس كان قلب السرة يتقافز في صدرها كقطة مشاغبة ... استيقظت فجرا وظلت في سريرها ساكنة ... تفكر ... وتحلم ... وعندما بدات الشمس تنشر ضياءها اصبح المكان حولها كخلية نحل .. لكنها ظلت مسجونة داخل الغرفة المظلمة ولا يسمح برؤيتها الا للمقربون .. كانت تتامل بدهشة وفرح نقوش الحنة السوداء التي رسمت باتقان من اطراف اصابعها وحتى منتصف ذراعيها ومن اصابع قدميها حتى منتصف ساقيها .. جسدها الذي توالت عليه ابخرة حطب الشاف والطلح والكليت والهبيل ... اكتسب نعومة مذهلة خصوصا بعد جلسات الفرك بعجينة ( اللخوخة ) المخلوطة ببودرة الكركم وقشور البرتقال المجفف المطحون والتي كانت تتم صبحاً ومساءَ على ايدي خادمات قويات ... بدا ضجيج الخارج بعيدا عنها وهي سارحة في امنياتها وخيالاتها .. مرت ساعات اليوم كالبرق وما ان مالت الشمس نحو الغروب حتى اتت امها وخالاتها وهن يحملن الصناديق الخشبية المشغولة بالاحجار الملونة والاصداف وبدات طقوس التزيين وارتداء الملابس المرهقة ... تولت شقيقاتها تعطير كامل جسدها بزيت الصندل حتى صار لامعاً متوهجاَ .. عطراً ... واحست بوخزات مؤلمة عندما شُد رباط ( الرحط ) حول خصرها باحكام لينزلق فوقه فستان الستان الاحمر القصير... صففت خالتها شعرها الطويل وتركته منسابا خلف ظهرها ليغطي خلفيتها المتوثبة ثم وضعت فوقه ( الجدلة ) المنضومة من جنيهات الذهب الخالص .. من اذنيها تدلت ( الفدو ) الضخمة .. وامتدت (الرشمة ) من خلف اذنها حتى انفها ليصبح وجهها المستدير بشلوخه العميقة مضيئاً بانعكاسات لون الذهب والستان الاحمر ..
تغطى صدرها الناهد ( باللبة ) الكبيرة المتوارثة في العائلة منذ اجيال .. وكاد عنقها ينحني من ثقل عقود ( القصيص ) و ( الفرجلات ) ... تراصت عشرات الاساور على يديها وأحاطت ثعابين ذات عيون حمراء لامعة بأعلى ذراعيها ... على الساقين وضعت ( حجول ) كبيرة اظهرت جمالهما وزاد الكحل الاسود عينيها عمقا واتساعاً ... وبعد انتهاء طقوس ارتداء الملابس والزينة احضرت احدى شقيقاتها ( مبخر ) ملتهب الجمرات ووضعت فيه قبضة من اعواد خشب الصندل المعطر ووقفت السرة فوقه بصبر حتى تشبعت به واصبحت رائحتها مزيج مثير يشاغب الخيال ويلهب المشاعر .. اخيراً لفت قوامها بثوب حـريـري احمـر مزين بـورود ذهبيـة لامعـة .. تغطت ( بالقرمصيص ) وتهادت في مشيتها مصحوبة بالزغاريد وأدعية الحفظ من امها وخالاتها .. وتنافست طلقات الرصاص المحتفية بمقدم العروس .. كانت تتقدم بخطوات بطيئة ومدروسة حتى وصلت الى المكان المعد لجلوسها مع زوجها .. عندما رفع ابراهيم ( الفركة ) عن وجهها احست باحتباس انفاسه فنظرت اليه بخجل ... كان يبدو رائعاً بطوله الفارع الملفوف في ( توب السرتي ) بلونيه البيج والاحمر ... توسط جبينه العريض هلال ذهبي مربوط بقطعة من المخمل الاحمر ... احست بدقات قلبها تتصاعد في اذنيها .. واصابها دوار خفيف جعل بقية احداث الليلة مشوشة ... تتذكر منها لمسة ابراهيم على فخذها عندما همَ بقطع شعرات الرحط المربوط على خصرها ... كانت لمسة خاطفة اشعلت النار في حواسها المرتعدة ووعدتها بالكثير ..جعلتها تهيم في عالـم آخـر فاصبحت طقوس ( الجرتق ) كانها حلم افاقت منه على رذاذ اللبن الذي رشه ابراهيم بسخاء على وجهها ..
وللفصل بقية .........

Abubakr Ibrahim
29th November 2010, 06:52 AM
الفصل الخامس (2)
بدا الحفل بغناء حماسي رفرفت له القلوب وارتفعت العصى والسيطان عالياً ... اغمضت عينيها خوفاً وهي ترى حبيبها ينهال ضربا على ظهور اخوانه واقرباؤه واصدقاؤه المتلفحين بشجاعتهم وصمودهم امام لسعات (سوط العنج ) اللاهبة وهي تصلي الجلود العارية .. حتى حامد شقيق زوجها الصغير وقف بشجاعة متحملاً الضربات التي مزقت جلده الغض بلا رحمة ... ارتفعت حرارة المشاركة وزادت الحماسة عندما تعالت زغاريد النساء الفخورات وهي تمجد شجاعة رجالهن في تحمل الالم .. كان ( بطان ) حامي الوطيس ولم يتخلف عنه احد ...
بعد انتهاء الحفل جلس زوجها بقربها وهمس في اذنها ...
- السرة ... احنا حنسافر بكرة انشاء الله الخرطوم ... عارفك تعبانة شديد عشان كدة حاصبر لغاية بكرة ... ارتاحي الليلة ونومي كويس .. لانو لمن نصل هناك مافي نوم..
اخجلتها كلماته الموحية فلم تستطع الرد ولا مواجهة نظراته ...ضغط على يدها برفق وابتسامته تملا وجهه الوسيم ...
- انتي لسة بتخجلي مني يا السرة ؟؟ بعد دة خلاص مافي خجل بينا .. بجيك بدري خليك جاهزة ..
اختار ابراهيم فندق جديد مشيد في منطقة هادئة وجميلة ... عاشت فيه السرة ايام لن تنساها ابدا كانت خليط من المتعة والالم .. اختبرت فيها احاسيس لم تكن تظن انها تملكها ... تعرفت فيها على نفسها وكنوزها بصورة لصيقة ... عاشت اوقات من السعادة الخالصة التي جعلتها تندم على كل لحظة من عمرها مرت بدون وجود ابراهيم فيها ...
بعد عودتها الى القرية انتقلت الى بيت العمدة في جزء خصص لها .. وبدات تتعمق في تفاصيل حياتها الزوجية حتى خيل اليها انها كانت زوجة لابراهيم منذ الازل ... عندما انقضت سنة على زواجها .. تقدم ( بلة ) شقيق زوجها الاصغر لخطبة شقيقتها الصغرى ... وعندما انجبا اول طفل لهما بعد سنة اخرى من زواجهما بدأ الجميع يتساءلون عن سبب عدم انجابها هي وابراهيم ... وكانت بداية رحلة طويلة من العلاج استمرت ثلاث سنوات رفض خلالها ابراهيم كل الضغوط التي مورست عليه للزواج مرة اخرى بحجة ان السرة عقيم ولن تنجب له اطفال ...
عندما بدات اعراض الحمل تظهر على السرة لم تصدق نفسها واصرت على استشارة الطبيبة قبل ان تبشر زوجها الصابر الملهوف ... بكت بحرارة عندما تاكد حملها .. وافرغ ابراهيم عشرون طلقة من مسدسه في فضاء المنزل ... ذبحت العجول ووزعت على فقراء القرية ... وعادت البسمة الى وجه السرة .. حرص زوجها على ملازمتها طيلة الوقت واقتصرت سفراته الى العاصمة على الامور التي لا يمكن تخليصها من القرية ... كان حمل السرة يتقدم سلسلاً بلا مشاكل وبطنها يتكور باندفاع تباهت به بين نسوة الحي ... في نهاية شهرها السادس سافر ابراهيم الى العاصمة لعقد صفقة مع احد التجار ... غاب عنها لمدة اسبوع مر عليها كالدهر ... وفي اليوم المقرر لعودته استعدت لاستقباله بلهفة امراة عاشقة .. كانت تجلس على كرسي امام المرآة وهي تتزين بحرص ... جدلت شعرها الطويل بالطريقة التي يحبها زوجها .. كانت تبتسم لانعكاس صورتها وهي تمرر يدها على بطنها المنتفخ بحنان عندما تناهت الى سمعها اولى الصرخات الملتاعة ..
ركضت خارجاً تستقصى الامر وقد انقبض قلبها من صدى الحرقة والمرارة التي شابت هذه الصرخة ... عندما وصلت الى الحوش وجدت والدة زوجها مرتمية على الارض وهي تحثو التراب على راسها ووجهها ... بينما جلس عمها العمدة منهارا وقد انحنت قامته التي كانت دوما منتصبة بفخر وكبرياء ... كانت شقيقات زوجها يبكين بحرقة اخافتها فاقشعر جلدها وانتابتها مشاعر غامضة .. ما ان رآها الجميع في طرف الحوش حتى تزايد العويل باصوات وهمهمات لم تميز منها غير اسم زوجها .. تسمرت قدماها على الارض وبدات تهز راسها بعنف حتى ينزاح الكابوس الذي يجثم على صدرها ويكاد يسلبها روحها لكنه لم يختف ... بل اذداد حدة بوصول جيوش من البشر الذين تحلقوا حولها دون ان يجرؤ احد منهم على الاقتراب منها ... فقد بدت كالشبح وهي تسمع نعي زوجها الذي كانت تنتظر وصوله بفارغ الصبر ... دارت عيناها بذهول فيمن حولها .. ثم نظرت الى قميصها الجديد بلونه الاخضر الزاهي .. لقد ارتدته خصيصاً لعودة حبيبها ... لابد ان يعود ليراها وهي ترتدي اللون الذي يحبه ... لابد ان يعود ليرى طفله ... لابد ان يعود ...
فجاة امسكت بمقدمة القميص بيديها الاثنتين وشقته بكل قواها ... وقعت ارضا وهي تتدحرج في تراب الظهيرة الحار ... كان بطنها العاري يهتز وهو يرتطم بالارض كانه بالون ممتلئ بالماء ... حاولت بعض النسوة ايقافها .. لكن حزنها امدها بطاقة زئبقية فافلتت من كل محاولات التثبيت ... واذداد العويل حدة على الزوجة المفجوعة حتى شق صوت العمدة حشد النساء قبل جسده ... خلع عبائته وستر بها الجسد العاري وهو يثبتها وينهرها بصوت حازم ...
- السرة ... استغفري ربك ... البتسوي فيهو دة حرام ... استغفري ربك ...
لم تستجب لكلماته لانها انهارت بين ذراعيه وفقدت الوعي ..
ظلت السرة تقاوم واقع موت زوجها بالغياب في عالم آخر .. اعترى الخوف الجميع عليها وعلى جنينها خصوصا بعد مرور اسبوع كامل لم تفتح فيه عيناها الا للحظات قليلة تنظر فيها الى من حولها بتوهان ثم تعود الى عالمها دون ان تنبس بحرف ... استدعى العمدة امهر الاطباء من العاصمة في محاولة يائسة للحفاظ على حياة ارملة ابنه وحفيده ... كانت التشخيصات متشابهة ...
- ما تقلقوا يا جماعة .. دي ردة فعل نفسية معروفة بتعبر بيها عن رفضها لخبر وفاة زوجها ... بس لازم ننقلها مستشفى ويتعمل ليها نظام تغذية بالوريد حفاظا على سلامة الجنين ... انشاء الله بعد فترة حيبدا عقلها يتقبل الحقيقة ويتعامل معاها ...
نقلت السرة الى المستشفى في شندي وهي ممعنة في غيابها ... وعندما استعادت كامل وعيها وغادرت المستشفى بعد عشرون يوما .. قرر جنينها ان يغادر ملاذه الآمن في احشائها ويواجه العالم مع امه الحزينة ... ولد في شهره السابع ..طفل خديج ضعيف بالكاد يستطيع الصراخ ... وضع داخل جهاز لمدة شهر كامل ظل فيه متارجحا على خيط رفيع طرفه بيد السرة التي تحارب للحافظ على رائحة زوجها التي اورثها لابنه ... وطرفه الآخر بيد ابراهيم المتلهف لرؤية ثمرة حبه لزوجته في النهاية انتصرت ارادة السرة وعادت الى بيت العمدة وهي تحمله لتبدا مراسم العزاء مرة اخرى وتعيد تجديد عهد السرة مع الالم ...
- حبوبة !! انتي بتبكي ؟؟!! ...
انتفضت السرة وتبادلت نظرات مندهشة مع منال التي كانت تحمل طبق ملئ بالطعام بيد وزجاجة المياه الغازية بالاخرى ... دهشة السرة التي ظهرت في ملامحها كانت اكبر من انزعاج الحفيدة .. فهي لم تكن تتوقع ان يكون مخزون الالم في اعماقها بهذا الزخم والتوهج ... ظنت ان السنين قد حولت جمرها الى رماد .. وان الذكريات اصبحت باهتة ومترهلة كجسدها ... لقد ظنت ان حياتها مع حامد والتي فاقت الاربعين عاما قد طمست ذكرى خمس سنوات عاشتها مع ابراهيم ... ابتسمت بسخرية وهي تفكر بان سنين العمر كلها .. او ما بقى منها لن تستطيع ان تمحو من عقلها ذكرى الرجل الوحيد الذي احبته بكل احاسيسها ...
- مافي حاجة يا منال .. انا بس ما هاين علي فراق رحمة ...
عبست منال وخاطبت جدتها بلهجة مازحة ...
- اعملي حسابك يا حبوبة .. انا كدة حغير واقول انك بتحبي رحمة اكتر مني .. هسة لمن اعرس حتبكي علي ولا حتقولي بركة الاتحليت من البت المزعجة دي ؟؟
نهرتها السرة وهي تحاول ان تتمالك نفسها ..
- يا بت انتو كلكم عندي واحد وباحبكم قدر بعض ... ما سمعتي المثل البيقول اعز من الولد ولد الولد ؟؟
- طيب يا حبوبة يلا قومي اتعشي انتي الليلة من الصباح ما اكلتي كويس وصحتك ما بتتحمل صيامك دة ... يلا انا حاقعد معاك لمن تاكلي عشان نطلع برة سوا ... رحمة عاوزة تشوفك في الخيمة .. وقالت لو ما بتقدري تطلعي هي حتجي تقعد معاك جوة ...

وبكره فصل جديد .......

Abubakr Ibrahim
30th November 2010, 06:51 AM
الفصل السادس (1)
كان الحفل صاخبا كما هو متوقع من عرس في حوش ود العمدة .. انقسم الصيوان الكبير الى جزئين الرجال من جهة المدخل الرئيسي والنساء في الجزء الداخلي .. بينهما مساحة واسعة تعج بالاجساد التي تفرغ طاقتها في الرقص حيث تلاشت الحدود وتمازجت الانفاس وتلامست الكتوف وتباعدت
في منتصف الحلقة وقفت نعمات بجانب رحمة وزوجها وبلقيس وهي ترقص برزانة .. بقربها وقفت اميرة ابنتها الوسطى التي تماثلها قواماً وتميزت عن اختيها بلونها الذهبي الوهاج وتقاطيعها الجميلة لكزتها نعمات وهي تهمس في اذنها ..
- اخواتك وين ؟؟ ليه ما جوا يرقصوا مع بت اختهم ؟؟
- ما عارفة يا امي .. نادية ما شفتها من لحظة ما دخلنا مع رحمة .. وهادية انتي عارفاها بعد ما لبست الفستان ابت تمشي معانا للصورة وقاعدة جوة اوضتها وقالت ما طالعة الحفلة ..
ظهرت علامات الغيظ على وجه نعمات وهي ترفع يدها الممتلئة بالحى الذهبية وهمست مرة اخرى في اذن اميرة ...
- تعرفي البنات ديل حيعملوا لي جلطة ... امشي فتشي نادية وخليها تجيني هنا سريع وادخلي لهادية قولي ليها امي قالت ليك لو ما جيتي طالعة هسة دي شوفي الليلة حيحصل ليك شنو .
كان البحث عن نادية مهمة صعبة في الصيوان الكبير ووسط الجموع الراقصة .. لذلك قررت اميرة احضار هادية اولا حتى تطفي غضب امها ثم تتفرغ للبحث عن نادية التي اختفت بصورة غامضة عقب دخولهم مع رحمة .. بدات تشق الزحام تلاحقها العيون المعجبة بجمالها الآسر وجاذبيها الطاغية الكامنة في عيونها العسلية الواسعة وخطواتها الرشيقة والغمازتان العميقتان اللتان تنغرزان باغراء في خدودها عند اقل تعبير في وجهها .. بدات نظراتها تدور في مسح سريع بلا تركيز وهي تامل في مصادفة شقيقتها الكبري ... تعثرت خطواتها وكادت تسقط لولا يد قوية ثبتتها ... رفعت راسها لتشكر منقذها فاحتبست الكلمات في حلقها عندما تصادمت عيناها بعيني (عمار ) ابن شقيقة السرة ... لقد التقيا في عدة مناسبات عائلية .. واحست بشرارات تندلع كلما تصافحا ... لم يكن وسيماً بالمعنى المتعارف عليه ... لكنه محاط بجو رجولي غامض لفت انتباهها واثار اعجابها منذ زمن طويل .. لكنها لم تكن تجرؤ على التفكير فيه او الافصاح عن مشاعرها لاي كان ... فهو يحمل رائحة زوجة ابيها التي تبغضها امها اكثر من أي شئ آخر تعرفه ... سحبت يدها من قبضته القوية بنعومة وهي تهمس ..
- شكرا يا عمار .. معليش ما كنت منتبهة قدامي بفتش على نادية .. ما شفتها ؟؟
عندما هز راسه نفيا حاولت ان تواصل طريقها لكنه لم يتزحزح عن دربها وثبت نظراته في وجهها الفاتن وانتشرت ابتسامته حتى عمق عينيه وهو يتاملها بدقة ..
- كيفك يا اميرة ؟؟ .. انا من قبيل باحاول اوصل ليك وما قادر لانك واقفة جنب خالتي نعمات .. عاوز اتكلم معاك في موضوع مهم ..تعالي نرقص عشان تبقى وقفتنا مع بعض عادية ...
فزعت اميرة من طلبه ... نعمات غاضبة بما فيه الكفاية من اختفاء شقيقتيها ... ولن تغامر باثارة غضبها اكثر فاعتذرت بسرعة ...
- معليش يا عمار .. امي مرسلاني وما بقدر اتاخر عليها ... خليها وقت تاني ..

- خلاص موافق بس اوعديني ما تزوغي مني زي كل مرة .. انا محتاج فعلا اتكلم معاك والموضوع بيهمك زي ما بيهمني ...
نظرت خلفها بقلق وهي تامل ان لا تلتفت امها وتراها برفقة عمار ..حاولت اختصار الكلام..
- والله ما بزوغ يا عمار ولو ما لقيت فرصة الليلة بكرة حنتكلم .. انت حتقعد للصبحية ولا ماشي ؟؟
- حتى لو مشيت بجي راجع مخصوص عشانك .. خلاص اتفقنا ؟؟ وبرضو بتمنى تجي ترقصي معاي ..
هزت راسها بشرود وهي تتفادى جسده الذي يسد طريقها ... ارتعدت حواسها من عمق نظراته وما تحمله من حديث سري لم يغب معناه عن قلبها ... وكان هو ينظر الى غمازتيها العميقتين .. واحس برغبة قوية في ان يضع اصابعه داخلهما ... رفع يده بحركة لاشعورية .. لكن اميرة كانت قد هرولت واختفت خلف البوابة الكبيرة ...
كان منزلهم يبعد قرابة المائة متر من البيت الكبير الخاص بزوجة ابيها .. وبرغم محاولات نعمات المستمرة باقناع زوجها بناء سور يفصل البيتين عن بعضهما ... الا انه رفض بصورة قاطعة .. وكانت اجابته الحاسمة في كل مرة تعيد نعمات طلبها ..
- آخر شئ اعمله اني ابني حواجز اسمنت بين بناتي .. مش كفاية الحواجز العملتوها انتي والسرة ؟؟
كان منزل ابراهيم الاقرب اليهم فحرصت نعمات على توطيد علاقتها مع زوجته ( حبيبة ) نكاية في ضرتها ... حتى بنات ابراهيم كن اقرب اليهن من اخواتهن .. دخلت المنزل الهادئ واتجهت من فورها الى غرفة هادية ... وقبل ان تدخل من الباب المنفرج تناهى الى سمعها صوت بكاء مكتوم .. لابد ان شقيقتها الصغرى تمر باحدى نوبات اكتئآبها ... فتحت الباب ونظرت اليها باشفاق .. كانت تجلس على الارض باستسلام وقد اتكا ظهرها على خلفية السرير العالية .. امامها تناثرت اطباق الطعام وتبعثرت بقاياه حولها بفوضى ... سيطر على جو الغرفة رائحة البيض المسلوق فاصبحت خانقة .. انتشر فتات الخبز والجبن وملا الفستان الزهري الذي تلطخ ببقع زيت الاطعمة ... كان اوداجها منتفخة بالطعام الذي لم تكن تمضغه بل تبتلعه بسرعة تتبعها بجرعات متتالية من زجاجات المياه الغازية المتراصة حولها .. كانت تاكل وتبكي في نفس الوقت ... عندما احست بحركة الباب رفعت وجهها ونظرت الى شقيقتها بحقد وخاطبتها بتحدي ...
- عاوزة شنو يا اميرة ؟؟ خليتي الحفلة وجيتي ليه ؟؟ وبتعايني لي كدة مالك ؟؟ عمرك ما شفتي ليك زول بياكل ؟؟
حاولت اميرة ان تعتصم بهدوءها المعروف امام ثورة هادية ..
- امي بتسال عليك وقالت ليك تعالي برة .. واكيد هسة رحمة زعلانة منك لانك ما رضيتي تمشي مع الشباين ...ولا حتى جيتي باركتي ليها ...
نهضت هادية بتثاقل وهي تتكئ على ركبتيها ويديها .. وبدات تقطع المسافة بينها وبين اميرة بخطوات متكلفة ... وهي تتكلم بلهجة ممتلئة مرارة ...
- عاوزيني امشي مع الشباين ؟؟ طيب ايه رايك في المشية دي ؟؟ رهيبة مش كدة ؟؟ زي مشية الدب .. ولا اقول مشية الفيل احسن ؟؟ انتو عاوزين الناس كلها تضحك علي وتقول شوفوا خالة العروس السمينة ؟؟ ولا عاوزني امشي جنبكم عشان رشاقتكم وحلاوتكم تبين ؟؟ انا من الاول قلت ليكم ما عاوزة احضر العرس ولا ابقى شبينة .. انتو الاصريتو تخيطوا الفستان عشان تختوني امام الامر الواقع ... اها الفستان دة هاك ليهو ؟؟؟
مدت يدها الممتلئة وانتزعت بعنف الوردة المثبتة في اعلى الكتف .. رمتها ارضا وهي تدوس عليها بكلتا قدميها .. احمرت عيناها انفعالا وبدا جسدها الضخم يرتعش من الغضب
- امشي قولي لامك هادية قالت ما عاوزة تحضر الحفلة وما حتطلع برة مهما حصل .. وما تنسي تقولي ليها اني قاعدة آكل وعدي ليها الصحون وقزاز البيبسي .. اجري يا رشيقة يا حلوة احضري الحفلة وارقصي وخلي اختك الدبة قاعدة في مكانها ...
احست اميرة بالم ينغرز في احشائها كالسكين وهي ترى بؤس هادية وكآبتها ... كانت طفلة عادية ممتلئة قليلا عن قريناتها اللائي يماثلنها سناً ولكن ليس بصورة شاذة ... بدات مشاكلها مع اعتاب مراهقتها عندما زاد وزنها تدريجيا حتى وصلت الى حجم مخيف مما جعلها انطوائية وعدوانية وتفضل العزلة ... واصبحت تتحدى قرارات نعمات لتنظيم وجباتها بمزيد من الافراط في الطعام ... بمرور السنين تفاقمت مشكلتها النفسية والجسدية ... وزاد الامر سوءاً الاسلوب الساخر الذي تعامل به الناس مع حجمها خاصة زميلات المدرسة حتى باتت تكره الدراسة وتتعلل بالمرض معظم ايام الاسبوع .. تتابع هبوط مستواها الدراسي حتى وصلت الى آخر القائمة .. ثم قررت هجر المدرسة والبقاء في المنزل دون ان تهتم بالضغوط التي مارسها عليها الجميع للعدول عن رائيها ... حتى حامد المتباعد عن مشاكل بناته تدخل بناء على الحاح نعمات وامرها بالذهاب الى المدرسة .. يومها استشاطت هادية غضبا وواجهت والدها بما لم تستطع أي واحدة من بناته قوله له
- غريبة يا ابوي !! اول مرة اشوفك تهتم بمشكلة تحصل في البيت دة لواحدة فينا ... الحصل شنو ؟؟ ما كنت دائما بتخلي امي تحل مشاكلنا وتشوف طلباتنا ... دة حتى احنا ما بنشوفك معانا هنا الا كل وين ووين ..كأننا ما بناتك .. كأننا اغراب انت مكلف بس تصرف عليهم ... اها المرة دي يا ابوي القروش ما حتحل ليك مشكلتي ... لا انت ولا امي ولا أي زول في الدنيا دي حيقدر يجبرني امشي المدرسة تاني ..
وكانت المرة الاولى التي يرفع فيها حامد يده ويضرب احدى بناته ... صفعها بقوة حتى وقعت ارضاً وهي تبكي بحرقة .. ولم يجرؤ احد على الاعتراض ... وحسم هذا الموقف النقاش للابد .. لقد مرت مرت سنتان على هذه الحادثة لازمت فيهما هادية المنزل لا تفعل شيئا سوى الاكل ... والبكاء ...
عدلت اميرة عن محاولة اقناع شقيقتها بحضور الحفل عندما رات لمعة الغضب والتحدي تطل من عينيها .. فتركتها واتجهت الى الباب وهي تتمتم ..
- على كيفك يا هادية ... اعملي الشئ البيريحك ..
واتاها الرد المتهكم من خلفها ..
- ما اصلوا على كيفي .. وبعمل الشئ البيريحني .. اقفلي الباب دة وراك وتاني ما تدخلي اوضتي لو ما خبطتي الباب ..
المواجهة مع هادية ملاتها ياساً فخرجت بخطوات بطيئة وهي تفكر ماذا طلبت منها والدتها ؟؟!! ..
ثم تذكرت ... نادية .. يجب ان تبحث عن نادية المختفية منذ بداية الحفل ..كانت تقطع المساحة المزروعة بالحشيش بخطوات سارحة عندما اصطدمت بها فتاة منطلقة بسرعة ..كانت زينب ابنة حبيبة تلعب مع مجموعة من البنات وهن يتقافزن هنا وهناك ويملان الارض بقطرات المطر المصنوع من فوران زجاجات المياه الغازية المرجوجة بعنف ... امسكتها اميرة من كتفيها ..
- زينب .. ما شفتي عمتو نادية ؟؟...
هزت ابنة العشر سنوات راسها بعجلة وهي تحاول التملص من قبضة اميرة واللحاق بقريناتها .. ثم فجاة رفعت راسها ...
- ايوة اتذكرت يا عمتي ... قبيل شفتها ماشة على جهة بيت الاشباح ..
اتجهت اميرة بحذر وخطوات قلقة تجاه البناء البعيد في اقصى الساحة .. لم تكن تؤمن بالخزعبلات عن وجود اشباح في المنزل الذي شيده والدها لزوجته الثالثة ( امونة ) ...
وللفصل بقية ........

Abubakr Ibrahim
1st December 2010, 06:48 AM
الفصل السادس (2)
كان موقع المنزل عبارة عن قطعة ارض خالية اشتراها ود العمدة لزيادة مساحة الحديقة .. وعندما قرر الزواج شيد فيها منزلا صغيرا جميلا وبعيداً عن زوجتيه ... كان مختلفا عن بقية البيوت الاخرى المتناثرة على ابعاد مختلفة من الحوش الكبير بلونه الابيض الناصع والسور العالي الذي يفصله ويعطيه خصوصية الانفراد كانه لا ينتمي الى نفس الحوش ... هذا السور الذي اشعل النار في قلب نعمات عند بنائه وكانت المرة الاولى التي ترفع فيها صوتها على زوجها امام بناتها ...
- بنيت ليها حيطة يا حامد ؟؟ ... نسيت لمن قلت ليك افصل لي بيتي من بيت السرة قلت لي شنو ؟؟ اذكرك بكلامك ؟؟ قلت لي ما عاوز تعمل حواجز بين بناتك ... هسة مالك عاوز تبني حواجز ؟؟ اشمعنى دي يعني ؟؟ ولا عشان هي حبيبة القلب ؟؟ ولا يمكن قايلها حتجيب ليك الولد الساكيهو عمرك كلو ؟؟ خلاص من هسة كتفك مال يا حامد ؟؟ ما كنت عامل فيها رب العدل بيني وبين العجوز الشمطاء ديك؟؟
اتى رد حامد سريعا .. بارداً .. حاسماً ...
- علي الطلاق بالتلاتة يا نعمات ... اسمع منك كلمة زيادة في الموضوع دة .. الليلة تبيتي في بيت ابوك ..
يومها ظلت نعمات تبكي حتى الفجر ... كانت المرة الاولى في حياتهما معا التي يقسم فيها حامد بالطلاق ... المرة الاولى التي تدرك فيها نعمات انها قد وطأت المنطقة المحرمة في اعماق زوجها...
وصلت اميرة الى الباب الذي يربط المنزل الصغير بالبيت الكبير .. فوجئت به مغلقا من الجهة الاخرى .. لحظتها تاكدت من وجود نادية بالداخل فهي الوحيدة التي تملك الشجاعة لدخول المكان واغلاق ابوابه عليها ... نظرت حولها لترى ان كان هناك من يستطيع مساعدتها في فتح الباب ... لكن على مدّ بصرها لم تجد احداً ... كان الكل قد خرج الى الحفلة التي ارتفعت حماستها الى اقصى درجة ... استدارت وعادت ادراجها .. خرجت مرة اخرى الى الصيوان الصاخب وهي تبحث بنظراتها على امل ان تلمح شقيقتها .. فرجوعها الى امها بدون صحبة اختيها سوف يعرضها الى غضبها وربما عقاب جماعي قد تطول فترته .. التقت عيناها بعيني والدها الجالس بهيبة في صدر المكان متلفحاً بعبائته الداكنة وعصاه الابنوسية السوداء المطعمة بالعاج والفضة ونظراته السارحة التي كانت تعبرها الى مكان لا مرئي ... كانت عيناه تتموجان باطياف الالوان التي تعكس تفكيره نظرت اليه اميرة بحب وفخر وهي تفكر كم تتمنى ان تتزوج رجلا مثله ...
افاقت من سرحانها على صوت زغرودة عالية فتحركت من مكانها وبدات تشق طريقها الى خارج الصيوان ... استجمعت شجاعتها وانعطفت في الزقاق الضيق حيث يوجد الباب الخارجي لبيت زوجة ابيها الراحلة ..احست برعشة باردة تعبر عمودها الفقري وهي تبحث باصابعها عن السلك الصغير الموصول بالقفل ... شدته بكل قواها حتى سمعت صوت انسحابه من مكانه .. دفعت الباب بحذر وهي تتعوذ وتقرا القرآن بصوت مسموع ... قطعت المساحة الصغيرة التي تفصل الباب من المبنى الانيق بخطوات مهتزة وهي تركز نظراتها على الضوء الخافت المنبعث من داخل المنزل .. كانت تهمس بانزعاج ..
- " الله ينعلك يا نادية .. انا ما بتجيني من وراك الا المشاكل .. بس اموت واعرف انتي البيجيبك البيت المخيف دة شنو .. وبالليل كمان ؟؟ ... والله الليلة الا اخوفك واقطع قلبك عشان تاني تتوبي ما تجي هنا " ...
خلعت حذائها العالي حتى لا يصدر صوتا ينبه شقيقتها لحضورها ..حاولت فتح الباب لكنه كان موصدا من الداخل .. وقفت حائرة وهي تحاول استراق النظر من خلف الستائر الشفافة المسدلة ... الضؤ الخافت المنبعث من غرفة نوم والدها اكد لها وجود نادية بالداخل .. فهي اعتادت الحضور هنا ايام امتحاناتها حتى تتجنب ضوضاء البيت الكبير .. كانت احيانا تاتي معها بعد الحاح شديد ... ثم تذكرت المخبا السري للمفتاح الاحتياطي الذي تخبئه شقيقتها تحت قطعة السجاد الصغيرة المحاذية للمدخل .. احست بانتصار عندما دست يدها واخرجته وهي تبتسم بشقاوة لفكرة اخافة نادية ... دست المفتاح في القفل وادارته ببطء شديد .. فتحت الباب بهدوء وتسللت على اطراف اصابعها الحافية وهي تحاذر ان تصدر صوتا ... كانت الصالة الواسعة مفروشة بذوق مترف ... وتضارب لون الطلاء الفاتح مع الاثاث الغامق والديكور الناعم مشكلا لوحة مريحة للنظر .. انتشرت رائحة البخور واختلطت مع رائحة النباتات الطبيعية التي ملات الاركان ... كان الجو العام للمنزل يوحي بان صاحبته قد غابت عنه لمدة قصيرة .. وانها ستعود لا محالة ... فكرة مقابلة شبح زوجة ابيها جعلت اميرة تسرع الخطى تجاه غرفة النوم ..كان الباب موارباً فمدت راسها وهي تتهيا لاطلاق الاصوات المخيفة حتى تفزع نادية النائمة .
كان اول ما وقع عليه بصرها شبح عملاق بلون الليل يلمع جسده العاري تحت الاضواء الصفراء الخافتة مغطيا جسد شقيقتها التي تصدر اصواتا مخنوقة .. متقطعة ... مرتعدة .. وجسدها العاري يتلوى باحتجاج على حمله الثقيل ...
لابد وانه احد الاشباح التي تسكن المنزل قد هاجم نادية اثناء نومها ... اطلقت اميرة صرخة مدوية وهي تقذف حذائها تجاه الشبح وتقرا آية الكرسي بصوت مرتفع ... تبعت صرختها صرخات اخرى من الشبح الذي اصابه الحذاء بضربة قوية في ظهره فافلت نادية التي صرخت دهشة وفزعاً ... ثم تجمد الجميع وهم يتبادلون النظرات ...
كانت اميرة ترتعش كعود قصب ضعيف وسط ريح هائج ... عيناها تدوران بخوف وهي تبحث عن أي شئ يعينها في الهجوم على هذا المارد الاسود بينما لم يتوقف لسانها عن قراءة القرآن وهي تتمنى ان يتبخر في أي لحظة ... سكن جسد نادية عن الحركة ..واصبح يشبه احد التماثيل الاغريقية الماجنة عارياً مبتلاً .. معبراً عن حالة الشبق التي عاشتها ببراعة تعجز عن وصفها الكلمات ..اما جسد العملاق فقد بدا يتلوى الماً وهو يمد يده خلف ظهره محاولا وقف نزيف الدم الذي تسبب به كعب الحذاء الرفيع عندما اغرز فيه
تحركت اميرة بسرعة استمدتها من خوفها على شقيقتها فسحبت المقعد الصغير امام المرآة في محاولة يائسة لتخليص نادية المستسلمة لسيطرة الجني الذي رفع يده محاولا تفادي الضربة القادمة ...عندها صرخت نادية ...
- اميرة اقيفي ما تضربيهو ... دة راجلي يا اميرة ... دة راجلي .
توقفت يد اميرة بحملها الثقيل في منتصف المسافة ... التفتت بذهول لتتامل نادية التي كانت تحاول ان تستر جسدها بالاغطية المرمية على طرف السرير وهي تمد بعضها للرجل الذي انزلق ارضاً ليخفي جسده من عيني اميرة اللتين امتلاتا بالدموع وهي تتراجع خلفا بخطوات مترددة بينما نظراتها تدور بحيرة في المشهد الماثل امامها ... كان فستان نادية الزهري قد وضع بحرص على احد الكراسي وفوقه رصت ملابسها الداخلية وتربع فوقها تاج الورد والسلاسل والخواتم وساعة يدها .. وفي الكرسي الاخر وضعت ملابس رجالية بترتيب مشابه ... عادت نظراتها مرة اخرى الى شقيقتها التي كانت ما تزال تبحث عن كلمات ولا تجدها ... هب العملاق من مخبئه بعد ان لف جسده بالشرشف الابيض فبدا وكان الليل والنهار قد تجاورا ..
ظلت اميرة تتراجع ونشيجها يزداد علوا وهي تحاول استيعاب ما يحدث .. واخيرا نطقت نادية التي غطاها الخوف والحرج برداء من الذلة فخرجت كلماتها ضعيفة ومفككة ..
- اميرة ... انا عارفة انتي هسة مصدومة قدر شنو من الشفتيهو ... لكن والله والله والله يا اميرة ( زاهر ) دة راجلي ... انا ما عملت حاجة حرام .. احنا معرسين لينا سنة .. صح هو زواج عرفي لكن زواج ما حاجة تانية .. والورقة عندي في البيت داساها في دولابي .. انا حامشي معاك البيت هسة اوريك ليها ... انا عارفة اني غلطت ... لكن غصبا عني ... انا عاوزاك تسمعيني كويس يا اميرة لانو انتي اقرب زول لي في الدنيا دي واكتر واحدة بتفهمني ... انا وزاهر حبينا بعض من سنة اولى جامعة وكل يوم كان احساسنا ببعض بيكبر لمن بقينا ما قادرين نسيطر عليهو ... كان احسن نعمل شنو ؟؟ نغلط وندخل في الحرام ؟؟ ولا نتزوج حتى لو زواج عرفي ؟؟ حتقولي لي ليه ما مشينا بالدرب العديل وجا طلب يدي من ابوي ؟؟ .. حقول ليك انو ظروف زاهر ما بتسمح ليهو بالدخول في مشروع زواج حاليا لانو لسة طالب وما شغال .. والاهم من دة انا وانتي عارفين امي وابوي وطريقة تفكيرهم في الزواج بزول ما مننا .. مستحيل كانوا حيوافقوا على زاهر حتى لو كان مليونير .. عشان كدة احنا قررنا نتزوج بالطريقة دي لكن دة زواج صحيح يا اميرة ... انا سالت شيخ وقال لي صحيح طالما كان في شهود واشهار .. اصحابنا القريبين لينا ومعايشين قصتنا شهدوا على العقد ... يعني زواج صحيح يا اميرة وانا ما عملت شئ حرام ... يمكن غلط لكن ما حرام ..
انقطعت انفاس نادية من فرط الانفعال وتدافع الكلمات وانخرطت في بكاء عنيف جعل العملاق المتلفح ينتفض من مكانه بسرعة مقتربا منها .. واحاطها بذراعيه بحنان ورقة تتناقض مع مظهره الخشن ... تاملته اميرة من خلال ستار دموعها ... توقفت عند اذنيه الصغيرتين وشعره الاجعد ... ملامحه المصمتة وجسده الاجرد ... التقت نظراتهما وهو يضع مقدمة ذقنه على راس نادية بينما كانت يداه تتخللان شعرها الحريري المنساب خلف ضهرها مربتا عليه في محاولة لتهدئتها ... بدت نظراته قوية متحدية ... منتصرة وتلمع ببريق غريب ...
تابعت اميرة تراجعها حتى وصلت الى باب الغرفة ... التفتت وبدات تركض بقدمين حافيتين ... وعيون عمياء ... لم تدرك كيف استطاعت ان تقطع المسافة بين البيتين دون ان تتهاوى .. عندما وصلت الى الباب الصغير وفتحته .. صفعها الصخب الذي يسيطر على الجهة المقابلة ... احست بدوار فاسندت ظهرها على الحائط البارد ..فقدت الاحساس بكل شئ ... اصبح عقلها صفحة بيضاء الا من ذكرى جسد نادية العاري وهي تتلوى تحت ثقل زاهر .. وكلماتها الجوفاء " زاهر دة راجلي "
جرّت قدميها وهي تحس بملمس العشب المبلل بين اصابعها .. دخلت منزلهم دون ان توصد بابه خلفها ... اتجهت الى غرفتها وهي تسمع صوت بكاء يأتيها متقطعا من غرفة هادية ... أوصدت باب غرفتها من الداخل وارتمت على سريرها وهي تحس بخواء يحتل روحها ويمتص كل شئ داخلها..
وبكره فصل جديد ...........

Abubakr Ibrahim
2nd December 2010, 07:14 AM
الفصل السابع (1)
جلس حامد ود العمدة على الطاولة المربعة وسط مجموعة من معارفه واصدقاؤه وتجار السوق .. كان يحاول ان يركز في احاديثهم عن احوال السوق وغلاء الاسعار والمنافسين والكساد ... ثم ينحرف الكلام ويصبح همسا متآمراً عن النساء والمغامرات السرية فتعلو الضحكات المتخابثة لتخرجه من شروده للحظات قصيرة تدور فيها عيناه بين الحضور فيبستم لاحدهم .. ويرفع يده بتحية مجاملة لآخر ... ثم تعود نظراته دائما الى الطاولة المقابلة له حيث يجلس ابراهيم بنظراته الجائعة وجسده المتوتر ... تأمله حامد طويلاً وهو يحس بالحسرة على الولد الذي لم يكن له يوما ... ابتسم بسخرية متحدياً احاسيسه المتقلبة تجاه من غير له مجرى حياته حتى قبل ان يولد ... لا عجب انه لم يحس يوما تجاهه بابوة ولو كاذبة .. لقد حاول ان يخلق هذا الاحساس لكنه فشل .. حاول ان يجبر نفسه على قبول ابن اخيه كابن له .. لكنه لم يستطع .. كانت اعماقه قد تشبعت برفضه منذ طفولته ... كانت مجرد رؤيته تشعره بالالم والغضب خصوصا عندما يرى الحيرة في عينيه البرئيتين وهما تواجهان صده ونفوره الذي يزداد ضراوة مع كل محاولة يقوم بها ابراهيم للتقرب منه او الحصول على انتباهه وحبه ... كان في اعماقه يحس برغبة عارمة في معاقبة هذا الكائن الصغير الذي اجبره على هجر امونة والزواج بالسرة ...
ظل حامد يتابع نظرات ابراهيم فوجدها مركزة على مجموعة من الصبية الذين شكلوا حلقة متراصة يتبادلون فيها الرقص بحماس .. بدا ان اهتزاز الاجساد اليافعة كان اكبر من قدرة ابن اخيه على التحمل فهب واقفاً وقطع المسافة التي تفصله عن المخرج بخطوات عجولة .. عندما مرّ بجواره لم تفت حامد رؤية قطرات العرق المنحدرة على صدغيه برغم نسمات الهواء الباردة .. ولا لمعات عيونه ونظراته الشبيهة بنظرات صياد يبحث عن فريسة ... ولطمت انفه رائحة عطره النفاذ المخلوط برائحة عرقه لتصنع مزيجا غريباً وخانقاً ... تجاهل حامد الغمزات التي تبادلها ضيوفه عند مرور ابراهيم فاطرق وهو يفكر بغضب ان لا سر يخفى في مجتمع السوق الذي يعشق افراده نبش الصناديق المغلقة وتداول الحكايات الممنوعة ... وتظاهر بعدم ملاحظة ما يدور حوله ... لقد بات خبيرا في التظاهر و علمته تجاربه في الحياة ان يحبس انفعالاته بداخله ولا يبدي منها الا ما يرغب الناس في رؤيته ... منذ متى وهو يتظاهر ؟؟!! لم يعد يدري .. فقد توقف عن العد منذ زمن طويل لم يعد يجدي عد الايام والسنين بعد ان ضاع كل شئ ... بعد ان اصبحت كل الاشياء باهتة ... خاوية .. لا طعم لها ولا لون ولا معنى ... احيانا عندما يجلس وحيدا مع نفسه .. يتشوق لفترة من حياته كان فيها لكل شئ لذته حتى الاحساس بالالم كانت له لذته الغامضة ... وبحركة لا شعورية امتدت يد حامد خلف ظهره تبحث عن الآثار التي خلفها ضرب السوط على جلده يوم زواج ابراهيم شقيقه الذي يكبره بعشر سنوات من السرة ابنه عمهم واجمل فتيات القرية ... كان يومها في الثالثة عشرة من عمره ويخطو على عتبات الرجولة بثقة تعززها ملامحه الوسيمة وحبه لامونة ابنة خالته التي تصغره بعامين .. تعلق بها منذ ولادتها وادمن التواجد في منزل خالته ليلعبا معا ..
كانت طفلة رقيقة ... نحيلة .. وهشة .. عندما تعلمت المشي اصبحت تتبعه كظله وتتعلق باذياله في اصرار ناعم جعله يحس بالمسئولية تجاهها وبرغبة قوية في حمايتها .. وكلما تقدما في العمر زادت احاسيسه عندما اصبح في التاسعة اخبر امه وخالته بانه يريد الزواج بامونة .. تلقتا الخبر بابتسامة عريضة كانت الضوء الاخضر لاحلامه ومشاعره كي تنطلق ... اصبح تعلقه بامونة مثار تندر وسط العائلة ومثار فخر لابنة السابعة التي اصبح حامد الهها في الارض ... كانت مشاعرهما اكبر من اعمارهما الغضة حتى اصبح الجميع يتعامل مع ارتباطهما كانه امر واقع لا محالة .. واصبح اقتران اسميهما يأتي تلقائيا وطبيعيا ...
جعله حبه لها اكثر نضجا من اقرانه فاصبح يتصرف كالرجال وهو ما زال في طور الطفولة .. لذلك اصر ان يشارك في " البطان " يوم عرس ابراهيم .. وعندما رفض شقيقه بحجة صغر سنه وخوفه من عدم تحمله لضربات السوط القاسية .. هدده حامد بمقاطعة العرس فوافق ابراهيم على مضض .. كان السبب الوحيد وراء رغبته المتقدة بالخضوع لهذا الطقس المؤلم هو ان تراه امونة وسط الرجال وان تفخر به.. يومها كشف عن ظهره بشجاعة ووقف ثابتاً بينما ضربات السوط تحفر بعمق في لحمه الطري ... امتلات خياشيمه برائحة الدماء لكنه لم يتزعزع مستعينا على الصمود بزغاريد النساء ونظرات امونة المبهورة به ... يومها كانت المرة الاولى التي يتذوق فيها طعم دموعها ... فبعد ان انتهى دوره واثبت قوة تحمله .. غطى ظهره الدامي واتجه بخطوات ثابتة الى داخل المنزل احس بخطواتها الخائفة تتبعه خلسة خوف العيون المراقبة المنتقدة ... كان الفزع قد احتل مكان الفخر في عينيها الحالمتين ... وعندما دخل غرفته ورفع جلبابه اجهشت بالبكاء وهي ترى خطوط الدم المتقاطعة في ظهره... فنسي حامد الآمه واحتضنها برفق محاولا طمانتها وهو يؤكد لها عدم شعوره بالالم ... لكن كلماته جعلت دموعها تزداد غزارة .. فامسك بوجهها بين يديه .. وقبل عينيها بشفتين وضع فيهما كل ما اختزنه لها من حب وحنان .. بدا له طعم دموعها المالحة كاشهى عصير في الكون كله .. واستكانت الصغيرة بين يدي حبيبها حتى هدا نحيبها .. وعاد اليها خوفها من اكتشاف امرها فطبعت قبلة حانية اعلى كتفه وخرجت مسرعة وهي تتعثر بخجلها ...
لم يستطع النوم على ظهره بارتياح لمدة اسبوع او يزيد .. وكلما اشتد عليه الوجع داواه بذكرى نظرة فخورة وطعم دموع شهي وملمس قبلة حانية ..
مرت الايام كالحلم .. وتسارعت الشهور لتصبح سنين ... كان يوزع وقته بين دراسته ومساعدة والده واخويه في شئون التجارة .. كان يحرص على التفوق في كل شئ من اجل عيني حبيبته وحتى يكون جديرا بها ... استغل تقدمه عليها في مرحلة الدراسة ليقضي معها وقتا اطول بدعوى مساعدتها فيما يستعصى عليها من دروس في الجلسات التي كانت تتم تحت مراقبة صارمة ... استطاع ان يكتسب ثقة الجميع بتصرفاته المسؤولة حتى تخطى حاجز الممنوع المتعارف عليه بحظر اللقاء ... اصر على اداء مهمة تدريسها بجدية تشتكي منها امونة التي تتوق لكلماته الجميلة فينهرها بهمس رقيق ان تنتبه حتى لا تعطي أي كان سبب لحرمانهما من هذا اللقاء .. فتنصاع له بابتسامة تشتت بها تركيزه لفترة طويلة ..
تم الاتفاق بين الاسرتين على ان يتم عقد القرآن ما ان ينتهي حامد من امتحان الشهادة على ان يحدد الزواج بعد حصول امونة على شهادتها .. وعندما حصل حامد على مجموع يؤهله لدخول اعرق الجامعات بالعاصمة زغردت امونة بفرح جرئ .. وبدات تجهز نفسها لعقد القرآن الذي سيتم فور عودة ابراهيم من رحلته الى الخرطوم ... اصيب حامد بالتوتر عندما تاخر شقيقه عن مواعيد حضوره المعتادة .. فقد نفذ صبره ولم يعد يطيق لحظة تاخير واحدة تبعده عن حبيبته ... وحين استقبل الاتصال الذي يبشره فيه ابراهيم بعودته في اليوم التالي .. استاذن والده وتوجه الى بيت خالته ليعلنهم بمواعيد حضورهم في الغد ... سالت دموع امونة عند سماعها البشارة بقرب تحقيق حلمها واختفت من امامه بحياء ... راودته رغبة قوية في تذوق طعم هذه الدموع مرة اخرى لكنه لم يجرؤ على اللحاق بها امام عيون اسرتها المراقبة .. فاكتفى بالقاء التحية بصوت جهوري وخرج وهو يكاد يطير فرحا .. وبدا يحسب الساعات المتبقية التي تفصله عن اليوم الذي قضى نصف عمره بانتظاره
في صبيحة اليوم التالي ذهب الى الحلاق ورتب خصلات شعره الناعم .. حف لحيته وجعلها تستدير باناقة حول حنكه فظهرت الغمازات العميقة على خديه واصبح وجهه الفتّي اشد وسامة واشراقا ... كان قد ورث عن والده طوله الفارع وقوامه النحيل شانه شان اخويه ... بينما اعطته والدته لونها الذهبي الوهاج وعيناها المتموجتان بدرجات البني والعسلي ... في الثامنة عشرة من عمره ... اصبح حامد ود العمدة رجلا فخورا باصله ونسبه ... مليئا بالثقة والحب ... متطلعاً لسعادته القادمة بكل لهفة ...
في ذلك اليوم مارس اعماله الروتينية بذهن شارد .. وعندما ارتفع صوت آذان الظهر قرر ان يعود الى المنزل مباشرة بعد الصلاة حتى يريح اعصابه المتوترة .. لم يكن قد انهى وضؤوه عندما اندفع الصبي الذي يرافق ابراهيم في كل سفراته من مدخل الدكان وقد بدا منهكا ومذعورا ... بعيون دامعة وجسد يرتعش بعنف داخل الجلباب الابيض الملطخ ببقع دم طازجة ... خرجت الكلمات بصعوبة من بين شفتين داميتين ...
- ابوي العمدة ... الحق .. عملنا حادث في السكة وابراهيم شالوهو ودودهو مستشفى شندي ...
وللفصل بقية ................

السني أبوالعزائم
2nd December 2010, 09:12 AM
أعلم أن هذا البوست ليس للمداخلات،،، ولكن،،،
يعجبني هذا المجهود والإلتزام الصامتين

نتابع بإعجاب وتقدير

Abubakr Ibrahim
4th December 2010, 06:45 AM
الفصل السابع (2)
انتشر الخبر كالنار في الهشيم .. اغلقت معظم المحال ابوابها وسرعان ما تكون موكب من السيارات المختلفة التي اذدحمت بركابها ... عند وصولهم الى باب المستشفى تدافع الجميع لمساعدة العمدة الذي خانته قدماه بعد ان اخبره قلبه قبل الطبيب بوفاة ابنه البكر ... وشهد زوار مستشفى شندي على رجال بكوا بحرقة هزت الجدران والارض والبشر ...
كان حامد يعيش حالة من الذهول وعدم التصديق طيلة ايام العزاء التي تمددت مع وصول افواج جديدة من المعزين يوميا من جميع المدن والقرى المجاورة وحتى العاصمة ... مضى قرابة الشهر وتقلصت مساحة الصيوان المنصوب امام بيت العمدة حتى انتقلت الجلسة الى الديوان الكبير واقتصرت على الاقارب والاصدقاء الذين شهدوا في عصر يوم غائم انطلاق صرخات قوية من داخل المنزل جعلت القلوب تقفز توجسا ... تدافع الجميع داخلين ليجدوا زوجة العمدة تسد الباب بجسدها وهي تمتم بفزع ...
- حاج الامين ... الحقنا ... السرة بتولد ..
اصيب الجميع بالدهشة وارتفع صوت العمدة بانزعاج ...
- بتولد ؟؟ كيف تولد هسة ؟؟ هي مش في شهرها السابع ؟؟
في فجر اليوم التالي خرج الكائن الصغير الى العالم ..كان قطعة مجعدة من اللحم الازرق .. امتنع عن الصراخ وظل يتارجح بين الحياة والموت لفترة طويلة قبل ان يختار البقاء لمواساة امه التي احالها الحزن الى شبح صامت ... اصرت على اعطاؤه اسم ابيه الراحل وكانت تحمله طيلة الوقت وتنطق اسمه بحنان مخلوط بالحزن ...
عندما اكمل ابراهيم شهره الثالث بدات الاحداث التي عصفت بحياة حامد ...
اتى عمه والد السرة قبل صلاة العشاء ... جلس على طرف الكرسي متململاً وهو يتنحنح طيلة الوقت كأن شيئا ما علق في حلقه ... بعد الصلاة جلس ملاصقا لاخيه العمدة .. وضع عصاه امامه واتكأ عليها بكلتا يديه .. بدا كلامه بصوت ضعيف متردد ...
- اللمين يا اخوي ... انا جيت اسوق السرة وولدها ...
انتفض الجميع لدى سماع العبارة والتقت نظراتهم المندهشة للحظات قبل ان يستجمع العمدة نفسه ويرد بصوت حاد زاعق ...
- تسوق السرة وولدها ؟؟ تسوقهم وين ؟؟ وليه ؟؟ ...
انكمش الاخ الاصغر من رد فعل شقيقه ورد بخفوت ..
- اسوقهم بيتي يا اخوي ... مش أي مرة بيموت راجلها بترجع بيت ابوها ؟؟ حتى حبسها مفروض يكون في بيت ابوها ... والسرة ما عليها عدة لانها ولدت بعد وفاة ابراهيم الله يرحمه .. وهسة كملت تلاتة شهور معاكم ... والناس بدت ترمي لي في الكلام عن قعدتها هنا .. و ...
هب العمدة واقفاً وضرب بعصاه الارض فقفز جميع من في الغرفة وقوفاً .. خرج صوته هادراً وتبدلت ملامحه بصورة مخيفة ...

- عدة شنو وناس شنو الجاي تكلمني عنهم يا محمد احمد ؟؟ انت جنيت ولا شنو ؟؟ الكلام دة يتقال لمن البت تكون معرسة راجل غريب وقاعدة مع ناس غربا .. لكن السرة قاعدة في بيت عمها ومقطوع لسان أي زول يقول كلمة واحدة في قعدتها هنا .. دة مكانها ومكان ولدها الطبيعي ... وابراهيم لازم يتربى في بيت ابوه وجده مع اعمامه واولاد اعمامه..
ارتفع الصوت الخفيض .. واكتسب حدة غذاها العناد بقوة وتصميم ...
- اللمين انت عارفني ... لو علي انا ما عندي مشكلة بخلي السرة تقعد عندكم انشاء الله لاخر عمرها .. لكن انا وانت عارفين انو دة وضع ما صحيح ... والناس حتاكل لحمي انت اخوي الكبير .. وكلمتك على راسي من فوق بس السرة لازم ترجع بيتي ... لا عرف ولا شرع بيحلل قعادها هنا بعد ما راجلها مات .. والولد حيفضل ولدكم زي ما هو ولدنا ..وبيتي ما بعيد من بيتك وحيكون معاكم الليل والنهار .. تاني في شنو يخليها تقعد هنا ؟؟
اذدادت ثورة العمدة وهزّ صوته جدران البيت بينما اصبحت مفاصله التي تقبض على عصاته بيضاء ومتنشنجة...
- انت يا ولد جاي تعلمني العرف والشرع ؟؟السرة دي انا عمها .. وبله ود عمها و راجل اختها..
كانت ثورة العمدة تزكي نار العناد في قلب شقيقه فاصبحت ردوده اكثر حدة ...
انت نسيت حامد ولا شنو يا اللمين ؟؟ حامد دة ما راجل .. وما محرم للسرة .. وما بيصح تقعد معاهو في بيت واحد ...
فجاة تركزت الانظار على حامد الواقف بجمود يتامل الجميع بدهشة وافكار شاردة ... احس برعشة باردة تعبر جسده عند سماعه لكلمات عمه المتحدية ... بينما ظهرت لمعة استدراك غامضة في عيني العمدة ... عمّ الصمت في الغرفة بعد العبارة الموحية التي تحمل معان لم يفكر فيها احدهم من قبل عاد العمدة الى كرسيه وتبعه الباقون ... اطرق صامتاً لفترة طويلة والجميع يرقبه بتحفز ... عندما رفع راسه كان هناك شبح ابتسامة يراود شفتيه ويحجم ... وعندما تكلم اخيراً كان الهدوء قد عاد الى صوته وملامحه ..
- خلاص يا اخوي ... خلي الموضوع يوم يومين وانشاء الله يكون خير ..ارجع لي بعد بكرة وما حتلقى عندي الا الرد البرضيك ويرضينا كلنا...
ليلتها اصيب حامد بارق منعه من النوم وظل يدور في ارجاء المنزل متحاشياً الاقتراب من الحوش الصغير المفصول عن باقي المكان بجدار قصير حيث ينوم والديه .. ظل النور الاصفر الكئيب مضيئا حتى الفجر .. وعندما هبت الريح حملت اليه اصوات نقاش خافت ارتفع فيه صوت ابيه بينما بدا له صوت امه وكانها تبكي ...
عندما دخل العمدة الديوان مع اذان الفجر فوجئ بوجود حامد بعيونه المتقدة من السهر ... وكانت المرة الاولى في حياته التي يلمح فيها حامد علامات التردد على وجه ابيه وهو يحاول ايجاد الكلمات المناسبة للبدء بحديث ... اقلقه الامر وشعر بانكماش مؤلم في صدره ... انقذ حضور شقيقه الموقف وتهيأ الجميع للصلاة ... عندما همَ حامد بمغادرة المكان استوقفه العمدة بذات الصوت المتردد
- حامد .. ما تمشي .. تعال انا بدورك في كلام .. وانت كمان يا بلة تعال اقعد .
اتت كلمات العمدة مختصرة ومندفعة كأنه يخاف أن تابى الخروج إن ابطاها
- حامد ... انت لازم تعرس السرة ..

وللفصل بقية .......

Abubakr Ibrahim
5th December 2010, 06:52 AM
الفصل السابع (3)
قفز حامد على قدميه ووقف في منتصف المسافة ما بين ابيه والباب ...اتسعت عيناه وتسارعت انفاسه من خلال فمه المفتوح بذهول ..
- قلت شنو يا ابوي ؟؟ انا اعرس السرة ؟؟ اعرس السرة كيف يعني ؟؟ السرة دي ما مرة ابراهيم !! وبعدين انا حعرس امونة .. كيف اعرس السرة وامونة في نفس الوقت ؟؟ امونة ما حترضى .. وانا زاتي ما بقدر ...
اصبحت كلماته متقطعة ومفككة كانها هذيان محموم .. وبدا صوته يرتعش .. ثم انتقلت الرعشة الى كامل جسده ... اقترب منه "بلة " وقاده من ذراعه حتى اجلسه في المقعد القريب وظل واقفا بجانبه وهو يحس بالاشفاق عليه .. لم يكن يستطيع التفوه بكلمة في حضرة ابيه فالتزم الصمت بينما كان العمدة يحاول جاهدا منع امواج العطف ان تغزو عقله .. استجمع ارادته وتكلم بحدة حتى يخفي تردده وضعفه امام حزن ابنه الاصغر ...

- حامد يا ولدي ... احيانا الواجب بيبقى فوق كل شئ ... فوق القلب والمشاعر .. وحتى فوق الصح ... انت لازم تعرس السرة عشان دي الطريقة الوحيدة الممكن نخليها بيها تقعد عندنا هنا ونقدر نربي ولد اخوك وسطنا ... ولا انت عاوزها ترجع بيت ابوها وبكرة تعرس وولد اخوك يريبهو راجل غريب ؟؟ دة اقل شئ نقدر نعملو لابراهيم ( الله يرحمه ) اننا نحافظ على مرتو وولدو .. السرة لسة صغيرة وسمحة .. ومليون زول بيتمناها ... لو رجعت بيت ابوها ما بيبقى لينا حكم عليها ولا نقدر نمنعها من الزواج .. ولو اتزوجت ما بنقدر نقلع منها الولد ... يبقى الحل الوحيد انك تعرسها .. ما في زول غيرك حيحل الموضوع دة ... لو كان بلة معرس أي واحدة تانية غير اختها انا كنت خليتو يعرسها لاني عارف انو امونة حلم حياتك من انت صغير .. عشان كدة ما حقول ليك ما تعرسها بس لازم تعرس السرة بالاول وبعد ما نحسم الموضوع دة نشوف موضوع امونة ... دة قرار نهائي وما عاوز أي نقاش ...وقف حامد مترنحا وقد انحدرت الدموع ساخنة من عينيه .. اتجه الى الباب بخطوات آلية لا حياة فيها ... قبل ان يخرج استدار وخاطب والده بصوت متحشرج ..
- شوف يا ابوي .. مهما قلت وعملت انا ما حخلي امونة عشان السرة ... شوف ليك زول غيري .. اقتلني لو عاوز .. لكن ما تقول لي خلي امونة وعرس السرة ...
وخرج تاركا الغرفة تسبح في جو خانق من الحزن والغضب والتحدي ... يومها قاد سيارة والده بلا هدى كان يسابق الريح وافكاره .. لم يوقفه الا نفاذ الوقود ليجد نفسه في منطقة موحشة لا يوجد فيها غيره والنيل والصحراء التي اعطاها ظهره وجلس ساعات طوال وهو يتامل تضارب قطرات المياه في صفحة النيل المضطرب ... ثم استسلامها لقوة التيار وضغط الاتجاه الواحد ... كانت حركة الدوامات الصغيرة تتمرد على رتابة الانسياب وتتراقص بخبث وهي تبتلع الاعشاب وفروع الاشجار الصغيرة الطافية ... افاق من غيابه على صوت محرك سيارة بدد سكون المكان وهي تقترب منه من خلف الزجاج الاغبش تعرف على ملامح شقيقه القلقة ... كانت الشمس قد بدات رحلتها نحو المغيب بجلال مهيب .. جلس بلة بقربه و ترافقا مراقبة احتضار الضوء بصمت .. هبت نسمة ناعمة لاطفت الوجوه الحزينة المجهدة من عبء الافكار التي تحلق حولها ...
- بعد ان ساد الظلام انسحب بلة بهدوء .. اخرج خرطوش صغير وجالون ملىء بالوقود.. عبأ سيارة شقيقه وادار محركها ثم جلس في سيارته في انتظار حامد الذي غزا صوت المحرك عقله المستكين لصمت الصحراء وهدير الماء .. هب واقفا وتبع سيارة بله عائدين الى الديار ...
اتجه بله الى منزلهم مباشرة .. بينما واصل حامد سيره حتى منزل خالته ليجد ان نبأ إختفاؤه منذ الصباح قد وصل اليهم ... عندما واجه نظرات امونة الجزعة انهارت كل حصون القوة التي كان يحتمي خلفها .. تجاهل كل من حوله .. واتجه اليها .. احتضنها بعنف .. وبكى في صدرها كطفل صغير ... كانت نظرات الحزن والاشفاق تحيط بهما بعد ان انتشر خبر قرار العمدة ... وانفطر قلب الام على ابنتها التي كانت ترى في حامد كل الرجال .. لم تجرؤ على اخبارها بنوايا زوج خالتها ... فقط اخبرتها باختفاء حامد بعد شجار دار بينه وبين ابيه .. وظلت طيلة النهار تراقب الفتاة النحيلة التي جعلها خوفها على حبيبها بركان من القلق يقذف حممه في كل الاتجاهات امتنعت عن الاكل والشرب .. والجلوس .. كلّت قدماها وهي تزرع ارض البيت طولا وعرضا .. تركض بلهفة كلما سمعت صوت الباب يفتح .. وتعود خائبة باكية لتواصل تجوالها القلق ... عندما راته امامها تهاوت فيه واصبح العالم كله متمركزا بين ذراعيه .. سالته بهمس عن سبب اختفاؤه طيلة النهار ... حاول ان يوصل اليها قرار العمدة باسلوب ناعم تستطيع تقبله ... عندما انهى كلماته جاوبه الصمت المطبق ... لقد انهارت امونة وسقطت ارضا فاقدة الوعى ..
رجع حامد الى منزله وهو اكثر تصميما على رفض الزواج المفروض عليه واكثر اصراراً على التمسك بالفتاة التي احبها منذ طفولته ... كانت مواجهة عاصفة بينه وبين الاب المتعنت ... وعندما احس العمدة باصرار حامد على موقفه .. لجأ الى اسلوب التهديد ...
- شوف يا حامد .. كلمة واحدة والله واحد ... لو ما عرست السرة لا انت ولدي ولا انا ابوك .. واتبرا منك ليوم القيامة ..

- ابوي .. انت ما هاميك كمية الناس الحيتظلموا في الموضوع دة ؟؟!! انت ما حتظلمني انا وامونة بس .. حتى السرة حتظلمها لانها طول عمرها بتتعامل معاي زي اخوها الصغير ... انت نسيت فرق العمر البيننا ؟؟ نسيت انو السرة اكبر مني بسبعة سنين ؟؟ نسيتها حبت ابراهيم قدر شنو ؟؟ انت منو القال ليك انها عاوزة تعرس تاني بعد ابراهيم سواء انا ولا أي زول تاني ؟؟ انت ما قادر تحس بيها حزينة قدر شنو ؟؟ خليها على الاقل تعيش حزنها بصورة طبيعية بدون ما تحاول انت وعمي تختزلوهو ليها بسبب افكار ما عندها معنى ... ابوي انا عمري ما عصيتك ولا غضبتك ... طول عمري جاي على طوعك وباعمل أي حاجة بتامرني بيها .. ولا مرة في حياتي قلت ليك لا .. لكن المرة دي حقول ليك لا .. لانك عاوز تشيل مني حياتي كلها ... لا يا ابوي ما بعرس السرة ... وبكرة حامشي اعقد على امونة حتى بدون موافقتك ... ولو اتبريت مني زي ما بتقول .. ما بتفرق معاي ... انا ما كنت عاوز غير رضاك عني .. لكن قروشك ما بتهمني .. واسمك حافضل شايلو لغاية ما اخش التراب .. وطول ما انا عايش حتفضل ابوي بالنسبة لي ...
كان رد العمدة صفعة قوية على خد حامد رمته ارضاً .. فقفز بله مذهولاً من تصرف ابيه الذي لم تمتد يده الى ابناؤه حتى اثناء طفولتهم ... وخرجت كلمات العمدة اشد ايلاماً من صفعته ...
- انت يا ولد قايل روحك بقيت زول عشان قريت ليك حبة قراية وعملت فيها متعلم ؟؟!! ولا يمكن متخيل انك بتبقى حاجة بدوني ؟؟ انت من غيري ومن غير اسمي الشايلو دة ما بتسوى عتوت جربان ... عاوز تعملها لي فلسفة فارغة قايلني ما باقدر ارد عليك ؟؟ ظلم وحزن وكلام فاضي ؟؟ انا العدل الوحيد البعرفو انو ولد ولدي يتربى هنا في بيتي وانو مرت ولدي ما تمشي لراجل غريب من بعدو .. بتحب بت خالتك وعاوز تعرسها ؟؟ طيب مالو .. حبها وعرسها زي ما عاوز .. بس بعد ما تعرس السرة ... بت عمك لحمك ودمك الما هاميك ... واقول ليك قول ؟؟ حتعرسها يا حامد ... حتعرسها ورجلك فوق رقبتك .. عليّ الطـلاق بالتلاتـة وتبقى امك حرمانة عليّ ليوم الدين ان ما عرستها .. اها دة آخر كلام عندي .. وشـوف انت يا راجل يا كبير يا متعلم يا فاهـم شـن قولك وشن بتسوي ؟؟
لف العمدة عبائته حول جسده بعصبية واندفع خارجاً تاركاً خلفه صدى دقات عصاته وهي تحفر الارض غضباً .. انهار حامد على اقرب كرسي وهو يحس كانه حيوان محاصر من كل الجهات ... لقد حمله والده اقصى مما يستطيع .. زواجه من امونة مقابل طلاق امه ...يا لها من معادلة !! وياله من اختبار !! .. سيطر التوتر والغضب على اجواء المنزل كاتما انفاس كل المقيمين فيه ..
اصبحت السرة كالشبح متسربلة بحزنها وصمتها الا من دموع لا تنقطع كتعبير عن رفضها الذي لم تستطع المجاهرة به خوفا من غضب ابيها وعمها ..
بينما اعتصمت الام المنكسرة من يمين الطلاق الذي يحوم حول راسها وهي تتقطع حيرة بين رغبتها في سعادة ولدها وابنة شقيقتها .. وبين خوفها من فضيحة الطلاق في هذا العمر ...
اما بله فقد تقبل كل ما حوله بخنوع كما اعتاد ان يفعل مع كل اوامر العمدة .. وان تنازعته الشفقة والتعاطف مع شقيقه الاصغر ...
وللفصل بقية ........

Abubakr Ibrahim
6th December 2010, 06:50 AM
الفصل السابع (4)
تسلح حامد المتمرد على قرارات العمدة بحبه لامونة وتقدم الى زوج خالته طالبا يد حبيبته .. وعاد خائبا عندما رفض والد امونة طلبه بصرامة وكبرياء واعلنه بانه لن يزوج ابنته لرجل ياتيه وحيدا بلا اهله .. ومنعه من العودة مرة اخرى او محاولة رؤية امونة والتحدث معها .. ضاقت به الدنيا فهجر المنزل واصبح يهيم على وجهه بلا هدى .. تساوى ليله مع نهاره وبدات خطواته تقوده الى الشوراع الخلفية للقرية حيث بائعات الخمور اللاتي يمارسن تجارهن سراً ... اصبح زبون دائم لهن .. ووجد في الخمر وسيلة فعالة لالغاء عقله ونسيان همومه ... بعد اسبوعين من الشراب المتواصل انهار جسده الذي لم يعتد على الخمر .. ووقع على عتبة احدى البيوت .. كان الجميع يعرف من هو .. ووصل الخبر الى اهله لياتي بله مسرعا وحمل الجسد الهزيل الى المستشفى ...
احتاج الاطباء فترة طويلة لاخراج آثار الكحول من جسده
وقبل اليوم المحدد لخروجه من المستشفى سمع بله الذي كان يرافقه طرقات واهنة على باب الغرفة ... عندما فتح الباب فوجئ بامونة تقف امامه باعياء تسندها امها .. وخلفهم زوج خالته بقامته الضخمة تعلو وجهه نظرة غاضبة الجمته الدهشة من حضورهم في هذا الوقت .. كانت الساعة قد اقتربت من العاشرة مساء وساد الهدوء ممرات وغرف المستشفى بعد ان خلد معظم المرضى ومرافقيهم للنوم .. جمود حركة بلة امام الباب دفعت حامد لسؤاله بصوت مبحوح ..
- في شنو يا بله ؟؟ منو في الباب ؟؟
عندما سمعت امونة صوت حامد ازاحت شقيقه المندهش عن طريقها واتجهت نحو مصدر الصوت بلهفة .. وتبعها الجميع .. حاول حامد ان ينهض من رقدته لكنها اسرعت واعادته الى مكانه .. جلست في الكرسي المواجه له دون ان تتكلم ... تبادلا نظرة طويلة ... انغرزت عيونهما داخل بعضها البعض وسالت دموعهما حارقة .. بدت امونة ابنة الستة عشر ربيعاً كانها امراة في العشرين بعد ان اكسب الحزن ملامحها نضوجاً وعمقاً بينما بدا قوامها اكثر نحولاً خلف الثوب ... ارتسمت دوائر سوداء حول عينيها الغائرتين .. كانت تحاول ان تخفي رعشة يديها بوضعهما تحت ثوبها ... عندما نطقت .. خرج صوتها ضعيفا .. ناعما..
- سلامتك يا حامد ... دة شنو السويتو في نفسك دة ؟؟ ليه عملت كدة ؟؟ انت ما عارف انا حالتي كانت شنو الفترة الفاتت دي كلها ... كنت بموت كل يوم الف مرة وانا بسمع عن مشيك لبيوت الشراب ومبيتك برة البيت ووقيعك في الشوارع .. حرام عليك يا حامد والله حرام عليك ..

وانخرطت في بكاء مكتوم أدمى قلوب الحاضرين .. تحامل حامد على نفسه ورفع ظهره وهو يحاول الوصول اليها .. خذله جسده الضعيف فارتمى على السرير وهو يطلق آهة الم .. كان ينطق اسمها بلا انقطاع ... يضغط على كل حرف من حروفه ... وغرقت الغرفة في حزن عميق لم يستطع بله تحمله فخرج مسرعا وهو يمسح دموعه خلسة ..
رفعت امونة راسا والتفتت الى والديها .. خاطبتهما برجاء ...
- ابوي سوق امي وانتظروني برة شوية ... عندي كلام عاوزة اقوله لحامد .. ما بتاخر..
تردد الاب في قبول طلب ابنته .. لكن الام العالمة ببواطن الامور امسكت بذراعه وقادته خارجا واغلقت الباب بهدوء .. مدت امونة يدها المرتعشة وقبضت بقوة على يد حامد المتهاوية على جانب السرير .. فتح عينيه على اتساعهما عندما احس بلمستها السحرية التي ظن انه قد حرم منها الى الابد تسارعت انفاسه حتى اختلط شهيقه بزفيره .. انتفض جسده بعنف .. لم تكن امونة احسن حالا منه لكنها لملمت حواسها وبدات تحدثه بصوت خفيض وثابت ...
- حامد ... اسمعني كويس ... وافهم كلامي الحقولو ليك ... انت ما محتاج اوريك انت شنو بالنسبة لي ولا اوصف ليك مشاعري لانو الجواي جواك .. والشئ البينا اكبر بكتير من أي كلام ممكن اقوله ... انا عمري ما اتخيلت في يوم من الايام اني حاكون لانسان غيرك .. ولا انك ممكن تتزوج واحدة تانية غيري لاني اتعلمت الحب على ايدك وعاوزاك تتاكد من حاجة مهمة شديد .. طول ما انا حية مافي راجل في الدنيا دي حيقدر يحتل مكانتك جواي ...
كان صوتها يزداد خفوتاً ويقل ثباته كلما تكلمت اكثر ... بينما اذدادت قوة قبضتها وما ترسله لكفه من احاسيس ...
- حامد .. انا عاوزاك تسمع كلام عمي العمدة وتعرس السرة ...
صدرت منه شهقة الم وعدم تصديق عندما سمع جملتها .. حاول ان يتكلم لكنها قاطعته بلهجة اقرب للبكاء ...
- انا عارفة اني السبب في كل البيحصل ليك ... عارفة انو تمسكك بي هو الوصلك للانت فيهو هسة ده ...
حاول مقاطعتها لينفي عنها التهمة لكنها وضعت اصابع يدها الحرة على فمه لتسكته .. فاغمض عينيه واستسلم لهذه الهبة وبدات شفتاه ترسلان الاف الرسائل السرية لاطراف الانامل الرقيقة .. ارتعشت امونة وبدات دموعها تسيل مرة اخرى من فرط الاحسايس التي غمرتها ..حاولت ان تسحب يدها لكنه قبض عليها بقوة وابقاها في مكانها ..
- حامد ... انا اهون علي اشوفك معرس واحدة تانية من اني اشوفك بتدمر نفسم بالصورة دي ... اهون علي انك تعرس السرة من انو ابوك يتبرا منك ويطلق خالتي ... احنا خلاص ارتباطنا بقى مستحيل .. عمي ما حيوافق .. وابوي ما حيوافق بدون موافقة عمي يبقى ربنا ما اراد نكون مع لبعض .. ومافي داعي ناس تانيين احنا بنحبهم يتعاقبوا بسببنا ... حامد لو بتحبني صحي صحي عرس السرة .. وخليك متاكد ومقتنع انو البيني وبينك لو عرست نسوان الدنيا كلهم ما بيتاثر ولا بتغير ولا بنتهي الا بالموت لازم تعرف انك جواي زي دمي الجاري في عروقي .. زي نفسّي الطالع ونازل في صدري وزي دقات قلبي .. يعني طول ما انا عايشة في الدنيا دي انت حتفضل جواي وانا عارفة اني جواك بنفس المستوى ... لكن مرات القدر ببقى اقوى مننا .. والانسان الغبي بس هو البتحدى القدر .. وافق يا حامد وعرس السرة .. وافق عشان خاطري وبرضاي .. وافق لو بتحبني .. دي رغبتي وعاوزاك تنفذها لي .. انت عمرك ما رفضت لي طلب .. ودة آخر طلب حطلبو منك ... نفذ لي طلبي يا حامد ..
اجهشت امونة بالبكاء ... وبكى حامد لبكائها .. للحلم الذي تبدد ... للالم القادم حتى آخر العمر نظر اليها من خلف دموعه بحسرة ودهشة من النضج الذي اعتراها في فترة وجيزة .. من الحكمة التي تتكلم بها .. احس بالفخر لقوتها في مواجهة ضعفه ...اصبح حزنه غمامة سوداء تغطي افق حياته لان هذه المراة لن تكون له .. سوف يفقدها الى الابد ... عندما خرجت امونة من الغرفة بدت شاحبة كالاموات .. لكن كلماتها خرجت واضحة ...
- خلاص حامد وافق يعرس السرة ... بشَر ابوك يا بله ... قول ليهو امونة بتقول ليك مبروك ..

اعطتهم ظهرها وبدات تمشي بخطوات آلية لا حياة فيها ...
" ابشر يا ود العمدة ... ابشر بالخير " ...
رفع حامد يده وتجاوب تلقائيا مع العبارة .. ثم هب واقفاً عندما وجد نفسه محاطاً بحفيدته وزوجها وثلة من اهله .. احس بيد احدهم تندس تحت ذراعه وتقوده تجاه حلبة الرقص المزدحمة .. ترك نفسه تنساب مع تيار البشر .. رفع عصاه الى اعلى في رقصة وقورة افسح لها الجميع المجال حتى اصبح وسط دائرة هو مركزها .. كان الجميع يتابع حركاته الرشيقة بتصفيق متحمس ..
في ركنها البعيد جلست السرة تراقبه ..كانت الوحيدة التي تدرك بان الفرح ليس جزءا من هذه الحركات ... الوحيدة التي تعلم مدى الحزن الذي يتلبس هذه الرقصة ... دمعت عيناها عندما التقتا في صدفة خاطفة بعيني زوجها اللتان عكستا رهق روحه وعذابها ..
نهضت ببطء وهي ترمي بحملها على ظهر الكرسي الذي ناء بثقله وكاد ينكفئ بها ... امتدت يد قوية ودعمت الكرسي بينما احاطت بها الاخرى ...
- اقيفي يا خالتي .. انا حاسندك لغاية ما تدخلي ..
ابتسمت السرة في وجه عمار ابن شقيقتها بحنان امومي جعلها تتذكر ابراهيم .. الذكرى الحية من حبيب عمرها .. ولدها المتباعد عنها حتى يخيل اليها احيانا انه يبغضها ... احست بالاسى يعتصر قلبها وهي تتمنى لو كانت يده هي التي تسندها وتقودها .. بدات تمشي بخطوات متئدة وهي تتمتم بالحمد لان ابراهيم لم يعش ليراه في هذه الحال .. ثم تنهدت بعمق وهي تفكر ...ربما لو عاش والده لما وصل ابدا الى ما هو عليه الان ...
ظهرت رجاء فجاة امامها بوجهها المبتسم ...
- شاردة وين يا ام ابراهيم ؟؟ ... لسة الحفلة في بدايتها ... اوعي تقولي لي حتنومي من دلوقت ...
ابتسمت السرة في وجه رجاء التي تحبها كإحدى بناتها ..
- انتي الوين يا ولية ؟؟ انا من بداية الحفلة بافتش عليك ... يعني لا شفتك باركتي لرحمة ولا رقصتي مع بلقيس .. ووين التومات وجمال ؟؟
اجابتها رجاء بصوتها الجرسي وابتسامتها الراقصة ..
- البت مقصوفة الرقبة جانيت ما جات .. قالت عندها دروس حتقدمها في الكنيسة بكرة ولازم تحضر ليها من الليلة ... هسة انا ماشة اودي ليها العشا وراجعة .. لكن جاكلين مهيصة مع منال في نص حلبة الرقيص .. وجمال واقف في توزيع العشا ... اسمعي يا السرة ... عليك الله ما تنومي انا بس حامشي البيت خمسة دقائق وارجع .. انتي عارفاني ما عندي كبير غرض في الحفلات بجي اقعد معاك جوة ونتونس ...
كان عمار ينتظر بصبر انتهاء حديث خالته مع جارتها .. انه يحبها مثل امه وهي تعامله بحنان لا يقل عن حنان امه .. كان يعتمد على رصيد على هذا الحب عندما يفاتحها برغبته في الزواج من ابنة ضرتها ... دق قلبه دقات سريعة متتابعة عندما تذكر اميرة بوجهها الفتان وقوامها البديع وهاتين الغمازتين اللتين تفقدانه صوابه ويشعر برغبة في لمسهما كلما رآها .. استفاق من افكاره على يد خالته وهي تربت علي كتفه ..
- يلا يا عمار دخلني جوة .. ولا اقول ليك خلاص اهي ديك بدرية جاية وبتوصلني .. ارجع انت للحفلة ...
تهللت اسارير بدرية عندما رأت عمار .. شدت فستانها حول جسدها ورفعت يدها تتحسس تسريحة شعرها ... يجب ان يراها ابن خالتها في اجمل هيئة ... تمايلت في مشيتها وبرز صدرها العارم امامها وهي تتقدم بخطوات ضيقة .. تاملتها السرة بتمعن وهي ترى فيها نسخة عنها عندما كانت بعمرها حتى نظرات الوله التي تملا وجهها عندما تنظر لعمار ذكرتها بنظراتها لابراهيم ... احست بفرحة تتسلل الى قلبها وهي تفكر بان ابنتها مغرمة بابن خالتها ... ليس هناك من يستحق بدرية اكثر منه ... وسوف يكون زواجهما صورة اخرى من زواجها بابراهيم ... سوف تنتظر اللحظة التي يفاتحها فيها عمار برغبته في الزواج من بدرية بفارغ الصبر .
وللرواية بقية ....................

Abubakr Ibrahim
11th December 2010, 07:01 AM
الفصل الثامن
فتحت رجاء باب بيتها الصغير ودلفت الى الداخل وهي تحمل طبق الطعام لابنتها العنيدة التي رفضت حضور الحفل وفضلت البقاء وحيدة في المنزل ...كانت يدها تمتد الى ازرار الاضاءة تلقائيا وهي تشق طريقها الى الداخل وتتمتم ...
- بسم الصليب ... يا يسوع ... يا عدرا يا ام النور ...
ثم رفعت صوتها منادية ..
- يا بت يا جانيت انتي قاعدة في الضلمة ليه ؟؟!! ...
اتاها صوت ابنتها من داخل غرفتها ...
- انا هنا يا ماما ...
دخلت رجاء وهي تحمل ابتسامتها الحانية وبلهجة عاتبة خاطبت ابنتها ..
- جانيت انتي لسة ما خلصتي تحضير الدرس بتاعك ؟؟ يا بتي ما تستهدي بالله وتقومي تلبسي وتمشي معاي .. خالتك السرة بتسال عليك ...
ردت الابنة بعناد ..
- خلصت لكن ما حامشي .. وخالتي السرة كفاية عليها انتي وخالو وجمال وجاكلين .. انا عاوزين بي شنو ؟؟ ..
وضعت رجاء طبق الطعام على طرف الطاولة .. اختفت ابتسامتها .. تاملت ابنتها بغيظ .. سحبت الكرسي من تحت المكتبة الصغيرة المحملة بكتب جاكلين وجلست...
- في شنو يا جانيت ؟؟ انتي مالك يا بتي معقدة الدنيا كدة ؟؟ ليه ما تبقي زي اختك واخوك وتتعاملي مع الحياة ببساطة ؟؟ ..
قاطعتها جانيت بثورة غير متوقعة ...
- قصدك يا ماما اكون سبهللية وماشية في حياتي كدة ساكت بدون التزام ؟؟
فوجئت رجاء برد ابنتها ونهرتها بحدة ..
- جانيت !! احفظي ادبك يا بت .. انتي قايلة روحك كبرتي خلاص وممكن تكلميني بالصورة دي ؟؟ والله لو ما احترمتي نفسك لاضربك بالشبشب لمن روحك تطلع في ايدي .. كيف تقولي على اخوانك سبهللية وما ملتزمين ؟؟ اخوك ما شاء الله عليهو في الامتياز ومتفوق من اول سنة .. ادبه واخلاقه بيحكوا بيها الناس .. واختك كمان دخلت الطب من غير ما تتعبني ولا تكلفني قرش احمر .. وريني شنو السبهللية الهم عاملينها ولا عدم الالتزام في شنو ؟؟!! ...
- قصدك شنو يا ماما بكلامك دة ؟؟؟ انتي بتعايريني عشان ما دخلت جامعة زيهم ؟؟ يعني غلطتي اني ما طلعت شاطرة زي باقي اولادك ؟؟
- يا بت يا مجنونة في ام بتعاير بتها ؟؟ يشهد ربنا انا كنت باتمنى اشوفك زيهم واحسن منهم كمان ... انتي براكي الرفضتي تواصلي ... قلنا ليك عيدي السنة عشان تجيبي مجموع كويس يدخلك الكلية الانتي عاوزاها قلتي لا ما عاوزة واصريتي تشتغلي بشهادة الثانوي ...وعشان ما تزعلي سقتك ومشيت لقسيس نجيب وهو ما قصر جاب ليك وظيفة كويسة بمرتب حلو ... لكن انا ما كنت عاوزاك تشتغلي ... واتمنيت اشوفك تدخلي الجامعة زيك زي اخوانك ... وقلت ليك احنا ما محتاجين لمرتبك ... شغلي وشغل خالك مكفينا وزيادة ...
- يا ماما افهميني .. انا ما عاوزة ادخل الجامعة .. ما عندي رغبة فيها ... انا عاوزة اكرس نفسي للكنيسة وبس .. ومن زمان اتمنيت اخش الدير وابقى راهبة .. لكن عشان عارفاك ما حتوافقي اشتغلت في الكنيسة .. شغلي دة هو الشئ الفيهو الفايدة مش زي ولدك وبتك المباريين المسلمين وناسيين الكنيسة خالص ..... ما بيمشوها الا في الاعياد والاعراس .. هي دي السبهللية وعدم الالتزام الانا باقول ليك عليهو يا ماما ... جاكلين وجمال عاملين لي احراج شديد في مجتمع الكنيسة لا بيحضروا القداس ولا الصلاة ولا الاجتماعات ولا بيشتركوا في النشاطات ... وزيادة على كدة بيقولوا حتى في الجامعة مصاحبين المسلمين وبيمشوا معاهم وخالص ما مختلطين بجماعتنا ... بتك ما بتحلف بيسوع والعدرا قدر ما بتحلف بالنبي والرسول ... وولدك لمن يمشي عزا مسلمين بشيل الفاتحة .. باقي شنو تاني يا ماما ؟؟ .. ديل شوية كدة ويبقوا مسلمين وانتي ولا انتي هنا
نظرت رجاء الى ابنتها بدهشة حقيقية .. كانت كأنها تراها للمرة الاولى .. ظلت فترة طويلة صامتة وهي تتامل وجهها المضرج بحمرة الانفعال وانفاسها اللاهثة وحركات يديها العصبية المتوترة ...
- يا يسوع يا جانيت !! انتي معبية قدر دة يا بتي ؟؟ جبتي التعصب دة من وين ؟؟ اياكي تقولي من الكنيسة ولا من تعاليم المسيح .. لانو تعاليم ديننا كلها تسامح ومحبة وسلام .. ويسوع كان بيتعايش بكل سلام حتى مع اليهود الما لقى منهم غير الاذية ... جاية انتي تقولي لي مسلمين ومسيحيين ؟؟ المسلمين ديل بقوا زي الاهل واحد .. اتربينا معاهم شاركناهم اعيادهم وافراحهم واحزانهم زي ما هم شاركونا كل حاجاتنا .. ... طول عمرنا حلوين مع بعض ..كل زول محترم دين التاني وما بنتعدى على بعض ... لكن الليلة انتي بكلامك دة جد خوفتيني ... شنو الضلمة الجواك دي يا بت ..جبتي السواد الماليك دة من وين ؟؟ اذا دي الكنيسة البتعلمك كدة انا بكرة حامشي اقابل ابونا واشوف منو البيزرع ليكم الكلام الغريب دة جوة عقولكم ...
نتفضت جانيت من مكانها وهي تصرخ بهستريا ..

- اياك يا ماما تفكري تجي الكنيسة ولا تقابلي ابونا ... انتي كمان عاوزة تفضحيني زي اولادك ؟؟ دة بدل ما تتكلمي معاهم وتعقليهم ؟؟؟ عاوزة تخربي علي في مكان شغلي ؟؟ وحياة المسيح لو عملتيها لاخلي ليكم البيت وامشي اقعد عند اعمامي ...
احست رجاء وكان احدا لطمها على وجهها .. فرفعت راسها وكانت عيناها ممتلئتان بالدموع ...
- تخلي البيت وتمشي عند اعمامك ؟؟!! .. اعمامك ياتهم ؟؟ !! المن يوم ما مات ابوكي ما شفناهم ولا سالوا عننا ؟؟!! بقى هو الموضوع كدة يا جانيت ؟؟ دي افكار اعمامك المتعصبين الفاهمين الدنيا والدين غلط ... بس انا عاوزة اعرف انتي بتلاقيهم وين ؟؟؟ بتمشي ليهم من ورا ضهري ؟؟؟ وبتمشي ليهم ليه ؟؟؟ ديل اتهربوا من مسؤليتكم لمن كنا في اشد الاحتياج ليهم .. هسة بعد ما كبرتوا واتعلمتوا وبقيتوا ناس جايين يعملوا فيها حٌنان معاكم ؟؟ .. وكمان بتهدديني بيهم ؟؟ لعلمك هم ما ليهم أي جميلة عليّ وانا ما خايفة منهم ... وعشان كلامك دة انا بكرة بدري حامشي الكنيسة واقابل ابونا واحكي ليهو عن قلة ادبك وطريقة تفكيرك المعووجة ..
خرجت رجاء من غرفة ابنتها وهي تصفع الباب خلفها بقوة ... كانت قد وصلت الى منتصف الصالة عندما ادركت بانها قد فقدت رغبتها في العودة الى الحفل .. تراجعت الى غرفتها واغلقت بابها باحكام كانها تود ان تضع حاجز بينها وبين افكار ابنتها وكلماتها المؤلمة ... استلقت على سريرها بكامل ملابسها وتركت لدموعها العنان ...
وللرواية بقية ......

Abubakr Ibrahim
12th December 2010, 07:42 AM
الفصل التاسع (1)
جلست " حبيبة " في ركن منعزل من الصيوان الكبير وهي تراقب الحفل بشرود ..كانت ترتدي ثوباً فاخراً ساعدتها نعمات في اختياره .. يداها مليئتان بالحلى الذهبية .. هيئتها ترفل في النعمة وتدل على الثراء ...بينما ارتسمت على ملامحها سمات الفقر ... والجوع ... كان التناقض الذي يلفها واضحاً وملفتاً ... ابتسمت بغموض عندما وقعت عيناها على " فاطمة " ابنتها البكر ذات السبع عشرة ربيعاً وهي ترقص بحماس وسط الدائرة التي تحيط بالعروس ... بدت جميلة بسمرتها الابنوسية وجسدها المخملي اللامع وقد تضارب لونه مع لون فستان الساتان الزهري .. تحايلت على شعرها القصير بتسريحة مبتكرة احاطت بوجهها الجميل الذي مثل ميراثها الوحيد من والدها ... اما هي فقد اورثتها لونها الداكن وشعرها الاكرت وقوامها الممشوق .. وروحها المشبعة بعقدة الدونية ...
دارت عينا حبيبة وهي تبحث عن زوجها الذي وطنت نفسها على تقبله بكل ما فيه من عيوب .. اصيبت بخيبة امل عندما لم تجده وسط الحشود .. وانبأها حدسها بمكانه ... شعرت بغصة تسد حلقها كأن شيئا ما يخنقها .. رفعت يدها الى عنقها وهي تحاول ان تتلمس مجرى الهواء فتصادمت اساورها واصدرت رنينا لفت انتباه بعض النسوة الجالسات على مقربة منها ... نظرن اليها بحقد وتقاربت رؤسهن فعلمت انها ستكون مثار الحديث بين اقارب زوجها اللائي يبغضنها بمجاهرة مستفزة .. لم تعد تشعر بالراحة في مكانها المنعزل فهبت واقفة وبدات تسير على عجل محاولة تفادي المرور بهن وبرغم ذلك سمعت الجملة التي تعمدت احداهن قولها بصوت عال حتى تصل اليها ...
- والله الدنيا دي غريبة جد ... عليكم الله عاينوا التوب وكمية الدهب اللابساهم ؟؟!! ... متضّرعة بيهم زي التقول جايباهم من بيت ابوها ... سبحان المعطي الاداها عزّ عمرها ما كانت تحلم بيهو ... مش كان اولى منها واحدة تستاهلوا ؟؟ الا بس دة الزمن الكعب الخلى ولد القبايل المأصّل المفصّل يعرس الفرخة بت الخادم ... الحمد لله الابوهو مات قبل ما يحضر اليوم دة ولا كان مات حسرة عليهو ...
وتعالت مصمصات الشفاة من بقية الجالسات تعبيرا عن تضامهن مع الكلمات التي كانت تقطر سما زعافا في روح حبيبة ... تجاوزتهن بخطوات مقهورة وقطعت المساحة التي تفصل بقية الحوش عن بيت والديها بعيون غائمة .. اندست خلف سور الاشجار ودفعت الباب الخشبي بنزق ثم دلفت الى الحوش الذي لم تتغير معالمه منذ ان كانت طفلة صغيرة تركض خلف اخويها وابراهيم ... في منتصف الحوش اخذت ثلاث ( عناقريب ) شكل مربع انتزع ضلعه الرابع ... كانت نسمات الهواء تحرك الشراشف الخفيفة برقة فتطير الى اعلى حتى تحجب معالم الجسد النحيل الذي يحتل احدها ثم تهبط الى الاسفل بنعومة لتلامس الارض ... وقفت حبيبة بهدوء وهي تتامل العجوز النائمة بجلدها المجعد وعروقها النافرة ... كان شعرها الاكرت مجدول في ضفائر قصيرة ناصعة البياض بالكاد تصل الى حدود اذنيها ... بدت كالطفلة بيدها التي تحتضن خدها .. طفلة نال منها التعب والمرض والحزن .. همت حبيبة بوضع يدها على راس امها فايقظ صوت تصادم الحلى العينة من نومها الخفيف .. فتحت عينيها لتقعا مباشرة في عيني ابنتها الدامعتين فرفعت راسها بدهشة ...
- حبيبة !! .. الحفلة خلاص انتهت ؟؟ .. مالك عيونك مدمعة ؟؟ انتي كنتي بتبكي ولا شنو ؟؟ اوعي تكوني اتشاكلتي مع نسيبتك ولا زول من اهلها ؟؟ انا مش وصيتك الناس ديل تبعدي منهم ؟؟
كانت الكلمات تخرج من فمها الخالي من الاسنان بنغمة غريبة .. بدأ الانزعاج واضحاً في ملامحها الهرمة ... هزت حبيبة راسها وجلست في العنقريب القصير المواجه لامها وهي تخاطبها بحنو ..
- يمة انتي لسة مصرة تتعبي نفسك وتفرشي التلاتة عناقريب كل يوم ؟؟ .. كفاية عليك تفرشي حقك بس .. ولو كمان رضيتي تجي تقعدي معاي يكون احسن عشان اراعيك اكتر انا طول الوقت قلقانة عليك وانتي قاعدة هنا براك ...
تحاملت العينة على نفسها ورفعت يدها لتسند بها راسها وهي ترتكز على شقها الايمن وتواجه ابنتها...
- يا حبيبة عنقريب ابوك دة بيونسني .. وطول ما هو مفروش انا باحس انو ابوك حي ما مات ... تصدقي يا بتي مرات باصحى نص الليل وباعاين جهته وبتخيل لي انو بخيت راقد فيهو بعراقي الدمورية البيحبه داك .. ومرات باسمع طقطقة خشب العنقريب كانو بيتقلب في نومو .. ومرات بيجيني صوت شخيرو .. ابوك ما خلاني يا حبيبة ..كيفن عاوزاني اخليهو واجي عندك ؟؟ .. بعدين انتي وبناتك طول النهار عندي .. البجيني شنو ؟؟ بخيت حارسني .. واخوك حيرجع قريب .. عشان كدة انا مخلية عنقريبو مفروش .. عشان لمن يجي يلقاهو جاهز ..
اطرقت حبيبة حتى لا ترى امها لمعات دموعها التي تهدد بالسقوط في أي لحظة ... ما زالت العجوز تامل بعودة عبد الرزاق رغم غيابه الذي امتد الى قرابة العشرين عاما بلا خبر او اثر يدل على حياته.. اعتبره الجميع ميتاً الا العينة التي ظلت تردد بعناد ...
- ولدي حي ما مات .. انا قلبي بيحدثني وبيقول انو حي ... قلب الام ما بيكذب ... حيرجع ... لو طال الزمن ولا قصر حيرجع ..بس الله يديني العمر عشان اشوفه تاني قبل ما اموت ...
ظل سبب اختفاؤه الغامض سرا لا يعلمه سوى حبيبة ... وابراهيم ... سر اسود قبيح حملته حبيبة كجرح متقيح ينفث سمومه بداخلها كل يوم ...
استعادت حبيبة ذكرى ليلة شتوية قارسة البرودة ... صوت الريح يعوي بضراوة في الخارج .. تصده الجدران الطينية فيناور ويتسلل من شقوق الابواب والنوافذ الخشبية مشيعاً البرودة في المنزل الصغير محتدياً كومة الفحم التي اشعلتها العينة ووضعتها في ( الكانون ) القصير وغذتها باعواد سميكة من اخشاب الشاف والطلح .. فصمدت الرائحة وانهزمت الجمرات بعد ان تغطت بطبقة كثيفة من الرماد حجب حرارتها .. احتست حبيبة العشرات من كؤوس الشاي الاحمر المخلوط بالقرنفل في محاولة يائسة لمحاربة البرد والنعاس .. لا مجال للنوم فامتحانات سنتها قبل الاخيرة بكلية التربية على الابواب وما زال امامها الكثير لتستذكره .. كانت تجلس في منتصف سريرها محاطة بالكتب والدفاتر بينما تقترب الساعة من الحادية عشر ليلاً... لقد ظلت من المتفوقات منذ ان وطات قدماها ارض الجامعة برغم العوامل المحبطة التي تعيشها .. ارادت الحصول على شهادتها حتى تخرج من اسر الظروف التي تحيط بها ولكي تزرع الفرحة في قلب والديها بعد ان رفض شقيقها الاكبر عبد الستار مواصلة الدراسة وفضل الالتحاق بالجيش ... كانت قد احست بامتلاء مثانتها منذ وقت طويل لكنها تجاهلت الامر حتى تؤجل المشوار الصعب الى دورة المياه في آخر الحوش خوفا من مواجهة البرد والظلام في الخارج ... مع مرور الدقائق اصبح نداء الطبيعة اكثر الحاحاً ولم يعد بامكانها تاجيل المشوار البغيض ... كانت قد سطت على خزانة والدها واستولت على بنطلون قديم ربطته في وسطها تحت الرداء السميك باحدى احزمة عبد الستار .. استعارت جوارب عبد الرزاق المدرسية ودست قدميها في الخف الجلدي ... حملت غطاء سريرها وتدثرت به ثم استجمعت شجاعتها وفتحت الباب المؤدي الى الحوش ...
وللفصل بقية .................

Abubakr Ibrahim
13th December 2010, 06:51 AM
الفصل التاسع (2)
كان القمر بدراً ينعكس نوره على قمم الاشجار ويمدد الظلال المتراقصة على عزف الريح المجنون ... اصطكت اسنان حبيبة عندما صفعها الهواء الثلجي فرفعت الغطاء حتى راسها وامسكته بقوة تحت ذقنها وهي تقطع المسافة عدواً ... اضاءت النور الاصفر الشاحب وهي تتمتم بآيات قرآنية في سرها ثم دخلت ... عندما خرجت كانت تلعن نفسها على شرب هذه الكمية الكبيرة من الشاي ... فوجئت بالسكون الغريب لصوت الريح .. اخافها الصمت فبدات تركض رجوعا عندما تناهت الى سمعها صرخة مكتومة متالمة ... بدا لها الصوت شبيها بصوت شقيقها عبد الرزاق ... تجمدت خوفاً وهي تتساءل ان كانت واهمة لان شقيقها خرج برفقة ابراهيم منذ العصر لزيارة بعض الاصدقاء ... فبعد التحاق عبد الستار بالجيش توطدت العلاقة بين ابراهيم وعبد الرزاق بصورة غريبة واصبحا كالجسد وظله لا يفرقهما الا النوم ... كانت اكثر الناس سعادة بهذه العلاقة التي تتيح لها رؤية ابراهيم كل يوم .. حبيبها الغافل عن مشاعرها نحوه .. لم تستطع لومه على غفلته ... الفارق بينهما يغطي نظره ويحجز احاسيسها عن الوصول اليه ... قد يصادق اخوانها .. لكنه ابدا لن يفكر فيها .. هي بالنسبة اليه فقط حبيبة ابنة بخيت والعينة ...
اتتها الصرخة مرة اخرى مصحوبة باحتجاجات مبهمة حجبها صوت الريح التي استعادت نشاطها وسيطرتها على الجو .. ترددت حبيبة وهي تقدم قدم وتؤخر الاخرى في محاولة لاقناع نفسها بان الاصوات التي تسمعها مجرد خيال .. لكن الريح بين سكونها وهبوبها حملت اليها الاصوات مرة اخرى أكثر وضوحاً .. فحسمت ترددها وبدات تخطو نحو مصدرها ..
كانت تسير بمحاذاة الحائط على اطراف اصابعها .. واستدارت مع الزاوية دون ان تعرف سببا لحذرها ... واجهتها راكوبة القنا المتقاطع التي شيدها عبد الستار منذ زمن بعيد وخصصها مكانا للعب وحفظ حاجياته البسيطة ومن خلال الفتحات المثلثية رات المشهد الذي غيّر حياتها الى الابد ..
كان ابراهيم وعبد الرزاق ملتحمان في رقصة عنيفة ... غامضة ... لم تر من هيكل شقيقها غير يداه المرفوعتان اعلى راسه على الحائط المواجه له وهما تنقبضان وتنبسطان تبعا لحركات ابراهيم المحمومة بينما اختفى بقية جسده الضئيل خلف جسد ابراهيم الفارع الذي بدا غريبا بقميصه القصير وبنطاله الواقع تحت قدميه .. تسببت شهقتها العالية في بتر الرقصة المتناغمة وانفصال الجسدين من التحامهما الحميم ... تسمرت قدماها ولم تستطع الهرب وتفادي المشهد المخزي الذي يدور امامها .. عندما التفت الاثنان برعب وجداها تقف كالتمثال بعيون باكية وفم مفتوح .. برغم البرد القارس كانت قطرات العرق تلمع في جبين ابراهيم وتنحدر ببطء على عنقه وصدره ... بينما بدا عبد الرزاق بسنوات عمره التي تجاوزت العشرين بعدة سنوات كطفل صغير حطم اواني امه المفضلة ... امتلات عيناه الصغيرتان بالدهشة ... والخوف والخجل .. تدلت شفتاه الغليظلتان ببلاهة بينما كانت يداه المرتعشتان تجاهدان لالتقاط بنطاله ووضع حاجز بين نظرات اخته الخاوية وجسده العاري .. باءت محاولته لستر نفسه بالفشل وظل فترة من الزمن يحجل حائرا ... اخيرا حمل بنطاله الملئ بالتراب غطى به موضع خجله وفر هارباً خلف سور الاشجار الذي يفصل بين عالمهم ... وعالم ابراهيم ..
اصبحت المواجهة بينها وبين الرجل الذي احبته بصمت منذ سنوات مراهقتها الاولى ... كانت تنظر اليه دون ان تراه .. لقد غرقت داخل روحها وهي تحس بالصنم الذي بنته له في احاسيسها يتفتت ويتهاوى ويملا اعماقها بتراب نتن .. كان يقابل نظراتها بعيون مفتوحة على اتساعها .. جامدة لا يرف لها جفن .. عيون ميتة لا حياة فيها ... احست بالريح تخترق مساماتها وتتغلغل الى دواخلها وصمّ عوائها اذنيها .. ارتعشت بعنف وسياط دموعها تجلد خديها بحرارة تتحدى البرد الذي استوطنها ... خفض ابراهيم عينيه ورفع بنطاله بهدوء ... غطى صدره المفتوح و تحرك بخطوات ثابتة ... تجاوزها مطرقاً ثم اختفى خلف سور الاشجار يتبعه مزيج غريب وخانق من رائحة عطر نفاذ مخلوطاً برائحة العرق ...
لم تدر كم من الوقت ظلت مسمرة في مكانها .. لقد فقدت الاحساس بالزمان والمكان وكل الاشياء التي تحيط بها ... لذلك اصابتها الدهشة صبيحة اليوم الثاني عندما اكتشفت انها في سريرها ...لم تتذكر كيف ولا متى عادت الى الداخل ..اوهمت نفسها بان ما راته لم يكن حقيقيا ... انه مجرد كابوس مخيف وقد انتهى باستيقاظها ... لكن رائحة ابراهيم ما زالت عالقة بانفها ... نظرات شقيقهاوالاصوات التي سمعتها ... كل هذه الاشياء تؤكد انه لم يكن حلماً .. بل واقع مؤلم ..جارح .. قبيح ..
كانت تلك الليلة آخر مرة ترى فيها عبد الرزاق ... لقد اختفى شقيقها ولم يترك وراءه اثر يقتفى .. كانه لم يكن يوما موجودا ... واصلت الشرطة البحث لفترة طويلة بتشجيع من ود العمدة المشفق على بخيت والعينة .. كان ياتي يوميا للسؤال عنهم يرافقه ابراهيم الذي نفى علمه بمكان صديقه المختفي والعينة تساله كل مرة بالحاح الام المفجوعة ...
- ابراهيم يا ولدي انت متاكد انو ما قال ليك ماشي وين ؟؟ انتو كنتوا اصحاب ما بتتفارقوا وسرو كلو معاك .. ما وراك لو في زول شاكلو من اصحابكم ؟؟ ..
كان يرد عليها بثقة وهو ينفي علمه بمكان عبد الرزاق او اسباب اختفاؤه بينما عيناه تواجهان عيني حبيبة الصامتة بتحدى وحذر ... كانت احيانا تلحظ نظرة متواطئة بين ابراهيم وعبد الستار الذي حضر من ثكنته للمشاركة في البحث عن شقيقه .. كانت نظرة غريبة ..تعبر الفضاء بينهما وهي تطلق شرارات من الحقد والتسامح والكراهية والحب ...مما جعل حبيبة تتساءل عما يدور بينهما ...
مرت الايام .. وتقلصت حدة المرارة الاولى لغياب شقيقها ... تخرجت من الجامعة بتقدير متوسط بعد ان هدم ما حدث رغبتها في التفوق ودافعها للنجاح ... فمنذ تلك الليلة ... فقدت الاشياء بريقها .. انكسرت روحها وتبعثرت احلامها وخيمت على حياتها سحابة رمادية كئيبة .. لقد خنقها السر الاسود الذي تحمله وصبغ عالمها بطعم مالح ... فجيعتها المزدوجة في شقيقها والرجل الذي احبته كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال ... اجبرت نفسها على قبول وظيفة معلمة في المدرسة الثانوية المجاورة لبيتهم حتى تشغل نفسها عن التفكير واستعادة تلك الذكريات التي قلبت عالمها راسا على عقب ...
كانت الذكرى الثانية لاختفاء عبد الرزاق موعداً لانفجار قنبلة اخرى بعثرت ما تبقى من حياتها ... حضر ابراهيم بمفرده وطلب يدها من والدها ... كانت دهشتها اكبر من فرحة العينة وخوف بخيت فرفضته بلا تردد ... برغم ان حبها له لا زال يراود قلبها بين حين وآخر ... الا ان ذكرى الرقصة المخزية التي شهدتها كانت تغمرها بحضورها كلما حاولت نسيانها ... تزيح الحب لتترك قلبها مليئا بالغضب والمراراة ...
جزعت امها لرفضها الفوري المقرون باستهجان رمته في وجه ابراهيم الذي جلس هادئا وهو يحاول طمانة بخيت المتوجس من هذا الطلب وظل يسال بالحاح ...
- ابراهيم يا ولدي .. امك وابوك عارفين انك جاي تخطب حبيبة ؟؟؟ موافقين على الموضوع دة ؟؟ ليه ود العمدة ما كلمني ؟؟ لو كان ناداني انا كنت مشيت ليهو لغاية عندو ...
لحظتها انفجر غضب حبيبة من الذلة الواضحة في ملامح والدها فصاحت ..
- ابوي !! .. كيف يعني تمشي ليهو ؟؟ ولدو عاوز يخطب بتك وانت التمشي ليهو ؟؟ وبعدين لا تمشي ولا يجيك ... انا ما موافقة .. وما عاوزة اعرسك يا ابراهيم .. ولو بقيت آخر راجل في الدنيا دي ما حعرسك ... انسى الموضوع دة تماما وشيلو من راسك ...
نهرها بخيت بفزع ...
- اسكتي يا بت يا قليلة الادب يا عديمة التربية .. معليش يا ابراهيم البت دي غبيانة ساكت وما عارفة بتقول شنو ... والله ود العمدة يناديني الا اجري ليهو حفيان ... دة سيدي وولد سيدي وتاج راسي ولحم اكتافي من خيرو .. وجمايلوا مغرقاني من راسي لرجليني ...
قاطعه ابراهيم وهو يواجه حبيبة بنظرات متحدية ...
- عم بخيت ... اهدا وخلي حبيبة دي عليَ .. انا بعرف كيف اقنعها ... المهم انت وخالتي العينة موافقين ؟؟
همس بخيت بانكسار ...
- عاد يا ابراهيم يا ولدي إنت بتترفض ؟؟ إنت ولد الحسب والنسب ... لكن بس انا عاوز اعرف امك وابوك موافقين ؟؟ ...
رد ابراهيم بلامبالاة ...
- امي وعم حامد عاوزين سعادتي .. والشئ البرضيني لازم يرضيهم ... انا شايف سعادتي ورضاي مع حبيبة ... احنا اتربينا مع بعض وانا باعرف كل حاجة عنها وهي بتعرف كل حاجة عني ...
ضغط على كلماته الاخيرة ونطقها ببطء متعمد وهو يغرز نظراته المتحدية في عمق عينيها
- يعني يا عم بخيت انا ما محتاج افتشكم ولا انتوا حتفتشوني ... وانا ما حالقي احسن من حبيبة وهي ما حتلقى احسن مني .. اها قلتوا شنو ؟؟ ...
ردت العينة بفرحة لم تستطع اخفاءها ..
- بالحيل يا ولدي .. حبيبة ما بتلقى احسن منك ..
صدرت صرخة غيظ وتمرد من حبيبة الغاضبة التي رمقت الجميع بحدة ثم اعطتهم ظهرها وغادرت الغرفة على عجل ..
وللفصل بقية .....

الطيب شيقوق
13th December 2010, 07:37 AM
كيفك استاذ ابو بكر

حاولت اتصفح هذا البوست - بالجد وجدته ممتع وبه ابداع في صناعة الرواية بس كتير وعايز طولة بال

Abubakr Ibrahim
14th December 2010, 06:54 AM
الفصل التاسع (3)
في اليوم التالي لزيارته فوجئت به واقفا امام باب المدرسة حيث تعمل .. كان متكئا على سيارته باهمال وهو يلهو بسيجارته بين اصابعه متجاهلاً نظرات الاعجاب الموجهة اليه من الطالبات المفتونات بوسامته وسيارته الفارهة ... تبادلا نظرة طويلة قبل ان يرمي بعقب السيجارة ويسحقه بقدمه وهو يتجه اليها .. تكلمت معه عبر اسنان مطبقة فأتت عبارتها هامسة .. حانقة ...
- بتعمل شنو هنا يا ابراهيم ؟؟ .. الجابك شغلي شنو .. انت عاوز تحرجني قدام الناس وتعمل لي فضيحة ؟؟ انا مش قلت ليك امبارح اني ما حعرسك ؟؟
رد عليها بلامبالته التي تبغضها ...
- انتي عاوزة تناقشي الموضوع دة هنا ؟؟؟ في نص الشارع وقدام الناس ديل كلهم ؟؟ !!
دارت نظراتها لتصطدم بالكثير من العيون الفضولية المندهشة ...واحست بالحرج الشديد عندما تناهت الى سمعها العبارات الهامسة ...
- دة منو الزول السمح الوافقة معاهو ست حبيبة دة ؟؟!! ...
كانت المقارنة بين مظهريهما محبطة .. هي بلونها الداكن وشعرها الاكرت القصير وانفها الافطس وهو بلونه الذهبي وشعره الناعم .. ملامحه الوسيمة وقامته الفارعة ... أحست بالضآلة وغرقت داخل احساسها بالدونية امامه ... استدارت لتنصرف فامسك بذراعها بقوة جعلتها تشهق ... حاولت ان لاتثير مشهدا امام طالباتها وزميلاتها فالتفتت اليه برجاء
ابراهيم .. فك ايدي وخليني امشي .. كفاية العملتو لغاية هسة ... هسة الناس حيقولوا عليّ شنو ؟؟ تلميذاتي حيفكروا فيني كيف ؟؟ ...
تمسك بذراعها اكثر وهو يقودها تجاه السيارة ..
- ولا شئ .. قولي ليهم دة خطيبي وجا عشان يرجعني البيت .. أنا متاكد كتار منهم حيحسدوك ... اركبي خلينا نمشي لاني ماناوي امشي من غيرك ... انا عاوز اتكلم معاك شوية وفي مكان هادئ ..
اذعنت لامره على مضض حتى لا يزداد الوضع سوءاً وهي تفكر في التبرايرات التي يجب ان تقدمها غداً لزميلاتها عن ابراهيم واسباب ركوبها سيارته ... رفضت بعناد ان تنزل الى أي كافتريا اختارها .. فاوقف ابراهيم سيارته تحت شجرة ضخمة في بقعة هادئة مواجهة للنيل .. اشعل لفافة تبغ ثم استدار ليواجهها ...
- حبيبة انتي ليه رفضتي تتزوجيني ؟؟!!...
ردت عليه بحدة ...
- انت بتستهبل ولا شنو يا ابراهيم ؟؟!! يعني ما عارف رفضتك ليه ؟؟ طيب خليني انا اسالك سؤال ... انت ليه اخترتني انا بالذات دونا عن باقي بنات الدنيا كلها عشان تتزوجني وانت عارف الفروقات البينا ؟؟ ولمن انت عاوز تتزوج ليه ما خليت امك تخطب ليك واحدة من بنات الحسب والنسب الفالقة بيهم راسنا ؟؟ وليه مصر عليَ انا بالتحديد خصوصاً بعد الشئ الانا شفتو وبسببه عبد الرزاق هرب ؟؟ انت قايلني عويرة ؟؟ جاهلة ؟؟ ما بفهم ؟؟
كان هوانها يتصاعد وذكرى الرقصة المحمومة تقفز امام عينيها باصرار ... تهدج صوتها وصار اقرب للبكاء .. كانت ترغب في ايلامه لانه تسبب في هروب شقيقها ... ارادت ان تعاقبه لانه قام بتدمير الصنم الذي بنته له بداخها وظلت تعبده سراً لسنوات طوال ... هاجمته بضراوة ...
- هو انت اصلاً ياابراهيم بنفع تعرس ؟؟ يعني ممكن تعيش حياة زوجية طبيعية مع أي واحدة ؟؟؟ ولا يمكن عشان كدة اخترتني وقررت تتزوجني ... حبيبة المسكينة بت خادم ابوك وجدك... البت الشافتك مع اخوها في احقر وضع ممكن يتشاف فيهو بني آدم وبعد داك سكتت وما قالت كلمة واحدة .. يمكن قلت لنفسك طالما هي سكتت عن الموضوع دة يبقى ما بيهمها ؟؟!! ... ويمكن كمان قلت دي ما حتصدق اني اقول عاوزها وحتوافق طوالي ؟؟ ... لا يا سليل الحسب والنسب .. اول شئ انا ما سكت عن موضوع عبد الرزاق عشان خاطرك ولا خوفا منك .. انا سكت عشان خاطر امي وابوي لانهم لو عرفوا الحقيقة ممكن يموتوا فيها ... وتاني شئ اذا انت مفتكر انك اول ما تقول دايرني حجيك جارية واقول ليك شبيك لبيك انا بين ايديك تكون غلطان .. تالت شئ اذا انت متخيل انكم لسة بتملوكنا ولازم ننصاع لاوامركم تكون واهم .. عهد الاقطاع دة انتهى زمان ... واحنا قاعدين معاكم بس عشان ابوي مصر ما يفارق ابوك بدافع ولاء غبي وما عندو معنى ... وبعدين يا ابراهيم انا لمن اجي اعرس بكون عاوزة ارتبط براجل كامل مش نص راجل .. راجل احترمه واثق فيه ... وانت فاقد لكل الحاجات دي ...
انقطعت انفاسها وفقدت السيطرة على دموعها فسالت باندفاع ... دل ارتعاش جسدها على غضبها العارم فغطت وجهها بيديها وانخرطت في بكاء حاد ... تركها تفرغ انفعالاتها حتى هدأت ... ساد السيارة صمت ثقيل لا يبدده سوى هسيس احتراق لفافة التبغ التي يدخنها ابراهيم بعصبية .. عندما رفعت وجهها اخيرا ونظرت اليه هالها وجهه الشاحب الممتقع ... كانت يداه ترتعشان وهما تشعلان اللفافة الخامسة منذ بداية الجلسة المؤلمة ... نظر اليها بامعان ..
- خلاص خلصتي كلامك يا حبيبة ؟؟!! .. ممكن انا اتكلم ؟؟...
هزت راسها بصمت وركزت نظراتها على مركب شراعي صغير يتهادى بعيدا عن الشاطئ ... بدا حديثه بصوت خفيض وبلهجة تتمايل بين الحدة ... والضراعة ...
- عارفة يا حبيبة انا عاوز اعرسك ليه ؟؟ .. عشان اكون على طبيعتي .. بدون ما البس قناع يدس حقيقتي .. بدون ما اتظاهر اني انسان تاني ... معاك بحس بالامان وبدون خوف من انو سري يتكشف ولا اتفضح ... انا عاوز اعرسك انتي بالتحديد لانك جزء من مأساتي الانا عايشها من طفولتي ... تفتكري يا حبيبة انا اتولدت كدة ؟؟؟ لا .. لانو مافي انسان بتولد كدة ... احنا اتربينا مع بعض في حوش واحد .. وانا قعدت في بيتكم اكتر مما قعدت في بيتنا ... يعني لو الوصلت ليهو هسة دة بسبب غلط في تربيتي يبقى من بيتكم ما من بيتنا ... واذا بتفتكري اني ولد بايظ حقول ليك ايوة انا ولد بايظ .. ومن زمان شديد ... لكن ختي في بالك انو الاولاد هم البيبوظوا الاولاد وانتي عارفة بيتنا كلو بنات .. ما تتخيلي اني بقول ليك الكلام دة عشان الوم اخوانك ولا ابرئ نفسي الحصل حصل من زمان وخلاص انتهينا منو ... المهم اني بقيت كدة .. وما بقدر اتغير دة بس عشان تكوني عارفة انو حتى بعد ما نتزوج انا حافضل كدة الا اذا انتي قدرتي تغيريني وتطلعيني من الشئ دة ...
استنشق نفساً طويلا من لفافته .. واخرجه بتدرج من فمه وهو ينظر في عينيها مباشرة ..
- السبب التاني الخلاني افكر فيك انتي بالتحديد هو حبك لي ..
شهقت حبيبة بصوت عال عندما سمعت جملته الاخيرة .. التفتت لتنكر الاتهام الصحيح الذي ظنت انه سرها وحدها .. فرفع ابراهيم يده مقاطعا نيتها ..
- انتي كنتي قايلاني ما عارف ؟؟ قايلاني ما حاسي بيك ؟؟ انا عارف وحاسي من زمان يا حبيبة وكنت مبسوط بحبك لي لاني كنت متاكد انك بتحبيني انا ابراهيم .. لشخصي مش عشان ابوي منو .. ولا عمي منو .. ولاعندنا شنو ... حبيبة .. انا لو عاوز اعرس أي بت من اجعص البيوت هنا ولا في البلد بقدر .. عارفة ليه ؟؟ لانو الناس ليها بالظاهر .. وانا قدام الناس فارس الاحلام .. امنية أي بت .. لكن انا ما عاوز أي بت انا عاوزك انتي ... لانو انتي الوحيدة الحتفهميني ...
اصطبغ صوته بسخرية غريبة وهو يواجهها ..
- يا زولة احنا بينا حاجات مشتركة كتيرة ما محتاج اعدها ليك .. لكن حاقول ليك بس كفاية يكون بينا عبد الرزاق وعبد الستار ...
انتاب حبيبة خوف مبهم من اسلوبه وردت عليه بوهن ...
- عرفنا عبد الرزاق !! .. مالك كمان بعبد الستار ؟؟!! .. دة حتى لمن خلى البيت ومشى الجيش انت كنت شافع .. عاوز تقول عليهو شنو ؟؟ ...
لمعت عينا ابراهيم بومضة مفاجئة ... وارتسمت ابتسامة صغيرة على ركن شفتيه وهو يجاوبها بلهجة اكدت شكوكها التي راودتها بعد ملاحظة نظراتهما المتواطئة يوم اختفاء عبد الرزاق ...
- عبد الستار ؟؟!! .. دة يا ستي المعلم .. كبيرنا الذي علمنا السحر ... هو العنصر البخلي المعادلة موزونة .. هو بدا معاي وانا انتهيت مع عبد الرزاق ... مش بلاهي عليك الله دة منتهى العدل ؟؟ هو ابتدع النظرية وانا طبقتها .. هو فتح الباب وانا مشيت في الدرب ...
عندما عادت الى المنزل بكت طويلاً ... واذدادت تصميما واصرارا على رفض ابراهيم ... وتمسكت بموقفها حتى اليوم التالي .. بعد الزيارة العاصفة التي قامت بها السرة الى الجزء الذي يخصهم من المنزل لاول مرة في حياتها ... اتتهم تحمل غضبها وعنجهيتها واذدراءها ورفضها ... هيمن صوتها الجهوري على فضاء المنزل وهي تصرخ منادية ..
- بخيت ... العينة ... انتو وين ؟؟!!..
وللفصل بقية ....

Abubakr Ibrahim
15th December 2010, 07:06 AM
الفصل التاسع (4)
خرج بخيت من غرفته مفزوعاً وعلامات التوجس تملا وجهه الكالح .. بينما اتت العينة مهرولة وهي تحمل يديها الملطختين بالعجين ...
وبادرتها بالتحية ..
- السرة ؟؟!! ... اهلاً حبابك .. اتفضلي لجوة ... البيت نوّر ...
قاطعتها السرة الهائجة بحدة ..
- السرة كدة ساكت يالعينة ؟؟ انا ستك السرة .. ولا انتي نسيتي انتي منو وانا منو ؟؟!! وانت كمان نسيت يا بخيت ؟؟ .... واضح جداً انكم نسيتوا .. لانكم لو كنتوا متذكرين ما كنتوا غشيتوا ولدي وجرجرتوهو لغاية ما يقول عاوز يعرس بتكم ... ولدي انا ؟؟!! ابراهيم ود ابراهيم ود العمدة الامين يعرس بت بخيت والعينة ؟؟!! ... صحي نسب يشرف ويرفع الراس ... اسمعوا هنا ...
قاطعتها حبيبة التي وقفت بانزعاج وهي تتامل والديها الذليلين امام سطوة السرة الجارحة
- لو سمحتي يا خالتي السرة مافي داعي للاهانات دي كلها ... ولدك مافي زول غشاهو ولا جرجرو !! ولدك جانا براهو وعشان ترتاحي انا رفضتو وقلت ليهو ما عاوزاك ... يبقى خلاص انتهينا ..
التفتت اليها السرة بتحفز وهي تكور قبضتي يديها كانها تهم بضربها ... اتسعت عينا بخيت وندت عن العينة صرخة واهنة بينما تراجعت حبيبة خطوة الى الوراء ..
- خالتي السرة ؟؟!! انشاء خلل الضروس .. خالتك بوين يا بت العينة ؟؟!! اوعك اسمعك تقولي خالتي دي تاني ... وكان نكرتي من هسة للسنة الجاية ما بصدقك ... ولدي غشيتيهو وجرجرتيهو .. بس وريني عملتي شنو ؟؟ ... مشيتي ليك لفكي ؟؟ كتبتيهو ؟؟ اصلكم معروفين بتاعين فقرا .. تكونوا ليكم سنين بتشربوا العروق والمحايات لمن عميتو عيونو .. هو كان ما عميان صحي صحي يقول عاوز يعرسك انتي ؟؟!! ليه من جمالك ولا من اصلك ولا من قروش ابوك ؟؟ ولا يمكن تكوني حامل ؟؟!! ايوة بس قولي كدة .. ما هو مافي سبب تاني يجبرو يعرسك الا اذا حملتي منو ... ولدي انا عارفاهو ولد اصول ومتربي صح .. بيكون عاوز يصلح غلطو ويتحمل مسئوليتو ... وانتي يا حربوية بتكوني عملتي كدة مخصوص ... اصلاً ياهو دة اسلوبكم من زمان تحملوا من اسيادكم عشان يعرسوكم ... لكن اسمعوني هنا وفتحوا عيونكم ... خلاص انتهى الزمن البيجي فيهو السيد يقول الخادم حامل لبسوها توب وشبشب وما تخلوها تعوس وتخدم .. اها يا بت العينة اكان دايرة توب وشبشب بديك .. لكن عرس ليك مافي .. دايرة قروش بديك لكن ولدي لا .. ما بديهو ليك .. اهون علي اقطعو وارمي لحمو للكلاب ولا يعرسك انتي .. وكان قايلة روحك بتغشيني بكلام انك رفضتيهو تبقى غلطانة ... انتي ترفضي ولدي ؟؟!! هو انتي اصلا كنتي تحلمي انك تلقيهو عشان ترفضيهو ؟؟ جاية تقولي الكلام دة بعد ما سكيتيهو لمن روحك طلعت ؟؟؟ لكن مليت خشمي بالله ... ابراهيم ما يعرسك طول ما انا حية ...
رفعت حبيبة الموجوعة من اهانات السرة لها ولوالديها راسها بتحدي واتي ردها باردا ...
- طيب يا السرة بدون خالتي ... شفتي عشان كلامك دة انا حوافق على ابراهيم .. وحعرسو .. واتحداك لو بتقدري تمنعي الحاجة دي .. وهسة لو سمحتي اتفضلي برة من غير مطرود ..كفاية السم السمعناهو منك من لحظة ما عتبتي الباب ... اتفضلي برة
بدات حبيبة تتجه نحو السرة المسمرة من الدهشة بخطوات مهددة وهي تحس بالالم لانكماش ابيها ودموع امها العاجزة ...
- انتي بتطرديني يا بت العينة ؟؟ .. بتطرديني من بيتي .. والله دة كلام !! يا قليلة الادب يا ما مربية ... بتطرديني من ملكي وحقي ؟؟ دي قوة عين انا ما شفت زيها ... لكن ما غريبة على صنفكم دة ... طيب والله عشان قلة ادبك دي الا ابيتكم الليلة في الشارع ... لموا كروركم دة واطلعوا من بيتي ... امشوا شوفوا ليكم راكوبة ولا ضل شجرة اقعدوا تحتوا ... اصلا داك حيكون مكانكم الطبيعي ...
وقفت حبيبة في وجهها بتحفز ويداها مغروزتان في وسطها ... كانت نظراتها تلمع بالتشفي والسخرية
- بيتك ؟؟؟ ملكك ؟؟ بيت شنو الملكك يا ام بيت انتي ؟؟ انتي ما عارفة انو عمي حامد كتب البيت دة لابوي بيع وشرا وسجلو باسمو في المحكمة قبل عشرة سنين ؟؟ .. شكلك ما عارفة ؟؟ لكن ما بلومو لانو دسّ منك .. هو اكتر زول عارف انك انسانة عنصرية ومليانة كراهية وحقد ... داخلة في وهم انك احسن من الناس ... لسة عاوزة تصنفي البشر اسياد وعبيد ... عايشة في الماضي وما قادرة تستوعبي انو الزمن اتغير والناس اتغيرت والافكار اتغيرت !!
وقع الخبر كالصاعقة على راس السرة .. مفاجاة البيت الذي وهبه حامد لبخيت دون علمها اخرستها اصبحت كالتمثال وهي تسمع عبارات حبيبة الشامتة ... كانت نظراتها تدور بين افراد الاسرة بفم مفتوح ... ظلت تبحث عن صوتها حتى وجدته فخرج خشنا ومبحوحاً .. تدفقت كلماتها مخلوطة برزاز بصاقها الذي تناثر في وجه حبيبة ...
- تعرفي يا بت العينة ..مش لو اتعلمتي ولا دخلتي جامعة ولا حتى جبتي دكتوراه تفتكري انك ممكن تبقى زينا ولا حتى توصلي طرف مكانتنا ... مهما عملتي حتفضلي طول عمرك حبيبة بت بخيت والعينة ..وكان رضيتي ولا ابيتي .. انا ستكم وبت اسيادكم ... وولدي بقتلو بايدي قبل ما يعرسك ويفضحني بيك قدام الناس ...
استدرات وسارت بخطوات متعبة دون ان تهتم برفع طرف ثوبها الذي تبعها ماسحاً الارض خلفها فرفعت حبيبة صوتها وهي تاكد لها ...
- طيب يا السرة .. حنشوف ... انا ولا انتي ؟؟ وبكرة ولدك يعرس الخادم غصباً عنك كان رضيتي ولا ابيتي ..وحاقعد ليك في قلبك ... وحابقى ليك زي شوكة الحوت .. وشوفي حتقدري تعملي شنو ...
بعدها باسبوع تم عقد قرآن حبيبة على ابراهيم في حفل مختصر باهت غابت عنه السرة وبناتها ... وبعد سنة انتقلا الى المنزل الصغير الذي شيده ود العمدة في ركن بعيد من الحوش بعد ان رفض خروج ابراهيم وزوجته من المنزل نزولا عند رغبة السرة الغاضبة .. وبعد الانتقال بثلاثة اشهر انجبت حبيبة ابنتها البكر " فاطمة " لتخرس الاشاعات التي انتشرت عن سبب الزواج الغريب ...
مرت السنوات وحبيبة تحارب السر الاسود في حياة زوجها ... لكنه كان اقوى واعمق واكبر من كل اسلحتها ... فاعلنت هزيمتها امامه وانسحبت من المعركة مكتفية بانتصاراتها المتمثلة في بناتها الثلاث .. تظاهرت بالسعادة والاكتفاء امام العالم الخارجي وهي تتهاوى داخلياً ... كان ابراهيم يدفع ثمن صمتها وبراعتها في تزييف واقعه بسخاء شديد .. فاصبحت ترتدي افخم الثياب واغلى المجوهرات كي تخفي جوع انوثتها المهدورة وفقر روحها المدقع واحساسها المستمر بالذل في حضور زوج اثبت رجولته بالانجاب والغى انوثتها بمباركة صامتة من مجتمع غافل لم يستطع ان يحل لغز التناقض الغريب بين مظهرها الطافح ثراء .. وملامحها المشبعة بالحزن ... والجوع ...
ارتفعت موجة من الزغاريد فاعادت حبيبة الى واقعها ... رفعت راسها لتخاطب العجوز الواهنة .. فوجدتها غطت في نوم عميق وفمها يصدر صفيراً خافتا متقطعاً ... حملت الغطاء ووضعته فوقها برفق وهي تقبل مفرق الراس الابيض وتسقط فيه دمعة ساخنة ... اتجهت بخطوات بطئية نحو السور الشجري الذي يفصل بين عالم تحبه .. وعالم يكرهها
وبكره فصل جديد .......... 

Abubakr Ibrahim
16th December 2010, 06:53 AM
الفصل العاشر
كانت حلبة الرقص تغلي بالاجساد الموزعة فيها بفوضى ... اختلطت روائح العطور الغالية مع الرخيصة .. وامتزجت برائحة العرق والرمل المبلل بالماء ... في الجو تشكلت سحابة رقيقة من ضباب الانفاس اللاهثة تخترقها من وقت لآخر شرارات ناتجة عن التصادم العفوي او المتعمد بين الراقصين ..
كانت منال تحس بحريق هذه الشرارات وهو يصلي جسدها وينشر فيه رعشة متوثبة كلما اقتربت من جمال وابتعدت عنه في محيط الدائرة المتمركزة حول رحمة وزوجها ... كانت حركاتهما المتناغمة تبدو تلقائية لكل من حولهما .. وحدهما يدركان ان نية التقارب كانت مبيتة وتم التخطيط لها قبل الحفل بوقت طويل عندما انتزع جمال من منال وعداً بان تكون معه طيلة الوقت ...
- منال ... اوعك يوم العرس ترقصي مع أي زول تاني غيري ... انتي عارفة انا بغير عليك قدر شنو .. وما بتحمل اشوف حد تاني يقرب منك ...
- ما تخاف يا جمال .. يا انت يا بلاش ... مش في الرقيص وبس .. في حياتي كلها ..
في احدى لحظات التقارب امال جمال راسه على اذن منال وهمس لها ...
- منال .. انا حنسحب هسة وانتي تعالي بعد شوية ... الدنيا جايطة وما حد حيلاحظ غيابنا ... عاوزك ضروري ... حستناك في حوش بيتنا .. ما تتاخري ...
كانت انفاسه التي تعبث بشعيرات اذنها تعدها باحتمالات مبهمة ... احست بحرارة جسدها ترتفع حتى خيل اليها ان بخارا يخرج من عينيها ويضفي على محيطها مشهداً سيريالياً ... اومأت براسها ايجابا واشرقت ملامحها بابتسامة حالمة عندما ضغطت اطراف انامله على باطن كفها قبل ان يغادر مكانه بجانبها ... تبعته نظراتها بوله .. وتراقصت غمازتيها بشكل مغر ... دارت عيناها بحذر فيمن حولها وهي تبحث عن لمحة ادارك لما يدور بينهما .. تنفست بارتياح عندما لاحظت ان الكل لاهي بالتنفيس عن مشاعره في رقص هستيري لاهث ...
وقع نظرها على والدتها وهي تحيط شقيقتها وزوجها بكلتا ذراعيها .. وبين الفينة والاخرى ترفع كفها الذي تصالح مع لون الحناء بعد خصام طويل وهي تمسح به دمعة عصية انحدرت في غفلة منها ... احست منال بموجات من الحنان تعبر حواسها وهي تتامل والدتها ... ما لبث ان تبعها احساس قوي بالكآبة عندما غزت افكارها الهواجس بما يمكن ان يحدث عندما تعلم عن علاقتها بجمال .. وانتقل عقلها من جو الفرح الذي يحيط بها الى عالم الخوف الذي يناوشها منذ ان اعترفت لنفسها بحبها المستحيل .. لقد ادركت باستحالته منذ الوهلة الاولى ... انكرت احاسيسها ودفعتها خارج قلبها .. حاولت بكل ما تملك من ارادة ان تقاوم مشاعرها التي سكنتها منذ صغرها .. وعندما دخلت الجامعة جاهدت كي توجهها الى اتجاه آخر باقامة علاقة مع احد زملائها الذي استمات في التقرب اليها منذ اول يوم لها في الكلية ... لكنها فشلت ... كان جمال الوحيد الذي استطاع فك شفرة الدخول الى قلبها واحتلاله بلا منافس .. بمرور الايام اصبحت تحبه بعمق وصدق مخلوط بالخوف والحيرة ... تماوجت ظلال الهموم التي تعتريها على ملامحها وصبغتها بالتوتر كانت تتامل امها الباكية فرحاً وهي تتساءل .. هل ستبكي فرحا اذا ما قدر لها ان تتزوج بجمال ؟؟...
انسحبت من وسط الدائرة بهدوء وشقت الجموع بخطوات مرتبكة ... دخلت الى المنزل وقطعت الساحة حتى وصلت الى السور الشجري ... دفعت الباب الخشبي القصير فاصدر صوتا اجفلها .. عبرت الحوش على اطراف حذائها حتى لا توقظ العجوز النائمة بسلام ... فتحت الباب المؤدي الى الشارع وبخطوات قليلة وصلت الى الباب الملاصق له فوجدته موارباً بانتظار حضورها ...نزلت الدرجات الصغيرة الى داخل الحوش شبه المظلم ..كان جمال قد اكتفى باضواء الصيوان المشعة وجلس بانتظارها في احد الكراسي الحديدية ... هب واقفاً ما ان رآها ..كانت اللهفة تملا ملامحه الوسيمة التي تزينت بابتسامة عريضة ..
فتح ذراعيه على اتساعهما فتقدمت واندست بينهما .. احتضنها بقوة وحنان .. استكان راسها على صدره العريض .. وتقاطعت يداها خلفه ... زرع شفتيه على مفرق راسها وتجولت يداه على طول ظهرها برقة ... اختنقت منال من قوة المشاعر التي تعتمل في صدرها فتنفست دموعها بصمت ... احس جمال باختلاجات البكاء التي تهز الجسد الملتحم معه ... تهاوى قلبه خوفاً على الفتاة التي يعشقها بجنون .. حاول ان يحررها من اسر ذراعيه حتى يرى وجهها .. لكنها احكمت عقد كفيها خلف ظهره ودفنت وجهها في صدره وهي ترفض ان تدعه يرى دموعها .. همس في اذنها
- منال !! انتي بتبكي ؟؟...في شنو ؟؟ كلميني .. انتي عارفة اني ما بتحمل اشوفك حتى مكشرة ... عايني لي يا منال ..
امسكها من كتفيها وابعدها عنه قسراً ليفاجا باخدودين عميقين حفرا طريقهما من عينيها ليكونا بركة رطبة مخلوطة بالكحل على قميصه الازرق ... اصابه الجزع وهو يرى دموعها تنزل بهذا الشجن لاول مرة منذ بدء علاقتهما .. فخرجت كلماته متوترة وحائرة ..
- منال !! كلميني .. في شنو ؟؟ الحاصل شنو ؟؟!! ... حد مزعلك ؟؟؟ حد قال ليك حاجة عننا ؟؟ حالتك دي قلقتني شديد ... قولي لي مالك ؟؟...
كانت تهز راسها سلباً على كل سؤال يوجهه لها ... تلفحت بصمتها وهي تتامل علامات الانزعاج على ملامحه ... رفعت يدها الصغيرة ووضعتها بتعب على صدره .. فرفع كفيه واحاط بهما وجهها المبلل بالدموع .. وبدا يجفهها بالطريقة الوحيدة التي تريحه .. وتريحها .. هبطت قبلته بنعومة الريشة على جفنيها ... ثم تجولت شفتاه برقة بين خد وآخر وهي ترتشف القطرات المالحة بهيام حتى وصلت الى ركن شفتيها .. توقف طويلاً قبل ان يطبع فيه قبلة اثارت رعشتهما معاً ... اراد ان يتوقف .. لكنه لم يستطع ... ارادته ان يتوقف .. لكنها لم تنبس بحرف ... انها قبلتهما الاولى ... كان لها مذاق لاذع كالبهار الحار.. وناعم كملمس المخمل ... خلقت بداخلهما مشاعر غامضة ... ومخيفة ... تلاشى كل شئ حولهما الصوت والضوء والمكان والزمان ... لم يبق الا التحام شفتين تركزت فيهما حواس كائنين عاشقين ... شهقت منال وهي تبحث عن انفاسها .. فانفصل عنها جمال بصعوبة ... وامسكها بحرص عندما ترنحت خطواتها لحظة انفصالهما .. امسكها من ذراعها واجلسها في الكرسي خلفها ثم جلس بجانبها وهو ما زال ممسكاً بيدها ...تلاقت نظراتهما بدهشة .. وفرح ... عندما وجد صوته بعد عناء .. اتت كلماته عميقة ومتحشرجة ...
منال وحياة البيني وبينك تكوني صريحة معاي وتحكي لي الحاصل ... بتبكي ليه ؟؟ دي اول اشوفك بتبكي بالصورة دي من يوم ما عرفتك !! .. قولي لي الحقيقة وما تخليني قاعد على اعصابي ..
وفجاة اتسعت عيناه برعب وظهرت فيهما لمحة ادراك مرتابة .. فسالها بهمس ..
- منال ؟؟ انتي في حد اتقدم ليك ؟؟ جاك عريس ؟؟ عاوزة تخليني يا منال ؟؟...
انتفضت عند سماعها عباراته المتالمة وسارعت بالرد ...
- لا .. لا يا جمال ... ما تخلي خيالك يسرح بيك بعيد ... ما في زول اتقدم لي .. حتى لو دة حصل انت عارف اني حارفض .. لانو انا عاوزاك انت .. ومستحيل ارتبط بانسان غيرك مهما حصل ..
- طيب بتبكي ليه ؟؟
- ما عارفة يا جمال ... خايفة ... خايفة شديد لدرجة انو مخي مشلول وما قادرة افكر في أي شئ ... خايفة من المستقبل .. مجرد احتمال اننا ما نقدر نواجه الناس بحبنا وما نقدر ندافع عنو ونضطر نخلي بعض في النهاية ... احتمال انو اعيش حياتي من غيرك بيقتلني يا جمال ...

- نخلي بعض ؟؟!! ... منو القال اننا حنخلي بعض ؟؟ منال انتي مفروض تكوني لغاية هسة عرفتي اني مستعد اتخلى عن روحي ولا اخليك .. واني مستعد اعمل أي حاجة في الدنيا دي عشان اكون معاك ... في اكتر من ديني ؟؟ منال انا حخلي ديني عشانك..
- جمال انت عارف انا بحبك قدر شنو .. وبرضو مستعدة اعمل أي شئ عشان اكون معاك لكن بعد كدة خايفة ... الموضوع دة ما ساهل ... لا علي ولا عليك ... انا لمن اتخيل الممكن يحصل ليك لما اهلك يعرفوا انك بقيت مسلم !! وحتى لو انت اسلمت وعن قناعة اهلي حيرفضوا اني اتزوج انسان كان مسيحي واهلو كلهم لسة مسيحيين .. وحيحاولوا يفرقونا باي طريقة ... ابسط شئ انهم ممكن يحبسوني ويعرسوني لي اول واحد يدق الباب ... اما انت .. تاكد انو وقتها جدي حامد حينسى انو رباك على ايدينو حينسى العشرة والجيرة والعلاقة الطيبة .. دة جدي وانا باعرفو كويس .. هو انسان طيب وكريم وحنين .. لكن عندو حدود لكل شئ .. وما بيقبل اي زول يتخطى الحدود دي مهما كان ... ولو بالغلط او عن عمد ... ولو أي واحد مننا اتخطاها بينقلب ويبقى انسان تاني ... قاسي وما بيرحم ... يعني يا جمال لو عرف .. ممكن ياذيك وياذي اهلك .. ولا العجب كان ابوي واعمامي سمعوا !! ... دي بيحصل فيها موت ... بيقتلونا احنا الاتنين ..
اطرق جمال فترة طويلة وهو يستمع الى صوتها المهتز ... وعندما رفع راسه كانت في عينيه نظرة مصممة
- شوفي يا منال ... انا مستعد احارب الدنيا كلها عشان خاطرك ... بس اكون ضامن انك حتقيفي معاي وتتمسكي بي زي ما انا متمسك بيك ... احنا من البداية كنا عارفين انو ارتباطنا دة ممكن يواجه صعوبات كتيرة .. وبرغم كدة مشينا فيهو ... هسة دة الوقت الحنثبت فيهو لبعض جدية مشاعرنا .. انا باقي لي شهور واخلص الامتياز .. كنت ناوي ما اعمل أي خطوة الا بعد ما اخلص .. لكن الحالة الانتي فيها دي خوفتني وخلتني اقرر اني ما انتظر ... من بكرة انا حابدا احضر اوراقي عشان اقدم للهجرة ... وحقدم ليك معاي بصفتك زوجتي ..
لم يتوقف برغم الشهقة العالية التي صدرت عنها ...
- منال .. طالما انو احنا عارفين ما عندنا فرصة حياة مع بعض هنا ... يبقى نطلع برة احسن ... نمشي ابعد مكان في الدنيا ... مكان ما يقدروا يوصلوا لينا فيهو ... انا عندي اصحابي في استراليا وكندا كل مرة يحنسوني عشان اقدم .. انا كنت رافض اطلع من السودان عشانك ... لكن هسة دة بقى حلنا الوحيد ... ولما نقدم مع بعض فرصتنا بتكون احسن وقضيتنا مضمونة .. تعرفي الخواجات ديل بيهتموا شديد باسباب طلب الهجرة وبالذات الجانب الانساني ... يعني لمن ندخل انا وانتي مع بعض ونحكي ليهم قصتنا ونشيل معانا الاوراق البتثبت اختلاف ديننا .. ونوضح ليهم انه في تهديد مباشر على حياتنا لو قعدنا هنا .. تاكدي انهم حيقتنعوا ... ناس كتار اتحججوا بموضوع الاضطهاد الديني دة وادوهم ... بعد ما تخلص جوطة عرس رحمة دي .. نطلع يوم من الجامعة مع بعض ونمشي الجوازات نطلع ليك جواز سفر .. انتي جهزي جنسيتك وباقي الاوراق .. وجيبي لي شهادتك بتاعت الثانوي واطلبي شهادة من الجامعة تثبت انك في سنة اولى طب وانا حاشيلهم وامشي اوثقهم في الخارجية وفي السفارة عشان أي مكان نمشي تواصلي دراستك ... عاوزك تتحركي بهدوء وما تخلي أي زول مهما كان يعرف انتي بتخططي لشنو ... ولا حتى جاكلين اختي ما تعرف حاجة ... وعلى بال ما اخلص الامتياز تكون الاوراق الرسمية كلها جهزت ونمشي نقدم طوالي ... وما تشيلي هم لقروش التذاكر ومصاريف السفر انا حدبر كل شئ ..وقبل السفر بيومين نمشي المحكمة اشهر اسلامي ونعمل العقد ونخلص .. اها قلتي شنو في الكلام دة يا منال ؟؟!!
عندما رفعت منال راسها وواجهت نظراته كان وجهها قد اختفى لونه وارتسمت فيه علامات الفزع والحيرة ...
- قصدك شنو يا جمال بالكلام دة ؟؟ انت عاوزنا نهرب ؟؟ نخلي البلد واهلنا وكل شئ ؟؟
- عندك حل تاني ؟؟!! .. لو عندك حل قوليهو لي وانا مستعد اعملو ...
قوبل تساؤله المتحدي بصمتها اليائس ... بينما استعاد مجرى الاخاديد نشاطه المحموم ...

Abubakr Ibrahim
18th December 2010, 07:10 AM
الفصل الحادي عشر (1)

جلس ابراهيم خلف المائدة المربعة وعلامات التجهم تعتلي وجهــه الوسيم ... كــان يتامــل اوراق ( الكوتشينة ) التي يحملها بعدم رضى وهو يحمل كأسه شبه الفارغ .. تناول آخر رشفة منه ثم رمى اوراقه .. ندت عن شريك اللعب صيحة فرح وضرب بيده سطح الطاولة بقوة جعلت الاكواب والزجاجات ترتفع عن مكانها قليلا لتهبط بفوضى في الاوراق المبعثرة محدثة ضجيجاً عالياً لفت انتباه المجموعة الجالسة ارضاً في احد اركان الحجرة المتواضعة متحلقين في دائرة وقد انهمك كل منهم في عمله ... كانت اوراق لفافات التبغ الفارغة واعقابها منتشرة في كل مكان بعد ان انتزعت احشائها في طبق واسع عميق احتشـدت فيه عدة ايادي لتخلط التبغ مع اوراق الحشيش المتساقطة من (قنــدول) يحمله ( جادين ) ويفركه بين يديه بقوة ... بينما تولى آخر مهمة تجهيز اوراق (البرنسيسة) الناعمة ووضع الخليط ولفه بحرص في لفافات صغيرة متساوية ...
رفع جادين راسه مخاطبا رفيق ابراهيم في اللعب وعلى وجهه ابتسامة شامتة ...
- يا زول انت الليلة حظك ضارب بالجد ما دام قدرت تغلب ابراهيم الحريف ... اها طلعت منو بكم ؟؟ من حضر القسمة فليقتسم ... وما دايرين قروش ... امشوا جيبوا لينا كوارع ولا سمك من الموردة .. اتهرينا من اكل الفول والطعمية .. الا انت يا ابراهيم مالك ما جبت لينا معاك عشا من بيت العرس ؟؟ ما عزمتنا قلنا معليش تكون خايف من ابوك وما دايرو يشوف اصحابك الصعاليك .. طيب على الاقل كنت تملا لينا كيس اكل وتجيبو معاك !! ...

هب ابراهيم غاضباً فارتد كرسي الخيزران القديم الى الخلف وسقط ارضاً بدوي عال اشاع التوتر في جو الغرفة المعباة بالدخان الازرق ورائحة الخمر ... وتكلم بانفعال وحدة ..
- اسمع هنا يا جادين ... انا ما بخاف الا من ربي الخلقني ... وقلت ليك قبل كدة الف مرة ود العمدة ما ابوي ... انا ابوي مات زمان .. وبعدين فول وطعمية شنو الاتهريت بيهم ؟؟ انا ما كل يوم بجيب ليكم احسن اكل ... لكن اصلك زي الكدايس تاكل وتنكر ..
تحامل جادين على نفسه محاولا الوقوف ومواجهة ابراهيم الذي كان يطل عليه من عل بطوله الفارع تدخّل ( منان ) صاحب المنزل عندما احس بنذر الحرب المعتادة بين صديقيه تطل براسها ..
- يا جماعة مالكم قولوا بسم الله ... اقعد يا ابراهيم وروق المنجة ... خليني الف ليك سيجارة مخصوصة .. والله جابوا لي نوع ما يستاهلو زول غيرك ...
تجاهله ابراهيم وعاد الى الطاولة حمل مفاتيح سيارته واتجه الى الباب يتبعه منان باستعطاف ذليل ...
- يا ابراهيم ياخي الليلة مالو خلقك ضيق كدة ؟؟ جادين ما قاصد حاجة وبيهزر معاك من العشم بس ...
- شوف يا منان .. انا لو تاني جيت ولقيت الزول دة قاعد هنا بطلع طوالي .. ويمكن ما ارجع تاني ... دة انسان سخيف وجنو مطاعنة زي النسوان .. وانا متاكد انو ما بيهزر وبتعمد يفور دمي كل مرة ...
سد منان الدرب بجسده حتى لا يخرج ابراهيم الغاضب ..
- ياخي هو زول اشتر وما بيعرف يتكلم .. احنا ذنبنا شنو تخلينا عشانو ؟؟ وبعدين انت عارف من زمان انو بيغير منك شديد .. سيبك منو .. كدة روق واقعد عشان تشوف انا مجهز ليك شنو ... حاجة كدة حتخلي مزاجك في العالي ... انا عارف انك ما بتحب الاعراس وانو جوها بيعكرك .. وكنت عارفك حتجي هنا .. عشان كدة عملت حسابي من بدري وجهزت ليك طلبك قبال ما تطلبو .. واها الليلة عشان زعلتك دي حرّم ما اشيل منك مليم ولا تعريفة بس انت كيف ترضى ؟؟!! ... الهدية في السكة وقربت توصل .. اديني صبرك حبة بس .. يا زول حاجة كدة من القلبك بيحبها ...
قاطعت طرقات خفيفة كلمات منان المندفعة فهرول باسما تجاه الباب وعاد مصطحباً معه فتى ناعم الملامح يصعب تحديد عمره بسبب ضآلة حجمه ومشيته المتمايلة بخطواتها الضيقة وتسبقه رائحة عطر نسائي رخيص ... كان ابراهيم يراقب تقدمه باحاسيس متضاربة ما بين الاثارة والحذر ... انه نوعه المفضل ويبدو قريبا من سن عبد الستار عندما بدا معه لعبة الاصدقاء اول مرة ... اللعبة التي اقنعه بانها ميثاق سري بين الصبية وجعله يقسم بكتمانها ... علمه اصولها واسرارها في حصص منتظمة كانت تتم في الاماكن المنعزلة من المنزل الكبير حتى لا يسمع احدهم صرخات ابراهيم المتالمة التي خفت بمرور الايام وخلفت وراءها احاسيس اخرى لم يستطع عمره الصغير وقتها ان يستوعبها ... واصبحت لعبته المفضلة مع صديقه كلما اجتمعا بدعوى استذكار دروسه ... تعلقه بعبد الستار جعله ينفذ كل ما يطلبه منه بلا تذمر .. كان يحاول ارضاؤه بشتى السبل .. وفي كل الاوقات ... كانت النتيجة ان الوقت المخصص للاستذكار قد تقلص وبدات علامته المدرسية تتدنى باضطراد ... لكن من يهتم ؟؟ فالسرة لاهية عنه ببناتها وسعدت برمي حمله على بخيت والعينة ليقوما بتربيته ... اما والده .. فقد كان يزداد تجاهلا له وبعدا عنه يوماً بعد يوم ... وبرغم محاولاته اليائسة لاكتساب حبه ورضاه الا ان قلب ود العمدة ظل موصدا امامه باصرار شديد .. كان يعوضه عن نقص مشاعره بزيادة كمية النقود التي يمنحها له حتى بدون ان يطلبها او يرغب فيها ...بمرور الايام كف عن المحاولة وتعلم كيف ياخذ نقود ابيه ليشتري بها حب الآخرين ... واشتهر في المدرسة بكرمه فسعى الجميع لصداقته واظهار حبهم له ... كان في اعماقه يدرك ان غالبيتهم يسبونه خلف ظهره ويطلقون عليه النكات ... لكنه لم يهتم .. يكفيه تملقهم ومشاعرهم المبذولة عند الطلب لقاء ما يدفعه لهم ...
الوحيد الذي كان يرفض ماله هو عبد الستار ... اعتاد ان يعطيه حبه بلا مقابل .. كان يتقبله بكل عيوبه ونزوات طفولته المرهقة .. كما كان الوحيد الذي استطاع تبديد حيرته بشان كره والده له ... اخبره السبب في جلسة الوداع التي سبقت التحاقه بالجيش .. يومها جلس ابراهيم دامعاً وعيونه تحدق في الفراغ .. وهو يفكر في الايام القادمة بدون صديقه الذي جلس مهموما بقربه وهو يحاول ان يسري عنه ...
- ابراهيم ... ما تخليني امشي وانا قلقان عليك وشايل همك .. انا عارفك زعلان .. لكن انا ما عندي طريقة غير ادخل الجيش ... وما تخاف ححاول اجي كل فترة والتانية بس عشان خاطرك ..
انحدرت دموع ابراهيم المطرق دون ان يحاول ايقافها .. وهمس بصوت مخنوق ..
- انت ليه عاوز تمشي الجيش ؟؟!! .. اقعد هنا يا عبد الستار وانا حكلم ابوي يشغلك معاهو في السوق ... انت صاحبي الوحيد .. وانت بس البتفهمني وتحبني .. انا مافي زول غيرك بيحبني ... حتى ابوي زاتو ما بيحبني ...
- لانه ما ابوك ...
كان الرد صاعقاً .. لذلك لم يستوعبه عقله الحزين التائه في امور اخرى ... ساد صمت ثقيل تغلغلت خلاله الجملة المخيفة الى خلايا عقله .. وعندما رفع راسه كانت نظراته فزعة ومليئة بالدهشة ...
- قلت شنو يا عبد الستار ؟؟!! ... ابوي ما ابوي ؟؟ كيف يعني الكلام دة ؟؟!!...
وللفصل بقية ......

Abubakr Ibrahim
19th December 2010, 06:46 AM
الفصل الحادى عشر (2)
ظهرت علامات الندم على ملامح عبد الستار بسبب زلة لسانه التي افشت لصديقه سرا حرص الجميع على اخفاؤه عنه منذ ولادته و لمدة احد عشر عاماً ... وفي النهاية قرر ان يخبره ...
- ود العمدة ما ابوك ... ابوك مات لمن كنت في بطن امك .. ودالعمدة عمك اخو ابوك الصغير وعرس امك بعد وفاة ابوك ... انت اصلك ما انتبهت لاختلاف الاسم بينكم ؟؟!! يمكن ما تكون انتبهت لانو الناس كلها بتقول ليهو ود العمدة بدون اسمو ... او لانو امك زرعت في راسك انو ابوك من ما انت صغير ... وفي النهاية هو عمك واساميكم متشابهة
اعاد اليه التفسير الصادم ذكرى محاولاته المستميتة للحصول على حب من كان يظنه ابوه ... وفشله المزمن في كل مرة ... انفتحت طاقة عقله واطلت منها الذكريات المؤلمة والاسئلة الحائرة التي رافقته منذ ان وعى بالحاجز العالى الذي يفصل قلب ود العمدة عنه ... وبدات المواقف تمر كشريط سينمائي تؤكد كل لقطة فيه صدق كلمات عبد الستار ... تذكر احساسه الطفولي الفطري الذي جعله يدرك منذ البداية ان هناك خطبا ما في علاقته بابيه .... شيئا مجهولا يجعله يبعده منه كلما حاول الاقتراب ... وضع كل الاسباب التي يستطيع تخيلها لهذا الجفاء الغريب ... وعندما عجز عن ادراك السبب الحقيقي .. لام نفسه .. واحس انه ربما خذل والده بطريقة او باخرى ... وانه لم يصل الى المرتبة التي تؤهله للحصول على ما يستحقه من حب ... لكنه لم يتصور للحظة ان والده ليس والده ... تذكر نظرات الحزن في عيون السرة كلما باغتها بالسؤال المحير ...
- انتي يالسرة .. ابوي ليه ما بيحبني ؟؟!! ...
في السنوات الاولى كانت تنفي الامر بحماس فتر مع مرور السنين وتكرار السؤال حتى اصبح ردها صمتاً عاجزاً ... ثم توقف عن سؤالها بعد اقتنع باستحالة تغيير الوضع .. واكتفى بالتعويض المادي السخي وبحب عبد الستار ... عبد الستار الذي قرر التخلي عنه الآن ليعود وحيدا منبوذا لا يجد من يهتم به .. ادراكه لهذا الواقع جعله يجهش ببكاء مرير ارتجف له جسده الممتلئ ... احتضنه صديقه مواسياً .. لكن اخراجه من مستنقع الحزن الذ ابتلعه احتاج الى اكثر من ذلك ... في ذلك اليوم اتسمت لعبتهما بالخشونة وافرغ ابراهيم حزنه ومرارته في جوف عبد الستار الذي تقبل تقوف تلميذه عليه بلذة واكتفاء .. يومها تلاشت الفوارق بينهما ... وتبادلا دور الصقر والحمامة بكل رضا ... بعدها قرر ابراهيم ان يصبح صقرا ويفترس كل الحمام الذي يعترض طريقه ...
صبيحة رحيل عبد الستار حدثت المواجهة العنيفة بينه وبين السرة .. دخل متحفزاً الى غرفتها .. كانت مواعيدها المقدسة لاحتساء الشاي ... بدت في قمة الراحة وهي ترفع الكوب الى فمها بتلذذ ... نظر اليها بحقد وبدأ هجومه بقسوة ...
- السرة ؟؟ ... مش كنتي من البداية تريحي روحك وتريحيني وتقولي لي انو ود العمدة ما ابوي ... على الاقل كنت فهمت سبب كراهيتو لي وما كنت عذبتك بالاسئلة السنين الفاتت دي كلها ..
رفعت السرة راسها بفزع من لهجة ولدها التي تقطر كراهية .. ومن اسلوبه الوقح في مخاطبتها .. ومن ادراكها بانكشاف السر الذي حرصت على اخفاؤه عن ابراهيم منذ طفولته ... انتفض جسدها وتوقف كوب الشاي في منتصف المسافة الى فمها ... التقت عيناها بعينيه الثابتتين واخافتها نظراته ساد الصمت لفترة بدت دهراً .. وافاقت السرة من جمودها على لسعة حرارة الكوب على اصابعها...
- دة شنو الكلام الفاضي البتقوله دة يا ولد ؟؟؟ جبتو من وين ؟؟ القال ليك منو ؟؟ !! ...
كانت نبرتها المتخاذلة وانكسار نظراتها امام نيران الغضب المشتعلة في عينيه اكبر دليل على صحة ما قيل له ... خرج صوته باكياً ... لائماً ...
- اتاري انا اقول ليه بيفرق في المعاملة بيني وبين اخواتي البنات ؟؟ كنت مستغرب وبقول لنفسي انا الولد الوحيد ... يعني مفروض يهتم بي اكتر منهم ويفضلني عليهم زي ما عمي بله بيعمل مع اولاده وعم بخيت بيعمل مع اولاده ... وكنت كل ما تدخلوا اوضتكم ومعاكم البنات وتقفلوا الباب وتخلوني برة براي اسال نفسي ليه ما بتدخلوني معاكم ؟؟ وكل ما اشوفو شايل واحدة من اخواتي اتذكر انو عمرو ما شالني زيهم وانو كل ما اجري عليهو كان بيدفرني بعيد ... وكنت بجيك واسالك ليه ابوي بيكرهني وانتي كل مرة تكذبي علي كذبة مختلفة ... وانا العوير كنت بصدق كذبك ... لاني كنت عاوز اصدقك انتي وما اصدق نفسي البتاكد لي كل يوم وكل لحظة انو بيكرهني ...
انفجرت السرة بالبكاء وهي تهتز بعنف جعل الطاولة الصغيرة امامها تنكفئ وتوقع صينية الشاي بمحتوياتها لتفرش شظايا الزجاج المخلوط بحبات السكر مساحة واسعة من ارضية الغرفة ... حاولت ان تنتهره لتوقف سيل الحمم المندفع من فمه .. لكن كلماتها خرجت متقطعة ... ضعيفة .. متلعثمة ...
- اسكت يا ابراهيم ... اسكت كفاية حرام عليك .. وريني منو القال ليك الكلام دة ؟؟ !! حامد طول عمرو بيعتبرك زي ولده وما بيخت في محلك زول .. صحي هو ما جابك من صلبو .. لكن هو الرباك وبعدين هو ما غريب عليك .. دة عمك اخو ابوك لزم .. يعني حتى لو ما كنت عرستو كان حيتسال منك ...
اتى رد ابراهيم ساخرا وسريعاً ...
- طيب اذا كان في كل الاحوال حيكون مسئول عني عرستيهو ليه ؟؟ مش كان ممكن يتحمل مسئوليتي بدون ما يعرسك ؟؟ ولا انا كنت حجّة ساكت .. وانتي زاتك لو ما كنت عاوزة تعرسي كنتي رفضتي وقعدتي عشان تربيني ... نسوان كتار بيعملوا كدة...

بدا الغضب يتملك السرة فهبت واقفة لتجد نفسها في مواجهة ابراهيم الذي لم يتزحزح من مكانه ...
كان واقفاً كالطود وقد اصبح يقاربها طولاً ... بدا بذراعيه المعقودين حول صدره اكثر شبها بابيه مما جعل السرة تحجم عن قرار الوقوف فعاودت الجلوس بينما واصل الصبي الثائر هجومه بسخرية..
- بعدين يالسرة انتي مقتنعة انو راجلك رباني ؟؟ هي الرباية دي شنو ؟؟ انو يديني قروش وبس ؟؟ ياريتو لو كان حرمني من القروش بس اهتم بي زي ما اهتم ببناته ... طول السنين الفاتت دي كان نفسي يوم يجي يسالني عن مدرستي ولا عن اصحابي ...عن القروش الكتيرة البديني ليها بصرفها كيف ووين .. كان نفسي يوم ينهرني زي ما كل ابو بيعمل مع اولاده ... أو حتى يضربني بس عشان احس انو عندي زول بيوجهني وبيخاف علي ... راجلك ما رباني يالسرة .. وانتي زاتك ما ربيتني لانك كنتي مشغولة بيهو و ببناتك ... انا ربوني بخيت والعينة الانتي بتكرهيهم بدون سبب ... عم بخيت هو الكان بيشاكلني لمن اغلط ... وخالتي العينة هي البتسالني اكلت ولا لا ... ولمن امرض بتقعد في راسي لغاية ما ابقى كويس ... عبد الستار هو البيذاكر لي دروسي وعبد الرزاق وحبيبة هم البيلعبوا معاي .. الناس الانتي بتكرهيهم ديل حسسوني بانهم اهلي اكتر منكم ... وهي دي التربية يالسرة ...
عندما صمت اخيرا كان صدره يرتفع وينخفض بسرعة تواكب دخول وخروج انفاسه المضطربة ... كان ينظر الى امه بتحد ويستمع الى نحيبها المتشنج دون ان يحس بالشفقة تجاهها ... ادار ظهره وخرج وقد تبدلت ملامحه ... بدا وكان العمر قد تقدم به عشر سنوات دفعة واحدة ...منذ ذلك اليوم نزع ابراهيم لقب الابوة عن حامد .. وبرغم الضغوط التي مورست عليه ... الا انه اصر على موقفه بعناد غريب ...
افرغ ابراهيم كل شحنات غضبه التي ولدتها ذكرياته المظلمة في جسد الغلام الغض .. وعندما خرج من غرفة منان كان يبدو كخرقة بالية ...ممزقة .... لا تصلح لشئ ...قاد سيارته ببطء وقطع الشوارع المظلمة بشرود وآلية فاصابته الدهشة عندما وجد نفسه امام المنزل الغارق في النور والضجيج .. كان الحفل قد شارف على نهايته وبدات مجموعات صغيرة من الضيوف تغادر المكان .. لم يكن في حال تسمح له بلقاء أي انسان .. لذلك ادخل سيارته في الممر الضيق خلف المنزل ... اطفأ المحرك وجلس ساكناً يتامل طرف لفافة التبغ المشتعل ودخانها المعلق كالاوهام فوق راسه ... طالت جلسته حتى احس بالخدر في عضلاته المتعبة ... اغلق ابواب سيارته وتسلل بهدوء عبر باب منزل زوجه عمه الثالثة ... اعترته قشعريرة باردة وهو يقطع المسافة التي تفصله عن البيت الكبير عندما حانت منه التفاتة الى النوافد الزجاجية راي نورا ضعيفا يتراقص خلف الستائر .. وخيل اليه انه يرى شبح امراة تقف بصمت وهي تنظر اليه ... عاوده خوف مبهم وتذكر كلمات السرة التي زرعتها داخل عقله في طفولته عن الموتي الذين يعودون كاشباح ويفضلون سكنى البيوت المهجورة لم يجرؤ على الالتفات مرة اخرى ليتاكد من وجود الشبح خلف الستارة .. بل اطلق لساقيه الريح .. عندما خرج الى الجانب الآخر اسند ظهره الى الباب وهو يجاهد لالتقاط انفاسه وتهدئة ضربات قلبه المتقافزة ... مسح الساحة امامه بنظراته ثم جرّ قدميه واتجه الى منزله في الركن البعيد وهو يشعر بوهن غريب بدا يزحف من اطرافه ويتصاعد الى راسه ... احس بجحافل من النمل تتمشى على جلده وهي تنشر دبيب اقدامها في اعصابه ... عندما فتح باب منزله فوجئ بوجود حبيبة جالسة في احد كراسي الصالة شبه المظلمة وقد خلعت حليها وثوبها الغالي .. وارتدت قميصا متحفظا يخفي معالم جسدها الممشوق ... تبادلا نظرة طويلة سربت اسرار كل منهما للآخر ... كانت نظراتها لائمة ومتألمة فلم يستطع مواجهتها بنظراته المذنبة الضائعة دخل غرفته واغلق الباب دونها تاركا اياها تعاني الوحدة والصمت واحساس مرير بالهجران ..
وبكره فصل جديد ..........

Abubakr Ibrahim
20th December 2010, 07:07 AM
الفصل الثاني عشر (1)
طال وقوف نادية امام النافذة وهي تتامل الظلام والفراغ الممتد امامها من خلال فرجة الستارة المسدلة .. كانت جامدة كالتمثال .. لم تتحرك منذ خروج شقيقتها الا عندما لمحت شبح رجل يدخل متسللاً عبر الباب الخارجي .. جفلت وهي تتعرف على مشية ابراهيم فتراجعت خلفا ً بذعر .. كانت قد ارتدت ثيابها بينما ظل شعرها مبعثراً تتضارب خصلاته كالشلال خلف ظهرها .. خلفها جلس زاهر صامتاً يراقب دموعها المنهمرة بغزارة .. والرعدة التي تهز جسدها من وقت لآخر ... استغرقه تفكير عميق في الاحداث التي جرت منذ قليل .. احس بفرح خفي سعى جاهدا كي لا يظهر على تعابيره ... اعتبر ان انكشاف امر علاقته بنادية هدية من القدر سوف تضع الجميع امام الامر الواقع وتمهد لارتباطه الرسمي بالفتاة التي احبها منذ اول جدال دار بينهما ... غمرته امواج من الحنان وهو يستعيد ذكرى ذلك اللقاء الذي تم في الاسبوع الاول من سنته الجامعية الثانية ... كان يسير مسرعاً لملاقاة اصدقائه بعد ان تاخر عليهم وهو الذي اعتاد احترام المواعيد ... لم ينتبه للفتاة القادمة في الاتجاه المعاكس براس مطرق ومشغولة بالبحث داخل حقيبة يدها ... تسببت قوة التصادم في سقوط حقيبتها ودفاترها وأخلت بتوازنها مما جعله يسارع بامساكها قبل ان تصل الارض ... عندما فتح فمه ليعتذر وجد نفسه في مواجهة اجمل عينان رآهما في حياته وقد زادتهما لمعة الغضب اتساعا وروعة .. وأحس بانه يتوه داخلهما وغاصت كفه في ذراع بدت نعومتها واضحة حتى من خلف قماش البلوزة السميكة التي ترتديها ... بينما اصبحت يده الاخرى اسيرة بين كتفها وملمس شعرها الحريري الطويل المرفوع في شكل ذيل حصان اندفع من قوة الارتطام ليستقر على كتفها الايمن مغطياً جزء من عنقها الطويل وصدرها النافر ...
اخترقت خياشيمه رائحة انفاس حلوة بينما اغرقه عطرها الناعم في دوامة من الاحاسيس ...افاق منها اثر حركاتها العنيفة لتخليص نفسها من بين يديه واتاه الصوت المؤنب صارخاً ...
- انت عميـان ما بتشـوف ؟؟ ما تعاين قدامـك لمن تمشي !! ولا قايل روحك ماشي في زريبة ؟؟
اطلق سراحها وهو يتمتم بعبارات الاعتذار .. وانخفض ارضاً ليجمع دفاترها المبعثرة تحاصرهما نظرات المارة الفضولية .... ركعت بجانبه تلتقط الاغراض التي تناثرت من حقيبتها بحرج وهي تحاول اخفاء صباع احمر الشفاه الصغير وقارورة العطر عن اعين الناظرين ... كان اسرع منها في حركاته وخلال ثوان استطاع جمع اغراضها وعادت شنطتها الى ما كانت عليه ... اما هو فقد انقلب كيانه بطريقة لا يمكن ان يعود معها الى ما كان عليه ... وضع دفاترها بين يديها وقدم اعتذاره المسموع الاول بصوت عميق واثق
- انا آسف .. دي غلطتي ... معليش كنت مستعجل وما انتبهت لخطواتي ...
احرجها اعتذاره الصريح فهي ايضا كانت على عجلة من امرها ولاهية عن النظر امامها بالبحث داخل حقيبتها عن شئ لم تعد تذكره الآن ... اثر فيها سلوكه المهذب فرفعت راسها تتامله .. اصطدمت عيناها بجسد رياضي مشدود فارع الطول تكسوه بشرة داكنة السمرة ... طرفت عيناه الواسعتان في مواجهتها وبدت فيهما لمعة ذكاء حاد ... تحت انفه الافطس انفرجت شفتاه عن اسنان ناصعة البياض مرصوصة باتقان ... كانت تفوح منه رائحة كولونيا مالوفة ... تركزت نظراتها على عنقه في موقع الفجوة التي كانت تنبض بسرعة تماثل نبضات قلبها ... بدت اناقته ملفتة بقميصه الابيض المسطر بخطوط رمادية رفيعة والبنطلون الرمادي بقماشه الخشن ... عندما انحدرت نظراتها الى اسفل ابتسمت لا شعورياً لمراى حذاؤه الاسود اللامع وقد بدا كأنه خرج تواً من بين يدي صبي الورنيش الصغير الذي يجوب ممرات الجامعة .... عندما رفعت راسها مرة اخرى كانت ابتسامتها ما زالت معلقة بشفتيها .. فابتسم لها بدوره وقد وقع اسيراً لسحر اللحظة .. اومات له دون ان تنبث بحرف وانسحبت من امامه بعد ان اخذت قلبه معها ...
بمرور الايام تزايدت صدف لقاءتهما ...كانت تحييه بايماءتها الصامتة ويجاوبها بابتسامة عريضة ثم اصبح يخطط لرؤيتها .. استقصى عن مواعيد محاضراتها .. فترات الراحة .. والاماكن التي تفضل الجلوس فيها ... تعمد التواجد قبلها في مكانها المعتاد ... في البدء كانت تظهر عليها علامات الدهشة للمصادفات المتكررة ثم تاتي الايماءة الخجولة لتبشره بقبولها لوجوده ... كان قد اعتاد الجلوس في ركن معين في الكافتيريا يتيح له رؤيتها بمجرد دخولها لتلتقي عيناهما في عناق قصير يصبح زاده وانيسه حتى لحظة اللقاء التالي ... في احد الايام اتى ليجد آخرين قد احتلوا زاويته المفضلة فاحس بالحزن وبحث عن مكان آخر يمنحه راحة رؤيتها حتى وان غاب عناق النظرات ... باغتته فرحة طاغية وهو يراقبها عندما فوجئت بغيابه عن مكانه المعتاد ... راي التقطيبة التي علت ملامحها الجميلة ... لاحظ وجوم خطواتها وحيرة عينيها الباحثتين بلهفة حتى التقتا بعينيه ... لم تفته ابتسامة الراحة التي ارتسمت على ثغرها المغري ونزلت برداً وسلاماً على مشاعره الملتهبة ... فقد اكدت له انها تدرك وجوده وان غيابه يكدرها ... يومها ارتفعت آماله التي ولدت بسرية لحظة اصطدامه بها لقد احتلت افكاره وحواسه منذ ذلك اليوم باسلوب لم يختبره قبلاً ... ولم يحاول مقاومته برغم علمه استحالة أي علاقة بينهما .. لم تكن تنقصه الثقة بنفسه ...فهو يمتلك ذكاء حاد يكاد يصل الى درجة العبقرية مما جعله على راس المتفوقين طيلة مراحله الدراسية وكان مثار فخر لاسرته التي كانت فيما مضى تتمتع بالثراء الفاحش والسلطة والنفوذ ... ومع دوران عجلــة الحياة تلاشى الثراء واحتفظت الاسرة بمكانتها وهيبتها وسط القبيلة الكبيرة الممتدة في ارجاء واسعة من غرب البلاد ... شب ( زاهر ) وسط هذه الاسرة المتماسكة وتعلم منذ نعومة اظافره ان يفخر بارثه مما اكسبه اعتزازا بنفسه واصله صبغ كل تصرفاته لدرجة ان الكثيرين من اصدقاؤه كانوا ينعتونه بالعنصري المثقف .. كان يتلقى وصفهم بمزيج من الغضب والتعالي .. لذلك لم يحس بالدونية امام نادية التي اكتشف انها تنتمي لاسرة عريقة وثرية ... لكنه احس بالخوف من مشاعره الجارفة وامكانية عدم تجاوبها معه .. لذلك عندما راي اولى علامات القبول اندفع نحوها بعنف ولم يكن هناك شئ يستطيع صده ... تدريجيا انتقلت العلاقة من مرحلة الايماءة الصامتة والابتسامة المترددة الى مرحلة تبادل كلمات بسيطة ... ومن لقاء الصدفة الى اللقاء المخطط بدون اعتراف ...
مرت ستة اشهر على تاريخ معرفتهما المتباعدة عندما تجاسر على الجلوس بجانبها وتبادل الحديث الاول بينهما ... فبعد غيابها عن الجامعة لمدة ثلاثة ايام متواصلة .. كان قد شارف على الجنون .. واصبح شوقه اليها اكبر من قدرته على الاحتمال ... كلت قدماه وهو يدور في طرقات وممرات الجامعة بحثا عنها في كل الامكنة حتى تلك التي لم تعتد الجلوس فيها ... وصل به الامر الى دخول قاعة محاضراتها الممتلئة ومواجهة العيون الفضولية التي شهدت خيبة نظراته عندما لم يجدها .. تمسك بعزة نفسه وعصمه كبرياؤه من مطاردة صديقاتها ليسال عنها .. برغم انتباهه للغمزات المتطايرة بينهن كلما مررن به اثناء جلوسه في مكانه المعتاد حزيناً محدقاً تجاه المدخل مؤملاً دخولها في كل لحظة ..
في رابع ايام بؤسه دخل عبر ممر الكافتريا بخطوات متعبة وراس محني يتامل حبات الحصى الصغيرة وهي تتدحرج امام ضربات طرف حذائه ... ثم غزت انفه رائحة عطر ناعم اصبح دليله على وجودها خلال الفترة الماضية ... رفع راسه فوقعت عيناه عليها وهي تجلس بهدوء على طاولة قريبة منه وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة وفي نظراتها لهفة ... توقفت قدماه عن دحرجة الحصى واحس برعدة قوية تجتاح حواسه العطشى اليها ... وبدون ان يرفع نظراته عنها اتجه الى طاولتها .. سحب الكرسي المواجه لها وجلس ... سالها مباشرة ودون تحية ..
- كنتي وين الايام الفاتت ؟؟ .. ليه ما بتجي الجامعة ؟؟!! ...
اتاه الرد بصوت ملائكي ناعم وبحة مغرية جعلت خياله يتوه وراءها ...
- كنت عيانة ... عندي ملاريا ..
راودته رغبة قوية باحتضانها فاغمض عينيه للحظة حتى يستعيد السيطرة على عواطفه التي تهدد بالانفلات ... وعندما استطاع كبح الاحساس المجنون .. فلت زمام لسانه ..
- ما كنت قايل الملاريا بتخلي الناس حلوين كدة ..
احس بتفاهة كلماته وتمنى لو يستطيع استعادتها داخل حلقه ... لعن نفسه وتسرعه .. لكن لسانه واصل الثرثرة رافضا اوامر عقله بالصمت ..
- اشتقت ليك شديد .. الجامعة ما كان عندها طعم من غيرك ... خليتيني زي اليتيم .. حتى محاضراتي ما قدرت احضرها .. كنت اليوم كلو بافتش عليك واخاف لو دخلت محاضرة انتي تجي وما اشوفك ..
عندما استعاد قدرته على الصمت كان موقناً بانه قد صرح باكثر مما يود ... وربما جعلتها كلماته تهرب منه الى الابد ... ارعبه الاحتمال فرفع راسه ليرى ردة فعلها ... كانت ابتسامة مشرقة خجولة تزين ملامحها الرقيقة .. ولمحت نظراته الحادة المركزة رعشة اصابعها وهي تشبكها امامها .. كاد يقفز فرحاً عندما اجابت سيل كلماته المتدفق باربع كلمات فقط فتحت له بها باب الجنة ..
- انا كمان اشتقت ليك ...
وللفصل بقية .........

Abubakr Ibrahim
21st December 2010, 06:50 AM
الفصل الثانى عشر (2)
بعد هذا اللقاء اطلقا العنان لمشاعرهما .. وحرصا على اخفائها امام مجتمع الجامعة ... لم يعلم بها الا المقربون من اصدقائه وصديقاتها ... كان يسبقها بسنة في نفس كليتها فاصبح لقاؤهما وسط المجموعة امرا طبيعيا .. ولم يعدما الوسيلة للحصول على بعض الخصوصية بمواعيد مرتبة خارج اسوار الجامعة او في المناطق المنعزلة داخلها ...
مرت سنة على علاقتهما وهما يحرصان على تفادي أي تواصل جسدي باستثناء تشابك الايدي كلما وجدا فرصة لذلك ...كان زاهر يخاف عليها ويحميها حتى من نفسه .. يحترمها لانها تجاوزت القشور التي تفصل بينهما ورات جوهره واحبته بدون قيود أو عقد ... قبل الاجازة السنوية التي تنتقل بعدها نادية الى سنتها الجامعية الثانية .. قررت مجموعة الاصدقاء اقامة حفل وداع وتم الاتفاق على رحلة الى احد الشواطئ .. مضى اليوم مسرعا في ما بين اللعب والضحك والتقاط الصور ... وقبل الموعد المحدد لعودتهم بساعة انسحب زاهر ونادية للقيام بجولة منفردة ... كانا يدركان صعوبة اللقاء خلال فترة الاجازة الطويلة ... ورمى شبح الفراق الوشيك ظلاله على خطواتهما المترافقة ... فتعانقت الانامل بقوة ولدت شرارات كهربائية وارسلت اشارات مجنونة الى حواسهما الجائعة لتواصل حسي اعمق .. كانت قبلتهما الاولى كانفجار العاب نارية في فضاء مظلم ... مبهرة ... مضيئة ... ساحرة ... عندما افترقا منها بانفاس لاهثة ... قرر زاهر بحسم ان نادية لن تكون الا له سوف يحارب من اجلها ... وفي الحب والحرب كل الاسلحة مشروعة ... كانت القبلة الثانية اعمق واطول .. واقوى استكانت بعدها بين ذراعيه وهو يهمس في اذنها ...
- نادية .. انا بحبك ... وعاوزك تكوني زوجتي ... ما حاسمح لاي شئ في الدنيا يبعدني عنك ... لا اهلك ولا اهلي .. لاجنس ولا لون ولا فقر ولا غنى .... انتي حقتي .. ملكي وانا حقك وملكك .. لكن ملكيتنا لبعض دي لازم تبقى رسمية باي شكل وفي اقرب وقت .. عندك الاجازة .. فكري في كلامي دة كويس ولمن نرجع الجامعة حيكون بينا كلام كتير ..
وظلا متماسكين حتى لحظة الوصول الى الجامعة .. خلال الاجازة كانت تاتيها رسائله عن طريق صديقاتها ... اصبحت زادها الذي يعينها على غيابه ... كان يصف ليها ايامه بالتفصيل حتى احست كانها تعيش معه في مدينته البعيدة ... وكانت ترد على رسائله باخرى اطول منها ... وهكذا مرت ايام فراقهما وكانهما لم يفترقا .
عندما التقيا بعد انتهاء الاجازة واصل زاهر حديثه الذي بداه في لقائهما الاخير وكانه لم ينقطع ... وكانت المرة الاولى التي يلمح فيها علامات الخوف والتردد على وجه نادية منذ بدء علاقتهما ..
- زاهر .. اهلي ما حيوافقوا اني اتزوج هسة وقبل ما اخلص الجامعة ... وبعدين انت زاتك لسة طالب ..
والشئ دة ما حيكون مقبول عند ابوي ولا امي ...
كان يتاملها ويستوعب كلماتها المرتبكة ...ويفسرها بطريقته الخاصة ... بالطريقة التي لم تجروء هي على قولها حتى لا تجرح كبرياؤه وعزة نفسه ... احبها اكثر لمراعاتها له ... وفاجأها بما يدور في بالها ولم تفصح عنه ...
- نادية .. خلينا نكون واضحين مع بعض ... اهلك ما حيرفضوني عشان انا وانتي لسة طلبة ... اهلك حتى لو مشيت ليهم بعد ما اتخرج واشتغل ووضعي يبقى كويس برضو حيرفضوني .. وبدون ما يسالوا عن أهلي ولا اخلاقي ولا سلوكي ولا مدى التزامي ... حيرفضوني بالشكل بس ومن اول لحظة يشوفوني فيها ..
حاولت ان تنفي كلماته وتدافع عن اهلها ... لكنها لم تستطع وتولت دموعها الرد نيابة عنها ...
- نادية انتي قايلاني ما عارف او متوقع الشئ الممكن يحصل لمن اتقدم ليك ؟؟!! ... ابسط شئ انهم يطردوني من خشم باب البيت لانهم ممكن يشوفوني ما قدر مقامكم ولا من مستواكم .. على الاقل اعتقد انو دي طريقة تفكيرهم الانا فهمتها من البتحكيهو لي عنهم .
تحولت دموعها الى نحيب خافت متشنج وهي تستوعب الصورة القاتمة التي رسمها زاهر بكلماته .. صورة كانت تعلم بوجودها لكنها تناستها وتعمدت تجاهلها طيلة الفترة الماضية وهي تامل بحدوث معجزة تمكنها من تجاوز كل الصعاب والارتباط بالرجل الذي احبته بكل ما تملك من مشاعر ...
- انا ما بقول ليك الكلام دة عشان الومك على شئ انا عارف انو ما بايدك ولا عشان انتقد اهلك لانو الاهل دة طبعهم ... وبالذات في مسالة الزواج دي ليهم وجهة نظر ثابتة وما مستعدين يتنازلوا عنها لاي سبب من الاسباب .. انتي عارفة انا هسة لو كلمت اهلي برغبتي في الارتباط بيك برضو ممكن يرفضوا ؟؟ ...
ابتسم بسماحة متفهماً نظرة الاستنكار والدهشة التي ارتسمت جراء كلماته الاخيرة ..
- زي ما بقول ليك يا نادية .. ممكن اهلي ببساطة يرفضوا ارتباطي بيك .. مش عشان انتي فيك شئ ولا كعبة لا سمح الله ... لكن لانهم هم وحسب فهمهم بيكونوا شايفنك ما مناسبة لي .. بيكونوا عاوزيني اتزوج واحدة من القبيلة ... واحدة تفهم عاداتهم وتقاليدهم .. تعرف تعمل اكلهم وترقص زيهم وتلبس زيهم وتقدر تعيش ظروفهم وتتعايش مع وضعهم .. انتي بالنسبة ليهم ممكن تكوني دخيلة جاية تشيل ولدهم وتسلخو من عالمهم...
تنفس بعمق وهو يرى الالم مرتسما على ملامحها ... مد يده تحت ذقنها ورفع راسها المطرق .. امرها برقة ..
- نادية ... عايني لي ...
انتأبه الندم على طلبه عندما رفعت اليه عينان كسيرتان وممتلئتان بالدموع ... آخر ما يرغب به ان يكون سببا لحزنها ... دموعها تعذبه وتشعره بالذنب ... لكن لا مناص من مناقشة مستقبل علاقتهما وبرغم ثقته في حبها .. لكنه لا يثق بالظروف التي قد تبعدها عنه في أي لحظة ... لذلك سوف يجازف بطرح افتراحه الصادم معتمداً على حبها في تفهم دوافعه .. والموافقة على طلبه ..
نادية .. انتي تصورك شنو للعلاقة البيني وبينك ؟؟ يعني عاوزاها تستمر وتمشي لقدام ولا عاوزاها حاجة مؤقتة وبعد ما نخلص الجامعة كل واحد يمشي في طريقه ؟؟ ...
اتاه ردها سريعا وغاضباً ...
- زاهر !! .. انت لغاية هسة ما عرفت انا ياتو نوع من البنات ؟؟ .. ولا بتفتكر انا من النوع البيملا فراغو بعلاقة مؤقتة ؟؟ .. طيب اذا فرضنا اني فعلا عاوزة اقضي وقت لغاية ما اخلص الجامعة .. ليه اخترتك انت بالذات ؟؟ ما كانت قدامي الخيارات واسعة خيارات مضمونة وما بتعمل لي أي مشكلة في المستقبل .. لازم تعرف انو الاحساس الربطني بيك كان اقوى مني ومن كل محاولاتي لصده ... وبعترف ليك اني فعلا قاومت مشاعري شديد .. حاربتها شهور وشهور لاني كنت عارفة كمية المشاكل الحتواجهني لو دخلت في علاقة معاك .. زاهر انت اول انسان يدخل حياتي واديهو كل الاحساس الجواي .. بحلم واتمنى انو علاقتنا دي تمشي لقدام .. ونتزوج اشيل عيالك واحبهم لانهم حتة منك .. باتمنى اعيش معاك كل العمر الجاي ... باتمنى اكبر معاك .. واعجز معاك ... و ..
اسكتتها غصة مفاجئة .. وجلس هو عاجزا عن تحمل حزنها او مواساتها .. امسك يدها المرتعشة احتواها داخل كفه العريض وضغطها بقوة حتى راى سحابة الم تعبر ملامحها فافلتها .. هجره تردده فقرر طرح اقتراحه .. وتحمل العواقب ..
وللفصل بقية ........

Abubakr Ibrahim
22nd December 2010, 07:20 AM
الفصل الثانى عشر (3)
- نادية .. ايه رايك نتزوج هسة ؟؟ نعمل عقد من غير ما أي زول يعرف ... انا بقيت ما قادر ابعد عنك .. ولا بتحمل فكرة انك تضيعي مني .. وواثق انك بتحسي بنفس احساسي .. انا كل ما يمر يوم خوفي بيكبر .. عاوز اضمن وجودك في حياتي للابد .. ودي الطريقة الوحيدة عشان مافي أي زول يقدر يفرقنا من بعض ... حتى لمن اهلك يعرفوا حنكون بقينا راجل ومرتو .. وما حيقدروا يفرقونا من بعض ..
اصبحت صورة مجسدة للفزع .. صمت كل ما فيها حتى تنفسها ... نسى زاهر مكان وجودهما وكل ما يحيط به ... امسك يديها بكلتا يديه ... غرز نظراته في عمق عينيها وبدا اصعب رحلة في حياته رحلة اقناعها بضرورة زواجهما ...استخدم كل اسلحته للضغط عليها ... كان يدرك سطوة حبه على قلبها .. ولم يحس بالندم وهو يستخدم هذه السطوة للتاثير على قرارها .. وظل يقنع نفسه بان كل شئ مباح في الحب والحرب وهو الان في حالة حرب ضد تقاليد بالية وافكار عنصرية متوارثة .. ويجب ان يربح حربه ليربح حبه .
بعد اسبوع من النقاش المستمر استطاع ان يذيب خوفها من الفكرة .. وكان قرار الزواج العرفي للمحافظة على اكبر قدر من السرية .. فتم العقد بحضور اصدقائهما المقربين الذين يثقون بقدرتهم على كتمان الامر حملت نادية ورقتها كتهمة واخفتها في اقصى ركن من خزانة ملابسها ... بينما حمل هو ورقته كجائزة يانصيب اتته من غير توقع واخفاها من العيون خوف الحسد ... اعطتهما الاوراق المخباة رخصة لتجاوز الخطوط الحمراء التي كانت تحدد تواصلهما الحسي .. واصبح تشابك الايدي والقبلات المختلسة وقودا يلهب نار الرغبة التي تستعر تحت صدورهما حتى وصلا الى نقطة لم تعد تجدي معها محاولات التعقل .. تم اول لقاء بينهما كزوجين في منزل صديقتها التي غاب اهلها في رحلة قصيرة لاداء واجب اجتماعي في بلدتهم ... بدا اللقاء عاديا كاحدى الجلسات التي اعتادوا عليها هي وزاهر .. وصديقتها التي ارتبطت بصديق زاهر بنفس طريقتهما ... اعطتهم العزلة وامان الجدران المغلقة الشجاعة لمزيد من الحميمية ... وعندما انسحبت الصديقة مع زوجها الى احدى الغرف .. وجدت نادية نفسها غارقة في احضان زاهر وانفاسه الحارة تحرق جلدها ... كان يوما عصيبا على نادية التي اختلطت دموعها بمتعة غامضة تعدها بالكثير بعد انحسار الالم ... بينما احس زاهر بمشاعر لم يحلم يوما ان يصل اليها ... ففي اللحظة التي امتلكها فيها واحتضنته احشائها البكر .. راوده احساس بانه قد امتلك الكون كله بسماؤه وارضه وبحاره ونجومه وكل مخلوقاته ... في تلك اللحظة تضاعف حبه لها الاف المرات .. احس بالفرق بينها وبين أي امراة اخرى عاش معها نفس التجربة .. احس بانه لم يخلق الا لها .. وانها له وحده ...
في صبيحة اليوم التالي اجتاحته لوعة قاتلة عندما بحث عنها في كل الامكنة ولم يجدها .. دفعه قلقه لتجاوز كل تحذيراتها بعدم اتصاله بمنزلها مهما كانت الاسباب بعد ان اقتلع منها رقم الهاتف تحسبا للحظة مثل هذه .. لكن خانته شجاعته عندما اتاه صوت لا يعرفه فاغلق الخط وطلب من صديقة سرها ان تسال عنها ... لم يقتنع بكلمة مريضة التي ساقتها احدى اخواتها لتبرير غيابها وطافت براسه كل الاحتمالات المخيفة ... وتآكلته الافكار السوداء .. ليلتها لم يغمض له جفن واندهش حارس بوابة الجامعة من حضوره المبكر وعلامات الاجهاد تملا ملامحه ... قفز من جلسته عندما رآها تدخل في مواعيدها المعتادة .. كانت تبدو نضرة .. وسعيدة ... اشرقت ابتسامتها وبرقت نظراتها بضياء غامض عندما راته .. وبصمت متفق عليه اتجها الى ركنهما المنعزل في اطراف الجامعة ...
امسك يديها بلهفة .. وقبل باطنهما بحرارة اعادت لها ذكريات مرهقة .. سحبتهما برقة وهي تهمس..
- زاهر .. اقعد ساكت .. في ناس جايين ..
- نادية ؟؟ انتي عاوزة تجننيني ولا شنو ؟؟ ليه غبتي امبارح بدون ما تكلميني ؟؟ ليه ما اتصلتي ووريتني الحاصل عليك شنو ؟؟ ..
- والله ما كنت ناوية اغيب يا زاهر .. لكن صحيت الصباح جسمي كلو واجعني وما قدرت انزل من السرير .. قلت يمكن تكون الملاريا رجعت لي تاني وقررت ارتاح شوية واجي الجامعة بعد الضهر لاني عارفاك حتقلق .. لكن والله ما قدرت .. كنت تعبانة شديد ..
ابتسم لها باسلوب العارف وهو يخاطب الجاهل ...
- معليش يا نادية .. اول مرة دايما بتكون صعبة .. وانا اول امبارح تعبتك شديد .. ما تخافي المرات الجاية حتبقى اسهل ... خصوصا انك ما مطهرة .. تصدقي لمن لقيتك كدة فرحت شديد .. كنت عاوز اسالك من زمان لكن خجلت وقلت عيب اسالك سؤال زي دة ..
- امي كانت عاوزة تطهرنا لكن ابوي رفض ... زاهر .. انا ... انا ..
احتبست الكلمات في حلقها فخفضت نظراتها بخجل .. عندما رفعتها كانت مليئة بالقلق ... وتلعثمت كلماتها بينما كان هو ينظر الى تبدل ملامحها بحيرة .. اخيرا طرحت له مخاوفها همسا .. واجابها بصوت مطمئن ...
- ما تخافي يا نادية .. انا عامل حسابي كويس .. عارف انو مسالة الحبوب او أي مانع تاني صعبة عليك .. عشان كدة انا حكون حريص شديد .. وبرغم اني متلهف لليوم التشيل فيهو بطنك طفلي .. لكن حاصبر لغاية ما نتخرج وامورنا تستقر ويبقى زواجنا رسمي .
برغم مرور سنة كاملة على هذا الوعد ... برغم الاجهاد البدني والعاطفي الذي يصيبه في كل لقاء بينهما .. الا انه لم يخن ثقتها به قط .. وظل حريصاً على الوفاء بوعده لها ... حتى اليوم ... دخول اميرة المفاجئ اتى في لحظة حرجة .. انسته صرختها حرصه فاخلف وعده لنادية بلا وعي أو ارادة كان يود اخبارها بزلته ... لكن وضعها النفسي اربكه وجعله يلتزم الصمت وهو يدعو في سره ان يكون ما دخل جوفها غير كاف لتحقيق اكبر مخاوفها ... نهض من جلسته اليائسة وتقدم اليها .. وقف خلفها ولف ذراعيه حول جسدها المتخشب .. طبع قبلة طويلة في مقدمة راسها وحاول زرع الطمانينة في اعصابها المتوترة ..
- نادية .. انا عارف الوضع الانتي فيهو هسة ... حاسي بكل حاجة جواك .. حاسي بخوفك وقلقك وحزنك .. عارف الهم الركبك .. لكن انا عاوزك تكوني قوية وما تنهاري من هسة .. انا معاك .. انتي مرتي واحنا متزوجين شرعاً وقانوناً ... انا مستعد هسة اطلع لابوك في الخيمة واكلمه وننتهي من الموضوع دة .. خلاص الحصل حصل !! حيعملوا شنو يعني ؟؟ حيقولوا لي اطلقك ؟؟ لو يقتلوني ما باطلقك .. حتى لو انتي قلتي لي طلقني ما باطلقك لانو لحظتها حاكون عارف انو دي ما رغبتك الحقيقية وانك بتعملي كدة عشان ترضيهم ... لازم تعرفي اني متمسك بيك لغاية آخر نفس في عمري المهم انو انتي تتمسكي بي وما تضعفي قدامهم ...
استدارت داخل ذراعيه .. واجهته بنظرة طويلة ثم دفنت راسها في صدره واجهشت بالبكاء .. تركها تفرغ كل شحنات خوفها وقلقها وهو يربت على راسها ويهدهدها كطفلة صغيرة حتى سكنت انفعالاتها عندما توقفت اختلاجات جسدها سالها مرة اخرى بتصميم ..
- نادية .. اطلع لابوك هسة واكلمو ؟؟ ..
هزت راسها بعنف ..
لا يا زاهر .. اوعك تفكر تعمل كدة ... ابوي ممكن يقتلك ويقتلني معاك ... انا ما عارفة اعمل شنو ... ياربي وريني بس اعمل شنو ..
داهمتها نوبة بكاء اخرى وقف امامها محبطاً وقد اغضبته قلة حيلته وعجزه في التخفيف عنها ..
- طيب لمتين يا نادية ؟؟ لمتين حنفضل نتدسى ونتضارى ؟؟ مش احتمال اختك هسة مشت طوالي لابوك وكلمتو ؟؟ مش احسن امشي واتكلم معاهو يمكن اقدر اقنعه ؟؟ ولا نقعد ننتظر البلا ؟؟ والله انا شايف قتلوك ولا جوك جوك ؟؟ ..
هزت نادية راسها بعناد ..
- يا زاهر لو مشيت لابوي هسة تاكد انك ما حتطلع من الخيمة على رجلينك .. اميرة انا عارفاها ما حتمشي تقول لابوي .. حاليا على الاقل لانها مصدومة .. لكن بالتاكيد لمن تفوق وتستوعب الحصل حتكلم امي .. وامي حتكلم ابوي .. عشان كدة انا لازم الحق اميرة قبل ما تتكلم .. لازم نكسب وقت عشان نعرف حنعمل شنو ...
بددت خوفه وقلقه من ضعفها عندما ارتمت بين ذراعيه وعانقته بقوة كانها تستمد منه الشجاعة لمواجهة ما ينتظرها .. تراجعت الى الخلف ونظرت اليه بطريقة اذابت قلبه ..
- زاهر ... مهما كان الشئ الحيحصل ... انا عاوزاك تتاكد من حاجة واحدة ... انا ابدا ما ندمانة على أي شئ حصل بيني وبينك .. بالعكس انا سعيدة لاني اتزوجتك حتى لو زواج عرفي ... ولو خيروني اني اعيش التجربة دي معاك او لا .. حاختار اني اعيشها معاك تاني وبكل تفاصيلها ...
اشعرته كلماتها بحزن غريب .. احس بها كانها تودعه .. ولمعت الدموع في عينيه..
- نادية ؟؟ طريقة كلامك خوفتني .. اوعي تكوني ناوية تنهي علاقتنا ... لو فكرتي كدة حتكوني حكمتي علي بالاعدام .. انا جاد جدا لمن اقول ليك انا ما باقدر اعيش من غيرك انا روحي معلقة بوجودك في حياتي .. ولو خليتيني بموت ...
قاطعت سيل كلماته بقبلة طويلة واطراف اناملها تمسح دموعه التي تراها للمرة الاولى .. عندما انفصلا بعد وقت طويل راى في ملامحها تعبير مصمم .. اكتسب صوتها قوة غير متوقعة وهي تدفعه نحو الباب ...
- امشي البيت يا زاهر .. ما تخاف .. انت اختياري وانا مصرة اتمسك بيك مهما يحصل امشي انت هسة وبكرة حتصل بيك اوريك الوضع شنو ...
اندهش من القوة المفاجئة التي تتكلم بها بعد لحظات الضعف التي اعترتها .. تاملها بفخر واعزاز .. استسلم ليدها وهي تقوده الى الخارج .. اطفات الانوار في طريقها .. خرجا الى الساحة شبه المظلمة ولفحتهما نسمة هواء باردة تنبئ بقرب حلول الشتاء .. تطاير شعرها حول وجهها فبدت بفستانها الزهري وتاج الورود بين يديها كانها ملاك هبط الى الارض ... طبع قبلة ناعمة في باطن كل كف واخرى على جبينها ثم استدار منصرفا بخطوات بطيئة مترددة ... تابعته بنظراتها حتى اختفى خلف الباب الخارجي كي تبدا هي رحلتها المتثاقلة صوب البيت الكبير ... كان الحفل في نهايته .. ارتفعت اصوات موسيقى راقصة بلا غناء .. تعالت الزغاريد واهتز الفضاء من دوي طلقات الرصاص .. عندما اصبحت في الجزء الآخر من المنزل واغلقت الباب الصغير خلفها .. راودها احساس طاغ بان الساعات التي انقضت لم تكن حقيقية .. كانت حلماً عاشته باستغراق ... بدت كل الاشياء ضبابية وبعيدة ... احست براسها يدور فتحاملت على نفسها حتى وصلت الى منزلهم .. اتجهت الى غرفتها وفتحت خزانة ملابسها .. اخرجت قطعة الورق الصغيرة البيضاء المطوية بحرص .. فتحتها على مهل وقراءتها للمرة المائة منذ ان وضعت توقيعها عليها .. حملتها واتجهت الى غرفة اميرة .. فتحت الباب لتجد شقيقتها متربعة في منتصف السرير وقد وضعت راسها في اعلى ركبتيها المضمومتين بين ذراعيها .. كان وجهها الجميل قد تلطخ بالوان المكياج المختلط بدموعها .. ذعرت نادية من تعبيرها الجامد وعيناها المتسعتان بلا حياة ... لم تتحرك اميرة من جلستها وهي تنظر الى نادية التي تقدمت نحوها بحذر .. فتحت الورقة ووضعتها امام العيون التي تحدق في الفراغ ... وانتظرت ...
وبكره فصل جديد .......

Abubakr Ibrahim
23rd December 2010, 07:17 AM
الفصل الثالث عشر(1)

وقف حامد بهيبته الطاغية وهو يودع الحضور بعد نهاية الحفل الصاخب ... كانت نظراته تدور بحثاً عن ابراهيم الذي اختفى منذ فترة طويلة .. احس بالضيق والغضب لتصرفات ابن اخيه اللامبالية .. وتذكر بغيظ الغمزات التي تبادلها اصدقاءه عند مروره بهم اثناء خروجه ... كان يدرك بان سلوك ابراهيم المشين لم يعد سرا مخفيا كما اراد له ان يكون ... لقد استمات طيلة السنوات الماضية في تغطيته حتى لا ينفضح ويصبح نقطة سوداء تلطخ سمعة العائلة ... لكن من الواضح ان ابراهيم لم يكن مهتما باخفاء افعاله .. بل وبدا له في بعض الاحيان كانه يتعمد المجاهرة بفواحشه نكاية فيه مثلما فعل حين تم القبض عليه في احد البيوت المشبوهة عندما كان في الثامنة عشرة من عمره .. يومها ايقظه رنين الهاتف بعد منتصف الليل ليخبره بوجود ابن اخيه في قسم الشرطة ويطلب حضوره .. قبل خروجه اجرى عدة مكالمات طلبا لدعم يحتاجه في هذا الموقف العصيب ... عندما وصل الى قسم الشرطة وجد ان ابراهيم قد اخرج من زنزانته ووضع في مكتب الضابط المناوب بعد مكالمة اتته من ضابط اعلى رتبة منه .. كما وجد المحامي بانتظاره امام البوابة فدفع الكفالة بسرعة وسحب ابراهيم المخمور من ذراعه ورماه داخل السيارة بعنف وترك للمحامي مهمة تسوية الاجراءات القانونية ... قاد بصمت وقد قرر ان المنزل هو المكان المناسب لمحاسبة هذا الولد الماجن الذي جلس ساكنا بعيون ناعسة وابتسامة شامتة معلقة بشفتيه ..كانت تفوح منه رائحة عرق كريه ..وعبأت انفاسه المخمورة فضاء السيارة الضيق حتى احس حامد بالاختناق ...
في ذلك اليوم كانت المرة الاولى التي يرفع فيها حامد يده ويضرب ابراهيم .. عندما اصبحا داخل المنزل التفت الى ابن اخيه الذي بدا يتجه بخطوات مترنحة نحو غرفته وهو يدندن لحناً شائعاً .. كان غضبه قد وصل الى مداه فصرخ فيه ..

- انت يا حيوان انت .. اقيف قبلك .. ماشي وين ؟؟!! ...

التفت اليه ابراهيم وما زالت ابتسامته البغيضة معلقة على شفتيه ...

- ماشي انوم يا عم حامد .. عاوز شئ ؟؟ تأمر باي خدمة ؟؟ قول .. احنا تحت الطلب..
كانت حامد قد وصل الى اقصى حدود صبره ... هدر صوته وتغلغل في كل اركان البيت النائم .. اتت السرة تركض فزعاً ومن خلفها بلقيس وبدور والصغيرة بسمة التي اخافها الصوت وبدات تبكي بصوت عال زاد غضب حامد وجعله يلتفت الى السرة ..

- السرة .. سوقي بناتك وادخلي جوة .. ما عاوز اسمع صوت زول فيكم فاهمة ولا لا ؟؟

حاولت السرة الاحتجاج ومنع المواجهة الوشيكة بين زوجها وابنها .. لكن خطوات حامد المهددة بقبضتيه المضمومتين ونظراته النارية التي تراها لاول مرة منذ زواجهما اجبرتها على ابتلاع كلماتها وتراجعت بذعر وهي تسحب بناتها امامها حتى دخلت غرفتها ووقفت تختلس النظرات من خلف الباب الموارب .. تلقى ابراهيم صفعة قوية ادت الى سقوطه ارضاً بصوت طغت عليه شهقة السرة الجزعة .. وظل مستلقياً ارضاً وهو ينظر الى حامد بحقد وقد اتسعت ابتسامته ...

- بتضربني يا عم حامد ؟؟ بتضربني هسة بعد ما بقيت راجل ؟؟ تكون عاوز تادبني بعد العمر دة ؟؟ ولا يادوبك اتذكرت تربيني ؟؟ ههة .. انت ما شايف انك اتاخرت شوية في موضوع التربية والادب دة ؟؟ ولا يمكن تكون حتى ما عارف انا عمري بقى كم ؟؟ حتى لو بقيت ما عارف عادي ما في مشكلة .. ما انت طول عمرك ما بتعرف حاجة عني .. لكن بس عاوز اسالك بمناسبة انك يادوبك قررت تادبني وتربيني .. كنت وين لمن انا كنت صغير ومحتاج فعلا لزول يوجهني ويوريني الصح من الغلط ؟؟ كنت وين لمن شربت اول سيجارة واول كاس ؟؟ كنت وين لمن بديت اسقط في المدرسة واجيب الشهادات كلها كعك تعاين ليها بدون اهتمام وتديها لامي ؟؟ جاي هسة تعمل لي فيها المربي الفاضل ؟؟ سوري ليك يا عمو .. جيت متاخر خالص وبعد ما فات الاوان زي ما بتقول الاغنية ..

وبدا يدندن مرة اخرى بصوت مهزوز باغنية عن فوات الاوان ..احس حامد بالمرارة تملا جوفه وهو يقر بصحة كلمات ابراهيم التي جعلته متهما بعد ان كان جلاداً .. حاول ان يدافع عن نفسه بالعذر الوحيد الذي يعرفه ..

- كنت وين يا ولد يا قليل الادب ؟؟ كنت باشتغل واجيب قروش عشان انت تعيش في العز العايش فيهو دة ...
ضحك ابراهيم بهستريا وهو يضرب الارض بكفيه ..

- قروش ؟؟ قروش شنو يا عمي وعز شنو ؟؟ ومنو القال ليك انا كنت عاوز قروشك ولا محتاج ليها ؟؟ انا كنت محتاج ليك انت .. لرعايتك .. لاهتمامك .. لتوجيهك .. لابوتك الابيت تديني ليها .. وكنت كل ما اطالبك بحاجة من الحاجات دي تديني بدلها قروش وفي النهاية لمن فهمت اللعبة صاح بقيت اشيل قروشك واشتري بيها الحاجات دي من برة ... بقيت شاطر في التجارة بسببك وبراس المال حقك ... بقيت اشتري حب الناس واهتمامهم بقروشك .. بشتريهم زي ما باشتري (البنقو) و ( العرقي ) واي حاجة تانية انا عاوزها ... لكن معليش الحاجة الوحيدة القصرت فيها اني كان مفروض كل فترة كدة اعمل ليك كشف حساب عشان تعرف قروشك البتديني ليها بدل ابوتك وحبك بتمشي وين ...

ولدهشة حامد الشديدة بدات الدموع تجري من عيني ابراهيم ... فهو لم يره يبكي منذ ان كان في الحادية عشرة من عمره عندما التقاه مندفعا من غرفة السرة وهو يجهش ببكاء مرير .. وعندما حاول ايقافه ليساله عما به .. اجابه بكل برود ..

- عاوز تعرف مالي يا عم حامد ؟؟ ... اسال السرة وهي بتوريك ...

يومها فوجئ بكلمة ( عم حامد ) التي خرجت من بين شفتي ابراهيم وكانه يبصقها .. عندما دخل الى الغرفة وجد السرة تنوح ببكاء ذكره بحالتها عندما مات شقيقه وتركها تحمل طفله ... كانت ارضية الغرفة مغطاة بشظايا الزجاج المخلوط بحبيبات السكر .. ادرك ما حدث دون ان تخبره .. تاملها طويلا ثم تركها وخرج وهو يحس براحة تغمره بعد ان تحرر من عبء التظاهر بابوة فرضت عليه ولم يرغب فيها قط ... عزى ضميره بان ابراهيم كان لابد يعلم الحقيقة عاجلاً ام آجلاً ...
عندما تمكن ابراهيم من الوقوف على قدميه رفع يد حانقة ومسح بها دموع متجددة من وجه غابت عنه التعابير ... توجه نحو باب غرفته .. وقبل ان يطأها التفت ببطء الى حامد الذي جرفته ذكريات بعيدة ومتشابهة وخيل اليه انه فقد القدرة على تمييز الماضي من الحاضر ... وان اللحظة التي يعيشها ما هي الا تكرار للحظة اخرى عاشها سابقاً وبنفس تفاصيلها ... باستثناء كلمات ابراهيم الغاضبة ..

- شوف يا عم حامد .. من هسة باقول ليك .. عشان ما تخجل من العملتو واللسة حاعملوا لو أي زول لومك على تصرفاتي قول ليهم دة ما ولدي .. دة ولد اخوي وطلع كدة لانه ابوه مات من زمان وما لقى زول يربيهو ..
دخل غرفته وصفع الباب خلفه بعنف اهتزت له الجدران ... من يومها تفادى حامد اثارة أي نقاش مع ابراهيم .. اقتصر دوره في حياته على تزويده بالمال واخراجه من المآزق التي يورط نفسه فيها حتى عندما اتاه يخبره بقراره الزواج من حبيبة ابنة بخيت لم يستطع ردعه برغم غضب السرة العارم الذي زاده عنادا خصوصا عندما علم بزيارتها المحذرة لاهل البيت الصغير والتي اتت نتيجتها لصالحه بعد ان وافقت حبيبة على الزواج منه نكاية في السرة وتحديا لاهاناتها السافرة ...
كانت المرة الاولى التي يرى فيها حامد السرة بهذا الغضب ... كانت تزار كلبوة جريحة وتعلن رفضها القاطع لهذه الزيجة الملعونة .. استعانت بكبار رجال الاسرة وامتلا منزل ود العمدة بوفود تعود وتذهب في رحلات مكوكية لاقناع الابن العنيد بالتخلي عن الفكرة المجنونة ... كان كل ما زاد ضغطهم عليه .. ازداد هو تمسكا برايه واصرارا على اتمام الزيجة ... وعندما وصل الجميع الى طريق مغلق وعدمت السرة كل الحيل لاثنائه عن عزمه .. هددته بقطع ثديها ان هو فعلها ... وفوجئ الجميع برده البارد اللامبالي ...

- السرة ما تقولي كلام انتي ما قدرو ولا بتقدري تسويهو ... شوفي .. لو قعدتي من هنا لبكرة تقولي لي بقطع شطري ولا بقطع ايدي ما بيهمني .. حعرس حبيبة يعني حعرسها هو انتي لمن عرستي عم حامد بعد ابوي كنتي انتظرتيني عشان تشاوريني موافق ولا لا ؟؟؟

وقبل ان يخرج منهيا النقاش في الموضوع .. اضاف جملة غريبة ظلت معلقة في الجو فترة طويلة بعد رحيله ..

- وبعدين اقول ليكم كلام .. انتو مفروض تحمدوا ربكم وتبوسوا يدكم وش وضهر انها وافقت تعرسني .. لاني لو خليتها ومشيت عرست ليكم أي واحدة من الانتوا عاوزينهم ديل فضيحتكم حتبقى بجلاجل .. يعني عرسي لحبيبة سترة لاسم عيلتكم الخايفين عليها اكتر من خوفكم علي انا زاتي ...

عندما جلس معه حامد لاحقاً لمناقشة تفاصيل الزواج ساله ..

- ابراهيم .. ممكن اعرف انت ليه مصر على حبيبة ؟؟!! ليه عاوز تغضب امك عليك ؟؟ السرة كايسة مصلحتك وعاوزاك تناسب احسن بيت في البلد .. انت نسيت انت ولد منو واهلك منو ؟؟!! ولا يمكن ما قادر تتخيل عرسك دة حيجيب لينا كلام قدر شنو ؟؟

رد ابراهيم ببروده المعتاد ...

- اسمع يا عم حامد ... انا الناس ما بتهمني كتير واتعودت على كلامهم عني .. لكن لو انتوا عاوزين تتفادوا الكلام بالجد .. وتحافظوا على سمعتكم نضيفة .. يبقى توافقوا على حبيبة لانو أي واحدة تانية غيرها ما حتنفع ..

حاول حامد ان يكذب ظنونه التي صارت شبه يقين فساله ملحاً ومتظاهرا بعد فهم تلميحاته ..

- ليه ما حتنفع يا ابراهيم ؟؟ انت راجل ما ناقصك شئ .. وشايل اسم يخلي أي بت تتمنى ترتبط بيك سواء هنا ولا في البلد ..

قاطعه ابراهيم بحسم ...

- لكن انا عاوز حبيبة .. وقصة الحسب والنسب العاملة ليكم هوس دي انا ما بتهمني كتير انا عاوز انسانة اكون مرتاح معاها .. تكون عارفاني جوة وبرة وما اضطر قدامها البس قناع ولا اتظاهر بشئ ما فيني ... وحبيبة فيها الميزات دي كلها ... وزيادة عليها انها بتحبني من زمان ... مش بيقولوا الحب بيغفر العيوب وما بيشوف الا الجانب الكويس ؟؟
اصبح وجه حامد شاحبا من تلميحات ابن اخيه التي وصلت الى مرحلة التصريح ..

- حبيبة عارفة يا ابراهيم ؟؟ وموافقة ؟؟!! .. طيب ليه رفضتك من البداية ؟؟

- ايوة حبيبة عارفة يا عم حامد .. عارفة كل حاجة .. حتى الانتوا ما بتعرفوهو عني هي عارفاهو .. ورفضتني في البداية لانها ما بتحترمني ... ولانها انسانة معتزة بنفسها شديد .. واقول ليك حاجة ... لو كانت وافقت من اول مرة اتقدمت ليها فيها ما كنت اصريت عليها الاصرار دة كلو .. لانو وقتها كنت حاعرف انها وافقت علي واتغاضت عن حاجات كتيرة ما عاجباها فيني بس عشان انا عندي قروش وانتو اهلي ... لكن لمن رفضتني وبشدة ... انا احترمتها شديد .. وبقيت مصَر اني اتزوجها اكتر من الاول .. وحاسي انو زواجنا ممكن ينجح .. عارف ليه ؟؟ لانو كل واحد فينا بيكمل نقص التاني هي بتحبني لكن ما بتحترمني .. وانا باحترمها لكن ما بحبها .. وكدة كفوف الميزان حتتساوى بيننا ...

عندما تم تحديد مواعيد عقد القرآن .. حزمت السرة حقائبها واصطحبت بناتها الى القرية ... عادت مجبرة في مواعيد فتح المدارس وبضغط من حامد ... رفضت وجود حبيبة معها في نفس المنزل .. لكن حامد المهموم باخفاء تصرفات ابراهيم اصر على بقائهم داخل المنزل ... وخلال مدة قصيرة تم بناء منزل في ابعد اركان الحوش الفسيح ... انتقلت حبيبة الى بيتها وقد اعلنت السرة الحرب عليها فبادلتها حبيبة عداء بعداء .. وكرها بكره اشد منه .. حتى انجاب البنات لم يهدئ من حدة العلاقة بينهما .. وبرغم احتضان السرة لحفيداتها من ولدها الوحيد .. الا انها لم تغفر يوما لحبيبة زواجها من ابراهيم وما زالت تطلق زفرة غيظ وترفع صوتها بعبارتها الماثورة كلما احست بها على مرمى سمعها ...

- والله اللقتو " الفرخة " عمرها ما كانت تحلم بيهو ..

وبرغم تجاهل حبيبة وابراهيم لها .. وتحذيرات حامد من استخدام هذه العبارات المسيئة بحق زوجة ابنها .. الا انها لم ترعوي بل وكانت تستمتع برؤية اثر كلماتها الجارحة على ملامح المراة التي تحدتها وانتصرت عليها ...
وللفصل بقية ........

Abubakr Ibrahim
28th December 2010, 07:18 AM
الفصل الثالث عشر (2)
كان تفكير حامد يتجول في الماضي ويعود الى الحاضر مع كل هزة تحية لضيوفه المغادرين .. احس بالارهاق وبرغبة جارفة في الانعزال عن كل ما يحيط به .. هذه الرغبة التي تعتريه كلما حضر عرساً .. الاعراس تثير فيه مشاعر متضاربة وتقلق ذكرياته التي حاول عبثاً ان ينساها عن زواج اتعسه .. وآخر وهبه فرحاً لا يوصف ... دارت نظراته بلهفة ليتاكد من مغادرة جميع ضيوفه ... خلا الصيوان الكبير الا من مجموعات من الشباب جلسوا في حلقات وهم يتبادلون التعليقات المرحة وتعلو ضحكاتهم بانسجام ... وحول الطاولات الخالية تجمع عدد من الصبية الصغار بوجوه كالحة معفرة وملابس ممزقة يحملون اكياس يفرغون فيها كل ما تقع عليه ايديهم من بقايا الاطباق ... القى نظرة اخيرة ثم اتجه بخطواته الرزينة الى داخل المنزل وهو يتوق للبقاء وحيداً واجترار ذكرياته النابضة بالحياة برغم مرور السنين وتعاقب الاحداث ... كان توقه للوحدة يقود خطواته نحو غرفته الملاصقة للديوان الذي عج بالاقرباء القادمين من القرية .. تناثرت الحقائب في جنباته الفسيحة وضاقت ارضيته بالمراتب التي وضعت بعشوائية استعدادا للنوم .. احس حامد بضيق مفاجئ لرؤية هذا الجمع الكبير لكنه وقف قليلاً مجاملاً ومحيياً ... سائلاً ومجيباً ... ثم استاذن بكياسة واتجه الى غرفته .. دخل واغلق الباب خلفه بالمفتاح واسند ظهره عليه ... احس بالهدؤ يتسلل الى اعصابه المشدودة .. لقد بنى هذه الغرفة بعد رحيل امونة المفاجئ الذي اغرقه في بئر عميق من الحزن والقنوط وجعله يزهد في كل ما حوله ومن حوله حتى زوجتيه وبناته واحفاده ... تم بناءها والحمام الملحق بها في زمن قياسي .. نقل اليها كل متعلقاته واصبحت عالمه الخاص المحرم دخوله على الجميع ... كانت غرفة فسيحة توزعت فيها قطع اثاث قليلة بذوق زاهد .. سرير عريض انعكس لونه البني الداكن على الجدران المطلية بلون بيج فاتح .. تقابله خزانة ملابس بواجهة مصمتة وخالية من الزخارف ... على جهة اليمين اختفى الحمام خلف الباب المغلق .. بينما احتلت نافذة زجاجية عريضة معظم مساحة الحائط الايسر .. ومن خلالها تسللت انوار الساحة الخارجية لتصنع ظلاً ممتداً من طقم الجلوس الصغير بلونه الشاحب وحتى منتصف ارضية الغرفة ...تهدلت اكتاف حامد بتعب وفقدت مشيته هيبتها المعتادة .. عندما يصبح وحيدا لا يحتاج الى التظاهر بالقوة او ادعاء الصلابة .. ففي غرفته المتقشفة يتحرر من كل اقنعته ... يتداعى ويترك لمشاعره حرية اختيار الاسلوب الذي تعبر به عن وجودها وتعلن عن ضعفه الانساني بلا قيود ...
رمى العصا على طـرف السريـر باهمـال .. وتبعتها العباءة ثم تخلص من بقية ملابسه واكتفى ( بالعراقي) و( السروال ) .. اتجه الى الطاولة الصغيرة الملاصقة لسريره واضاء الاباجورة المغطاة بالزجاج الملون فشع ضؤ خافت حالم جعل الغرفة الجامدة تمتلئ بالظلال الرومانسية .. ابتسم برضا كانت هذه الاضاءة المفضلة لامونة ... تنهد بحرقة وهو يتذكر المرأة الوحيدة التي احبها منذ طفولته وحتى الان ... برغم الثلاث عشرة سنة التي انقضت على وفاتها الا ان حبه لها ظل متقداً .. لم يستطع أي شئ ان يطغي على احساسه بها ... استلقى حامد على السرير وهو يتابع بنظره حركة الظلال المعكوسة على الحائط .. كان مدركاً سبب عداؤه المستعر مع احتفالات الزواج ... فهي تنكأ جراحه بكل قسوة وتغرقه في دوامة الذكريات المريرة ... تعيده الى تلك الايام عندما غيّر القدر حياته بصورة جذرية بموافقته الزواج من السرة تحت رجاء والحاح امونة .. لقد اعتاد ان يجتر هذه التفاصيل ويلوكها داخل عقله مرارا وتكرارا على مر السنوات الفائتة ...ففي تلك الليلة التي زارته فيها امونة في المستشفى وعقب خروجها .. ايقن بان دنياه التي يعرفها قد تغيرت الى الابد ... تلاشت كل احاسيسه وملأه خواء غريب زحف كنبتة شيطانية سامة تسلقت روحه واعتصرت قلبه وامتصت سعادته ... تقرر عقد قرآنه على السرة في الخميس الذي اعقب خروجه من المستشفى .. لم يهتم باي تفاصيل .. كان يقضي وقته اما مستلقيا في سريره بعيون مفتوحة خاصمها النوم .. او هائماً على وجهه في شاطئ منعزل يراقب جريان المياه وتصادمها .. اصبح يتجنب التواجد في أي مكان قد يلتقي فيه بامونة .. كانت عدم رؤيتها هي الضمان الوحيد لقدرته على مواصلة الحياة بدونها
قبل عقد القرآن بيوم كان قد اتخذ قراره بضرورة مغادرة القرية الى ابعد مكان يستطيع الوصول اليه اتجه الى الديوان فوجد ابيه برفقة عمه وهما يناقشان تفاصيل الزواج بينما جلس بله صامتاً يراقب الجميع بهدوؤه المعتاد .. عند دخوله ساد صمت ملئ بالهواجس .. بدده حامد بصوته المهتز المتحشرج ...

- ابوي .. بعد العقد انا ماشي العاصمة .. حاقعد هناك واقدم للجامعة ..

تبادل الجميع نظرات حائرة مرتبكة ... تنحنح العمدة ثم سال ولده دون ان ينظر اليه مباشرة في عينيه...

- ماشي العاصمة ؟؟!! وتقدم للجامعة ؟؟!! متين قررت الكلام دة ؟؟ طيب ومرتك ؟؟ حتسوقها معاك ولا الراي شنو ؟؟

رد حامد بصوت بارد لا حياة فيه ..

- انا من زمان كنت اتفقت مع امونة اننا بعد العرس حنمشي سوا نكمل قرايتنا هناك ...

امتقعت الوجوه وتصلبت الملامح عندما نطق حامد اسم امونة .. لكنه لم يهتم وواصل كلماته بنفس الصوت الميت ..

- انا غايتو حسافر بعد العقد طوالي .. السرة على كيفها .. لو عاوزة تقعد هنا أو تمشي معاي مع انو انا شايف لو قعدت هنا احسن ليها ... انا هناك ما حكون فاضي ليها وعاوز اسكن في الداخلية اريح لي ...

هب العم غاضباً وضرب بعصاه الارض ...

- دة كلام شنو دة يا حامد ؟؟ كيفن يعني تقول السرة على كيفها وبعدين تقول احسن ليها تقعد هنا ؟؟ المرة مكانها مع راجلها وين ما مشى .. السرة حتبقى مسئوليتك وانت راجلها .. ولا هي القصة عقد وخلاص وبعد داك تتملص منها ترميها هنا وتمشي هناك تسوى الدايرو ؟؟ اذا الموضوع كدة يبقى ما تعقد عليها وننتهي هنا .. بتي هسة ترجع معاي بيتي معززة مكرمة ..

رفع العمدة راسه بحدة عندما سمع العبارة الاخيرة ...

- تاني يا محمد احمد ؟؟ تاني بتقول كلامك الما عندو طعم دة ؟؟ ..
- يعني ياللمين يا اخوي انت ما شايف كلام ولدك الاعوج ؟؟ كيفن يقول عاوز يعقد ويمشي يخلي مرتو وراهو ؟؟ ..

كان حامد يقف متصلباً بملامح جامدة وعيون انطفا بريقها .. اصبح كالعود اليابس بعد ان فقد الكثير من وزنه خلال الفترة الماضية .. غارت عيناه في محجريهما وارتسمت حولهما دوائر سوداء .. نبت شعر لحيته بلا ترتيب واستطال شعر راسه بفوضى ... تراوحت كلمات العمدة بين الاشفاق والحزم وهو يحسم النقاس بصرامة ..

- حامد .. انا ما بمنعك تمشي تكمل تعليمك .. لكن ما في حاجة اسمها تخلي السرة وراك دي مرتك .. وانت ملزوم تسوقها معاك محل ما تمش .. ولو على مكان قعادكم هناك مافي مشكلة .. بديك حوش أبروف اصلو قاعد فاضي .. حاكتبو ليك باسمك عشان تكون قاعد في ملكك ... وكمان بديك العينة وعيالها عشان يخدموكم هناك لكن بخيت بخليهو معاي لاني محتاج ليهو في شغلي ...

رد حامد بسخرية ...

- انت يا ابوي ما بتتعب من تفريق الناس من بعض ؟؟ كيفن يعني تديني العينة وعيالها وتمسك بخيت عندك ؟؟ مش انت هسة الكنت بتقول المرة مكانها مع راجلها وين ما مشى ؟؟ انت بتناقض نفسك ؟؟ وبعدين انت عارف انا من زمان عندي راي في قصة امتلاك البشر دي .. يا عالم ديل ناس زيهم زينا .. ما شوالات بصل ولا صفايح فحم تبيعوها وتشتروها وتتهادوا بيها وتوزعوها كيمان زي ما عاوزين ..
اندهش الجميع من ثورته العارمة وقاطعه ابوه غاضباً ...

- اسمع يا ولد .. ما تتفلسف وتعمل لي فيها مصلح اجتماعي .. دة نظام اتربينا عليهو من جدود جدودنا .. لقيناهو من ما قمنا وتبينا .. ديل ( هولنا ) لا مشينا سوق اشتريناهم ولا بنوديهم سوق نبيعهم .. بنعاملهم احسن معاملة .. لا بنهينهم ولا بنضربهم .. بياكلوا من اكلنا .. وبيشربوا من شرابنا ... عايشين معانا وراضيين بعيشتهم .. وهسة دي لو قلنا ليهم امشوا بيقولوا لا ما بنمش لانو ما عندهم غيرنا ... احنا عزوتهم وسندهم في الدنيا دي وهم مقتنعين بكدة ... وبخيت دة ( الليلنا ) من يوم ما اتولد لكن لو قال داير يمش ما كنت بمنعو .. الا هو قاعد معانا عشان هو داير ما عشان احنا ماسكينو .. وبعدين دة ما موضوعنا .. ما تتزاوغ من الكلام الاصلي وتدخل لي في حاجات فارغة احنا بنتكلم عنك وعن مرتك .. انا من بكرة برسل ناس تمشي الحوش وتفتح البيت وتنضفو .. بديك عربية جديدة وافتح ليك حساب في البنك وكل شهر حتلقى فيهو البيكفيك انت ومرتك وولدك وبالزيادة كمان..
انتفض جسد حامد عند سماعه كلمة " ولدك " .. احس بموجات من الحقد تعبر قلبه تجاه هذا الطفل الذي تسبب في تدمير حياته وتغيير قدره .. هز راسه محاولاً نفض الاحساس القبيح الذي تملكه تجاه الصغير البرئ فاعطت حركته انطباع الرفض لدى الجمع المتوتر .. فزمجر العمدة بغضب ...

- يا ولد اوعك تهز راسك ... من بكرة ابراهيم حيبقى ولدك .. لازم تقبل الوضع دة وتفهمو كويس .. وكمان عشان تبطل فلسفتك الفارغة دي بديك بخيت مع العينة .. مرتك بتكون تعبانة وما بتقدر تخدم البيت الكبير داك براها .. اصلاً في جزء في البيت انا بنيتو للغفير .. بوديهو مكان تاني وناس بخيت يقعدوا فيهو ...

رفع حامد كتفيه بحركة لا مبالية ...

- اعملوا الدايرين تعملو .. المهم انا الاسبوع الجاي ما عاوز اكون هنا ...

ادار لهم ظهره وغادر الغرفة تاركاً الجميع في حالة توجس مما قد يتمخض عنه موقفه الرافض ...
وللفصل بقية ...

Abubakr Ibrahim
29th December 2010, 07:12 AM
الفصل الثالث عشر (3)
تم عقد القرآن بغياب حامد بعد ان اوكل لابيه مهمة تمثيله .. اقتصر المدعوين على اقرب الاقربين واعلن اتمام الزواج بخمس طلقات من مسدس العمدة تبعها صمت حزين .. لم تجروء أي امراة على اطلاق زغرودة .. انزوت السرة في غرفتها وهي تبكي بمرارة ويجاوبها طفلها بصرخات ملتاعة .. واصيبت بحالة هستريا عندما اصرت عليها والدتها ان تغير ملابس الحداد .. طغى على جو المنزل ظل كئيب وتبارى الحضور في المغادرة بعد انتهاء مراسم العقد مباشرة هربا من هذا الجو الخانق..
بعد يومين من زواجه حزم حامد امتعته وطلب من ابيه اخطار السرة بتجهيز نفسها وصغيرها لمغادرة القرية .. كان يتوق للفرار من المكان الذي شهد احلى لحظات عمره .. واتعسها ... لم يكن قد اعتاد الدرب بين القرية والعاصمة لذلك جلس ساهماً بجانب السائق الذي استأجره والده لايصاله .. في الخلف جلست السرة متلفحة بصمتها وحزنها وهي تحتضن صغيرها الباكي .. كان يتبعهم البوكس الذي يحمل بخيت والعينة وولديهما اضافة للامتعة ...
كان المنزل الذي منح له كرشوة من ضمن اشياء اخرى حتى يقبل الزيجة التي يرفضها يطل على النيل مباشرة ويفصله عنه شارع اسفلتي ضيق يحتل مساحة شاسعة تكفي لبناء عدة منازل اخرى بدا مهيباً بابوابه الحديدية الضخمة وسوره الحجري العالي .. كان حامد يفكر بانه في ظروف اخرى ومع شخص آخر كان ليطير فرحاً بعطايا والده .. لكنه الآن مسكون بالفراغ واللامبالاة .. سرعان ما استقر الجميع في المنزل الجديد الذي تم تجهيزه بكرم .. ترك حامد للسرة وطفلها غرفة النوم الكبيرة بسريرها العريض واختار غرفة صغيرة بالكاد تسع السريرين والخزانة .. لم يفكر ولو للحظة واحدة مشاركتها نفس المكان .. امر بخيت بفرز الامتعة .. وبدت الدهشة على ملامح العينة من اختيار الزوجين الحديثين غرف منفصلة وبعيدة عن بعضهما ...
بعد ان تم ترتيب كل شئ في مكانه .. حمل بخيت ابنه عبد الستار ذو التسعة أعوام بينما استقر عبد الرزاق الذي يصغر شقيقه باربعة اعوام بين ذراعي العينة .. اتجه الجميع الى البيت الصغير المبني بالطين في آخر الساحة .. وبعدها ساد المنزل سكون مميت ...
في الايام التي تلت وصولهم شغل حامد نفسه بالتقديم للجامعة وقيادة سيارته بلا هدى في الشوراع متفاديا التواجد في المنزل لاطول فترة ممكنة حتى لا يرى السرة بعيونها الدامعة وطفلها الباكي دوماً كانت هي ايضا تتجنبه وتحرص على عدم البقاء معه في مكان واحد .. لم يكن يجمعهما الا وجبة الغداء التي تنتهي بسرعة بعد ان يزدرد كل منهما بضع لقيمات على عجل حتى يتخلص من وجود الآخر باسرع ما يمكن .. واصبحت الجامعة رخصة حامد للبقاء خارج المنزل طيلة النهار وجزء من الليل .. وتقلصت اللحظات التي تجمعه بالسرة حتى كادت تنعدم .. تعمد الخروج مبكراً قبل استيقاظها والعودة متاخراً بعد نومها .. سخّر كل الطاقة المتبقية في عقله وروحه لتحصيل دروسه اهله ذكاؤه واجتهاده وحصوله على المراكز الاولى لاكتساب شهرة واسعة في محيطه .. كما اصبحت وسامته وغموضه وعزوفه عن مخالطة البنات عامل جذب قوي لزميلاته اللائي استهوتهن نظرة الحزن العميقة في عينيه الساحرتين .. وكلما تباعد زاد تنافسهن للفوز به دون ان يدرين بزواجه .. كان كتوماً ووضع خطاً واضحاً بين علاقة الصداقة التي تربطه بعدد قليل من زملائه وبين حياته الخاصة ... ولم يسمح لاي كان بعبور هذا الخط .. لم يدع احدهم يوماً لزيارته في بيته ولم يرتد ابداً خاتم زواج ...
كانت قد مرت خمسة اشهر منذ حضورهما عندما استقبلا اول زائر من القرية .. اتت والدة السرة لزيارة ابنتها وانفردت بها طويلاً ... عندما خرجت رمقته بنظرات نارية غاضبة لم يفهم سببها... كما لم يهتم بمعرفة اسباب معاملتها الجافة المتحفزة خلال الايام التي مكثتها في بيته .. بعد عودتها الى القرية بيومين اتت والدته يصحبها " بله " فاصابته الدهشة من هذا التواصل المكثف بعد فترة التباعد المتعمد التي عاشها وانقطع فيها عن عالمه القديم .. كان قد عاد متاخرا كعادته وهو يتوقع ان يجد البيت غارقا في الظلام .. فوجئ بالانوار المضاءة والاصوات الصادرة من غرفة الضيوف ... ساد صمت غريب عند ظهوره في عتبة الباب .. بحركة لا شعورية رفعت السرة ثوبها وغطت به شعرها الطويل الغزير .. كانت نظرات امه عاتبة .. مسامحة .. متفهمة .. بينما ابتسم له بله الذي حمل ابراهيم بين ذراعيه وهو يدغدغه حتى ارتفعت ضحكاته ..تامل حامد هذا المشهد الحميم بين شقيقه ومن يفترض انه ابنه وصفعه الادراك بانه لم يحمل هذا الطفل يوما بين ذراعيه ولم يلاعبه قط كما يفعل بله الان ... احس بالفزع الذي انعكس في نظراته وهي تلتقي بعيني السرة المليئتين بالحزن فأشاح عنها وعانق امه وشقيقه ثم جلس بينهم ليسود ارتباك محير جو الغرفة التي كانت تضج بالحياة قبل دخوله .. بعد لحظات انسحبت السرة بحجة وضع ابراهيم في سريره .. بعدها تعلل بله برغبته في استكشاف المكان لينسحب تاركا حامد وحيدا مع والدتهما التي ربتت على السرير بجانبها وطلبت منه الجلوس .. جلس ملتصقاً بها وهو يحس تجاهها بشوق جارف لم يكن يدرك مداه حتى رآها .. كانت تقص عليه اخبار القرية بالتفصيل وكان هو متلهفاً لاخبار شخص بعينه لكنه لم يجرؤ على سؤالها عن احوال امونة .. وهي لم تتبرع باعطائه أي معلومة عنها ... وبعد ساعة كاملة من الاخبار والقصص صمتت امه فهب واقفا وهو يخاطبها بحنو ...
- امي .. انتي شكلك تعبانة من السفر .. انا حخليك ترتاحي هسة وبكرة نواصل الونسة انا ما حامشي الجامعة عشان اقعد اتونس معاكم ...
كان يهم بالنهوض من مكانه بجانبها عندما امسكت بيده وطلبت منه البقاء .. كان صوتها المتعب خافتاً وخاطبته دون ان ترفع نظراتها اليه ...
- حامد ؟؟ متين حنشوف اخو ولا اخت لابراهيم ؟؟
وقع السؤال على راسه كالصاعقة .. تجمدت حركته حتى اصبح كالتمثال .. تعمق الصمت حتى بدا كيانا آخرا يجاورهما في الغرفة .. اختنقت انفاسه ونظر الى امه بصدمة .. عندما امتد سكونه .. رفعت امه راسها وترقرقت الدموع في عينيها ...
- يعني ما رديت علي يا حامد ؟؟ ما تسكت كدة .. سكوتك دة بيخوفني .. اتكلم .. قول أي حاجة ...
اتى رده في شكل سؤال حائر ...
- اخو ولا اخت لابراهيم ؟؟ كيف يعني ؟؟ ...
- زي باقي خلق الله يا ولدي .. انت السرة دي مش مرتك ؟؟ يعني لو كنت دخلت عليها من يوم ما عرستو .. مش كانت هسة بقت حامل ..
لحظتها فقط ادرك حامد سر النظرة النارية التي رمقته بها زوجة عمه لحظة خروجها من غرفة السرة واسلوبها الجاف في التعامل .. كما ادرك سر زيارة امه وشقيقه ... اصيب بالذعر من المعنى المبطن لكل ما يحدث فاتى رده خشنا ..
- ادخل عليها ؟؟ ادخل عليها كيف يا امي ؟؟ السرة دي مرت ابراهيم .. وانا عرستها بس عشان انتوا قلتوا عاوزين الولد يتربى معانا وما يجي راجل غريب يربي ولد اخوي ...
- حامد يا ولدي .. ابراهيم مات الله يرحمو ويغفر ليه .. والسرة ما بقت مرتو .. السرة هسة مرتك انت .. والعرس عرس يا ولدي .. ومادام عرستها يبقى لازم تاخد حقك وتديها حقها ...
- حق شنو يا امي ؟؟ انا ما عندي حق عندها ولاعاوز منها حاجة .. ولا يمكن هي اشتكت ليكم وقالت عاوزة حقها ؟؟ امي انا السرة دي بالنسبة لي زيها زي أي واحدة من اخواتي .. ما بحس نحوها باي شئ غير احساس الاخو باخته ... انتي بالذات يا امي اكتر واحدة عارفة انا رفضت العرس دة قدر شنو .. وعارفة كمان انا في النهاية وافقت ليه ... انا وافقت عشانك .. وعشان ما اكون سبب طلاقك بعد العمر دة كلو ...
تلبست حامد حالة من الانفعال العنيف واصبح صوته قاسياً .. لم يعبأ بالالم الذي انطبع على وجه امه وهو يذكرها بتضحيته من اجلها ...
- امي .. لازم كلكم تعرفوا انو دة اقصى شئ ممكن اسويه .. مافي زول فيكم يطالبني بازيد منو .. دخول على السرة ما داخل .. ولو هي اشتكت وطالبت بحاجة زي دي يبقى تشوف ليها راجل تاني غيري ...
قاطعته امه بغضب ..
- إتأدب يا ولد وما تنسى انت بتتكلم مع منو .. السرة ما اشتكت ولا عمرها حتشتكي حاشاها المربية بت الاصول العيبة ما بتطلع منها .. احنا عرفنا لانو امها لمن جات تزورها سالتها ليه ما حملت لغاية هسة وانتو معرسين ليكم خمسة شهور .. واضطرت السرة تقول لامها انك لغاية هسة ما لمستها .. امها جاتني جارية وكانت عاوزاني اكلم العمدة .. اقنعتها بعد تعب انو تخلي الموضوع علي وانا بتكلم معاك من غير ما ابوك يتدخل ... حامد يا ولدي مافي حاجة اسمها زي اختك ... لا هي بت امك وابوك ولا رضعت معاك .. دي مرتك والبتسوي فيهو دة حرام وبيدخلك في حساب رب العالمين .. انت انسان صلاي وقراي .. يعني ما عارف انو الوضع دة حرام ؟؟ السرة مرتك وليها عليك حقوق حتى لو ما طالبت بيها .. وانت راجلها .. لازم تصونها وتحفظها .. السرة سمحة ونضيفة وعفيفة .. وانت ما حتلقى احسن منها .. لازم تتعود على حياتك وما تفكر تهرب منها .. يا حامد حرام عليك البنية المسكينة دي الدنيا ظلمتها وشالت منها راجلها وهي في عز فرحتها .. ما تظلمها انت كمان لانك بتعرف طعم الظلم ... هي ما ليها ذنب في الحصل دة وما تنسى انها اتجبرت عليك زي ما انت اتجبرت عليها .. الفرق بينكم انها قبلت بالامر الواقع وانت لا ... لازم تقبل الشئ دة وتبدا توعى لمرتك وولدك .. ابراهيم دة بقى ولدك .. ما عرف وما حيعرف ابو غيرك يا ولدي خاف الله فيهو وفي امو .. خاف الله في روحك ...
انهارت الام باكية وهي تغطي وجهها بطرف ثوبها .. احس حامد بالالم والذنب وهو يرى دموعها التى ملأت خدودها .. عاد وجلس بجانبها .. قبل راسها المختفي خلف الثوب .. لف ذراعه حول كتفيها وضع راسه على راسها وبكى ... بكى طويلاً .. واحس بغضبه يتسلل من داخله مع قطرات دموعه .. احس بحزنه يخرج حاراً مع زفراته ... لقد كشفت كلمات امه الصادقة الغطاء عن كل مشاعر الحقد والحزن والاحباط التي كانت مدفونة باعماقه منذ ان اجبره والده على الزواج بارملة اخيه .. بكى كما لم يبك من قبل في حياته ... بكى ضياع المراة التي احبها بجنون منذ طفولته .. بكى موت حلمه ومشاعره التي اصابها الجمود .. بكى حتى على السرة وصغيرها وعجزه عن منحهم الحب والاهتمام والرعاية ...
عندما دخل بلة الغرفة وجد امه وشقيقه متعانقين وتلفهما موجة من البكاء .. اقترب منهما واحتضنهما معا .. كان كثيرا ما يشعر بالغضب من نفسه لسلبيته وانصاعيه التام لارادة ابيه وجبروته .. موقعه الاوسط بين ابراهيم الكبير صاحب الحظوة والكلمة المسموعة .. وحامد الصغير المدلل جعله منذ الصغر في حالة صراع للحصول على مكان بينهما في قلب ابيه .. فكانت الطاعة العمياء المطلقة هي وسيلته للتقرب من الوالد القاسي والحصول على رضاه .. شب على هذا حتى تحولت الطاعة الى سلبية مفرطة تصبغ كل ردود افعاله تجاه ما يحدث حوله ...
في تلك الليلة اصيب حامد بارق سرق نومه وجعله يدور في الساحة الخارجية والافكار تتلاطم في راسه كانت كلمات امه عن ظلمه للسرة وصغيرها وحرمانية ما يفعل هي اكثرها ايلاماً .. لكن عقله يصر على ان السرة هي زوجة اخيه .. وانها ما زالت مقيمة على حب زوجها الراحل ولن ترضى عنه بديلا كما هو حاله مع امونة .. سخر من نفسه وسذاجة تفكيره لانه ظن ان باستطاعته العيش في هذا الوضع الى الابد .. السرة بالنسبة اليه زوجة اخيه وام طفله .. كيف يتوقعون منه ان يعاشر زوجة اخيه ؟؟ كما وانها لا تثير فيه أي رغبة جسدية .. لقد ماتت كل احساسيه منذ ان اجبر على ترك امونة .. حبيبته الصغيرة التي كانت نظراتها البريئة تشعل النار في حواسه ولمساتها تحيله الى بركان ... لقد حفظ نفسه لاجلها واخذ على نفسه عهداً ان تكون اول امراة في حياته كما سيكون هو الاول في حياتها ... كيف يطالبونه الان ان يخون العهد ويعطي لغيرها ما هو لها ؟؟!! ...
غادرت امه مع شقيقه بعد يومين من وصولهما .. لم يتناقشا في الموضوع مرة اخرى .. لكن نظراتها كانت تستعدي عليه ضميره في كل مرة تلتقي عيناهما .. عندما احتضنها مودعاً حاول ان يطمئنها .. فاحكمت قبضتها حوله وهي تدعو له بالرضا .. والهداية ...
ظل لمدة شهر كامل يناقش نفسه محاولاً اقناعها بفعل الصواب .. تدفعه كلمات امه ودموعها .. ونظرات الانكسار في عيني السرة .. بدا يغير عادته في الغياب .. تعمد ان ياتي قبل مواعيد نوم السرة التي كانت تختبئ خلف ثوبها ما ان تراه وتحرص على تغطية اجزاء جسدها كانه غريب عنها ... حاول ان يتجاذب معها اطراف الحديث الذي سرعان ما يتحول الى جمل متباعدة ومبتورة .. لم يكن هناك شئ مشترك يجمعهما .. على عكس امونة التي لم يمل يوما حديثها .. وكانت نقاشاتهما تنتهي لتبدا مرة اخرى .. وكانت لحظات الصمت نادرة بينهما ولا تحدث الا عندما تغلبه مشاعره اثر لمسة عفوية او متعمدة بينهما ....
في نهاية الشهر كان قد حزم امره على ضرورة تقبل حياته كما هي بعد ان اصبحت امونة حلماً بعيد المنال .. قرر ان ينقل علاقته بالسرة من الورق الى الواقع ... لم يكن يستطيع ان يفعلها وهو واع لذلك عمد الى تخدير حواسه حتى ينسى من هي ويتذكر فقط انها امراة ... وانها زوجته ..
كانت المرة الاولى التي يتذوق فيها طعم الخمر منذ انهياره الشهير على عتبة باب بائعة الخمور في القرية .. احتسى الخمر بشراهة كبيرة حتى احس بان عقله قد غادر جسده مصطحباً معه كل الاحاسيس المتصارعة .. بخطوات مترنحة غادر غرفته واتجه الى غرفتها .. فتح الباب الموارب بهدؤ مصطنع ليقع نظره مباشرة على صدر السرة العاري الملتصق بفم ابراهيم .. لقد اتى وهو مصمما على نسيان كل شئ عدا انها امراة وانها زوجته .. لكن رؤيتها وهي ترضع صغيرها اعادت اليه جزء من احساسه الاول .. تجاهله بعناد وتقدم ببطء يشي بنواياه .. واكدت السرة فهمها بنظرات حزينة .. ودللت على قبولها بحمل صغيرها النائم ووضعه في سريره الملاصق لها ثم جلست تنتظره باستسلام ..
كانت قد اكتسبت مزيدا من الوزن منذ حضورهما من القرية وبدا تكدس الشحم في ردفيها وخلفيتها واضحا خلف قميصها بقماشه الناعم الملتصق بثنيات جسدها محددا معالمه بوضوح .. اصبح وجهها اكثر استدارة وشلوخها اكثر عمقاً .. كانت قد خاصمت الطيب منذ وفاة شقيقه .. الا انها ما زالت جميلة ... لم تعتري حامد اية رغبة في الحصول عليها برغم كمية الخمر التي احتساها ومظهرها المستسلم المغري .. وظل واقفا يتاملها وهو يحفز تفكيره وخياله بانها امراة .. وانها زوجته .. ويحاول ان يقنع حواسه بانه رجل يتوق للقاء امراة تفض بكارته .. دفعه تفكيره خطوة الى الامام .. اقترب منها حتى اصبح امامها مباشرة واحس بالحرارة التي تنبعث من جسدها وصوت انفاسها المرتبكة التي فقدت انتظامها ... كان يهم بوضع يده على صدرها المتحرر من كل القيود عندما احس بحركة خفيفة على السرير خلفها ... رفع راسه بغيظ لان هناك شيئا يحاول مقاطعته بعد ان استجمع شجاعته وخطا الخطوة الاولى .. اصابه المنظر الذي يواجهه بذعر هائل جعله يتراجع خلفا بسرعة اسقطته على الارض تلاحقه نظرات السرة المندهشة بعد ان التفتت لترى سبب تصرفه فلم تجد غير الفراغ ... حاول حامد النهوض فاحس بساقيه كالهلام وهي تلتوي تحته .. كانت علامات الفزع تتزايد في ملامحه وهو ينظر الى نقطة محددة خلف السرة التي نهضت وتقدمت نحوه تحاول مساعدته على النهوض .. حجب جسدها ما وراءه فاستعاد قدرته على الحركة ..رفض يدها الممدودة لمساعدته ونهض بضعف .. هرول خارجاً لا يلوى على شئ تاركاً زوجته غارقة في بحر من الذل والحيرة ..
استيقظ صباحاً بصداع فتاك ورغبة في التقيؤ .. كانت ذكرياته عن ليلة امس مهزوزة .. تحامل على نفسه ودخل الحمام .. افرغ كل ما في جوفه ثم ترك الماء البارد يندفع الى راسه ليزيل بقايا الخمر .. فجاة عاودته ذكرى الرؤية التي افزعته الليلة الماضية فاعتراه حزن قاس جعله يجهش بالبكاء .. ظل واقفاً تحت سيل الماء فترة طويلة حتى انحسرت موجة البكاء ...خرج من غرفته متلهفاً لمغادرة المنزل فتعثرت قدماه بجسد ابراهيم الصغير الذي اصبح يتجول حبواً في مكان .. رفعه من الارض وحمله بتمنّع وهو يتامل ملامحه الجذلة وخيط اللعاب الذي يسيل من فمه بلا انقطاع و يبلل الصدرية الصغيرة الملتفة حول عنقه .. بادله الصغير نظرة تشع براءة ودهشة .. وضعه في حجر السرة متفاديا النظر الى عينيها الحائرتين تمتم بكلمات مبهمة ثم ولى الادبار خارجاً .. لم يعد باستطاعته مواجهتها بعد ما حدث الليلة الماضية..
مرت ثلاثة اشهر اخرى قبل ان ياتيه صوت والده عبر الهاتف حادا وصارما وهو يطلب منه الحضور الى القرية على وجه السرعة مصطحبا السرة وابراهيم .. لم يواجه صعوبة في تخمين سبب الاستدعاء العاجل .. لابد ان خبر هجرانه لزوجته قد وصل الى مسامع ابيه بعد ان فشلت محاولات امه المستميتة في ابقاء الامر طي الكتمان ..
قاد سيارته بذهن شارد .. لم يكن متخوفا من لقاء ابيه بقدر ما اصابه الوهن العاطفي من احتمال لقاء امونة .. كان يظن بانه قد تجاوز حزنه على فقدانها واصبح اكثر قوة وصلابة واكثر قدرة على رؤيتها لكن عودته القسرية كشفت الغطاء الوهمي الذي غلف به مشاعره .. وتدفقت ذكراها بداخله كالشلال واكتشف حامد ان التسعة اشهر الماضية لم تمكنه من النسيان .. بل عمقت اصغر التفاصيل وجعلتها اكبر حجما واكثر وضوحاً .. كان يستفيق من شروده على صوت السرة الخائف عندما تنبهه بانحراف السيارة او اقترابه من حافة الطريق ... عندما وصلا الى القرية كانت تسبح في بحر من الضؤ وشمس منتصف النهار تصلي كل الزوايا بوهج حار .. احس بغربة تغمره وهو يتامل الشوارع والبيوت .. كانه لم يعش فيها يوماً ... بالنسبة اليه .. القرية كانت امونة .. وعندما ضاعت امونة اصبحت مجرد مكان غريب موحش ...
كان الاستقبال حافلاً .. نحرت الذبائح وظل المنزل غاصاً بالضيوف حتى وقت متاخر من الليل .. بعد تفرق الحشود وجد حامد نفسه وحيدا في مواجهة ابيه ..جلسا بصمت متحفز وكل يطالع الآخر بنظرات متحدية .. اخيراً رفع العمدة صوته وساله ما كان يتوقعه ...
- حامد .. الكلام السمعتو دة صحي ؟؟
رد حامد بلامبالاة متعمدة ..
- ياتو كلام يا حاج ؟؟ ...
- يا ولد ما تعمل لي فيها رايح وما فاهم انا بسالك من شنو ...
تخلى حامد عن لامبالاته ورد باقتضاب وتحدي ..
- ايوة صح ...
ضرب العمدة الارض بعصاته واشتعلت ملامحه غضباً ...
- يا ولد انت ماك راجل ؟؟ كيف يعني مرتك تقعد معاك تسعة شهور بدون ما تلمسها ؟؟!! انت عاوز تفضحنا ؟؟ الناس تقول علينا شنو لو عرفت ....
قاطعه حامد بانفعال ...
- الناس .. الناس .. الناس .. كل حاجة تقول لي الناس .. جبرتني اخلي الانسانة الطول عمري بحبها عشان كلام الناس .. جبرتني اعرس السرة عشان كلام الناس .. هسة عاوز تتدخل في ادق خصوصياتي وبرضو بحجة كلام الناس ؟؟ اقول ليك كلام يا ابوي ؟؟ لو الناس سالوك ليه ولدك ما رقد مع مرتو لغاية هسة .. قول ليهم عشان هو ما راجل .. ما قدر .. حاول وما قدر ...
هب العمدة واقفاً وسدد صفعة قوية تجاه حامد الذي تراجع خلفاً وتفاداها ليتلقاها الفراغ .. تصاعد غضب حامد من محاولة ابيه ضربه وارتفع صوته بلهجة حاقدة مريرة ...
- شنو يا عمدة ؟؟ انت قايلني لسة ولد صغير تضربه عشان يسمع كلامك ؟؟!! ... خلاص انا كبرت على سمعان الكلام بالضرب .. ويكون في علمك .. لا انت ولا غيرك حتجبروني ارقد مع السرة .. لو عاجبكم كدة يمشي الحال .. ولو ما عاجبكم اهي عندكم امسكوها وبكرة تجيكم ورقتها ..
تهاوى العمدة على كرسيه مذهولاً من اسلوب ولده وبراكين الغضب المتفجرة من صوته وعينيه .. فهو لم يكن يتوقع ان ياتي يوم ويخاطبه احد اولاده بهذا التحدي السافر ... خرج حامد من الديوان ليجد بله واقفا خلف الباب وقد تجمد من الخوف والدهشة .. تخطاه وخرج مسرعاً ... قاد سيارته الى بقعته المفضلة امام النيل .. جلس ارضا واتكا بظهره على هيكل السيارة الحار .. تامل المياه الجارية بصوت ناعم وقد انعكس عليها ضوء القمر المكتمل فبدت وكان حبيبات من الفضة نثرت فوقها .. كان صوت انسياب المياه يتغلغل داخله ويهدئ روعه .. لطالما كان للنيل تاثير قوي عليه .. لطالما كان صديقه الحميم الذي يبثه شكواه ويرمي في جوفه همومه وحزنه ولوعته ... لم يخذله يوماً .. ولم يضق به يوماً...
عندما عاد اخيرا قرابة منتصف الليل وجد المنزل غارقا في السكون .. توجه الى غرفة الضيوف متفادياً المرور بغرفة ابيه او الغرفة التي خصصت له مع السرة ... دخلها وهو يحس بتعب يستوطنه روحا وجسدا ً .. فوجئ بوجود شبح يجلس ساكناً في الظلمة .. فاضاء النور ليجد والدته النائمة في جلوسها واضعة يدها على خدها .. احس نحوها بالشفقة وبرغبة قوية للارتماء في احضانها .. دخل بهدوء ففتحت عيناها على الفور .. هاله كم الحزن المرتسم على ملامحها الطيبة ... جلس بجانبها مطرقا .. وخاطبها همساً ....
- امي .. انتي الوحيدة البيهمني تعرف اني حاولت ... والله العظيم يا امي حاولت زي ما وعدتك ... لكن ما قدرت ... برغم اني اليوم داك شربت لمن عروقي بقت ملانة خمرة بدل الدم .. ضغطت على روحي واقنعتها انو السرة دي مرتي وانو الليلة لازم ادخل عليها ... وفعلا مشيت اوضتها وكنت خلاص حانهي الموضوع .. عارفة المنعني شنو ؟؟ منعني ابراهيم اخوي ..
تابع حامد كلامه دون ان يهتم لشهقة الهلع التي صدرت عن امه ...
- تعرفي يا امي لمن قربت شديد من السرة .. حسيت بحركة في طرف السرير التاني .. رفعت راسي اشوف شنو البيحرك السرير لقيت ابراهيم قاعد يعاين لي ووشه ملان زعل .. بحلف ليك يا امي اني شفت ابراهيم وعرفت من تعابير وشو انو ما راضي عن الشئ دة .. ومن اليوم داك ما فكرت تاني اقرب من السرة .. ما عارف يمكن يكون الشئ الشفتو مجرد خيال زول سكران .. او انعكاس لرفضي انا للموضوع دة .. لكن خلاص الدخل جواي دخل وما اظن يطلع تاني ... يا امي انا عارف اني ظالم السرة معاي .. لكن ما بيدي ... ما قادر .. ما عندي أي احساس ناحيتها .. اعمل شنو .. انتي قولي لي اعمل شنو ؟؟ ..
اتي الرد من العمدة الذي انتصب بجسده المهيب وسد باب الغرفة ...
- اعمل أي حاجة يا حامد بس ما تفضحنا ... احنا ما عندنا حاجة اسمها طلاق .. دي بت عمك .. لحمك ودمك وعرضك .. ودة ولد اخوك المات .. يعني ولدك ..
رقت لهجة العمدة وبدت اقرب للضراعة منها للامر ...
- حامد يا ولدي انت راجل وسيد الرجال ... والسرة مرا تمام وست النسوان ... انت بس خت الرحمن في قلبك واطرد منو الاوهام ... ابراهيم الله يرحمو مستحيل يكون زعلان منك لانك صنت مرتو وبتربي ولدو ... منو حيكون امين عليهم اكتر منك ؟؟ منو حيحافظ عليهم اكتر منك ؟؟ ... حامد يا ولدي لازم تدخل على مرتك ... الكلام دة اعوج منك .. وحرام عليك .. حسابك عند رب العالمين حيكون كبير على الانت بتسويهو دة .. انت بس خت الفكرة في راسك ومع مرور الايام حتلقاها بقت مقبولة .. المرة الاولى حتكون صعبة .. اعمل أي شئ عشان تمش وتفوتها .. المهم المرة الاولى تعدي وبعد داك ببقى الموضوع طبيعي ..
قضى عدة ايام في القرية هائماً في الطرقات ممنياً نفسه بلقاء صدقة يرى فيه امونة .. لم يجرؤ على الذهاب الى بيت خالته لالقاء التحية .. لم يكن يثق بنفسه ورد فعله لو رآها .. في النهاية قرر ان يجنب نفسه ويجنبها عذاب اللقاء ..لكنه كان يدعو في سره ان يرى طيفها او لمحة منها في احد الدروب .. عندما اصابه الياس وشعر بغربته تتعمق .. قرر ان اوان الرحيل قد حان ...
كان يجلس متململاً خلف المقود في انتظار خروج السرة وصغيرها .. وعندما فتح الباب بجانبه اخترقت خياشيمه روائح الدخان والصندلية .. التفت بدهشة ليكتشف ان السرة قد تحولت الى امراة اخرى غير تلك المخلوقة الباهتة التي اعتاد عليها طيلة الاشهر الماضية .. اختفى البياض الذي استوطن شعرها وبات لونه كجناح الغراب لامعاً وتفوح منه رائحة دهن ( الكركار ) .. اصبح وجهها لامعاً واذدادت عيناها اتساعا بفضل الكحل الاسود الذي سال تحت جفونها مضفيا على ملامحها غموضا آسراً .. بدت شلوخها اكثر عمقاً بينما توردت شفتاها واصبح لون الوشم ملفتاً ومغرياً ... عندما ادخلت ساقها بحرص ارتفع طرف ثوبها ليكشف عن جسد صبغ باللون البرتقالي الذي تضارب مع نقوش سوداء ارتفعت حتى منتصف الساق ... استقرت بجانبه وهي تحاول ايجاد وضع مريح لها ولصغيرها النائم في حضنها وارتفع رنين الحلى الذهبية في يديها الممتلئتين ... تفادت النظر اليه وهي تعي نظراته المندهشة من التبدل الذي حصل لهيئتها ... لقد ذكرته بايام زواجها الاولى لشقيقه كان مدركا لسر التحول واسبابه ... انهم يدفعونه لتقبل واقع زواجه .. يدفعونه ليغير موقفه ومشاعره تجاه السرة .. تنهد بتعب ورفع يده ملوحاً لمودعيهم وقد تعمق احساسه بالغربة ... والرفض ...
وللفصل بقية .......

Abubakr Ibrahim
30th December 2010, 07:25 AM
الفصل الثالث عشر (4)
مر شهر منذ رجوعهما من القرية ظلت فيه السرة مواظبة على حرق جسدها بحطب الشاف والطلح يوميا .. تغيرت رائحة المنزل واصبح مغمورا بعبق بخور الصندل والدلكة والمحلبية والحنة ... وتغيرت معها ايضا نوعية ملابس السرة .. اختفت القمصان القطنية الواسعة والثياب الخشنة .. واصبح جسدها يتمايل مع همس الحرير والشيفون ... باتت تنتظره بالوجبات مهما طال غيابه مما جعله يشعر بالذنب ويعجل مواعيد عودته حتى لا يحمل نفسه وزر تركها جائعة ...
حاول كثيرا ان يجبر نفسه على دخول غرفتها ليلا مدركا بانها ستكون بانتظاره .. الباب الموارب والاضاءة الخافتة كانت اشارات واضحة ... كان يقطع نصف المسافة بين غرفتيهما ... ثم تداهمه ذكرى ابراهيم الجالس خلفها بوجه عابس .. فيتراجع .. ومع تكرار تراجعه تراجع ايضا اهتمام السرة بنفسها .. انحسرت الروائح المغرية واختفت القمصان الحريرية وعادت تكسو جسدها بثيابها الخشنة .. واظبت على انتظاره في مواعيد الوجبات .. لكن بنظرات كسيرة وملامح جامدة ...
لم يندهش هذه المرة عندما عاد ليلاً ليجد امه وزوجة عمه وشقيقه في المنزل .. كان يتوقع هذه الزيارة عاجلاً ام آجلاً ... اعتصمت السرة مع والدتها في غرفتها بينما جلس هو مع امه وشقيقه في غرفة الضيوف .. كانت المرة الاولى التي يبادر فيها بله بالحديث .. لحظتها فقط ادرك حامد بانه قد تجاوز كل الحدود .. وبان صبر الجميع قد فرغ بما فيهم شقيقه الصامت دوماً ...

- حامد يا اخوي .. هلاّ هلاّ على الجد .. والجد هلاّ هلاّ عليهو ... الوضع الانت عايش فيهو دة وضع ما طبيعي وغلط وحرام ... وتصرفاتك مخليانا داخليين في اضافرينا .. والبتسوي في بت عمك دة ما مرضي أي زول ... كلنا مدينا ليك حبل الصبر تقديرا لحالتك والظروف التم فيها العرس لكن يا حامد عشرة شهور ؟؟!! ...قريب السنة وانت هاجر المرة ؟؟ دة لا يرضي الله ولا رسوله .. ياخي السرة زاتها ما كانت عاوزة العرس دة لكن لمن لقت روحها قدام الامر الواقع بدت تتاقلم وعاوزة تعيش حياة طبيعية معاك ... حرام عليك يا حامد .. كسرت خاطرها وحسستها انها عبء تقيل على قلبك لمن جبرتها ترسل لامها وتقول عاوزة تتطلق ..

اهتز حامد عند سماع الكلمة الاخيرة ورددها بدهشة ..

- عاوزة تتطلق ؟؟!! .. السرة قالت عاوزة تتطلق ؟؟!! ...

- ايوة يا حامد السرة قالت عاوزة تتطلق لانها عاوزة تحفظ كرامتها الانت بتدوسها ليها كل يوم .. انت قايلها شنو ؟؟ حجر ؟؟ ما عندها احساس ؟؟ تعرف لو أي واحدة تانية غيرها كانت طلبت الطلاق من اول شهر .. لكن لانها بت ناس ومتربية سترت عليك وابت تشتكي الا بعد ما خلاص فاض بيها .. انا بس عاوز اعرف يا حامد انت عاوز شنو ؟؟!! حتعيش كدة لمتين ؟؟ انت خلاص ما بقيت صغير .. عمرك وصل تستعتاشر سنة .. كدة ورينا محتاج كم سنة تاني عشان تنسى الفات وتبدا تقبل حياتك ؟؟ ولا خلاص نبدا نناقش تفاصيل طلاقك من بت عمك ونشوف راجل تاني يربي ولد اخوك والله والله والله والحلف بالله ما خلى شئ .. انا لولا معرس اختها .. كنت عرست السرة وانا شاكر ربي على النعمة الاداني ليها ..

كانت الكلمات تنهال على حامد كطعنات السكين التي لا يملك دفعها .. احس بدموع العجز تملا عينيه وتسيل على خديه .. سكت بله مبهوتاً من دموع شقيقه الاصغر .. وهمسه الموجوع ..

- بله انا حاولت ... حاولت وما قدرت .. كل يوم في الشهر الفات دة بقعد في اوضتي واقول الليلة بمشي ليها .. اتحفز واعبي نفسي .. لكن اول ما اوصل نص المسافة بين الاوضتين بلقى كل حاجة جواي ماتت .. طوالي برجع لانو احسن مليون مرة اني ما ادخل خالص مما ادخل وانا بالحالة البكون عليها ..
ارتفع نحيب الام على ولدها وخرجت كلمتها متقطعة ..

- يبقى كلام مرت عمك صح .. انت معمول ليك عمل ... امونة وامها ربطوك عشان ما تدخل على السرة .. انا بالاول ابيت اصدق الكلام دة لمن جاتني وقالتوا لي وقلت مستحيل اختي تعمل كدة .. مستحيل تاذيك لانها بتحبك زي ولدها .. وهي عارفة انك ما خليت امونة الا غصبا عنك .. لكن هسة بعد الكلام القلتو دة انا بقيت متاكدة انهم ربطوك ..

هز حامد راسه بعنف رافضاً الفكرة ..

- امي ربط شنو ؟؟ دة كلام فاضي وخزعبلات ساكت ..

- لا ما كلام فاضي .. السحر مذكور في القرآن .. انا بكرة بدري راجعة البلد ومن دربي عديل لشيخ العبيد احكي ليهو الحصل واخلي يشوف ليك علاج .. وياريت لو انت زاتك تجي معاي عشان يشوفك ..
- امي انا امتحاناتي على الابواب وما عندي وقت للكلام الفارغ دة ...

غابت الام اسبوع وعادت بعده محملة باشياء شتى .. كانت تشرف بنفسها على خطوات العلاج كما اسمتها .. تطلق البخور في كل وقت تراه .. وتجبره على شرب سوائل كريهة المذاق .. لم يكن مقتنعاً بما يفعل وكان بداخله رفض قوي لكل ما يحدث لكنه خضع لضغوط امه ارضاء لها ولنظرة الترقب في عيني السرة الملئتين بالامل .. كان موقناً بان المشكلة تكمن بداخله هو وليس لاي مخلوق آخر يد فيها .. عدم رغبته بزوجته سببها حبه لامونة التي كان عقله الباطن يرفض وجود أي امراة اخرى في حياته غيرها .. العهد الذي قطعه لها بان تكون اول امراة تمتلك جسده كما امتلكت روحه وقلبه وعقله .. لم يكن يرغب بخيانتها مع اخرى حتى لو كانت زوجته ..
بانتهاء العلاج المزعوم وقبيل مغادرتها الى القرية انفردت به امه وسكبت في اذنه جملة من النصائح ختمتها بواحدة افزعته ..

- حامد يا ولدي انا حاسة بيك وعارفة الجواك .. لكن الشئ دة ما منو مفر ولازم تعملو السرة دي لحمك ودمك .. واجبك تحافظ عليها زي ما حافظت عليك الفترة الفاتت دي كلها ولو بقى صعب عليك تمشي ليها عشان هي السرة وكانت مرة ابراهيم اخوك (الله يرحمه) .. امشي ليها واتخيل انها امونة ...
هب واقفا ونظر اليها بعدم تصديق .. حاول ان يغادر الغرفة لكنها سدت الدرب بجسدها وامسكت بذراعه ...

- اتخلعت من كلامي ؟؟ مالو ما فيها حاجة لمن تتخيل انها المرة البتحبها وبتتمنى تكون معاها .. انت ما حتكون اول ولا آخر زول يعمل كدة ... دة ممكن يسهل عليك وعلى السرة حاجات كتيرة .. اقلها ما حيكون خيال المرحوم بينكم .. وصدقني يا حامد بس المرة الاولى الحتكون صعبة عليك .. لكن بعد كدة كل شئ حيبقى طبيعي وعادي ..

بعد مغادرة امه بيومين فكر ان يطبق نصيحتها .. اطلق لخياله العنان مع طيف حبيبته الغائبة حتى اصبح مشحوناً بطاقة لم يظن انه يملكها .. وفي تلك الليلة اصبحت السرة زوجة فعلية لحامد الذي امتلكها بعنفوان رجل محروم يمتزج للمرة الاولى مع امراة يعشقها ... في غمرة الانفعال الاول لم ينتبه للكمات المتقطعة التي كانت تخرج منهما بصعوبة ...في لحظة انفجاره وعندما كان يهتف باسم امونة سمع السرة تردد اسم ابراهيم ... مع مرور الايام اصبح الامر أكثر سهولة .. خصوصا عندما يرافقه خيال حبيبته ويحتل مكان زوجته في السرير ...
كان حامد مستلقياً بين النوم واليقظة .. اخرجته من غفوته صوت طرقات ملحة على الباب فافاق من عالم الاحلام والذكريات ورفع راسه المثقل بخدر النعاس ليسمع الطرقات تتوالى وتتقاطع مع صوت الاذان وصوت رجل ينادي من وراء الباب ..

- حاج حامد ... قوم الاذان اذن .. هوي يا ود العمدة قوم الصلاة ما تفوتك ...

نظر الى المنبه الصعير بجوار سريره ثم نهض وسارع بفتح الباب ليوقف سيل الطرقات .. واجه ميقظه بابتسامة عريضة ..

- خلاص يا ود سعد صحيت .. افرشوا البروش انا بدخل الحمام سريع والحقكم ..

أمّ حامد صفين من المصلين الذين تشابهت ملامحهم واختلفت اعمارهم .. ما ان انتهت الصلاة حتى امتلا المكان برائحة الشاي واللبن المقنن .. جلس عمار ارضا يعبئ الاكواب وتولى فتى صغير السن توزيعها مع الاطباق المليئة بالبسكويت والكعك ومربعات الفطير المرشوش بالسكر الناعم .. تعالت اصوات الرشفات وطقطقات الالسن استحسانا بطعم الشاي ...

رفع ود سعد عقيرته منشدا مقاطع دوبيت بصوته الرخيم .. ارتسمت ابتسامات الرضا على الوجوه وبدا كل يجود بما لديه من شعر وغناء .. غمر حامد احساس بالسعادة والرضا كان قد غادره منذ وقت طويل ...عبر النوافذ العريضة تسللت هبات نسيم باردة تبشر بشتاء قاس ... كانت محملة برائحة رطوبة البحر والسمك والبن المحمص ... بدا ضوء الفجر الباهت يشق الظلمة الحالكة وظهر في الافق لون حائر بين البنفسجي والفيروزي .. ارتفعت زقزقة عشرات العصافير التي تسكن السور الشجري في آخر الساحة لتطغي على كل ما عداها وبدا ان حركتها قد استفزت الازهار المنتشرة .. ففاحت رائحة زهور الفل والياسمين وامتزجت مع عبق زهور شجر النيم والبرتقال ...
شعت ابتسامة حامد وأضاءت وجهه الوسيم وارتفعت معها اصوات الدوبيت بين ود سعد وبقية الحضور كان صباحاً مثالياً لم يعشه منذ ما يقارب الثلاثة عشر عاماً ...
وبكره فصل جديد .....................

Abubakr Ibrahim
1st January 2011, 06:56 AM
الفصل الرابع عشر (1)

استيقظت نعمات على صوت الزغاريد فامسكت راسها بالم واحست كأن طبولاً تدق بداخله .. رفعت يدها تتحسسه بحرص فاصطدمت بالعرق الناتئ في اعلى جبينها وهو ينبض بشدة .. لقد باتت تعرف دلالة هذه الاشارة .. لابد وانها في غمرة انشغالها بالاستعداد لعرس رحمة سهت عن ابتلاع الحبوب التي توازن ضغط دمها .. فتحت درج الكمودينو الصغير بجانب سريرها تلمست بيدها حتى عثرت على صندوق الحبوب .. فضت احداها بيد مرتعشة ووضعتها تحت لسانها واستلقت وهي تتمنى ان يزول المها بسرعة .. ادارت راسها ببطء ونظرت بحسرة الى المساحة التي سكنها الفراغ منذ امد بعيد الا في حالات نادرة .. لقد هجر حامد فراشها منذ وفاة امونة ... وابنه ..
في الشهور التي تلت الوفاة احترمت حزنه على محبوبته ولوعته لموت الولد الذي كان ينتظره طيلة حياته .. لكن الشهور استطالت وتمددت حتى اصبحت عاماً كاملاً اعتزل فيه زوجها العالم وبنى غرفة بعيدة اصبحت كمحراب يمارس فيه شعائر حزنه ووحدته بعد ان حرّم دخولها على الجميع .. لم تكن تدرك سطوة حبه لهذه المرأة حتى رات كيف تغيرت احواله بعد زواجه بها .. هذا الزواج الذي زلزل كيانها واصابها بطعنة قاتلة في صميم كرامتها وانوثتها ..
كانت هادية قد اكملت شهرها الثالث وظنت نعمات ان عزوف حامد عنها يرجع لخيبة امله في الحصول على وريثه الذكر .. تفهمت حسرته خصوصا بعد ان وصل عدد بناته الى ثمانية بمولد ابنتها وبدرية ابنة السرة التي وضعتها بعدها بشهر .. بدات رحلاته الى القرية تتزايد حتى وصلت الى اربعة في شهر واحد .. دهشت لهذه الرغبة المفاجئة في التواصل مع المكان الذي ادركت بعد زواجهما بوقت قصير مدى بغضه له بعد ان اقتصر ذهابه هناك على الامور الملحة التي لا يستطيع تفاديها .. لقد اصطحبها في احدى الزيارات بعد انجابها لنادية .. وجدت استقبالاً باردا مغلفاً بتهذيب مجبر انباها برفض اسرته لوجودها .. هي الغريبة التي شاركت ابنتهم في زوجها .. وكانت المرة الاخيرة التي تزور فيها اهل زوجها .. لم يطلب منها مرافقته .. ولم تتطوع هي بالذهاب معه..
عندما اخبرها بنيته زيارة القرية للمرة الخامسة خلال مدة قصيرة .. سالته بحيرة ..
- في شنو يا حامد ؟؟ .. انشاء الله مافي مشكلة هناك ؟؟ .. بقيت تمشي كتير في الفترة الاخيرة !!
كانت اول مرة ترى فيها علامات التردد في صوت زوجها وملامحه .. جلس على حافة السرير يتاملها وهي ترضع هادية المستكينة بين ذراعيها .. ثم نطق بآخر جملة توقعت ان تسمعها ..
- نعمات .. انا حعرس ..
تجمدت حركتها .. وخيل اليها ان الحليب تجمد ايضا في ثديها ولم يعد ينساب الى فم الصغيرة التي بدات تتململ وتحرك يديها باحتجاج ... ظنت بانها اخطات السمع او التبس عليها فهم الجملة التي نطقها .. فسالته بتضرع ..
- قلت شنو يا حامد ؟؟
يبدو ان اعادة الجملة اصبحت اكثر صعوبة لحامد الذي اطرق مسافة بدت لها كالابد .. ثم رفع راسه وجاوبها بالجملة التي تمنت لو اصابها الصمم قبل ان تسمعها ..
- انا حعرس امونة بت خالتي ..
كانت غارقة في ذهولها وهي تحاول ان تستجمع ذاكرتها المشتتة لتستحضر ما تعرفه عن هذا الاسم امونة ؟؟ ابنة خالته ؟؟ .. كانت علاقتها ضعيفة مع اهل زوجها منذ تلك الزيارة اليتيمة لذلك تاهت عنها الاسماء وصلة القرابة .. فجاة لمع في عقلها ذكرى حوار دار بينها وبين حامد منذ عام تقريبا عندما طلب منها ان ترافقه لتقديم واجب العزاء في زوج ابنة خالته الذي توفى في حادث نجت منه هي بمعجزة .. يومها رفضت ان ترافقه واخبرته باسبابها ..
- يا حامد اهلك ديل ما بدوروني .. انا ولدت مرتين وحصلت لي حاجات كتيرة .. مافي زول فيهم شال رجلو وجاني .. السرة لو قالت راسها واجعها ولا واحدة من بناتها طعنتها شوكة يجوا جاريين .. وما بيكلفوا نفسهم حتى يقطعوا الحوش ويزوروني ولا يشوفوا بناتك .. كيف عاوزني امشي ليهم .. انت ما مفروض ترضى لي المهانة وقلة القيمة والطريقة البيعاملوني بيها .. انا مرتك زيي زي السرة .. ولا يعني عشان انا الغريبة وهي بت عمك ؟؟ انا عمري في حياتي ما شفت عنصرية زي البتعاملوا بيها اهلك دي يا حامد ..
نظر اليها بغيظ وقد اغضبه ان تنتقد اسرته بهذه الصورة ..
- نعمات .. طلعي الاوهام دي من راسك .. اهلي انتي البعدتي عنهم وما كان عندك رغبة تتعاملي معاهم .. ما بتزوريهم ولا حتى علمتي بناتك يكونوا حنان معاهم ... واهو اناباقول ليك نمشي واجب عزا ابيتي تمشي ...
- حامد خليك حقاني .. انا لمن زرتهم الحصل شنو ؟؟ ما قدامك عاملوني زي الزفت وحسسوني كاني ضيف تقيل وما مرغوب فيهو ... وبعدين تعال .. اشمعنى بت خالتك دي العاوزني امشى اعزيها في راجلها ؟؟ ما ناس كتار ماتوا ليكم وعمرك ما قلت لي امشي معاي .. شنو البخليني امشي لدي بالذات ؟؟ ...
اذن هي بنت الخالة التي توفى زوجها !! .. احست نعمات بوهن غريب يخدر حواسها وبدات قبضتها التي تمسك بصغيرتها تتراخى حتى كادت تسقط من بين يديها .. قفز حامد وانتزعها منها ووضعها في منتصف السرير العريض وهي تصرخ خوفا من الحركة المفاجئة .. اصبح وجه نعمات شاحباً كالموتى وسالت دموعها وهي تنظر الى زوجها الجالس امامها محرجاً .. بحثت عن صوتها حتى وجدته .. وسالته ..
- يعني انت خلاص قررت وجاي تبلغني تحصيل حاصل ؟؟ عاوز تعرس فيني يا حامد ؟؟ ليه ؟؟ .. انا ناقصني شنو مشيت تكوس ليهو عند واحدة تانية ؟؟ قصرت معاك في شنو ؟؟ انت الناقصك شنو ؟؟ عشان ما جبت ليك الولد الانت بتحلم بيهو ؟؟ دة شئ ما بايدي .. دي ارادة ربنا .. هانت عليك عشرتي يا حامد ؟؟ خلاص استغنيت ؟؟
غلبتها موجة بكاء حادة اخرستها عن الكلام بينما ظل حامد يراقبها صامتاً حتى هدأت ..
- نعمات ... انتي على راسي من فوق .. مكانتك محفوظة ومافي أي شئ حيتغير في حياتك وزي ما كنت عادل بينك وبين السرة حكون عادل بينك وبين امونة .. وبعدين ما تختي في راسك اني عاوز اعرس عشان كايس الولد .. دي قسمة ربنا وانا راضي بيها ...
ظهرت علامات التردد مرة اخرى وصمت طويلاً كانه يبحث عن الكلمات المناسبة .. ثم واصل كلماته مطرقاً وهو يتفادى النظر الى عينيها الفزعتين الكسيرتين ...
- امونة دي بت خالتي .. يعني لحمي ودمي .. اتظلمت كتير في حياتها .. واتحملت كتير انا وهي اتربينا مع بعض .. يبقى انا اولى من أي زول تاني بتحمل مسئوليتها ..
- يعني شنو مسئوليتها ؟؟ اذا قصدك مسئولية مادية يبقى خلاص رسل ليها كل شهر البكفيها وكدة تكون اتحملت مسئوليتها وما في داعي تتزوجها .. انت بتغش على منو يا حامد عليّ انا ولا على روحك ؟؟ الموضوع ما مسئولية .. دة مجرد كلام انت بتقولو عشان تبرر بيهو الشئ الانت ناوي تعملو .. واضح انك عاوز تعرسها عشانها هي .. ولا شنو البيجبرك تعرس ليك واحدة عجوز وعاقر ما بتولد ؟؟
- انتي منو القال ليك انها عاقر ؟؟ ... بقيتي تعلمي بالغيب كمان ؟؟
- ما بعلم بالغيب ولا حاجة .. انا هسة اتذكرت كلامك قبال سنة لمن قلت لي راجلها مات بحادث في المانيا وانها عاشت معاهو عشرين سنة بدون عيال ؟؟ اتاريك من البداية كنت مهتم بيها شديد واول ما سمعت بموت الراجل جريت ليها ... شوف يا حامد انا ما راضية بقرارك .. ومن هسة باقول ليك يا انا ياهي .. ولو عرستها تطلقني ..
رمقها حامد بنظرة ساخرة اكدتها نبرة صوته ..
- غريبة يكون دة موقفك يا نعمات !! ما انتي عرستيني وانا معرس قبلك !! عموماً انا ما جيت اشاورك ولا اخد رايك .. انا جيت ابلغك احتراما للعشرة البينا .. وبقول ليك تاني انا باقي عليك يا بت الناس ومافي شئ حيتغير في حياتك ولا حياة بناتك .. ما تعاندي وتركبي راسك وتخربي بيتك بايدك .. لانك لو اصريتي على الطلاق ما بمسكك غصباً عنك .. ما انا البمسك مرا ما عاوزاني .. ولو على بناتي حيفضلوا بناتي وحالتزم بيهم لآخر يوم في عمري ...
يومها اصابتها اولى نوبات صداعها العنيف .. ولم تفلح كل المسكنات العادية في تهدئتها .. عندما فقدت السيطرة على احتمال الالم وارتفعت اناتها لتصبح صرخات احضر حامد الطبيب الذي اكتشف ان ضغط دمها قد ارتفع الى درجة تنذر بالخطر ... منذ ذلك اليوم لم تفارقها حبوبها .. ولم تفارقها الحسرة على زوجها الذي احبته بكل مشاعرها وتزوج عليها اخرى تكبرها سناً وتقل عنها جمالاً ..
تواصل بكاءها لمدة ثلاثة ايام متتالية ... وجف الحليب من ثدييها .. وبدات هادية التي رفضت الحليب الصناعي تتلوى جوعاً فحملتها نادية المرعوبة من حال امها وشقيقتها الى زوجة ابيها التي ارضعتها مع بدرية ثم اتت تحملها في اول زيارة الى بيت ضرتها منذ زواجها ...
وللفصل بقية .................

Abubakr Ibrahim
2nd January 2011, 06:35 AM
الفصل الرابع عشر (2)
اصيبت نعمات بدهشة حقيقية لهذه الزيارة الغير متوقعة .. واخافها التعبير الغريب المرتسم على وجه السرة .. لم تكون غاضبة او حزينة مثلها .. بدت عليها سيماء الهدوء .. وفي عينيها نظرة تشفي لم تحاول اخفائها .. جلست في مؤخرة السرير وهي تحمل هادية النائمة بين ذراعيها بوداعة .. سالتها بصوت مبحوح ...
- حسيتي بيها يا نعمات ؟؟!! ...
كانت تحاول استيعاب كلمات السرة ومعناها فردت عليها بآلية ...
- هي شنو الحسيت بيها يالسرة ؟؟!! ...
شعت نظرة التشفي وارتسمت ابتسامة رضى غامضة على شفتي السرة فنهضت ببطء من جلستها ووضعت هادية بين ذراعي امها الباكية ..
- حسيتي بحرقة الراجل لمن يعرس فيك ؟؟ .. حسيتي بوجع الغدر لمن يجيك فجأة ؟؟ .. حسيتي بطعنة الغيرة بتقطع حشاك عشان راجلك مشى لواحدة تانية وخلاك ؟؟ ..
انتفضت نعمات وهي تستمع الى احاسيسها التي ظنتها مخفية تتبعثر في فضاء الغرفة بلسان شامت ..
- انتي جاية تشمتي فيني يالسرة ؟؟ ما هو حيعرس فيك انتي برضو !! يعني عاملة ما هاميك ؟؟
ردت السرة ببرود ..
- الطعنة الاولى بتوجع .. بعد داك ما بتحسي بالباقي لانو بتكون كل حاجة جواك خدرت .. انا حامد حرق حشاي لمن جابك فوقي .. لكن هسة عادي .. ما هاميني ..
احست نعمات بمطرقة ضخمة تضرب راسها بلا رحمة .. حاولت التماسك حتى لا تنهار امام عيني ضرتها المترصدتين وردت بقوة لا تملكها ..
- انا زاتي ما هاميني يالسرة .. واذا حامد ما بقى عليّ انا ما باقية عليهو .. واذا هو مستغني قيراط انا مستغنية اربعة وعشرين قيراط .. حشيل بناتي وارجع بيت ابوي .. انا ما زيك يالسرة .. انتي رضيتي وقعدتي .. انا ما ناوية اقعد .. وحاطلب الطلاق .. ولو عاوزة بكرة باعرس سيد سيدو ..
اطلقت السرة ضحكة مجلجلة جعلت هادية تتململ في نومها .. ثم اردفتها بكلمات نزلت عليها كماء النار ..
- ما تكابري ساكت وتغالطي روحك يا نعمات .. وما تقولي ما هاميك .. انتي عرس حامد واجعك ومحشحش كلاك ... صحي ممكن تتطلقي وتعرسي تاني .. لكن اعرفي حاجة واحدة .. عمرك ما حتلقي راجل زي ود العمدة .. لانو ما ليهو سيد غير ربو الخلقو ..
زاد صداع نعمات من كلمات السرة المؤلمة فصرخت فيها ..
- انتي لسة بتدافعي عنو بعد ما عرس فيك مرتين ؟؟!! انتي شنو ؟؟ ما عندك احساس ولا ما مستوعبة البيحصل دة ؟؟ ولا يمكن عشان العروس قريبتك ؟؟ انتو جد ناس غريبين وممكن تتعنصروا لبعض حتى في الحاجات الزي دي !! ..
- ايوة بدافع عنو يا نعمات .. حامد مهما عمل حيفضل ولد عمي .. وعم ولدي .. لحمي ودمي .. ابو بناتي .. ولو قايلة نفسك بتقدري تخليهو تبقي غلطانة ..لانو البتعرس حامد بتدمن وجوده في حياتها .. وما بتقدر تخليهو مهما حاولت .. ود العمدة ما بتخلى يا نعمات .. ولو قايلة نفسك ممكن تخيريهو بينك وبين امونة تبقي غلطانة ..
فجاة انخفض صوت السرة الجهوري حتى بات اقرب للهمس .. وتضاربت ملامحها بين الحزن والغضب ..
- لازم تعرفي انو حامد لو ختوا ليهو امونة في كفة والدنيا كلها في كفة تانية حيختارا هي لانو امونة دي حلمو المنتظروا عمرو كلو عشان يبقى حقيقة ... امونة دي روحو الضايعة منو .. امونة دي المرا الوحيدة الحباها حامد في حياتو كلها .. لا انا ولا انتي ولا بناتو ولا احفادو ولا أي مخلوق في الدنيا دي ممكن ياخد مكانها ..
احست نعمات بانفاسها تضيق في صدرها من جراء كلمات السرة الاخيرة .. جلست صامتة تتامل دموع ضرتها التي نافست دموعها .. كانت لحظة سلام نادرة بينهما توحدت فيها مشاعرهما للمرة الاولى والاخيرة .. وعندما خرجت السرة دون ان تضيف كلمة اخرى .. ادركت نعمات انها ستخوض معركة خاسرة ان هي اصرت على رفض زواج حامد بهذه المراة التي لم تكن تدري بتاثيرها على مشاعر الرجل الذي ظنت انها حبه الوحيد .. تاثير له سطوة وقوة لدرجة انه فرض وجوده على السرة فقبلته بلا نقاش واقرت به بلا مواربة ...
ارتفعت موجة الزغاريد مرة اخرى فاجفلت نعمات من الالم .. تحاملت على نفسها لتنهض من سريرها وهي تتساءل عن سر هدوء بناتها وعدم ظهورهن على عتبة غرفتها كما اعتدن كل صباح وقفت في منتصف الصالة الساكنة ودهشت عندما نظرت الى الساعة الكبيرة التي تواجه غرفتها لتجدها قد شارفت على منتصف النهار .. رفعت صوتها بقدر ما سمح به الم راسها ...
- نادية ... اميرة .. هادية .. يا بنات انتو وين ؟؟ قوموا الدنيا بقت ضهر ..
يبدو ان الجميع كان مستيقظاً وفي انتظار اشارة للخروج .. فتحت الابواب المغلقة تباعاً وظهرت من خلفها وجوه متعبة بعيون منتفخة وحزينة .. هلعت نعمات من منظرهن وسالت بقلق ..
- بسم الله !! في شنو يا بنات ؟؟ مالكم زي الجايين من بيت بكا ؟؟
تبادلت اميرة ونادية نظرات طويلة بينما وقفت هادية تراقب الجميع بصبر نافذ ..
- يا بنات اتكلموا .. في شنو ؟؟ ...
همت اميرة بالكلام فسبقتها نادية بسرعة ...
- مافي حاجة يا امي احنا بس تعبانين من سهر امبارح .. انتي مالك ؟؟ ليه شكلك تعبان كدة ؟؟
- انا لي يومين ناسية ابلع حبوبي وهسة حاسة راسي حينفجر من الصداع .. اميرة اجري اعملي لي كباية شاي سريع بس ما يكون تقيل .. اما انتو يا نادية وهادية فحسابكم معاي بعدين .. خلوني بس اروق عشان اعرف كنتوا وين امبارح ...
وجهت نادية نظرة محذرة الى اميرة التي اطرقت واتجهت الى المطبخ مسرعة .. جلست نعمات في اقرب كرسي اليها وهي تتامل ملامح نادية الخائفة وهادية المتحدية .. سحبت نفساً طويلاً حتى احست بحرقة في حلقها وهي تحاول جاهدة التخلص من احساس الشوق المفاجئ الذي اعتراها تجاه زوجها الغارق في حب امراة ميتة وناسيا زوجة حية تعاني هجره بصمت .. لطالما كانت الاعراس تثير فيها هذه الاحاسيس التي تحاول جاهدة نسيانها وسط زحمة الحياة فتاتي لحظات كهذه لتوقظ بداخلها جوع الانثى المتعطشة لحب رجلها .. احست بغبن يتلبسها .. انها حية .. ومليئة باشياء لا تقال .. اشياء تتآكلها من الداخل وتملا روحها بثقوب تسقط من خلالها مشاعرها ورغباتها واحلامها ...
توالت على الباب طرقات مرحة ثم فتح ليظهر وجه منال الفاتن تزينه ابتسامة عريضة تتراقص معها غمازتيها باغراء .. كانت اكثر شبهاً باميرة من بقية بناتها .. ومن يراهما معا يعتقد بانهما شقيقتان ..
- يا جماعة ازيكم .. انتو لسة نايمين ولا شنو ؟؟ بالغتوا لكن !! ... الضهر قرب ياذن وناس الصبحية بدوا يجوا .. يلا البسوا سريع وتعالوا ساعدوني .. حبوبة السرة تعبانة وما قادرة تقوم من السرير .. امي راسها ضارب وما عارفة تعمل شنو و قالت ليك تعالي ساعديها تلبس رحمة يا ماما نعمات ..
ابتسمت نعمات لتعبيرات منال الطريفة ..
- تعالي يا منال .. ادخلي اشربي معاي الشاي وانتظري خالاتك يلبسوا ويمشوا معاك ...
هزت منال راسها بمرح ...
- ادخل ؟؟ ادخل وين ؟؟ انا لو اتاخرت شوية امي حيجيها انهيار عصبي .. انا بس جيت استعجلكم .. عليكم الله ما تتاخروا الشغل كتير وانا ما قادرة اعمل حاجة براي ...
وسرعان ما اختفت كما ظهرت بعد ان تركت خلفها ابتسامة معلقة في شفتي نعمات ونادية وشبه انفراج في ملامح هادية المقطبة ..نظرت نعمات الى ابنتيها بغيظ ..
- انتوا واقفات زي التماثيل كدة مالكم ؟؟ .. يلا اتحركوا سريع .. البسوا وامشوا ساعدوا اختكم .. والليلة العاوزة كسر رقبتها ما القاها قاعدة قدامي في الصبحية .. سامعاني يا هادية ؟؟ وانتي يا نادية ؟؟ ..
انكسرت نظرة هادية المتحدية امام غضب والدتها فهزت كتفيها بلامبالاة واستدارت وهي تحشر جسدها الضخم في فتحة باب غرفتها وصفعته بعنف وراءها .. تنهدت نعمات بضيق وهي تفكر بصوت عال ...
- البت دي تعبتني شديد وما عارفة اعمل معاها شنو ؟؟ لا الكلام نفع .. ولا الضرب نفع
اتاها رد اميرة من خلف ظهرها قبل ان تستدير وتضع امامها صينية الشاي وصحن ملئ بالسندويتشات
- خليها يا امي .. هادية بتمر بسن حرج واي كلام معاها بيزيد عنادها .. بكرة تكبر وتعقل
ابتسمت نعمات لابنتها المفضلة وهي تخاطبها بحنو ..
- الله يكملك بعقلك يا اميرة .. انا ما عارفة اخواتك ديل ما طلعوا زيك ليه ؟؟ يلا سوقيهم وامشوا ساعدوا بلقيس على بال ما انا اجهز واجي لاحقاكم .. وختي لي بالك على اخواتك واوعى اجي ما القاهم .. بحاسبك انتي فاهمة ؟؟ ...
وبكره فصل جديد ..................

Abubakr Ibrahim
3rd January 2011, 06:55 AM
الفصل الخامس عشر (1)

المهيرة وعقد الجلاد النار يا عروسنا .عريسك غلبو الثبات ...المهيرة مهيرة السرور وانتي ملكة وحواليكي نور يا عروسنا ..عريسك غلبو الثبات ..

كان صوت الفنانة رخيماً ومتماشياً مع نقرات ( الدلوكة ) المشدودة .. رافقه تصفيق متحمس من مئات الايدي ومراقبة دقيقة من العيون التي تتابع حركات رحمة المحترفة وجسدها الممشوق اللدن وهي تتمايل مع الايقاعات بمهارة وخفة و تتفادى يدي عريسها المتحفز الذي يدور حولها بحرص خوفاً من وقوعها للمرة الثالثة بعد ان غافلته في مرتين سابقتين وانسلت من بين يديه لتسقط ارضاً وسط صيحات التشجيع من اهلها وصديقاتها وصيحات الاستهجان من اهله خصوصا عندما ترتفع اصوات الجانب المتشفي وهي تغيظ الجانب الاخر بصوت عال ....
- الغلبو منو يا ناس؟؟ ... الغلبو منو ؟؟
ويتعالى اسمه وسط الضحكات والغمزات ... لم يكن مهتما بهزيمته في هذه اللعبة المثيرة بقدر ما اهمه سقوط عروسه في الارض فهمس في اذنها عندما رفعها بعد سقطتها الثانية ..رحمة .. الله يخليك اعملي حسابك .. براحة ما تأذي روحك بالوقيع الكتير ...
اجابته بابتسامة سلبت عقله .. كان متلهفاً لانتهاء هذه الطقوس الطويلة كي ينفرد بعروسه التي اختارها بعقله وما لبث ان غرق في حبها حتى النخاع .. اعتبر نفسه محظوظاً بلقاء الصدفة الذي جمعه بها في احدى المناسبات العائلية .. كانت صلة القرابة بينهما بعيدة ومعقدة .. لكنها كافية لتقديم نفسه الى والدها وجدها المعروفين بتشددهما في اختيار ازواج فتيات العائلة الزائعة الصيت .. لم تكن اسرته تضاهي اسرة ود العمدة في الثراء والجاه .. لكنها تتمتع بسمعة طيبة ويتميز افرادها باهتمامهم بالتعليم .. تخرج محمود من كلية الهندسة بينما درس اثنان من اشقاؤه الطب واتجهت الابنة الوحيدة وسط الاولاد لدراسة القانون .. جعله خوفه من احتمال رفض ود العمدة يلجا الى وساطة جدوده واعمامه واخواله .. احس بفرحة تغمره عندما وافق حامد على الزيارة التي خرجوا منها تتبعهم زغرودة طويلة من السرة تعلن بها موافقة حامد على طلب محمود ... كانت كلماته قوية وتنضح بالفخر ..
- احنا بنشتري الرجال يا محمود .. انت ولد ما فيك كلام .. واهلك اعز الناس .. وبتنا انت اولى بيها من أي زول تاني ..سارع محمود بطلب عقد القرآن مستثمرا كلمات ود العمدة المشجعة .. وعندما بدا رحلة التجهيز للزواج كان يغرق بسرعة في حب رحمة بجمالها وخلقها وطيبتها .. حتى وصل مرحلة لم يعد يطيق فيها البقاء بعيداً عنها ... كان يراقب حركاتها بدقة فارتفعت درجة الاثارة بداخله الى حد لم يعد يستطيع احتماله .. وعندما همت بالسقوط سارع بامساكها واحتضن جسدها البض بين ذراعيه وهو يجاهد لالتقاط انفاسه المتهدجة التي غطت عليها صرخات الفرح من فريقه المنتشي باول فوز له .. كان على حافة الانفجار عندما اتاه الفرج باعلان انتهاء فاصل الرقص .. تنفس الصعداء وفر هاربا وهو يغطي نفسه بثوبه حتى حتى لا يلحظ احدهم الحالة المخجلة التي اصبح عليها ... دون ان تفوته غمزات بعض العيون الخبيثة التي انتبهت له ...كانت الاستراحة التي تبدل فيها رحمة ملابسها استعدادا لجولة اخرى فرصته كي يستعيد السيطرة على حواسه المضطربة .. فتنصل من الجميع وفر هاربا الى الغرفة التي خصصت له لتغيير ملابسه... في احدى الغرف جلست منال في مواجهة جاكلين بوجهها المتورد انفعالاً وهي تستمع الى كلماتها اللاهثة..
- ناصر جا برة يا منال ... عليك الله شوفي قلبي بيدق كيف حملت جاكلين يد صديقتها ووضعتها على صدرها ... كانت ضربات قلبها شبيهة بقفزات عصفور صغير نزق - تعرفي .. ربك رب الخير لمن اتصل ماحد غيري رفع التلفون ولا كانت تبقى مصيبة هسة انا ما عارفة اعمل شنو .. عاوزة اطلع اسلم عليهو لكن خايفة حد يشوفني .. دبريني يا منال اطلع ولا مافي داعي ؟؟ ..كانت موجات التعاطف تغزو عقل منال .. لقد مرت بهذا الموقف عشرات المرات اثناء علاقتها بجمال كانت تفهم احساس الرغبة في رؤية من تحب .. والخوف من عواقب اكتشاف الامر ..- انا ما قادرة افهم يا جاكلين انتي ليه داسة علاقتك بناصر ؟؟ .. ما تكلمي اهلك !! الولد جاد وعاوز يتقدم ليك .. انسان متعلم ووضعو المادي ممتاز اخلاقو حلوة واي بت بتتمناهو شنو المشكلة المخلياك ما عاوزة اهلك يعرفوا ؟؟!!
- ما انتي عارفة كل حاجة يا منال - عارفة شنو يا جاكو ؟؟!! ... عشان موضوع امو يعني ؟؟ انا ما شايفة فيها أي حاجة انو امو تكون حبشية .. مالها الحبشية ؟؟ انسانة محترمة ومافي زول يقدر يقول عليها كلمة ... كفاية الطريقة الربت بيها اولادها وخلتهم احسن ناس ... وحتى انتي بتقولي اخوانه واخواته كلهم شاطرين ومؤدبين ... وبعدين انتي براك شايفة بعيونك لمن يجي الجامعة عشان يشوفك بنات الاقباط بيعملوا شنو ... كلهم دايرين يموتوا عليهو ... ولو قال عاوز أي واحدة حتوافق طوالي ... خلي العٌقد بتاعتك دي وأقبضي الولد قبل ما يروح منك - منال .. انتي عارفة انا قصة امو دي ما هاماني كتير .... وما اظن ماما ولا حتى جمال وخالو حيرفضوا .. المشكلة كلها في اعمامي .. ديل لو عرفوا حيقلبوا الدنيا على راس ماما ويبدوا يعزفوا ليها اغنيتهم المفضلة .. انتي ما عرفتي تربي ... انتي خربتي اولاد اخونا .. هم اصلهم ما راضيين على حد فينا الا جانيت وقالوا هي الوحيدة الطلعت ليهم تنحنحت منال لتتخلص من الغصة التي سدت مجرى الهواء في حلقها عندما فكرت في جمال واقتراحه الذي طرحه بالامس .. احست بالاسى وهي تتذكر انها في تلك اللحظة لم تفكر في تاثير اقتراحه عليه وعلى اهله .. واهمها فقط ما يمكن ان يحدثه هروبها على عائلتها ... امتقع وجهها وتقطعت انفاسها بينما جاكلين تراقبها بحذر واشفاق .. لقد احست منذ فترة بان هناك شيئا غامضاً يدور بين صديقة عمرها وشقيقها .. تلك الشرارات المتطايرة بينهما كلما جمعهما مكان واحد ... النظرات الولهى التي يتبادلانها عندما يظنان انشغالها عن رؤيتهما ... اهتمام جمال الزائد بكل تفاصيل منال وحرصه عليها .. في البداية استبعدت الاحتمال لاستحالته ..وبمرور الايام زادت شكوكها لكنها لم تجرؤ على سؤال أي منهما لخوفها من سماع ما لا ترغبه ... أي علاقة بين منال وجمال تعني ان تخسر احدهما او كلاهما معاً .. اذا كانت هناك صعوبة في علاقتها بناصر .. فالاستحالة هي مصير أي علاقة بين منال وجمال واي ارتباط بينهما مهما كان نوعه سوف يؤدي الى عواقب وخيمة على الاسرتين ... ترددت في في اغتنام الفرصة وسؤال صديقتها ... ثم حسمت أمرها بالصمت وهي تدعو في سرها ان تكون مخطئة ...- اها يا منال ما قلتي لي اعمل شنو ؟؟ اطلع اسلم عليهو ولا مافي داعي ؟؟...اخرج السؤال الملِّح منال من افكارها القاتمة ..
- امشي سلمّي عليهو سريع وتعالي ... انا لو ما كنت مشغولة مع امي كنت جيت معاك اطلعي بباب بيت الاشباح العلى الزقاق مافي زول بمشي بهناك .. بس ارجعي سريع قبل ما خالتي رجاء تسال عنك هبت جاكلين بفرح وغادرت الغرفة بخطوات عجولة تاركة منال غارقة في شرودها وتوهانها في الخارج كانت الضحكات والزغاريد تملا ارجاء المنزل الواسع مصحوبة بحركة دائبة ... في احد الاركان المنعزلة جلست نادية في مواجهة اميرة وقد اخفى الضجيج حولهما صوت النقاش الحاد الدائر بينهما
- عاوزاني اضاري عليك يا نادية ؟؟!! .... عاوزاني اسكت عن غلطك واجاريك فيهو كمان ؟! ما بتخجلي ؟؟ دي عملة تعمليها في بيت ابوك ؟؟ في اوضتو وفي سريرو ؟؟ لا حولا يا نادية !! من وين جاك قلب تعملي كدة ؟؟ كيف قدرتي تطعننينا كلنا بالشكل دة ؟؟ وعشان شنو ولا عشان منو ؟؟!! وبكل برود تقولي لي راجلي ومعرسة ليك سنة كمان !! واريتك عملتي عملتك دي عشان زول بيتساهل .. انتي عميانة ؟؟ .. ما شايفة شكلو ؟؟!! .. كيف قدرتي تدخلي في علاقة معاهو خليك تعرسيهو ؟؟!! .. اكيد غشاك اكيد عمل ليك حاجة لغت تفكيرك وعقلك ... اصلهم النوعية معروفين بتاعين سحر ..قاطعتها نادية بغضب ...
- لو سمحتي يا اميرة ما تتكلمي عن زاهر بالصورة دي .. انتي ما بتعرفيهو عشان تحكمي عليهو .. زاهر انسان كويس شديد ... محترم وحنون وشهم ..وبيحبني .. وانا عرستو عشان اقتنعت بيهو وحبيتو .. والخلاني اعرسو بالطريقة دي نوع كلامك الهسة دة .. اذا انتي يا فاهمة يا متعلمة بتفكري كدة !! امال امي وابوي وجدي وحبوبتي حيفكروا كيف ؟؟!! .. انتي هسة مشكلتك كلها شكلو شنو وهو من وين ؟؟!! ... يعني لو كان مننا ولونه فاتح وشعره ناعم ما كنتي حتحتجي على طريقة العرس ؟؟ كدة حددي لي انتي رافضة شنو بالضبط ... زاهر شخصياً ولا الطريقة الاتزوجنا بيها ؟؟!!
- رافضة الاتنين يا نادية .. والحاجة الوحيدة البقيت عارفاها انك انسانة ما مسئولة وما بتستحقي الثقة الادوها ليك .. ويكون في علمك انا حديك فرصة لغاية نهاية الاسبوع دة اذا انتي ما كلمتي امي براك انا حكلمها ... انتي ارتكبتي جريمة في حقنا كلنا .. وانا ما عندي استعداد اشاركك فيها ..
نهضت اميرة من جلستها وهي ترمق نادية بنظرة مليئة بالغضب والاحتقار .. اولتها ظهرها وغادرت..
كانت تناور بين الجموع وهي تبحث عن منال .. وصلت الى الساحة الخارجية الضاجة كمشاعرها في تلك اللحظة ... كانت تهم بالعودة الى الداخل عندما احست بيد قوية توضع على كتفها رافقها صوت عمار العميق ليزرع القشعريرة في جسدها ...
- اميرة .. اخيراً لقيتك .. انا من الصباح بافتش عليك .. انتي نسيتي وعدك لي امبارح ولا شنو ؟؟ ....
التفتت اليه وهي تحس بالارتباك الذي يعتريها كلما التقته ... كانت تفكر بطريقة تمكنها من التملص منه بلباقة .. فهي لم تكن في حالة نفسية او مزاجية تسمح لها بمناقشة أي موضوع ...
- اهلاً عمار .. معليش كنت مشغولة مع بلقيس ورحمة .. ممكن نأجّل كلامنا لوقت تاني لانو عندي حاجات كتيرة مفروض اعملها ...
انبأته رنة التوتر في صوتها بمحاولتها التهرب من لقائه .. لكنه لم يكن ليدعها تفلت منه هذه المرة .. فألح عليها ..
- ما حأخرك يا اميرة ... انا محتاج منك بس عشرة دقايق .. شايف الحتة الجنب بيت ابراهيم هادية شوية انا حاسبقك اخت كراسي وانتي تعالي وراي
اختار عمار زاوية بعيدة وشبه منزوية خلف شجرة النيم العجوز المنتصبة بكبرياء امام منزل ابراهيم كانت اميرة تتلفت بتوتر وهي تستمع لكلماته التي اتت صريحة ...
اميرة .. انا عاوز تقدم ليك .. رايك شنو ؟؟ ...
تجلت صدمتها من طلبه المباشر في التعابير المتصارعة على ملامحها ما بين الفرح والخوف ... وابتسامة تتسع وتضيق ... ولمعة في العيون تبرق وتخبو .. وهمس يندفع ويحجم .. كان يراقب انفعالاتها بفرح ...
- ما عارفة اقول ليك شنو يا عمار ... انت عارف الحزازات والمشاكل البين امي وخالتي السرة حتخلي الموضوع دة صعب شديد ... الاتنين ما حيقبلوا وحتحصل مشاكل كتيرة بينهم
اميرة ... مع احترامي ليك .. انا ما حعرس امك .. ولا انتي حتعرسي أمي او خالتي السرة .. الموضوع دة انا وانتي وعمي حامد بس .. ولو انتي وافقتي انا متاكد عمي حامد ما حيشتغل بكلام النسوان الفارغ دة .. انا عاوز رايك انتي ما رأي أي زول تاني يا بت الناس انا خاتي بالي ليك من زمان وكنت منتظر نادية تتزوج عشان ما يقعدوا يقولوا لي لازم الكبيرة قبل الصغيرة .. لكن خلاص ما قادر اصبر اكتر من كدة .. بقيتي ما بتطلعي من تفكيري .. شايلك معاي في كل حركاتي وسكناتي .. في البيت .. في الشغل .. في الشارع .. يا زولة انا بقيت بهضرب بيك عديل ... ولو على نادية انشاء الله حيجيها صاحب رزقها ..
احست اميرة بغصة عندما سمعت جملته الاخيرة .. وغامت ملامحها الجميلة بضباب اسود وهي تتذكر احداث الليلة الماضية التي تشعرها بالغثيان ... واكتشافها المفجع بزواج شقيقتها السري .. لاحظ عمار جمودها .. وانتفض قلبه من الاحتمال الذي خطر بباله ..
- اميرة ؟؟ .. انتي في انسان تاني في حياتك ؟؟ .. مرتبطة بزول ؟؟ معليش والله انا ما اتشجعت وفاتحتك في الموضوع دة الا بعد ما حسيت انك بتبادليني جزء صغير من الاحساس الجواي .. وقلت مع الايام لمن تعرفي انا بريدك قدر شنو حتديني مشاعرك كلها .. لكن اذا ما بتحسي باي شئ تجاهي وانا كنت متوهم ساكت ومباري امنياتي كلميني وانا انسحب طوالي ..
لا.. لا يا عمار .. مافي زول غيرك ..
خرجت كلماتها باندفاع دون ان تملك السيطرة لايقافها .. واحست بعدها بخجل قاتل جعل الدماء تصعد الى وجهها وتزيده فتنة وجمالاً .. بينما احس عمار بفرحة طاغية جعلته يقفز من كرسيه كطفل صغير حصل على هدية غير متوقعة ... لفتت حركته بعض الانظار الفضولية فرمقتهما بدهشة جعلت اميرة تنكمش حرجاً وخوفاً خصوصاً عندما تقابلت عيناها مع عيني بدرية الغاضبتين فهبت على الفور من جلستها وهي تهمس لعمار ..
الليلة !! ... بدرية شافتنا قاعدين مع بعض .. هسة تجري تكلم امي السرة وتعمل لينا مشكلة ..
امسكها عمار من يدها واجلسها دون ان يعير بدرية التفاتاً .. سحبت اميرة يدها بسرعة .. لكن حركة اختها المتوترة انبأتها بانها قد رات ما يمكنها به ان تشعل نار الحرب .. امتقع وجهها وهربت منها الكلمات .. احس عمار بما يعتمل داخلها فحاول طمأنتها ..
- ما تخافي يا اميرة .. احنا ما بنعمل حاجة غلط .. انا في اقرب فرصة القاها حافتح الموضوع مع عمي حامد .. وانشاء الله ربنا يسهلها .. انتي كل المطلوب منك لمن يسالك تقولي موافقة ..
ثم اضاف غامزاً وبلهجة حنونة تحمل الآف المعاني
- يعني احتمال الشهر الجاي زي المواعيد دي تكوني مرتي ...
دخلت بدرية كالعاصفة الى غرفة السرة المكتظة بالضيوف ... كانت ترتعش من الغضب .. ومن عينيها تنطلق شرارات الغيظ والغيرة ... لم تابه برهط النساء المستغرق في حوارات صاخبة تتخللها الضحكات وقفت امام سرير والدتها المندهشة من هيئتها الغريبة .
امي ... شفتي عمار قاعد مع اميرة بت نعمات وطاقيين الونسة والضحك ...خيم على الغرفة صمت فضولي مترقب .. استدارت العيون وتركزت على السرة التي تحفزت من اتكاءتها الخاملة بعد ان استفزتها كلمات ابنتهاالهستيرية ...
- قاعد معاها وين ؟؟ وبيقول ليها شنو ؟؟!! ...
- ما سمعتهم يا امي .. لكن شكلها كان مبسوط وهو زاتو ما حاسي بالدنيا حواليهو ..
انتبهت السرة للعيون الفضولية التي تترقب ردة فعلها ... استعادت سيطرتها على نفسها وامرت بدرية بحزم
- خلاص اسكتي هسة وخلي الموضوع دة لبعدين .. امشي شوفي بلقيس محتاجة لشنو وساعديها ... يلا امشي ..
- لكن يا امي ...اسمعي الكلام يا بت وامشي هسة ...
خرجت بدرية بزمجرة عنيدة تتبعها التعليقات الهامسة .. واحست السرة بنذر الخطر تقترب من حلمها .. وبيد القدر تمتد لتلهو بابنتها كما لهت بها منذ زمن طويل ... لكنها لن تستسلم هذه المرة ... سوف تحارب من اجل ابنتها ... تلك الحرب المؤجلة التي لم تخضها لاجل نفسها في الماضي ..
وللفصل بقية .............

Abubakr Ibrahim
4th January 2011, 06:44 AM
الفصل الخامس عشر (2)
في الزقاق الضيق الهادئ اتكأت جاكلين بدلال على سيارة ابراهيم وهي مستغرقة تماماً في الاستماع الى كلمات ناصر بصوته الهادئ وتأمل ملامحه المتناسقة ... كان مربوع القامة بلون قمحي نضر وعينان واسعتان شديدتا السواد تنبعث منهما لمعات ودودة .. تغطى جبينه العريض بلفائف من الشعر الاسود الناعم تدلت حتى اذنيه المرفوعتين الى الامام .. احست جاكلين بالافتنان وهي تتابع حركات اصابعه الطويلة الرشيقة باظافرها القصيرة المرتبة التي تشاركه التعبير بلغة تنافس الكلمات .. انساها استغراقها فيه حذرها فلم تنتبه للبص الصغير وهو يقف بمحاذاة الزقاق ونسختها الاخرى تنزل منه وهي تحتضن كتبها وتتوجه نحوها بخطوات متحفزة ..
جاكلين ؟؟!! ... انتي واقفة هنا بتسوي شنو ؟؟ وشنو الموقفك مع البني آدم دة ؟؟!! المفاجأة والخوف الجما جاكلين واصبحت كالتمثال وهي تواجه توامتها الغاضبة .. ساكتة مالك ؟؟ القطة اكلت لسانك ؟؟ ما تردي ...
عندما اجابها الصمت مرة اخرى قبضت على ذراع شقيقتها بيد قوية وجرتها ورائها ..
- قدامي على البيت .. خلي ماما وجمال وخالو الفاكين ليك الحبل على القارب يشوفوا انتي بتعملي شنو من وراهم ..
حاول ناصر صد هجوم جانيت على فتاته فسد الدرب بجسده
- لحظة يا جانيت .. خليني اشرح ليك ..
عندما التفتت اليه بعينان تقدحان شرراً .... بدت شديدة الاختلاف عن توأمها الى حد بعث فيه القشعريرة ..
انت تخرس خالص .. انا ما عندي معاك كلام .. وابعد عن سكتي احسن ليك ...ازاحته عن طريقها بضربة من كتفها وكانت خطواتها اقرب للهرولة وهي تشد وراءها شقيقتها العاجزة عن التصدي لها .. احست جاكلين بالاذلال من نظرات ناصر المندهشة فانتزعت ذراعها من يد جانيت بعنف وهي تصرخ فيها ..- جانيت .. اوقفي وبطلي البتسوي فيهو دة .. انا ما عيلة صغيرة تجريني وراكي .. ما ليكي دعوة بي ... عاوزة تكلمي ماما وخالو وجمال ؟؟ امشي كلميهم .. انا ما خايفة ولا عملت حاجة غلط .. مجرد اني واقفة باحترام بتكلم مع زميلي ما بيديك الحق في انك تعامليني وتعامليهو بالطريقة الوقحة دي ...- انا الطريقتي وقحة يا جاكلين ؟؟ يشهد ربنا ما حد وقح غيرك .. اصبري بس لغاية ما نصل البيت كان المشهد صاخباً في المنزل الصغير خصوصاً بعد ان استدعت جانيت كل افراد العائلة ..شفتي يا ماما ؟؟ شفتي بتك بتعمل في شنو ؟؟ امبارح لمن قلت ليك سبهليية وما مسئولة زعلتي ..- في شنو يا جانيت ؟؟ جايبانا على ملا وشنا وبتصرخي كدة ليه ؟؟ اختك عملت شنو ؟؟- ابدا يا ستي ... كل الموضوع اني نزلت من بص الكنيسة ولقيتا واقفة تتقصع مع الولد الحبشي الاسمو ناصر ..انتهرها جمال بعنف ..
اتادبي يا بت واتكلمي كويس ... شنو تتقصع دي ؟؟!! وبعدين لو قاصدة بالحبشي جمال ولد عمي إميل لازم تعرفي انو ابوه انسان محترم ومن نفس منطقة بابا .. وما معنى انو امو حبشية تقولي عليهو حبشي .. من متين الاولاد بينسبوهم لامهاتهم ؟؟ حبشي ولا قبطي !! .. دة ما مهم .. المهم شوفوا بتكم واقفة معاهو بتسوي شنو ..ساد الصمت بعد جملتها الموحية وتركزت الانظار على جاكلين التي اصبح وجهها بحمرة ثمرة الطماطم
ماما صدقيني انا ما عملت حاجة غلط .. وقفت معاهو في عز الضهر .. وفي مكان أي زول ممكن يشوفني فيهو .. وبعدين ناصر انسان محترم .. وبصراحة .. هو عاوز يتقدم لي ويخطبني ..اعتلى الوجوم جميع الوجوه .. ولم يكسره الا ضحكة جانيت الهازئة ..
يخطبك ؟؟!! شفتي يا ماما ؟؟ جالك كلامي ؟؟ .. بتك الشاطرة المؤدبة بتاعت كلية الطب عاوزة تفضحنا وتخلي سيرتنا لبانة وسط الاقباط .. والمسيح .. لو اعمامي سمعوا الكلام دة الا يضبحوك .. اصلاً هم من زمان قالوا انك اتدلعتي زيادة عن اللزوم وخلوك تعمل الانتي عاوزاهو من غير رقيب .. وآدي النتيجة .. عاوزة توسخي عيلتنا الطول عمرها نضيفة بواحد حبشي ..رفعت رجاء يدها وصفعت ابنتها بقوة دفعتها عدة خطوات الى الخلف ..
حسك عينك يا جانيت تجيبي سيرة اعمامك في البيت دة تاني .. واياك تلمحي انو انا ما ربيتكم كويس .. انا ضقت المر عشان اكبركّم واعلمكّم وابقيكم احسن ناس ... عشانكم نسيت نفسي ونسيت الدنيا كلها ... ابوكم مات وانا في عزّ شبابي .. وياما جوني عرسان كان ممكن اتجوز واعيش حياتي .. بس قلت لا .. اولادي اولى بي من أي حد تاني .. حتى خالكم خلى الوراه والقدامو وجا قعد معاي عشان اربيكم .. انا الطول عمري معززة في بيت اهلي بقيت ابيع البسطرمة والسجك واخيط الهدوم عشانكم .. عشان ما تحتاجو لحد .. ولا تحسوا انو في أي شئ ناقصكم .. اعمامك عندهم القروش زي التراب ... ما فكروا يوم يساعدوني بشئ .. حتى حق ابوكم في الميراث اكلوهو وما رضوا يدونا ليهو وبرضو سكت وما عملت معاهم مشاكل عشان خاطركم .. وانتي كل يوم والتاني جاية تهدديني بيهم !! اعمامك ما ليهم حكم على بيتي واولادي فاهمة ولا لا ؟؟!! ...
كانت جانيت تبكي بحرقة وهي تضع يدها مكان الصفعة واصبحت كتلة من الغضب المتحرك...
انتي بتضربيني انا يا ماما ؟؟!! ... بتضربيني بدل ما تضربي بتك الماشة على حل شعرها ؟؟!! وانا الكنت قايلاك خايفة على سمعة العيلة دي ... اتاري انتي ولا هاميك
هدر صوت الخال الذي ظل صامتاً طيلة فترة النقاش
اخرسي يا بت يا قليلة الادب ... تعرفي لو في واحدة ما اتربت كويس في العيلة دي تبقي انتي ... ولو سمعتك تاني بتعلي صوتك على امك ولا بتكلميها بالصورة دي انا مش حاضربك وبس .. انا حامسح بيك الارض ..
اصبح صوت جانيت هستيرياً وهي تصرخ
انتو كلكم واقفين ضدي ؟؟!! .. بس لازم تعرفوا انكم كلم غلط وانا صح ... وبكرة تندموا على البتعملوهو فيني ... اتهنّوا ببعض .. انا مخلية ليكم الجمل بما حمل وماشة عند اعمامي ..
وقبل ان يتمكن احد من ايقافها كانت قد التقطت حقيبة يدها وركضت خارجاً ... انهارت رجاء باكية فالتف حولها شقيقها وابنها .. بينما وقفت جاكلين وقد احست بعبء الذنب يثبت قدميها على الارض فلم تستطع حراكاً .. ادراكها بانها قد تسببت بهذه المشكلة في بيتهم الهادئ اشعرها بتعاسة عميقة عبرت عنها دموعهاالغزيرة .. عندما هدأت رجاء نهضت بتثاقل واتجهت الى غرفتها دون ان تنبس بكلمة .. تبعها شقيقها المشفق عليها .. بينما انسحب جمال الى غرفته وهو يرمق جاكلين بنظرات لائمة .. تركها وحيدة يملأها احساس بالعزلة والخوف ...
وبكره فصل جديد ........

Abubakr Ibrahim
5th January 2011, 06:34 AM
الفصل السادس عشر (1)
وقفت بلقيس شاردة وهي تتابع بنظرات حزينة مؤخرة السيارة التي تبتعد بعد ان اقلت رحمة وزوجها احست بخواء يستوطنها وكآبة تملا روحها ... كانت المرة الاولى التي تبتعد عنها احدى ابنتيها ... بدأ التراب الناعم يتسرب من قبضة يدها المضمومة فاحكمت تماسك اصابعها حتى لا تسقط منه ذرة وتضيع خطوات ابنتها التي انحنت لا شعورياً تجمعها من الارض وهي تتذكر كم مرة تصرفت امها وجدتها بنفس الطريقة وهن يتحججن بان قبض تراب خطوات المسافر يعيده سريعا الى اهله .. وضعت حفنة التراب بحرص في طرف ثوبها وربطته باحكام .. مسحت دموعها وهي تحتضن منال التي كانت تنافسها في البكاء .. أتت نحنحة ود العمدة لتنبيه جمع النساء بانتهاء طقوس الوداع .. وقبل ن يطلق التنبيه الثاني كان الجميع قد سارع بالدخول الى المنزل ..
تجمع من تبقى من الرجال في المصطبة العالية امام الديوان وتصاعدت في الجو رائحة الشاي بالنعناع .. جلس حامد بهدوء وهو يراقب تقدم عمار نحوه .. ابتسم مرحباً به وافسح له مكاناً بجانبه كم تمنى لو رزق بولد يشبه وسرح خياله في طيف وليده الذي فضل اللحاق بامه عوضا عن البقاء معه ... برغم حزنه على موته المبكر لكنه حسده على تمسكه بالرحيل خلف امونة ... كان يود لو استطاع ا للحاق بهما .. فالحياة من بعدهما لا تستحق ان تعاش ... ربما لو عاش ابنه لكان شبيها بعمار ...
- عم حامد .. كنت عاوزك في موضوع كدة بس خايف الوقت يكون ما مناسب ...
- قول يا عمار ..كل الاوقات مناسبة ليك ..
- عم حامد .. انا بحس بيك زي ابوي بالضبط .. عشان كدة ما عاوز الف وادور وحقول العاوزو مباشرة .. انا يشرفني جداً وابقى اسعد انسان في الدنيا لو وافقت اكون راجل بتك ...
عبرت الدهشة ملامح حامد بسرعة واستقرت في العينين الواسعتين .. .. رفع يده وربت بها على كتف عمار .. اتسعت ابتسامته وهو يرى القلق والترقب يعتصره ويتجلى في حركات جسده المتوترة
- عاوز تعرس يا عمار ؟؟!! ... والله خيراً تفعل .. العرس بدري عصمة للراجل من حاجات كتيرة ... لكن انت ما شايف بدرية لسة صغيرة ؟؟!! ... ما بتقدر تصبر شوية لغاية ما تكمل الثانوي العالي على الاقل ؟؟!! ...
اكتسى وجه عمار بشحوب شديد .. ... تقطعت كلماته واتسعت عيناه المعلقتان بشفتي ود العمدة الذي استغرب رد فعله المذعور ...
- مالك يا عمار ؟؟ انت شايف انها بعيدة ولا شنو ؟؟!! .. ما تخاف الزمن بقى يجري سريع .. وكلها سنتين ولا تلاتة وبت خالتك تخلص قرايتها ونديك ليها ... اصلا هي ما بالحيل على الدراسة وما اظنها تقول عاوزة تقرا الجامعة .. حتى لو طلع في راسها دخول الجامعة تدرسها من بيتك ..
- عم حامد انا ما باتكلم عن بدرية .. انا عاوز اميرة ..
ساد صمت ثقيل بين الرجلين وتبادلا نظرات حافلة بالاسئلة .. اخيرا نطق حامد بصوت هامس ..
- اميرة بت نعمات ؟؟!! .. يعني ما بدرية بت خالتك ؟؟ !! ...
- اميرة بتك يا عم حامد ... انا عارف الموضوع دة حساس وممكن يخلق مشاكل كتيرة ومن ما فكرت فيهو انا متوقع الممكن يحصل لمن خالتي السرة وامي يعرفوا .. لكن انا اتكلت على الله وعليك .. لاني عارف لو انت وافقت ووقفت معاي مافي زول تاني بيقدر يقول كلمة ... بدرية صحي بت خالتي وما فيها كلام ... لكن يا عمي القلب وما يريد .. وانا عاوز اميرة من زمان بس كنت منتظر اقيف على رجليني في الشغل وابقي في وضع يخليني جدير بيك وبيها ..
غمرت حامد موجات من التعاطف بعد كلمات عمار الصريحة المخلصة .. اطرق تحت وطأة ذكريات زمن كان فيه مثله مليئا بالحب والاحلام ... يتوق للزواج بمن احبها ... اعترته مرارة عندما استعاد احساس اللحظة التي اضطر فيها للتخلي عن حلمه لاجل واجب فرض عليه ... احس كأن تاريخه يعيد نفسه مع عمار ... كان الفارق بينهما ان القدر وضعه في موقع المتحكم وصاحب القرار ... ابهجته فكرة مقدرته على رد الصفعة القديمة ... فرفع راسه بتصميم ..
- ابشر يا عمار .. اديتك اميرة .. ومافي قول بعد قولي ...
في تلك الليلة وبعد ان ودع حامد آخر ضيوفه .. تهيأ لخوض المعركة ومواجهة العواصف التي ستهب عليه من جهتين ... اتجه اولاً الى بيت نعمات .. احس بالغرابة وهو يطأ العتبة الامامية للمنزل .. محاولاً ان يتذكر آخر مرة زاره فيها ... هل مر شهر ؟؟ او ربما شهران !! كان في اعماقه موقناً بفداحة الظلم الذي يوقعه على نعمات ... زوجته المكابرة التي تخفي احاسيسها خلف قناع شفاف لم يعجز يوماً عن رؤية ما تحته .. كان يحس برغباتها بمجرد النظر الى عينيها .. ويشعر باحتياجها اليه من حركات جسدها ورائحته .. لكنه كان عاجزاً عن تلبية دعواتها السرية .. لقد فقد الرغبة في أي تواصل حميم مع نسائه منذ وفاة امونة .. حاول ان يجبر نفسه على ارضاء زوجتيه .. فاعفته السرة من واجبه تجاهها واعلنته صراحة عن عدم رغبتها في أي علاقة زوجية...
- حامد .. انا عافياك لله والرسول من الشئ دة .. انا خلاص كبرت وما بقى فيني حيل ولا مزاج للحاجات دي .. العيال زاتهم كبروا .. وعيب بعد دة نرقد مع بعض في اوضة واحدة .. وفر طاقتك لنعمات .. هي لسة صغيرة ومحتاجة ... والله يقدرك تكفيها..
اربكته صراحتها الفجة .. وفي نفس الوقت رفعت عنه عبئاً ثقيلاً ... لكن نعمات ما زالت في قمة انوثتها واحتياجها الجسدي والمعنوي برغم اعتصامها بكبرياء عنيد يرفض ان يقر باحاسيسها ... لقد حاول منذ فترة ان يكافئ صبرها الطويل واحترامها لحزنه بعد وفاة امونة وطفله... ارتمى في احضانها كخرقة بالية جاهدت هي في رتق ثقوبها بكل ما تملكه من خبرة ومهارة .. تفننت في محاولتها لتحفيز مشاعره وجعله الرجل الذي عرفته منذ زمن طويل ... فوصلت الى نتيجة متواضعة لم ترض طموحها ... ولم تشبع جوعها الذي طال امده ... .. بعدها احس بالخجل وانسحب الى معتزله بعد ان تاكد بانه لم يعد يصلح لرفقة أي امراة ... اعتاد تفادي نظرات نعمات اللائمة .. واعتادت هي هجره لها ...
- خير يا حامد ؟؟ ... في شنو ؟؟!! ..
- انشاء الله خير يا نعمات ... اميرة جاها عريس ..
- عريس ؟؟ لاميرة ؟؟ طيب ونادية ؟؟!! ما كنت تقول ليهم الكبيرة اول وبعدين الاصغر منها .. ودة منو دة العريس دة ؟؟ ولد منو واهلو منو ؟؟!! ...
كان سيل الاسئلة يندفع من فم نعمات بلا توقف وقد تضاربت مشاعرها بين الفرح والغيظ .. اسعدتها فكرة زواج احدى بناتها .. لكنها تمنت لو كانت نادية .. تبسم حامد بتفهم بينما احال الخجل اميرة الى تمثال ينبض قلبه في عنقه ..
- ما تخافي يا نعمات ... كل بت بجيها نصيبها .. ومافي معنى اني اوقف نصيب واحدة عشان التانية .. وبعدين نادية زاتها صغيرة وبكرة يجيها صاحب رزقها ...
صمت حامد مسافة وظهرت على وجهه علامات تردد اخافت نعمات .. لقد ذكرتها باليوم الذي اخبرها فيه بقرار زواجه من امونة ...وفي اللحظة التي همت فيها بالسؤال حسم حامد تردده ونطق بالكلمات التي كانت تتوجس منها ...
- العريس ولد ممتاز ... اصل وفصل واخلاق وادب ..يا ستي العريس عمار ..
احست نعمات بانفاسها تضيق .. وطال صمتها حتى شك حامد بانها قد سمعت كلماته ... وكان السكون الذي يسبق العاصفة .. انفجرت نعمات بعنف لم يتوقعه ..
- قلت شنو ؟؟ .. العريس منو ؟؟ عمار ؟؟ اوعى تقول لي عمار ولد محاسن !! .. عاوزني ادي بتي لولد اخت السرة ؟؟ والله الا اكون مجنونة عشان اوافق على حاجة زي دي .. بتي انا تعرس ولد اخت ضرتي ؟؟ ليه ؟؟ من قلة الرجال في الدنيا دي ؟؟ والله لو بقى آخر راجل .. واميرة تقعد طول عمرها ما تعرس ما اديها للناس ديل ؟؟ ياهو الفضل !! بتي انا تعرس ...
وللفصل بقية ...................

Abubakr Ibrahim
6th January 2011, 07:04 AM
الفصل السادس عشر (2)

قاطعها حامد مزمجراً ...
- نعمات ؟؟ شنو ماسكاني بتي بتي ؟؟ انتي اميرة دي اشتريتيها من السوق ولا لقيتيها واقعة في الشارع ولا جبتيها براك من الهوا ؟؟ .. اميرة بتي قبل ما تكون بتك .. ولا انتي خلاص لغيتي ابوتي لبناتي ؟؟ ما تتكلمي فارغ وشوفي إنتي بتقولي في شنو .. وبعدين مالو عمار ؟؟ عيبيهو لي !! ولد ممتاز ومافي زول يقدر يقول كلمة عليه .. متدين ومحترم عصامي واخلاقو مافي زيها .. ولا عشان ولد اخت السرة يعني انتي مقومة الدنيا ومقعداها ؟؟!!
- ايوة يا حامد عشان ولد اخت السرة .. انا ما بارمي بتي في النار بيدي .. كفاية الانا شفتو من السرة واهل السرة من يوم ما عرستك .. كفاية الكراهية والحقد والعنصرية الاتعاملوا بيهم معاي ... أديهم بتي عشان يعملوا فيها نفس العملوا فيني ؟؟
خبط حامد الارض بعصاه بعنف دل على انفعاله الشديد ... وقفزت اميرة خوفاً من اولى بوادر غضب ابيها ..
- انا ما عاوز اسمع كلام فارغ يا نعمات.. انا كلمتك من زمان ..طلعي الاوهام دي من راسك اهلي لا بيكرهوك ولا عمرهم اتعاملوا معاك بعنصرية .. اهلي انتي البعدتي وعزلتي نفسك عنهم .. عشان كدة اعقلي وما تخلي الافكار الفي راسك دي تاثر على مصلحة بتك .. عمار انسان كويس وما حالقى احسن منو لاميرة ...
- منو القال ليك ما حتلقى احسن منو ؟؟ اولاد اهلي راقدين بالكوم ... وكلهم زي عمار واحسن منو كمان ... وقبل فترة فاتحوني بانهم عاوزين نادية واميرة .. لكن انا قلت ليهم عاوزين البنات يكملوا تعليمهم وبعداك نفكر في العرس .. والاسبوع الفات ولد بت خالتي اتصل مخصوص من كندا وقال لامو عاوز اميرة .. لمن كلمتني قلت ليها حفاتحك في الموضوع بعد ما تخلص من عرس رحمة .. اها داك برضو انسان متعلم وفيهو كل الصفات الكويسة .. وكمان اتكلم قبل عمار .. يعني هو ...
قطعها حامد بحدة ...
- نعمات .. قصَري كلامك وخليني اتفاهم مع بتي .. اميرة .. رأيك شنو في عمار ؟؟ موافقة عليهو ؟؟!! ...
رفعت اميرة وجهاً شاحباً وهي تنقل نظراتها الحيرى بين ابيها المشبع بالتحدي .. وامها التي تنتفض غضباً .. لم تستطع مواجهة اعينهم المركزة على شفتيها فخفضت بصرها وسالت دموعها بغزارة .. كانت تحاول حسم الصراع داخلها بين قلبها الذي يميل الى عمار وعقلها الخائف من النتائج ... لقد توقعت رفض امها ... لكنها لم تتوقعه بهذا العنف ..
- اميرة .. انا منتظر ردك .. اتكلمي .. عاوزة عمار ولا لا ؟؟...
انتفضت من لهجته الغاضبة .. وقبل ن تنطق بكلمة ردت نعمات ...
- طبعاً ما عاوزاهو .. انت ما شايفها بتبكي ؟؟!! في واحدة عاوزة ليها زول بتبكي لمن يسالوها ؟؟
- اسكتي يا نعمات انا ما باسالك انتي .. ردي يا بت .. عاوزة عمار ولا لا ؟؟!! ...
- ما عارفة يا ابوي .. ما عارفة ...
هبت نعمات من كرسيها بعصبية تجلت بوضوح في العرق الذي قفز من جبينها وهو ينبض بجنون ..
- ما عارفة ؟؟!! .. يعني شنو ما عارفة يا اميرة ؟؟ انتي مفروض تقولي لا بدون تردد .. ولا نسيتي محاسن ام عمار دي بتكرهني قدر شنو ؟؟ نسيتي بتعاملني كيف ؟؟ حتعرسي ولدها كيف يعني ؟؟ انتي عاوزة تكرري غلطتي تاني ؟؟!! ..
التفت حامد الى نعمات بعينان تقدحان شرراً ... واصبح صوته هادرا كالرعد ..
- غلطتك ؟؟ انتي بتعتبري زواجك مني غلطة يا نعمات ؟؟ .. واكتشفتي الغلطة دي متين ؟؟ وما كلمتيني ليه عشان اصلحها ليك ؟؟
انكمشت نعمات من زلة لسانها التي فضحت ما يدور باعماقها منذ زمن طويل ... احست بالدوار يكتنفها وغامت عيناها بالدموع .. ارتمت على الكرسي بعد ان ضاعت منها الكلمات .. تجاهلها حامد والتفت الى اميرة الباكية ..
- انا بسألك للمرة الاخيرة يا بت .. عاوزة ولا ما عاوزة ؟؟ ...
تنقلت عينا اميرة بحيرة بين والديها وخرجت كلماتها خافتة ..
- ابوي انا ما عاوزة تحصل مشكلة بينك وبين امي بسبب الموضوع دة ... اذا وجود عمار حيخلق مشكلة انا ما عاوزاهو ..
داهمتها موجة من البكاء العنيف فادرات ظهرها وركضت تجاه غرفتها واغلقت الباب خلفها بقوة ارتجت لها الجدران ... احس حامد كأن الزمن قد عاد به الى الوراء بصورة رتيبة ... تحولت اميرة الى امونة عندما زارته في المستشفى وهي ترجوه ان يتزوج السرة حتى يتفادى المشاكل مع ابيه وتضار امه بسبب الخلاف .... تذكر انه اذعن وقتها وخالف قلبه واستسلم لسطوة والده ... لكن ليس هذه المرة لن يستسلم .. سوف ينتصر لامونة ... سوف ينتصر لاميرة التي كانت حيرتها دليلا واضحا على تعلقها بعمار ورغبتها في الارتباط به ... لن يدعها تضحي كما فعلت امونة بحبهما .. سوف يؤازرها سوف يهزم القدر هذه المرة ... خرج صوته بارداً مفعما بالتحدي والعناد ..
- شوفي يا نعمات .. انا اديت كلمة لعمار وما برجع منها .. والعاوز يكسر كلمتي بمسحو من حياتي لا يعرفني ولا اعرفو ليوم القيامة ...
اتجه الى الخارج بخطوات واسعة تاركاً اهل بيته كل يصارع احاسيسه الخاصة ... واتجه مباشرة الى البيت الكبير وقد تحفزت مشاعره بعد المواجهة مع نعمات وقرر ان يحسم كل الامور في تلك الليلة ...
قوبل دخوله بنفس الدهشة التي اثارها في البيت الآخر ... هبت بلقيس من جلستها ما ان راته ...
- ابوي !! ... اهلاً اهلاً ... ادخل ما معانا زول غريب ...
كانت بدرية تجلس عند قدمي امها بعد ان رفعتهما على حجرها ويداها تمسدهما بحنان ... حاولت السرة ان تجلس لكنه امرها بهدؤ ..
- خليك مرتاحة يالسرة .. ما تقومي من رقدتك .. مالك شكلك تعبان كدة ؟؟ ..
اصرت السرة على تغيير وضعها فانزلت قدميها المنتفختين ارضاً وجلست بصعوبة بأنفاس متحشرجة يقطعها سعال عميق ...
- مافي حاجة يا ود العمدة .. دة بس تعب العرس .. يومين راحة وببقى كويسة ...
- حاولي خففي السجاير شوية .. صدرك ما بقى يتحمل ...
كان ممتعضاً من فكرة تدخينها ... لكنه لم يتدخل لايقافها ... كانت في البداية تدخن على استحياء في جلسات القهوة التي تجمعها بجاراتها يومي الاحد والاربعاء وتتخللها طقوس رمي الودع واللعب بأوهام ( الظار ) التي ادعّت السرة تلبسه لها ... كان يحس بالذنب تجاهها بسبب تقصيره واهماله لها فلم يحاول منعها من ممارسة الاشياء التي تسري عنها وتنسيها غيابه طالما ظلت في طي الكتمان ... بعد عودتها من غضبتها الشهيرة في القرية والتي اعقبت زواجه بنعمات .. اصبحت تدخن بشراهة ولم تعد تحرص على كتمان تدخينها .. احس انها تعلن رفضها لزواجه بهذه الطريقة ... فسكت على مضض حتى لا يثير حفيظتها مجدداً .. بمرور الايام اصبح هو من ياتي لها بالسجائر حتى لا تضطر الى ارسال احد لابتياعها .. واصبحت لفافة التبغ بيد السرة شئ عادي لا يثير دهشة واستغراب أي من معارفها ..
- اقعد يا حامد مالك واقف ؟؟ ..
كان في صوتها تساؤل اغضبه وذكره بتقصيره .. قرر ان ينهي ما اتى لاجله بسرعة ويرحل .. لم يعد يتحمل احساس الذنب الذي يتآكله كلما التقى باحدى زوجتيه ..
- انا جيت اكلمك يالسرة .. عمار ولد محاسن جاني قال عاوز اميرة وانا اديتو ...
ندت شهقة مشتركة من السرة وبدرية بينما الجمت المفاجاة بلقيس وشحب وجهها لعلمها برغبات شقيقتها وامنيات امها ... كانت بدرية اول من كسر حاجز الصمت بصوت باك ...
- شفتي يا امي ؟؟ مش قلت ليك ؟؟
خرج صوت السرة قويا غاضبا ومتناقضاً مع شكلها المتعب ...
- عمار قال عاوز اميرة بت نعمات ؟؟!! ... ولد اختي يخلي بتي ويمشي لبت ضرتي ؟؟ والله لو انطبق السما على الارض ما يحصل ..
قاطعها حامد بصوت بارد حازم ...
- عمار عاوز اميرة بتي يالسرة .. ولا انتي نسيتي انها بتي واخت بدرية ؟؟!! ..
- الخوخة التشق حلقها وحلق نعمات معاها .. صحي البت شبه امها .. مش كفاية امها خطافة الرجال دي شالتك مني ومن بناتك ؟؟ كمان تجي هي تخطف ولد اختي من بتي ؟؟ والله الا في احلامهم .. والا كان ياخدو بلا اهلو زي ما امها قلعتك قلعة الضرس من أهلك .. وكان محاسن اختي وافقت ومشت معاهو الا اقاطعها قطاعة الموت والحياة ...
كان رزاز البصاق يتطاير من فم السرة في جميع الاتجاهات ... وارتفع نحيب بدرية ليطغي على كل ما عداه ...
- اسكتي انتي وهي .. ما عاوز اسمع صوت واحدة فيكم .. شنو يالسرة !! انا بقيت طرطور في البيت دة ولا شنو ؟؟!! ما شايفاني راجل قدامك وعاوزة تكسري كلمتي ؟؟!! حرّم .. وعلى الطلاق بالتلاتة .. منك انتي ونعمات .. لو واحدة فيكم فتحت خشمها بكلمة زيادة في الموضوع دة .. الا اكسر العكاز دة في راسها .. انتو قايلني جاي اشاوركم ولا شنو ؟؟!! انا جاي اديكم خبر بس ... انا خلاص اديت كلمة لعمار .. وما كنت ناوي استعجل ... لكن عشان قلة الادب السويتنها دي .. العقد حيكون الخميس الجاي والمرا فيكن تفتح خشمها .. وتنتظر الراجيها ... بلا مسخرة فارغة بتاعت نسوان ...
ادار ظهره وخرج تاركاً الغرفة تسبح في بحر من الحزن والغضب .. اتجه خارجاً يملأه احساس غامض بالرضا .. عندما لامس الهواء ملامحه المتصلبة انفرجت اساريره وظهرت شبه ابتسامة على شفتيه .. كانت اللهفة تسوق خطواته نحو المنزل الصغير في آخر الساحة والذي شهد اسعد أوقات حياته مع امونة ... لقد اعتاد ان يزوره من فترة لاخرى .. يستنشق رائحة ذاكراها العابقة في الفضاء والجدران .. ويبثها لوعته لفراقها .. اليوم سوف يزف اليها خبر انتصاره على القدر الذي يحاول ان يفرق بين قلبين غضين ... سوف يخبرها بانه قد ثأر لها ... وله ....
وبكره فصل جديد .....................

Abubakr Ibrahim
8th January 2011, 06:55 AM
الفصل السابع عشر (1)

كان الصباح غائماً بفعل ذرات التراب العالقة في الجو والتي تدعمها الرياح بحفنات اخرى تكتسحها من الارض وترتفع بها الى اعلى في دوامات صغيرة متتابعة .. احست رجاء بلسعة برد تخترق ملابسها فاحكمت جاكيت الصوف الاسود حول جسدها وهي تسرع الخطى نحو مدخل الكنيسة العريض .. كان الهدؤ يسود المبنى في هذا الوقت المبكر .. احست بالانقباض وهي تسمع طرقعات كعب حذائها على الارضية الاسمنتية الجافة ... ما ان فتحت الباب الداخلي حتى داهمتها رائحة البخور ودفئه .. وملاتها سكينة المكان براحة كانت تحتاج اليها ...اغلقت الباب خلفها ووقفت تنظر بخشوع الى تمثال المسيح المعلق بالحجم الطبيعي في نهاية القاعة الكبيرة ... رسمت علامة الصليب بيدها على صدرها .. اعادت وشاح الدانتيل الاسود الذي انحسر عن راسها الى مكانه وبدات تخطو في الممر الضيق الذي يفصل بين صفوف الكنبات الخشبية المتراصة طولياً بلونها البني الداكن .. كانت تحس بالتعب واعترتها رغبة بالجلوس .. فاختارت طرف كنبة في مقدمة الصفوف وجلست .. رفعت وجهها الشاحب في مواجهة حزم الضوء المتسللة عبر النوافذ الكبيرة التي تغطي جنبات المبنى القديم وهي تتأمل باعجاب لا يفتر دقة الرسوم الملونة على زجاج النوافذ والتي طغت عليها الوان السماء والبحر وحمرة الشفق عند المغيب .. ذكرتها دقات ساعة بعيدة ما اتت من اجله فنهضت بتثاقل واتجهت الى نهاية القاعة .. انحرفت الى اليمين ووقفت امام طاولة عالية وضعت فيها كمية من الشموع تحت صورة مضيئة لمريم العذراء .. شبكت كفيها بقوة امام صدرها ورفعت نظراتها المتضرعة الى التمثال في صلاة صامتة ثم حملت احدى الشمعات واشعلتها ووضعتها على الحامل وهي تجفف بالمنديل الابيض الصغير دمعة حارة انحدرت على
تحاملت على نفسها واتجهت خلف المذبح الى باب مقوس صغير يؤدي الى باحة واسعة تمركزت في وسطها نافورة جافة واحاطت بها اشجار الجوافة والمانجو والنيم ... قادتها خطواتها الى مكاتب الادارة ودقات قلبها تنافس تصارع انفاسها وهي تتوقع رؤية ابنتها التي غادرت المنزل منذ اسبوع ولجات الى بيت عمها الكبير الذي اخبرهم في مكالمة هاتفية مقتضبة ان ابنة اخيه ستظل عنده وامرهم بتجهيز ملابسها واغراضها وتسليمها للرسول الذي سيرسله .. عندما طالبته رجاء الباكية بان يدعها تكلم ابنتها رفض واغلق الهاتف في وجهها بفظاظة جعلتها طريحة الفراش منذ ذلك الوقت .. اخيراً توقفت امام باب خشبي ثقيل طرقته بنعومة ودلفت الى الداخل وهي تبتسم للمراة الاكبر سناً التي احتل مكتبها الضخم ربع مساحة الحيز الصغير .. كانت تبدو ضئيلة بنحافتها الملحوظة وشعرها الفضي المشدود الى الخلف مظهراً ملامح الوجه المتغضن .. ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة حانية وخرج صوتها عالياً بنبرة حادة وهي تحيي زائرتها ...
- رجاء ؟؟!! اهلاً وسهلاً .. ازيك يا وحشة ... وينك ؟؟ من زمان ما شفناك ؟؟!! ..

اندفعت رجاء نحوها وقبلت خديها بحرارة ...
- اهلاً يا ايزيس .. كيفك وكيف اولادك ؟؟ ...عارفة اني متلومة معاك .. لكن يشهد ربنا كل ما انوي اجيك تحصل حاجة واتلخم فيها .. براك عارفة مشاغل الدنيا المخليانا حتى روحنا ما لاقينها .. قسيس نجيب موجود ؟؟ فاضي ولا مشغول ؟؟!! ...
رمقتها ايزيس بنظرة فضولية مستفسرة ..
- موجود بس معاهو واحد من الشمامسة الصغار .. اقعدي اشربي معاي القهوة على بال ما يخلص على الاقل تحكي لي اخبارك واخبار اولادك .. انتي اخوك دة ما ناوي يتجوز ولا شنو ؟؟ هو فاكر روحو لسة صغير .. الفي عمرو اولادهم بقوا طولهم .. انا عندي ليهو عروس ممتازة وكنت ناوية اجيك مخصوص عشان اكلمك في الموضوع دة بت ما بتتفوت يا رجاء .. ادب وتعليم واخلاق ومن عيلة ملتزمة ومرتاحة ..
- والله ياريت .. ايدي على كتفك يا ايزيس .. انا بتمنى انو يعرس ويستقر ويجيب عيال تصدقي انا حاسة بالذنب لانو نسى روحو بسبب مسئوليتي انا وعيالي .. والمسيح يا ايزيس ما بيمر يوم الا واتكلم معاهو في موضوع العرس .. رشحت ليهو بنات اشكال والوان وهو عامل لي ودن من طين والتانية من عجين ..
- خلاص يا رجاء خلي الموضوع دة عليّ .. انا ياما عرست لاولاد وبنات من جماعتنا شوفي الاحد الجاي لازم تجيبيهو معاك الكنيسة يحضر القداس .. وما تجيبي ليهو أي سيرة .. خليني انا اتصرف بطريقتي واعرفهم على بعض .. متاكدة انها حتعجبو .. البت حلوة وبتعجب أي حد .. الا صحي عاوزة اسالك ... ليه جانيت خلت كنيستنا ؟؟ انا بالاول ما صدقت وقلت مستحيل بت رجاء ترتد بالصورة دي .. لكن لمن خلت الشغل هنا وعرفت انها اشتغلت هناك اتاكدت انو الكلام صح ... ليه كدة يا رجاء ؟؟ الحصل شنو ؟؟!! ...
كانت رجاء تستمع الى الكلمات المندفعة من فم ايزيس بقلب واجف ...لقد تحققت اسوأ مخاوفها .. انسلاخ ابنتها من الكنيسة التي تعمدّت فيها وانضمامها الى كنيسة اشقاء زوجها جعلها توقن بانها قد فقدتها الى الابد .. اندفعت دموعها بغزارة وارتمت على الكرسي بعد ان احست بقدميها تلتويان تحت حمل جسدها ... خرجت ايزيس من وراء مكتبها بانزعاج وجلست في الكرسي الملاصق لرجاء .. امسكت يدها بتعاطف وخاطبتها بلهجة امومية حنونة ...

بسم الصليب ... مالك يا رجاء ؟؟ .. والله لو عارفة سؤالي بيعمل فيك كدة ما كنت سالتك ..لكن انتي عارفة انا طول عمري باعتبرك زي اختي الصغيرة واولادك زي اولادي اهدي وكلميني الحاصل شنو ؟؟ !! ...
قبل ان ترد رجاء فتح الباب خلف مكتب ايزيس وعلى عتبته ظهر فتى يافع بملابس الشمامسة الفضفاضة .. ومن خلفه قسيس نجيب بثوبه الاسود والصليب الفضي الكبير المتدلي من عنقه .. ملات الابتسامة وجهه الصبوح وهو يرحب برجاء ثم تبعتها تقطيبة حيرة لمراى الدموع على خديها ربت على كتف الفتى وامره بالانصراف ثم تقدم نحو رجاء التي انحنت وقبلت يده باحترام .. قادها بصمت تجاه باب مكتبه .. وقبل ان يتواريا خلفه التفت الى ايزيس وامرها بحزم ..
- ما تخلي أي حد يدخل علينا ...
وللفصل بقية ..................

Abubakr Ibrahim
9th January 2011, 07:32 AM
الفصل السابع عشر (2)
استقر خلف مكتبه القديم وجلست رجاء في مواجهته .. تاملها بصمت العارف وبنظرات مشفقة .. انه يحترم هذه المرأة التي صارعت الحياة من اجل ابنائها .. ورفضت اكتر من زوج رشحه لها برغم شبابها وجمالها .. وكان جوابها ثابتاً لا يتغير ..
- انا بعد ابو اولادي ما عاوزة حد تاني .. بتكفيني ريحتو فيهم .. ربنا يقدرني اربيهم واعلمهم وهم بعدين يشيلوني ..
بذل المستحيل لاقناعها .. لكنها اصرت على موقفها بعناد وتصميم لم تلينه الايام ولا الظروف ..
- كنت متوقع جيتك يا رجاء ولمن اتاخرتي نويت أمر عليك في البيت الليلة ولا بكرة .. الحصل شنو ؟؟ جانيت مالها ؟؟
- كنت جاياك قبل كم يوم يا ابونا .. بس العملتو جانيت هدّ حيلي ورقدت رقدة ما قمت منها الا الليلة وعلى طول جيتك ..هي صحي خلت الكنيسة هنا ومشت كنيسة اعمامها ؟؟ ليه خليتها تعمل كدة ؟؟ انت مش عارف الناس ديل وطريقة تفكيرهم واسلوبهم الغلط ؟؟ ديل متعصبين وعنيفين وبتاعين مشاكل وحياخدوا بتي في سكتهم .. ليه كدة يا ربي ؟؟ يعني انا اربي واكبر واعلم وهم يجوا ياخدوها على الجاهز ويحرقوا قلبي عليها ؟؟ ليه ما منعتها ؟؟ ليه خليتها تمشي معاهم ؟؟ انا كنت مطمنة على وجودها هنا معاك ومع ايزيس وعارفاكم بتاخدوا بالكم منها .. وقلت كلها كم يوم وتهدا وترجع البيت .. وانا الليلة جيت مخصوص عشان ارضيها واسوقها معاي البيت .. لكن هسة خلاص .. بتي ضاعت يا ابونا ... انا عاوزة بتي ترجع لي .. جيبوا لي بتي ..
انفجرت رجاء في نحيب ينضح بالالم .. فهب قسيس نجيب من مكانه وجلس قبالتها ... امسك يديها المرتعشتين وبدا يكلمها بصوت مطمئن وبلهجة ابوية حانية ..

- شوفي يا رجاء .. انا ما حقلل ليك من خطورة مشي جانيت عند اعمامها ... كلنا عارفين طريقتهم الغلط في التعامل وبنرفض اسلوبهم ومعالجتهم للامور .. لكن كمان الانتي بتعملي فيهو دة ما بيجيب نتيجة .. لازم نفكر بهدوء كيف نرجعها .. هي في الاصل سابت البيت ليه .. زعلتوها في شنو ؟؟ احكي لي عشان اعرف احل المسألة ...
شعرت رجاء بتردد طفيف في ترديد اتهامات ابنتها .. ثم قررت ان تخبره كل شئ فهو الوحيد القادر على مساعدتها .. اخبرته عن تشدد ابنتها والمواجهات الدائمة بينها وبين شقيقيها .. حتى الحدث الاخير الذي فجر المشكلة التي التي هجرت على اثرها المنزل .. كان يستمع اليها بانتباه شديد دون ان يقاطع حديثها المتهدج حتى افرغت كل مخاوفها بين يديه .. اعتدل في جلسته وبدت علامات الجدية على محياه ..
- يا ريت لو كنتي جيتيني من بدري يا رجاء .. على الاقل كنت اتكلمت معاها ولحقتها قبل ما الافكار الغريبة ددي تسيطر عليها .. يمكن انا متفق معاها في حاجات زي عدم التزام جمال بالكنيسة برغم انو ولد شاطر واخلاقو ممتازة .. لكن فعلا ما بيجي هنا الا نادراً .. ما بيحضر قداس الاحد بانتظام وما بيشارك في أي نشاط ... لكن انا عذرتو عشان ظروف دراسته ومتاكد انو بعد ما يخلص الجامعة حيجي ويبقى عضو فعال في نشاط الكنيسة ... لكن جاكلين ملتزمة وبتشارك في كل شئ .. هي صحي شوية مهرجلة ومرات بتغيب .. لكن عموما من بناتنا الكويسات الانا باعتمد عليهم في أي نشاط .. جانيت بالتاكيد متاثرة باعمامها شديد .. عشان كدة بقت متطرفة في افكارها وتصرفاتها وشايفة الناس كلها غلط .. لكن ما تخافي ... انا حوصي عليها هناك وحخلي حد ياخد بالو منها ..وكمان ححاول الاقيها واتكلم معاها يمكن اقدر اقنعها ترجع هنا وترجع البيت كمان ...
ياريت يا ابونا .. ياريت تكلمها وتقنعها .. انا ما قادرة اقعد في البيت من غيرها وحاسة انو حتة من قلبي اتقطعت ...
- ما تشيلي هم يا رجاء ... ارجعي بيتك وخلي بالك من صحتك .. انا حاهتم بالموضوع
رافقها حتى الباب وظل يراقبها وهي تودع ايزيس بحرارة وتغادر بخطوات متعبة .. التفت الى المراة النحيلة وخاطبها بصوت شارد مهموم ..
- تعرفي يا ايزيس .. رجاء عندها حق في خوفها على بتها ... انا سمعت كلام كدة انو اعمامها بدوا يشجعوها تطلع حملات تبشير في الحتت لبعيدة .. وانتي عارفة حملات التبشير ممكن تتعرض لشنو ودي بت صغيرة وما عندها خبرة .. ومرات الحماس مع عدم الخبرة بيبقى خطر ...
تتمت ايزيس بصوت خافت ..
- يا يسوع .. دي كانت بتقى مصيبة لو الكلام دة طلع صح .. ولو رجاء عرفت حتقع من طولها ..
- انا ما كلمتها .. وانتي كمان ما تجيبي ليها سيرة الموضوع دة خالص لغاية ما انا اتاكد واحاول اتكلم مع البت واقنعها ترجع .... برغم اني عارف كمية المشاكل الممكن ادخل فيها مع الجماعة ديل لو فكرت اقلعها منهم ... هم خاتين قانون انو البيدخل معاهم ما يطلع منهم تاني الا على ظهره ...
دخل مكتبه واغلق بابه تاركاً ايزيس في حالة خوف وقلق ...
وبكره فصل جديد .................

Abubakr Ibrahim
10th January 2011, 07:21 AM
الفصل الثامن عشر (1)
جلست محاسن في الكرسي الملاصق لسرير السرة بتوتر تنبئ عنه حركة قدميها المتقاطعتين اللتين تهتزان بعنف .. كانت ملامحها المتجهمة ونبرة صوتها الحادة تدلان على غضبها ..
- اعمل شنو يالسرة ؟؟ .. ابو عمار حلف عليّ طلاق لو ما جيت معاهو نخطب بت نعمات .. لكن انا اصريت اجيك الاول واوريك الحاصل عشان ما تزعلي مني ...
نفخت السرة دخان سيجارتها بعصبية تبعتها سعلة قوية .. وعلت وجهها ابتسامة متشنجة ساخرة ..
- شنو قصة حلفان الطلاق الواقعين فيها الرجال ديل اليومين دي ؟؟!! هم قايلين روحهم بمسكونا من يدنا البتوجعنا ؟؟ ومالو الطلاق ؟؟ لا حرام ولا عيب .. الطلاق حق بنات الرجال ...
- سجمي يالسرة !! طلاق شنو البتتكلمي عنو بعد العمر دة ؟؟ دي فضيحة تقعد لينا لجنى الجنى .. والناس تقول طلقونا بعد ما بقينا حبوبات .. انا برّيت قسم ابو اولادي وجيت معاهو .. لكن رجلي ما بشيلها اوديها لبيت نعمات .. باقعد معاك هنا عشان اوريها اني ما دايرة بتها .. انا بس لو عرفت قشيرة دي سوت للولد شنو ؟؟!! .. بقى ما شايف غيرها وقال يا هي يا بلاش .. ولا كمان يالسرة ياختي ما شفتي الولد التاني المفعوص المسجم جاني بعد عرس رحمة وقال لي يا امي ما شفتي فاطنة بت ابراهيم بقت سمحة كيف !! عليك الله ما تخطبيها لي .. قلت ليهو والله ياهو الفضل كمان .. دة يكون آخر يوم في عمري كان خليتك تعرس بت حبيبة ..
كانت محاسن تتكلم باندفاع .. لكن نظرة خاطفة الى ملامح السرة انذرتها بالخطر .. فقد تحولت تعابيرها من الغيظ الى الغضب .. ضاقت عيناها وارتفع راسها الى اعلى بتحد ... وخرجت كلماتها هادرة لتؤكد انفعالها ..
- محاسن ؟؟ انتي قلتي لولدك ما يفكر يعرس بت ابراهيم ؟؟ ليه ياختي مالها فاطنة ؟؟!! هو انتي اديتي الكبير لبت المرة الخطفت راجلي ومستخسرة التاني في بت ولدي ؟؟!!
اجي يا يالسرة !! انتي نسيتي امها منو ؟؟ جدها وحبوبتها منو ؟؟ خيلانها منو ؟؟ عاوزاني ادي ولدي لبت الخادم ؟؟ على الاقل بت نعمات حرة ومرة واصلها ما فيهو كلام .. لكن بت حبيبة ..
قاطعتها السرة بحدة جعلتها تبتلع بقية كلماتها ...
- هوي يا محاسن هوي ... اوعي لروحك وشوفي انتي بتقولي شنو .. فاطنة ما بت حبيبة ... فاطنة بت ابراهيم ولد ابراهيم ود حسن الامين العمدة ... حبيبة دي قربة وفرغّت ... والبيابا بت ولدي الواحد معناها اباني انا زاتي .. يا اختي يا بت امي وابوي يا العاملة فيها متضامنة معاي .. جاية تقولي لي بت نعمات حرة ومرة ؟؟!! .. سمح وقت كدي المقعدك هنا شنو ؟؟ ما تقومي تمشي ليهم ...
- انتي بتطرديني من بيتك يالسرة ؟؟ دة جزاي الابيت امشي مع ولدي واول فرحتي عشان خاطرك ؟؟ ... سمح ياختي ..كتر خيرك .. لكن انتي ما غلطانة .. انا الغلطانة العملت ليك خاطر اكتر من راجلي وولدي ..
هبت من مكانها بغضب واندفعت خارج الغرفة كالعاصفة وكادت تكتسح في طريقها بلقيس التي انحرفت وهي تجاهد للحفاظ على استقامة كوب العصير بعد ان مال وتدفق محدثاً فوضى في المكان..
- مالك يا خالتي محاسن !! .. ماشة وين ؟؟ ...
- ماشة بيت نسيبتي ... يمكن تحترمني اكتر من اختي ..
في منزل نعمات امتلات الصالة الفسيحة بالرجال بينما ضاقت غرفة الضيوف بقريبات صاحبة المنزل وصديقاتها .. حول طاولة الطعام في المطبخ جلست نعمات وقد بدت علامات الغيظ والغضب على ملامحها وهي تستمع الى كلمات امها الهامسة ..
- دة كلام دة يا نعمات ؟؟!! .. يجونا اخوات الولد بدون امو وخالاتو ؟؟ انتي كيف توافقي على حاجة زي دي ؟؟ اميرة دي ست البنات على حدهن وتشرف أي راجل واهله .. عشان شنو امو ما تجي ؟؟ قولي الباقيين اصلهم قاعدين تحت جناح السرة وبيخافوا يزعلوها .. لكن الام ما تجي تحضر عقد ولدها ؟؟ غايتو ديل ناس غريبين بالجد ... هم قايلين روحهم شنو ؟؟ احسن من باقي الله بشنو ؟؟
ردت شقيقة نعمات بنفس طبقة الهمس ..
- هو انتي زاتك يا نعمات بعد المغصة المسويها ليك حامد.. كيفن تدي بتك لواحد من اهلو ؟؟ مالك ما سمعتي بالمثل البقول كفاية من الدستة مغرفة ؟؟ وديل كمان مغرفتهم سقتك الحنضل .. مش كفاية انو حامد عرس فيك وانتي لسة نفسا ؟؟ مش كفاية الطريقة الاتعاملوا بيها معاكي ومعانا من يوم ما عرستي حامد ؟؟
انطمس الهمس الدائر بينهم بفعل زغرودة منغمة عالية اصابت الجميع بالوجوم ...
- دي منو دي البتزغرد بالحماس دة ؟؟
أتت الاجابة من نادية التي دخلت بوجه متهلل ...
- أمي ... حبوبة .. تعالوا بسرعة دي ام العريس جات ...
تبادل الجميع نظرات مشحونة بالدهشة .. نهضت نعمات بتثاقل وخرجت من المطبخ تتبعها امها وشقيقتها .. وما ان وطأت قدماها ارض الغرفة المزدحمة حتى تعالت الزغاريد وبادرتها محاسن بسلام حار ردته نعمات بحرارة مماثلة لا تخلو من التعجب ...
- وينها عروس ولدي ؟؟ نادوها لي اسلم عليها ..
تطايرت النظرات بين نعمات ووالدتها التي تنحنحت باحراج قبل ان ترد ..
- معليش يا محاسن .. ما جهزنا اميرة لقعدة برة عشان الموضوع جا سريع ...
أجي !! يعني ما حشوف عروس ولدي ؟؟ دة كلام شنو دة يا نعمات ؟؟ وروني مكانها وانا بمشي ليها بنفسي ..
في لحظات اندفع فوج من النساء تتقدمه نعمات قاطعاً الصالة وسط دهشة الرجال الموجودين .. فوجئت اميرة بباب غرفتها يفتح وغابة من الاذرع تمتد اليها وتنقلها من شخص لآخر بينما صمّ صدى الزغاريد اذنيها ... في الخارج تعالت طلقات الرصاص لتعلن انتماء اميرة لعمار رسمياً ...
بعد ان انفض الجمع وخلا المنزل من زوراه .. جلست اميرة في غرفتها هائمة تعبث بخصلات شعرها الناعمة .. ويعبث بها خيالها وقد اكتسحتها سعادة عميقة وتفجرت احساسيها المكبوتة تجاه عمار لتغمرها بفرح لم تظن انها سوف تشعر به يوماً .. ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها تراقصت على اثرها غمازتيها وتعمقتا في خديها لتضفي على وجهها الفاتن سحراً مشرقاً ... عندما دخلت نادية ونظرت الى شقيقتها ... احست بحسرة تغمرها لعلامات الرضى والسعادة المرتسمة على ملامحها ... وتذكرت يوم زواجها من زاهر .. كان مليئاً بالخوف والتوجس ... حفه الصمت وغاب عنه ضجيج الفرح فلم تسمع صدى زغرودة تطرق اذنيها .. وتوارت فرحتها خلف القلق العميق الذي انتابها بسلامة تصرفها .. لكنها لم ولن تشعر بالندم على قرارها .. زاهر هو رجلها وحب حياتها .. معه تحس بانوثتها كما لم تشعر بها مع احد آخر .. وهو يعاملها كأنها اميرة متوجة على عرش النساء ... لن تخذله ابداً .. وستحارب من اجله ان استدعى الامر ...
- مبروك يا اميرة ... ربنا يتمم ليك على خير ...
احتضنتها بشدة .. وترقرقت عيناها بالدموع عندما اتاها الرد التلقائي .
الله يبارك فيك يا نادية ... عقبالك ...
ابتعدت عنها نادية وهي تنظر اليها بحزن ..
- انا معرسة يا اميرة ... ولا انتي نسيتي ؟؟!! ..
اختفت كل علامات الرضى والسعادة من وجه اميرة وحلت محلها تقطيبة ضيق عميقة .. انحبست انفاسها عندما عاودتها ذكرى ذلك المشهد المخزي الذي بذلت المستحيل كي تنساه .. لكنه ظل يطفو على سطح ذاكرتها بقسوة وعناد متحديا ارادتها ...
- نادية !! انا مش قلت ليك كلمي امي ؟؟ ما كلمتيها لغاية هسة ليه ؟؟ انا اديتك فرصتك كاملة عشان الكلام يجي منك ما يجي مني انا .. لكن بعد دة ما حتستر عليك .. وحكلمها... انتي يا بت ما قادرة تستوعبي حجم الشئ الانتي عملتيهو ولا ما مقدرة نتائج تصرفك دة ممكن تكون شنو ؟؟!! ...
همست نادية بخجل بعد ان لطمتها هي الاخرى ذكرى المشهد الذي وجدتها فيه شقيقتها ...
- ما تخافي ما حتكون في نتايج .. حالياً على الاقل .. انا وزاهر متفقين .. وهو عامل حسابو كويس ..
وللفصل بقية .........

محمد المعتصم الرشيد
10th January 2011, 11:57 AM
السيد /خضر عطا المنان

بعد التحية والاحترام

ارجو منك الرد علي اذا كان الموضوع المرسل والمرفق اليك يستحق النشر ,,, لترى أين وصلت دولة النفاق التي أصبحنا فيها غرباء نبحث عن ملجأ ووطن آخر.. وشكرا :

* انا من الذين يتابعون موقع( سودانيزاونلاين) هذا منذ زمن طويل وذلك لقوله كلمة الحق التي باتت من المحرمات في هذه الدولة التي يحكمها المنافقون , نسال الله بان ينزل عليهم سخطه ويبدلنا خيرا منهم .

اريد منك وانتم تمثلون الحق ان تنشر قصتي التي ارتكزت على سيناريو حقيقي ومستندات لا جدال فيها ,, وقد نشرت قصتي يوم الثلاثاء والاربعاء الماضيين في جريدة التيار. قصة عن طالب تنازل عن الجنسية السودانية ,,,ما اريده منكم بعد نشرها مساعدتي بالوصول لمنظمات حقوق الانسان .

* اسمي هيثم الوسيلة فضل المولى محمد- سوداني الجنسية كنت ادرس الصيدلة في الهند في العام 1999م بعدها سمعت بالقرار الجمهوري الصادر باستيعاب جميع الطلبة بالخارج الي الجامعات السودانية.

* أتيت الى بلادي وكلي امل في تكملة دراستي في وطني وبين اهلي علما باني كنت ادرس على النفقة الخاصة حيث قمت بتقديم اوراقي الي جامعة امدرمان الاسلامية – كلية الصيدلة في العام 2001م.

* تم استيعابي في السنة الثانية ولكن بعد مرور ستة اشهر وفي امتحانات الدور الاول فوجئت بقرار ايقافي من الدراسة بحجة ان اجراءات القبول لم تكتمل وعلي العودة السنة التي تليها لاستيعابي بصورة رسمية علما بان التاخير كان من قبل مسجل الكلية , رجعت الي البيت اجر اذيال خيبة الامل متسائلا عما فعلته بنفسي ( هل هذا هو جزاء من اختار وطنه على الغربة ؟!.

* رجعت في العام الدراسي 2002 – 2003 وقمت بمواصلة دراستي حتى نهاية السنة الثالثة وبعدها تكرر نفس السيناريو حيث فوجئت بقرار بايقافي من الدراسة بصورة نهائية موضحين بان شهادتي الثانوية رياضيات تخصص وليست احياء عليه لا يجوز مواصلة دراسة الصيدلة وعندما سالتهم لم لم يتم اخباري بذلك منذ البداية فردوا علي وبكل برود بانهم لم يلاحظوها من الوهلة الاولى.

* رجعت الي عميد كلية الصيدلة سائلا اياه عن الحلول الممكنة فقال بانه يجب علي احضار استثناء من وزير التعليم العالي لمواصلة دراستي , فاجبته بان هذه المشكلة لا تخصني ولكني ساساهم في حلها لانها تمثل مستقبلي .

* ذهبت الي الوزير ولكنه رفض حتى ان يقابلني وعندما عددت للكلية طالبتهم باوراقي الثبوتية فوجئت بضياعها بعدها ذهبت للعميد وسالته عن اخر حل ممكن فاجابني وبكل وقاحة بان احضر الاستثناء مهما كلف وبان ارجع للهند واستخرج الشهادات مرة اخرى لان الملف قد ضاع وبان احضر السنة القادمة لمواصلة دراستي وكان ذلك حلهم الذي خلى من اي وجه يتمثل فيه الجانب الانساني , تحطيم لشاب لاحول له ولا قوة .

* منذ العام 2005 وحتي العام 2008م حاولت جاهدا حل الموضوع وديا حيث قمت بمخاطبة السيد رئيس الجمهورية والسيد نائب رئيس الجمهورية باعتبارهما مسؤولين عنا مسؤولية مباشرة ولكن لا حياة لمن تنادي ولا احد يابه للمواطن البسيط.

* في العام 2008م قمت برفع دعوى تعويض تحمل الرقم 3487 وهذه كانت بداية النهاية حيث كنت اكسب كل المرافعات وذلك اعتمادا على المستندات التي امتلكها (من ايصالات مالية وشهادات قيد ) وشهود وعندما ادركت الجامعة بانها ستخسر القضية اصبحت تمارس سلطاتها اللامحدودة باعتبارها جهة حكومية وتابعة للنظام الحاكم وراعيها الاستاذ علي عثمان محمد طه من تاخير للقضية واستئنافات واشياء اخرى لا علم لي بها . وبعد مضي قرابة الثلات سنوات جاءت بمساومات عبارة عن الاختيار بمواصلة دراستي بالكلية وبين ان تاخذ القضية اكثر من 10 اعوام ليحكم فيها اذ بلسان محاميها باني املك الحق في المقاضاة ولكن ساعيش في دوامة لاادري متى ستنتهي , عندها سالتهم عن تعويضي عن السنوات التي ضاعت من عمري سدى وعن الضرر الادبي والمعنوي وعن التسبيب عن ضياع مستقبلي فاجابوني باني لست في امريكا وبان الدولة لا تملك مالا.

* رجعت الي بيتي وجلست مع نفسي وادركت بان هذه الدولة لا تحترم المواطن كانسان ولا تحترم حقه القانوني ولا الدستوري وانما تحترم كل من يحمل السلاح ضدها ويعيث في الارض فسادا ويقتل الانفس بغير الحق لان مبداها يقوم على اساس ما اخذ بالقوة لا يرد الا بالقوة , حينها قررت قرارا وباقتناع بان اتنازل عن جنسيتي السودانية بالميلاد حيث قمت بتقديم طلب التنازل لوزارة الداخلية ,المجلس الوطني والقصر الجمهوري للسيد رئيس الجمهورية ذاكرا اسبابي عن التنازل وهذه بالبطع سابقة انسانية وقضائية وهو شئ لا افتخر به وانما حملت على فعله نتيجة التفرقة العنصرية الحزبية والظلم الواقع .

* كانت ردة الفعل من قبلهم مزلزلة للوسط السوداني من محاميين وسياسيين وحتى مواطنين حيث ردوا علي قائلين بانه لا مانع لديهم في التنازل وبان قبولهم لتنازلي عن الجنسية مرهونا فقط على موافقة دولة اخرى لقبولي لديها وهذا ما استغربه الناس عامة فبدلا من الجلوس معي لمعرفة ما دفعني لذلك او محاولة منهم لحل مشكلتي اثبتوا للعالم اجمع بان المواطن السوداني اخر من يهمهم ولا مانع لديهم بان يهاجر جميع الشعب السوداني كما هو موضح في المستند المرفق من وزارة الداخلية .

* انا الان اراسل الدول لاستيعابي ومنحي الجنسية املا منكم مساعدتي بتوصيلها لحقوق الانسان.

وجزاكم الله خيرا
هيثم الوسيلة فضل المولي محمد

Abubakr Ibrahim
11th January 2011, 06:53 AM
الفصل الثامن عشر (2)
اعتراها قلق قوي بعد ان نطقت كلماتها .. دخول اميرة المفاجئ اتى في لحظة حرجة ... لحظة كان زاهر يجد صعوبة في التحكم فيها حتى في الاوقات العادية .. لكنها في تلك الليلة حدث شئ لم تعتده في لقاءاتها السابقة مع زوجها ... شئ لم تفكر فيه وقتها لاحساسها بالخوف والحرج وانشغالها بتبرير موقفها .. لكن بمرور الايام تزايد قلقها ولم تجرؤ على سؤال زاهر عما حدث في المكالمات التلفونية المختلسة التي كانت تجريها عندما تضمن خلو المنزل من الجميع .. اصبح مرور الايام كابوس يجثم على صدرها ويخنق انفاسها ... وبات العد هوايتها المرعبة ... عندما تم ذلك اللقاء المشئوم كان قد مر اسبوع على انقضاء دورتها الشهرية .. والآن شارفت الاربعة اسابيع على الانتهاء .. الايام القليلة القادمة ستحدد صحة مخاوفها من عدمها ... لم تعد تملك غير الدعاء لله بان لا يكشف سترها ... اخرجها صوت اميرة الممتعض من افكارها المتلاطمة ..
- نادية !! انا ما بتكلم عن حمل مع انو بعد الشفتو اليوم داك حيكون احتمال وارد .. انا هسة بتكلم عن فضيحتنا قدام الناس لمن يعرفوا انتي عملتي شنو ... عٌرفي يا نادية ؟؟!! انتي يا بت ود العمدة تعرسي عُرفي ؟؟!! .. بالدس وكانك بتسرقي ؟؟!! ومنو ؟؟ واحد نكرة .. لا اصل ولا فصل ولا اسم يشرف ... واحد اكتر شئ كان ممكن يوصل ليهو في الظروف العادية انو يشتغل عند ابوي في الدكان ...
- أميرة !! .. انا قلت ليك قبل كدة ما تتكلمي عن زاهر بالطريقة دي .. دة راجلي وانا باحبه ... هسة انا لو اتكلمت ليك عن عمار بالطريقة دي بترضي ؟؟!!
- تتكلمي عن عمار ؟؟!! هو عمار فيهو حاجة تتكلمي عنها ... وهو اصلاً في مقارنة بين عمار وزاهر بتاعك دة ؟؟!!
- ليه مافي مقارنة يا اميرة ؟؟ راجلي ناقصو شنو من راجلك ؟؟!! .. زاهر شاطر واول دفعتو كل سنوات دراستو في الجامعة ... وظيفتو مضمونة اول ما يتخرج .. انسان خلوق وشهم وحنين وبيحبني عشاني انا .. لشخصي ... مش عشان انا نادية بت حامد الامين ود العمدة .. ولعلمك .. زاهر من اسرة كبيرة ومحترمة في منطقتهم .. يعني ما زول أي كلام زي ما انتي متخيلة ....
- كلام جميل يا نادية .. لكن هل انتي مقتنعة بيهو ؟؟ واذا كنتي مقتنعة بيهو.. ليه عرستي بالدس .. ما كان تخلي يجيب اهلو ويجي البيت .. يقابل ابوي ويطلبك منو رسمي !!
تدافعت الدموع من عيني نادية وهي تستمتع الى لهجة اميرة المهينة بحقها وحق الرجل الذي تحبه ..
- تعرفي يا اميرة قدر ما اقول ليك انا مخذولة فيك قدر شنو ما حتتخيلي .. طول عمري كنت قايلة عقلك كبير وفهمك واسع وبيتخطى عمرك ... كنت قايلاك انسانة واعية ومثقفة ومنفتحة .. كنت قايلة قلبك كبير وبتعرفي يعني شنو انك تحبي انسان ويبقى دنيتك كلها ... كنت معتمدة عليك تقيفي معاي وتسنديني لمن احتاج ليك .. لكن للاسف طلعتي قاسية وقلبك بتحكمو افكار عنصرية تافهة عن لون وجنس وقبيلة .. زيك زي أي واحدة جاهلة مخها ضيق ومتبنية تفكير امها وحبوبتها ...
انخرطت نادية في نحيب متالم جعل اميرة تحس بالذنب لبرهة .. ثم عاودتها ذكرى المشهد المخجل ونظرات زاهر المتحدية .. فغاب تعاطفها الهش في التو واللحظة ...
- اسمعي يا نادية ... ما تفلسفي الامور وتحاولي تطلعي نفسك صح والعالم كلو غلط ... انا بعرف حاجة واحدة بس .. الصح ما بتعمل في الضلمة وبالدس .. الصح ما بيخجَل ولا بيحرج .. الصح بيكون في النور .. قدام العالم كلو ... الصح زي العملوا عمار لمن جا لابوي وطلب يتزوجني والناس كلها عرفت ... اسالي نفسك اذا انتي فعلاً صح ليه حاجاتك كلها مدسوسة ؟؟ !! ...شوفي يا نادية انا باحذرك للمرة الاخيرة ... لو ما كلمتي امي انا حكلمها ...
- تكلميني بشنو يا اميرة ؟؟ ...
صدرت شهقة مشتركة من الفتاتين الغافلتين عن وجود نعمات ... تجمدت حركتهما واصبحا تمثالين بعيون متسعة خائفة ...
- اميرة ... انطقي سريع ... تكلميني بشنو ؟؟ .. اختك عملت شنو وداسيين مني ؟؟
جاوبها صمت اميرة ودموع نادية الغزيرة ...ارتفع صوت نعمات بشكل هستيري وهي ترى حال ابنتيها الغريب ...
- قسماً عظماً لو ما اتكلمتوا سريع الا ارسل اجيب ابوكم واخلي هو يتصرف معاكم .. اتكلمي يا نادية في شنو ؟؟ ... عملتي شنو ؟؟
لم تستطع نادية مواجهة الموقف فركضت خارجة بعد ان تملصت من محاولة نعمات للامساك بها بقوة غريبة امدها بها خوفها ..ووجدت اميرة نفسها وحيدة في مواجهة عيني امها اللتين تطلقان شررا ينذر بالخطر ...
- امي .. عليك الله اهدي .. انتي زولة ست عيا والانفعال ما كويس عشانك ... انا بحكي ليك بس لازم تروقي وتسمعيني براحة .. الموضوع عاوز هدوء لانو أي جوطة فيهو حتعمل لينا فضيحة ...
انتفضت نعمات وشهقت بقوة ...
- سجمي فضيحة ؟؟ فضيحة شنو يا اميرة ؟؟ اختك عملت شنو ؟؟
تكلمت اميرة بصوت منخفض وهي تنتقي عباراتها .. حكت لامها عن الخطوط العريضة دون ان تخوض في التفاصيل .. عندما صمتت اخيرا وهي تهنئ نفسها على لباقتها ورفعت عيناها لتنظر الى رد فعل امها ... فوجئت بها تتهاوى ارضا كقطعة طوب ... تعالت صرخاتها مدوية فشقت سكون الليل وفي لحظات امتلا المنزل بسكان الحوش الكبير فيما عدا السرة التي كانت تشعر باعياء شديد لم يمنعها من اطلاق تعليقها الساخر ..
- تلقاها ما اتحملت فرحة بتها العرسها زينة شبابنا ... الله يشيلها هي وبتها في يوم واحد عيلة خطافين رجال ...
عج المستشفى الخاص باسرة ود العمدة التي رافقت نعمات الغائبة عن الوعي ... وقف حامد يستمع الى الطبيب بانزعاج ...
- للاسف يا حاج حامد .. الارتفاع المفاجئ في الضغط عمل جلطة .. الكويس انكم جبتوها سريع ... احنا حالياً سيطرنا على الضغط ....ونأمل انو الجلطة تكون خفيفة وآثارها بسيطة ...لكن ما حنقدر نعرف حجم الضرر الحصل الا لمن تفوق .. واحنا هسة اديناها مهدئ عشان تنوم اطول فترة ممكنة لغاية ما الضغط ينزل لمستواه الطبيعي يعني لبكرة انشاء الله بتتضح الرؤية .. عشان كدة انا باقترح عليكم كلكم ترجعوا البيت وتخلوها لينا وما تخاف حتكون في ايدي امينة وانا بنفسي حأشرف عليها .. وبعدين هي اصلاً ما واعية بوجودكم .. يعني قعدتكم ما عندها معنى غير التعب ليكم .. وبصراحة اللمة والازعاج ما كويس عشانها وكلما قل عدد الناس الحواليها يكون احسن
- خلاص انا بقعد معاها والباقيين يمشو ... ابراهيم .. سوق اخواتك وارجع البيت ..
تصاعدت جمل محتجة هنا وهناك .. واصوات باكية تطالب بالبقاء تكفلت ضربة غاضبة من عصا حامد على الارض باسكاتها .. وتبع الجميع خطوات ابراهيم العجولة خروجاً ..وقبل ان تختفي اميرة خلف الباب التفتت الى والدها برجاء ...
- ابوي انا حاجي بكرة الصباح بدري ..
اجابها بشرود ..
- اتصلي براجلك وخلي يجيبك ... وانت يا ابراهيم امشي السوق واقعد في المحلات لغاية ما انا ارجع...
وللفصل بقية .................

Abubakr Ibrahim
12th January 2011, 07:02 AM
الفصل الثامن عشر (3)
ادار ظهره واتجه الى غرفة زوجته .. دخل واغلق الباب بحرص .. وقف طويلاً يتامل الاجهزة التي تحيط بها وترسل اشارات منتظمة الى الشاشة المثبتة اعلى راسها .. حمل كرسي صغير من احدى الزوايا ووضعه بالقرب من سريرها وجلس بتعب ينظر الى ملامحها الشاحبة .. احس بالعطف المخلوط بالذنب تجاهها .. لقد ادرك منذ اول ليلة لزواجهما مدى حبها له عندما منحته جسدها واحاسيسها بلا قيود .... لقد حاول ان يبادلها مشاعرها برغم اعترافه لنفسه بانه لم يتزوجها لانه احبها .. لقد اعجبته انوثتها المتدفقة ودلالها ... ارضى غروره انبهارها الواضح به ...شجعه على الارتباط بها رغباته التي نضجت بمرور الايام ولم تعد السرة قادرة على اشباعها ... ودفعته اليها امنيته بالحصول على الولد الذي عزّ حضوره .. كما كان يامل ان يغرق فيها وينسى حبه لامونة ...
لكن بعد مرور عدة اشهر ايقن ان محاولاته للنسيان قد عمقت حبه اكثر للمراة الوحيدة التي عرف معها معنى الحب الحقيقي ... كان قد اعتاد تنسم اخبارها بسرية تامة .. وكما اعتاد ان يحتفل مع نفسه بكل نجاحاتها منذ الشهادة الثانوية وحتى تخرجها من الجامعة .. ظل يشعر بالفخر لتفوقها .. وبفرحة انانية كلما سمع عن رفضها لمن يتقدم طالبا يدها ... وعندما وافقت على الارتباط باحد زملائها في العمل بعد سنتين من تخرجها .. ركب سيارته وسابق بها الريح تجاه القرية ... وفي منتصف الطريق بدات التساؤلات تغزو عقله عن حكمة تصرفه .. كان مدركاً بان امونة سترفض الزواج ان هو طلب منها ذلك ولكن ماذا بعد ؟؟!!.. هل يرغب حقاً في ان يراها وحيدة وتعيسة حتى نهاية حياتها ؟؟!! ... لقد ضحت به وبحبها الكبير له من اجل استقرار اسرته .. هل يكافئها بطلب اناني يحكم عليها بالعنوسة الى الابد ؟؟ .. عندما توالت الاجات الرافضة لانانيته ادار مقود سيارته وعاد ادراجه ... في تلك الليلة دهشت السرة من عنف زوجها ورغبته المتوهجة وقد اعتادته عجولاً ..هادئا وروتينياً ... كان يفرغ شحنات انفعاله في جسدها المستسلم .. وكعادته في لحظة اكتفاؤه .. نطق باسم امونة بصوت حزين مبحوح .
في ليلة زفافها هرب الى ملجاه المفضل .. جلس في منطقة منعزلة امام النيل وبكى بحرقة .. ومثّل خبر سفرها مع زوجها المبعوث الى الخارج عزاؤه الوحيد .. فهو لم يكن يثق في نفسه وردة فعله إن رآها وقد اصبحت ملكاً لرجل آخر ... .. خلال السنوات التالية انعدمت أي فرص لقاء بينهما خصوصا بعد ان اختار زوجها البقاء في غربته عندما حصل على عرض مغر من احدى الجامعات هناك ... كانت تحضر الى الوطن في اجازات متباعدة ... ولم يلتقيا الا بعد عشر سنوات من زواجها عندما حضرت لوفاة والدتها ... كان قوامها النحيل قد اذداد بضعة كيلوجرامات تشكلت في استدارات ناعمة زادتها جمالاً وانوثة ... بينما احتفظ وجهها بملامحه الطفولية الآسرة التي تحتل ذاكرته باصرار عنيد ... ارتعشت يداه المرفوعتان لقراءة الفاتحة امام وجهها .. وعندما احتضن كفها الرقيق بكلتا يديه وغاص واستكان بدعّة بين كفيه العريضين احس بدوار يكتنفه .. واحتبست انفاسه في حلقه .. هربت منه الكلمات وظل يحدق في تفاصيلها الدقيقة بشوق جائع وهو يتنسم رائحتها العطرة .. كانت هي تتامله بارتباك ونظرة غامضة تراود عينيها الحزينتين ... عندما تحرر الكلام السجين من بين شفتيه .. ادهشته العبارة التي خرجت منه دون ان يملك السيطرة عليها ..
- نسيتيني يا امونة ؟؟!! ...
شحبت من وقع سؤاله .. لكنها اجابته بهمس ناعم ...
- انساك يا حامد ؟؟!! الظاهر انت النسيت !! ... نسيت الكلام القلتو ليك آخر مرة لمن اتلاقينا في المستشفى ؟؟ قلت ليك انت زي دمي الجاري في عروقي .. زي دقات قلبي زي نفسي الطالع من صدري .. عمرك سمعت بدم نسى يجري ؟؟ ولا قلب نسى يدق ؟؟ ولا نفس نسى يدخل ويطلع ؟؟ وقلت ليك كمان مافي راجل ولا مرة بيقيفوا بيني وبينك .. لانو البيني وبينك دة لا بتغير ولا بتاثر ولا بنتهي ...
خنقتها دموعها فصمتت .. لم يدر هل تبكي امها .. ام تبكي روحها .. ام تبكيه هو .. لكنه احس بفرحة كانت قد غادرته منذ سنين ...
- عارفة يا امونة .. كلامك دة حيبقى لي زاد لغاية نهاية عمري ...
خرجا من حالة السحر التي غلفتهما بصراخ نسوة اتين ليقدمن واجب العزاء للابنة المكلومة .. وانعدمت فرصة لقاء آخر حتى عادت الى زوجها وحياتها البعيدة عنه ... مرت السنوات وهو يحمل كلماتها تميمة فرح يتحسسها كلما عصفت به الالام .. وعندما سمع بنبأ وفاة زوجها في حادث سيارة نجت منه هي بجروح استدعت شهور من العلاج في مهجرها قبل عودتها الى الوطن كان احساسه مزيج من الحزن والفرح ... اخيراً اصبحت حبيبته حرة .. ويستطيع الارتباط بها بعد ان تحرر هو ايضاً من وصاية الكل عليه ... تكررت زياراته للقرية واصبحت رعايته لابنة خالته الارملة امراً طبيعياً ولا يثير التساؤل .. وعندما طلبها للزواج قوبل بترحاب من اشقائها الغارقين في حياتهم والراغبين في التخلص من عبء رعاية شقيقتهم الارملة ... ملاته سعادة لا توصف .. وعاد ذلك الفتى العاشق الذي يجهز نفسه للزواج بحبيبته .. رسمت امونة خارطة بيتها بنفسها .. وانتقت كل قطعة اثاث على ذوقها .. فاصبح البيت الصغير جنته .. حاول ان يكون عادلاً بينها وبين زوجتيه ... قسم ايام الاسبوع بينهم بالتساوي .. واضاف اليوم المتبقي لايامها .. كان يرى علامات التانيب والغيظ والغيرة في وجهي نعمات والسرة كلما ذهب لاحداهما .. لكنه لم يهتم .. لقد ارضى الجميع لفترة طويلة .. وحان الوقت ليرضي نفسه .. اصبحت غرف نوم نسائه الاخريات مكان لاداء الواجب .. بينما صارت غرفة امونة هي العش الذي يحتضن حبه ويجعله متلهفاً للعودة اليه كلما غاب عنه ... احياناً كانت تدفعه غيرته من ماضيها لسؤالها عن زوجها المتوفي .. خصوصاً عندما تجمعهما اللحظات الحميمة وتناوشه ذكرى آخر منحته نفسها قبله .. وكانت دوماً تجيبه بابتسامة حانية متفهمة يتبعها صمت يحرق روحه ويقض مضجعه ..
في احدى المرات التي تكور فيها في صدرها كقط كسول بعد وجبة دسمة سالها بغيرة ملحة ..
- امونة ؟؟ كنتي بتحسي معاهو بنفس الاحساس المعاي دة ولا اكتر ولا اقل ؟؟ ... وما تتهربي من الاجابة زي كل مرة .. قولي وانا ما بزعل مهما كان ردك ...
كانت لحظتها تعبث بخصلات شعره الناعمة بحنان وشغف .. فتوقفت يدها عن الحركة .. وعندما رفع اليها نظرات متسائلة وجد عيناها تتأملانه بحزن افزعه ...واتى صوتها الخفيض ليعمق ندمه على الحاحه ...
- يا حامد المرحوم كان طيب شديد .. كفاية انو عرف من اول يوم انو في انسان تاني جوة قلبي .. واتقبل الوضع دة بكل هدوء وتفهم .. عمرو ما طالبني بشئ اكتر من الاديتو ليهو لانو كان متاكد اني مخلصة ليهو ولحياتي معاهو .. واني حافظاهو في بيتو وشرفو .. كان عارف انو الجواي دة شئ اكبر مني ومنو ومن زواجنا زاتو .. انا عملت كل البقدر عليهو عشان اسعدو واريحو .. وهو مقدر الشئ دة .. ولو بتسالني عن احساسي كان شنو في لحظة زي دي ما حقول ليك غير انو الشئ البحسو معاك ما حصل حسيتو في حياتي كلها ...
انقبض قلبه عندما راى دموعها .. احتضنها معتذرا وجففها لها بشفتيه المتعطشتين دوما لعصير عينيها المالح ... بثها حبه واعتذاره فعلاً لا قولاً .. وانتشى بالاصوات الصغيرة التي كانت تصدرها وتعبر بها عن رضاها ... وكانت تلك آخر مرة يحس فيها بالغيرة من شبح زوجها الراحل .. مضت ايامه معها بمذاق الشهد حتى ظن ان لاسعادة اكبر من تلك التي يعيشها الآن ... حتى تلك الليلة .. كان متوسدا صدرها في رقدته المعتادة الوادعة بين ذراعيها عندما همست في اذنه ...
- حامد ... بكرة عاوزة امشي الدكتور ..
انتفض ونظر اليها بذعر ..
- دكتور ؟؟!! ليه يا امونة ؟؟ مالك حاسة بشنو ؟؟
كان محتارا من لمعة السعادة في عينيها والابتسامة المتراقصة على شفتيها ...
- لا ابدا ً ..محتاجة اتاكد من حاجة .. ما تخاف ...
- ما اخاف ؟؟!! كيف يعني ما اخاف ؟؟ امونة انتي عارفة انا ما باحمل فيك شئ ؟؟ قولي لي حاسة بشنو ؟؟ لو في حاجة واجعاك نقوم هسة نمشي الدكتور ..
- نمشي وين نص الليل يا راجل ؟؟ وبعدين انا مافي حاجة واجعاني .. انا بس (غابّة) لي اسبوعين ..
لم يستوعب في البدء المعنى الخفي لكلماتها .. وظل ينظر اليها ببلاهة في انتظار بقية تفسيرها وقد ازدادت دهشته من ضحكاتها المكتومة التي جعلت جسدها يرتج باغراء بين ذراعيه .. ثم بدات المعاني تتسلل ببطء الى عقله ... وفي لحظة انفجر بداخله نور غمر مكامن ادراكه واضاء وجهه فخرجت منه شهقة لا ارادية وسال بصوت تجاور فيه الرجاء مع عدم التصديق ...
- امونة ... انتي حامل ؟؟!! ...
لم يكن قد فكر منذ زواجهما في امكانية حملها باعتبار السنوات الطويلة التي قضتها مع زوجها بدون انجاب .. في واقع الامر لم يكن يهتم .. فزواجه بامونة لم يكن من اجل انجاب مزيد من الابناء .. لقد تزوج بها لاجلها هي .. لا يحتاج لغير وجودها ... فهي الحبيبة والابنة والام وكل ما يرغب فيه في حياته .. لكن فكرة حملها لطفله جعلته يحلّق من السعادة .. انهال عليها تقبيلاً حتى كاد يخنقها بعناقه وهي تضحك بحبور لتصرفاته .. اخيرا عندما استطاعت الكلام اتى صوتها جاداً ..
- حامد .. كدة خلينا نمشي الدكتور اول ونتاكد .. ممكن ما يكون حمل .. احتمال اكون خلاص قطعت عشان كدة دورتي ما جات ....
في عيادة الطبيبة جلس حامد وهو يشعر باضطراب في معدته وقلق شديد عبرت عنه دقات عصاته المتواترة على الارض ...
- مبروك يا حاج .. المدام حامل ...
وللفصل بقية ..................

Abubakr Ibrahim
13th January 2011, 07:26 AM
الفصل الثامن عشر (4)
نزلت كلمات الطبيبة بردا وسلاما على قلبه الملهوف ... احس وكانه يبشر باول طفل في حياته ... وغرقت امونة في بحر من الدلال طيلة شهور حملها التي مرت كالحلم .. وكانت خلالها تزداد جمالاً كلما انتفخ بطنها .. واختل ميزان العدل لدى حامد الذي اصبح يقضي معظم وقته في بيت حبيبته متجاهلاً غضب السرة وثورة نعمات ... كان يقيس تقدم حملها بيديه ومشاعره التي تأججت حتى لم يعد يحتمل فيضانها ... احس كأن الدنيا قد ضحكت له أخيراً بعد طول عبوس ... طارت الايام وتبعتها الشهور وحمل امونة يتقدم بسلاسة ... عندما حان موعد ولادتها اصبح حامد كطفل صغير يترقب حلول العيد ... وٌلد الامين في ظهر يوم صيفي حار .. ونحرت لمقدمه ست عجول وعشرات الخرفان ووزعت بسخاء على المساجد وبيوت الفقراء ... كان حامد يعيش حالة من عدم التصديق لمقدم الولد الذي تمناه طيلة عمره من المراة التي يعشقها ...
عندما اكمل الامين اسبوعه الاول .. توفيت امونة بعد ان باغتتها حمى نفاس غادرة ظلت تصارعها لمدة ثلاثة ايام قبل ان يستسلم جسدها النحيل لترحل مخلفة وراءها زوجاً على حافة الجنون ورضيع رفض تقبّل غياب امه فقرر اللحاق بها بعد عدة ايام .. بكى حامد كالنساء وتحول الى شبح حزين غاضب .. عافت نفسه الاكل والشرب والكلام ... قضى ايام العزاء شارداً في عالم آخر لم يستطع أي كان اختراق اسواره .. بعد انفضاض الجمع انزوى في احدى الغرف البعيدة معتزلاً الجميع ... خرج بعد شهر وقد تغير كل شئ فيه الى الابد ... بدأ وكأن عمره قد زاد عشرون سنة دفعة واحدة فقدت عيناه بريقهما المعتاد .. واكتست تعابيره بجمود مخيف .. لم يعد يحتمل البقاء مع الناس .. قام ببناء غرفة ملحقة بالديوان خارج المنزل ومنع الكل من دخولها ... اصبح عالمه محصوراً بينها وبين بيت حبيبته الراحلة الذي خصص له خادمة تقوم بتنظيفه يومياً .. اضاءة الانوار واطلاق البخور .. اصبح المكان مزاراً يهرب اليه كلما احرقه الشوق .. يجلس طويلاً مع امونة ..يقص عليها احداث يومه ويبثها لوعته على فراقها الذي احرق روحه وجعلها رماد .. ويبكي بوجع غدر القدر به للمرة الثانية..
استيقظت نعمات ونظرت حولها بدهشة .. في البداية لم تستطع تحديد مكان وجودها .. ادارت راسها بتعب لتفاجأ بوجود حامد جالساً في كرسي بالقرب من سريرها .. كانت عيناه المغمضتان وراسه المستند على ظهر الكرسي تدلان على نومه .. على ضؤ الغرفة الشاحب رات نعمات اللمعة على خديه النحيلين .. اغمضت عينيها وفتحتهما مرة اخرى .. فوجدت ان دموع زوجها لم تكن وهماً ولا خيالاً .. اجتاحتها فرحة عارمة انستها سبب وجودها في هذا المكان .. يكفيها ان حامد بقى بقربها طيلة الليل .. وانه قلق لاجلها حد البكاء .. فهي لم تره يبكي الا لاجل امونة .. وبكاؤه من اجلها يعني لها الكثير .. نادته بصوت متحشرج ..
- حامد ... حامد ..
عندما لم يتجاوب مع صوتها الضعيف حاولت ان ترفع يدها لتهزه قليلاً .. لكن يدها رفضت ان تطاوعها .. احست بها ثقيلة كالحجر وملتصقة بالفراش .. انتأبها الفزع وحاولت مرة اخرى .. ومع كل فشل كان فزعها يزداد .. بدات تنتحب بصوت عال ايقظ حامد من حلمه التعيس عن وفاة امونة ركض خارجاً وطلب الطبيب الذي اتى مسرعاً ...
- دي نتيجة متوقعة بعد الارتفاع المفاجئ في الضغط وبالصورة دي .. لكن ما تقلقوا دي مرحلة مؤقتة وانشاء الله كل شئ يرجع مع العلاج الطبيعي ..
رفضت نعمات البقاء في المستشفى واصرت على العودة الى بيتها فامتثل حامد لرغبتها ورتب لحضور اختصاصي العلاج الطبيعي الى البيت يومياً .. في اسبوعها الاول كان التقدم بطيئاً لكنها استطاعت تحريك يديها بعناء .. ساد البيت جو من الحزن الممزوج بالخوف .. واصبحت نادية كالشبح الهائم وهي تحوم خارج غرفة امها التي رفضت رؤيتها ومنعتها من الدخول اليها .. كان الاحساس بالذنب يفتك بها ..ففرضت على نفسها سجناً اختياريا وامتنعت عن الخروج من المنزل بتاتاً اتصلت بزاهر واخبرته في مكالمة هاتفية قصيرة عن الاحداث التي تلت معرفة امها بزواجهما وقرارها بالامتناع عن الحضور الى الجامعة حتى شفاء والدتها ... لم تفلح كل محاولاته لثنيها عن نيتها فطالبها بان تتصل به كلما واتتها الفرصة ... لكن وجود والدها المستمر بالبيت اضافة الى سيل الضيوف الذي لم ينقطع جعل معاودة الاتصال مستحيلة خصوصا بعد ان امرت نعمات بوضع الهاتف في غرفتها ... كان مرض امها ورفضها رؤيتها يذبحها ويشعرها بفداحة ما ارتكبته ... اعتادت على تحين فرص نومها لتتسلل على اطراف اصابعها وتتاملها بحزن ... تنسحب بسرعة عندما يهدد بكائها المكتوم بفضح وجودها .. فتهرب الى غرفتها لتجلس وحيدة وهي تعاني خوفها من مستقبلها المظلم ..
في الاسبوع الثالث بدات حركة نعمات تزيد .. وبشرها الاختصاصي بان استجابتها للعلاج جيدة وقد تنقضي فترة قصيرة حتى تعود الى طبيعتها ... كانت تحس بالملل من البقاء وحيدة في وضع ثابت لا يتغير .. فرفعت صوتها منادية ...
- اميرة ... يا اميرة ..
ظهرت هادية في فتحة الباب وسالت امها بحنان اصبح سمتها منذ مرض امها ...
- عاوزة حاجة يا امي ؟؟ اميرة دي مشت تشوف حبوبة العينة قالوا عيانة شديد ومودينها المستشفى ..
ابتسمت لها بفرح وهي تفكر بان مرضها ثمن بخس تدفعه لاستعادة حب ابنتها المتمردة ..
- تعالي يا هادية اسنديني .. عاوزة اقعد شوية ضهري وجعني من الرقدة الكتيرة .. نادية وين ؟؟ ..
- نادية ساكنة جوة الحمام من صباح الرحمن !! ..
رفعت نعمات راسها بحدة للجملة التي نطقتها هادية بلامبالاتها المعتادة
- ساكنة جوة الحمام ؟؟!! .... بتعمل شنو ؟؟ بتستحمى يعني ولا شنو ؟؟!! ...
- والله ما عارفاها يا امي .. لكن زي سمعت صوتها بتستفرغ .. ولمن سالتها قالت مافي حاجة ...
احست نعمات بتنميل في راسها وبرودة في اطرافها وموجة دوار تهاجمها ..
- اديني حبة الضغط سريع يا هادية .. اهي العلبة الفي راس الكمودينو دي وامشي نادي لي نادية ..
وضعت الحبة تحت لسانها ... اغمضت عينيها واسندت راسها على الوسادة وهي تدعو في سرها ان يكون ما خطر ببالها مجرد وهم صوره لها عقلها القلق .. لكن هيئة نادية التي دخلت الغرفة بخطوات مترددة اكدت ظنونها ... كانت تبدو مخيفة بوجهها الشاحب ودوائر سوداء عميقة تحيط بعينيها .. فقد شعرها الطويل حيويته ولمعانه وتدلى باهمال وراء ظهرها .. برزت عظام كتفيها اعلى جسدها الهزيل .. تاملتها نعمات بدقة من راسها وحتى اخمص قدميها .. لمعت في عينيها نظرة ادراك خبيرة رفعت صوتها المحبط وامرت ابنتها الصغرى ..
- هادية .. اطلعي واقفلي الباب وراك .. اقعدي في الصالة وما تخلي أي زول يدخل علينا الا اميرة .. فهمتي ؟؟ ..
- طيب ولو ابوي جا يشوفك اقول ليهو شنو ؟؟!! ..
- قولي ليهو راسي وجعني شديد وبلعت حبوب وما عاوزة زول يزعجني ..
رمقتهم هادية بنظرة مليئة بالتساؤل ثم استدارت خارجة واغلقت الباب خلفها بهدؤ
بدات نادية ترتجف بعنف وسالت دموعها غزيرة امام النظرات الغاضبة المتهمة ..
- تعالي اقعدي في الكرسي الجنبي دة ..
اطاعتها بخوف وبدات تتكلم بصوت مهتز تقطعه تشنجات البكاء ...
- امي عليك الله ما تنفعلي .. كل الانتي عاوزاهو بسويهو ليك .. انا حتى الجامعة ما مشيت من يوم ما انتي رقدتي ولو عاوزاني اخليها خالص بخليها .. حاعمل أي شئ بس انتي ترضي علي .. انا ما بتحمل غضبك ...
قاطعتها نعمات بسؤال مباشر ...
- انتي حامل مش كدة ؟؟..
بهتت نادية ونظرت الى وجه امها الجامد بعينين متسعتين .. ثم عجزت عن مواجهتها فاطرقت بحرج وهي تتمنى لو تنشق الارض وتبتلعها ...
- اتكلمي يا بت .. آخر مرة دورتك جات متين ؟؟ وهسة متاخرة كم عن مواعيدها ؟؟ ..
وللفصل بقية ......................

Abubakr Ibrahim
15th January 2011, 07:03 AM
الفصل الثامن عشر (5)
مر شهر وشوية من آخر مرة جاتني ...
انقطع الحوار المؤلم بفعل طرقات ناعمة على الباب فتح على اثرها وظهر راس اميرة التي وقفت تتامل المنظر بحيرة .. فوالدتها رفضت كل محاولات نادية للاعتذار ومنعتها من دخول غرفتها .. جلستهما الآن سوياً لا تبشر بخير ..
- ادخلي يا اميرة واقفلي الباب .. تعالي جيبي التلفون واتصلي لي بامي ...
كانت يد نعمات بالكاد تقوى على رفع سماعة الهاتف .. خرج صوتها خشنا ومبحوحاً وهي تخاطب والدتها ...
- امي .. عاوزة اجي اقعد عندكم كم يوم .. لا ما براي .. انا ونادية لكن ما عاوزة أي زول يعرف اننا عندكم ..
كان الصوت من الطرف الآخر ينبعث عالياً ومنزعجاً ليبدد صمت الحجرة اثناء سكون نعمات ...
- لا يا امي ما اتشاكلت مع حامد ولا السرة ولا مع أي زول تاني .. بكلمك بالموضوع لمن اجي .. وزي ما اتفقنا .. مافي جنس مخلوق يعرف اننا عندكم ..
عندما انهت المكالمة كانت في عينيها نظرة غريبة .. ومصممة ..
- وينها ورقة الزواج العرفي بتاعك ؟؟ ولا كمان مافي ورقة وعرستي شفهياً ؟؟ ..
قفزت نادية من جلستها بلهفة ..
- في ورقة يا امي .. انا وريتها لاميرة وكمان كان في شهود حاضرين لمن عملناها ومضوا فيها .. دقيقة اجيبها ليك تشوفيها ...
- خليك قاعدة قبلك ... امشي يا اميرة جيبيها ...
كانت اميرة تراقب تصرفات والدتها باستغراب حقيقي ... فهي لم تكن تتوقع منها هذا البرود في التعامل مع مشكلة نادية العويصة ... عندما احضرت الورقة الصغيرة المطوية بعناية .. فتحتها نعمات وظلت ممسكة بها امام عينيها فترة طويلة حتى خيل للفتاتين انها قد نسيت وجودهما .. اخيرا اطلقت تنهيدة عميقة .. رفعت راسها نظرت اليهما وانهمر سيل الاوامر ..
- نادية .. قومي جهزي شنطة صغيرة ختي فيها هدوم تكفيك اسبوع او عشرة يوم بالكتير حتمشي تقعدي معاي عند ناس امي لغاية ما نشوف حل للورطة الدخلتينا فيها دي .. وانتي يا اميرة جهزي شنطتي وما تنسي الادوية وبعد ما تخلصي نادي لي ابوكي ... والكلام الدار جوة الاوضة دي يندفن قبلو ... مافي واحدة فيكم تجيب سيرتو ..
لم تتحرك أي منهما وظلتا تنظران اليها بحيرة ..
- اتحركي يا بت انتي وهي سريع .. مالكم ؟؟ عاوزني اترجم ليكم الكلام دة بلغة تانية عشان تفهموه ؟؟ ...
في لحظات تحولت الغرفة من حالة الجمود التي سيطرت عليها الى حركة دائبة .
- عاوزة تمشي تقعدي عند اهلك ليه يا نعمات ؟؟ الناقصك هنا شنو ؟؟ لو محتاجة أي حاجة كلميني وانا اوفرها ليك ..كيف يعني تمشي بيت اهلك وانتي بالحالة دي ؟؟ والعلاج بتاعك حتوقفيهو ولا كيف ؟؟ وسايقة معاك نادية لشنو .. البت دي ليها قريب شهر ما مشت جامعتها .. مش مفروض بعد دة تمشي تشوف الفاتها شنو ؟؟
كانت اسئلة حامد تندفع من فمه بانزعاج بعد ان عاوده مرة اخرى احساس الذنب والتقصير تجاه زوجته التي ما ان اظهرت عليها بوادر التحسن حتى عاد هو الى معتزله واكتفى بزيارتها يوميا لفترات قصيرة خصوصا بعد ان احس بعدم رغبتها في الحديث معه وتظاهرها احيانا بالنوم كي تتخلص من وجوده ..
- ما ناقصني شئ يا حامد .. لكن انا زهجانة من الحبسة هنا براي ومحتاجة اغير جو .. قلت امشي ناس امي كم يوم .. ما بقطع العلاج .. انت اتفق معاهو يجيني عند ناس امي في نفس المواعيد .. ونادية سايقاها عشان تخدمني .. انت عارف امي في البيت براها وبقت مرة كبيرة وما بتقدر على الخدمة .. وكان على الجامعة ما مشكلة .. هي غابت دة كلو .. يعني ما جات ليها على اسبوع تقعدو معاي .. وبعدين اميرة بقت في عصمة راجل .. يعني ما بقدر اسوقها كدة ساكت .. وانا بكون مطمنة لمن اخليها وراي عشان تراعي هادية والبيت ...
احس حامد بجو غريب يحيط بزوجته لكنه لم يستطع تحديده .. ربما لانها تتفادي النظر اليه مباشرة لقد اعتاد ان يقراها من عينيها الصافيتين اللتين تعكسان كل ما يدور داخلها بشفافية .. تعمدها تجنب نظراته اشعره بانها تخفي شيئا ما لكنه لم يشأ الضغط عليها لمعرفته مراعاة لحالتها الصحية ..
- خلاص يا نعمات .. اذا مشيك هناك حيريحك انا ما عندي مانع ... وفي أي لحظة تحتاجي أي شئ او عاوزة ترجعي اتصلي بي ..
حال وصولهم الى بيت جديها .. انعزلت نادية في الغرفة التي خصصت لها مع والدتها .. جلست منكمشة تستمع الى الاصوات المنفعلة الغاضبة تاتيها من الغرفة الاخرى التي اجتمعت فيها امها مع خالها وجدتها حال وصولهم .. وقد ادركت بانها هي موضوع الحديث .. احست بالخوف والوحدة .. فبرغم رد فعل امها الهادئ الى حد ما .. الا ان كل الدلائل تشير الى نوايا اخرى مبيتة .. مرت عليها اللحظات كالدهر وهي متكورة في طرف السرير تتحسس بطنها الذي يحمل ثمرة اللقاء الاخير بينها وبين زوجها .. انتابتها مشاعر متناقضة ما بين الحب لهذا الكائن الصغير الذي اتى على غفلة والخوف من وجوده .. لقد تاكدت من حملها بعد ان غابت دورتها عن مواعيدها المعتادة واصبح الاستيقاظ صباحاً اكثر صعوبة .. عافت نفسها الاكل وحتى اللقيمات الصغيرة التي تزدرها على مضض لا تستقر في معدتها الا لدقائق قليلة تركض بعدها الى الحمام لتلفظها .. كما بات انفها حساسا تجاه الروائح لدرجة مزعجة .. فلم تعد تتحمل حتى عطورها التي كانت تفضلها .. وبرغم ذعرها مما يحدث لها .. الا انها احست بفخر خفي كونها تحمل طفل الرجل الذي تعشقه بجنون ...
قفزت من جلستها عندما فتح باب الغرفة فجاة .. ولم تنتبه لدموعها التي اغرقت وجهها حتى سمعت صوت جدتها المؤنب ...
- بتبكي ؟؟!! .. بتبكي على شنو يا نادية ؟؟ على الفضيحة العاوزة تفضحينا ليها .. دي عملة تعمليها يا بت ؟؟!! ...
قاطعتها نعمات التي دخلت مستندة علي ذراع شقيقها بلهجة محذرة ..
- امي .. احنا مش اتفقنا خلاص ؟؟ مافي داعي للكلام دة .. الحصل حصل .. خلونا في المفيد .. خشوا واقفلوا الباب دة مافي زول يجي يسمعنا ..
- ما تخافي .. انا قفلت باب الشارع بالترباس وحذرت الشغالة ما تفتحوا لاي زول ..
التفتت نعمات الى ابنتها الوجلة وخاطبتها ببرود ...
- نادية .. احنا مبدئياً ما عندنا مانع انك تتزوجي الزول دة بصورة رسمية .. لكن في الوقت الحالي قررنا انك لازم تنزلي الفي بطنك ..
خرجت من نادية آهة مكتومة وتراجعت خلفاً وهي تضع يديها على بطنها بصورة حمائية ...
- اسمعيني كويس يا بت احنا عاوزين نلم الفضيحة ونستر روحنا ..
- حرام يا امي .. حرام عليكم .. انتو مش خلاص قلتو موافقين على زاهر ؟؟ يعني ما حتكون في فضيحة ... لو عملنا العرس هسة وانا لسة في بداية الحمل مافي زول حيعرف حاجة ..
تخلت نعمات عن برودها وانفجر غضبها لدى سماعها اسم زاهر ..
- تحرم عيشتك يا فاجر يا قاهر .. هو انتي بتعرفي الحرام ؟؟ لو كنتي بتعرفي جد كنتي عرفتي انو الفي بطنك دة جنى حرام .. ايوة يا فاهمة يا متعلمة يا بتاعت الجامعة .. ما علموك انو ما بٌني على باطل فهو باطل ؟؟ الشيخ السالتيهو ... دة لو صحي سالتي شيخ ما وراك انو البت البكر ما بيصح زواجها الا بوجود ولي امرها وعلمه وموافقته ؟؟ انتي ابوك عايش على وش الدنيا ومشيتي عرستي زي بنات الشوارع ... يبقى عرسك باطل .. وعلاقتك بالعواليق بتاعك دة زنا في زنا .. والفي بطنك دة جنى حرام .. فهمتي ولا افهمك زيادة ؟؟ ..
ارتج جسد نادية النحيل بعاصفة من النحيب الهستيري .. وانكمشت في زاوية الغرفة كأنها تحاول ان تنحت جسدها داخل الجدار لتحمي طفلها .. تبادل خالها نظرة متواطئة مع شقيقته ثم تقدم نحوها ببطء .. احتبس صوتها واتسعت عيناها ...انحنت لتغطي بطنها بيديها وهي تنتظر الضربات الموجعة التي ستسقط طفلها... لكن لدهشتها الشديدة وضع يده على كتفيها وامسكها برفق وهو يوجه خطواتها نحو السرير .. اجلسها بقربه وخاطبها بصوت هادئ ..
- اسمعي يا نادية .. انتي دخلتينا كلنا في مشكلة كبيرة ولازم نلقى ليها حل .. ابوك لو عرف ابسط حاجة حيعملا انو يطلع مسدسو ويفرغو فيك وفي الزول دة ويدخل السجن .. وممكن اميرة اختك تتطلق بسبب الموضوع دة لانو اهل ابوك ديل ناس صعبين وما بيغفروا الحاجات الزي دي .. عشان كدة احنا حنقعد مع بعض ونتشاور ونشوف نعمل شنو اول حاجة لازم نفكر كيف نقنع ابوك انو يوافق على الزول دة .. وانتي عارفة دي مهمة صعبة شديد وممكن تاخد زمن طويل .. انا مستعد اقيف معاك واساعدك .. لكن على شرط انك تنزلي الطفل لاننا ما عارفين متين حنقنع ابوك والمسالة ممكن تاخد شهور على بال ما نمهد ونتكلم براحة براحة وبالتاكيد في الفترة دي حملك حيظهر ... يا نادية احنا طول عمرنا ناس مستورين .. وما حنقدر نوضح لكل الناس انك حملتي من زواج شرعي لانو الناس عليها بالظاهر .. وانتي قدامك العالم كلو لسة بت ما متزوجة ... يعني الرشاش حيطالنا كلنا وتاني مافي زول فينا حيقدر يرفع راسو في أي حتة ... انتي لسة صغيرة وقدامك العمر كلو عشان تجيبي العيال العاوزاهم .. ويا ستي بكرة لمن تتزوجي زاهر بصورة رسمية اولدي جيش ومافي زول حيكون عندو عندك حاجة .. لكن حاليا الطفل دة لازم ينزل .. اها قلتي شنو ؟؟ موافقة على كلامي دة ؟؟ ...
احست نادية بالاطمئنان للهجة خالها الهادئة وكلماته الموزونة المقنعة .. دارت نظراتها وهي ترى اللهفة في العيون التي تنتظر ردها .. فاومات ايجاباً .. وخرجت تنهيدة راحة من جميع الافواه ..
خلاص دة انتهينا منو .. الشئ التاني زاهر لازم يجي يقابلني ويجيب معاهو الورقة البتثبت زواجكم عشان نتناقش ونشوف حنقدر نعمل شنو وكيف نقنع ابوك ... يعني بعد ما نخلص من موضوع العملية وتشدي حيلك .. تتصلي بيهو وتخليهو يجينا هنا .. الكلام دة كويس معاك ؟؟
انفرجت اسارير نادية واحست براحة تغمره جسدها المتوتر فارتمت في احضان خالها الذي احتضنها بيدين متخشبتين وما لبث ان هب واقفا وهو يخاطب امه ...
- امي .. انتي شوفي موضوع الداية وخليها تجي بكرة ولا بعدو بالكتير .. واكدي عليها انو الموضوع دة لو طلع برة انا بدفنها حية ..
- ما تخاف .. الداية دي زي اختي .. انا بثق فيها وانتو كلكم اتولدتوا على ايديها .. بطنها غريقة .. وياما حفظت اسرار اسر وحافظت على بيوت من الخراب ... انا بمشي ليها بنفسي وبخليها تجي بكرة بعد المغرب .. وزي المواعيد دي حيكون كل شئ انتهى ...
وللفصل بقية ......................

Abubakr Ibrahim
16th January 2011, 06:52 AM
الفصل الثامن عشر (6)
احتاجت نادية اسبوع كامل حتى تتعافى من آثار العملية المزدوجة .. كان اكثر ما يؤلمها الجلسات الطويلة في الماء الحار المملح حتى تلتئم جروح عملية الختان التي اجريت لها عنوة وبدون استشارتها .. لقد انتبهت للهمس الدائر بين امها وجدتها والقابلة العجوز .. لكنها لم تعرف فحواه الا عندما استلقت شبه عارية وهي تنظر بدهشة للادوات الت تخرجها القابلة من حقيبتها .. شفرات .. خيوط .. ابر معقوفة .. ومقص .. دفعها خوفها لمحاولة الجلوس .. لكن وجدت نفسها مثبتة بيدي امها وجدتها التي همست في اذنها ..
- اركزي يا بت .. لازم نطهرك عشان القص والخياطة يدسوا اثر العملية ..
تمتمت بذهول ..
- تطهروني ليه ؟؟ .. وندس اثار العملية من منو .. زاهر عارف.. تاني شنو ؟؟
رمقتها نعمات بنظرة غاضبة تشع حقداً وهي تضغط بيدها الضعيفة على كتفها ..
- انتي يا بت عاوزة تجلطيني تاني ؟؟ ولا المرة دي عاوزة تقتليني عديل ؟؟ اقفلي خشمك دة واسكتي ساكت .. احنا عارفين مصلحتك اكتر منك ...
الجم الاحساس بالذنب وخوفها من غضب امها لسانها وحركتها وهي تحس بطعنات الابرة تغوص عميقا في لحمها ... تفصد العرق غزيراً من جسدها حتى احست بانها تغرق فيه .. وانقذها فقدانها للوعي من أي احساس آخر ...
عندما اصبحت قادرة على الوقوف والمشي بدون مساعدة .. حضر اليها خالها مرة اخرى بنظراته المتواطئة ويديه المتخشبتين ..
- اتصلي بالزول دة وخلي يجي يقابلني بكرة بعد صلاة العشا .. واهم شئ يجيب الورقة البتثبت زواجكم معاهو ...
احست نادية بفرحة طاغية تجتاحها وتملا الفراغ الذي سكن اعماقها منذ ان وافقت على قتل جنينها سارعت الى الهاتف تحت مراقبة ثلاثة ازواج من العيون الجامدة .. كانت اصابعها ترتجف وهي تطلب الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب ..
- الو .. ممكن اكلم زاهر ؟؟ قول ليهو نادية ...
اتاها صوته مليئا باللهفة والقلق ..
- نادية ؟؟!! .. انتي وين ؟؟ انا كنت خلاص قربت اجن .. ليه عملتي فيني كدة ؟؟ مش احنا متفقين انو مهما ساءت الظروف برضو توريني الحاصل شنو ؟؟ يا نادية ...
قاطعت سيل كلماته بصوت ناعم ..
- زاهر .. معليش انا لي كم يوم جيت مع امي عند حبوبتي وما لقيت طريقة اتصل بيك امي وخالي وافقوا على زواجنا .. تعال بكرة بعد صلاة العشا عشان تقابل خالي ..
قفز قلبها عندما سمعت شهقته تاتيها حارة وتذكرها بشهقات اخرى حفرها في اذنها واذابها بها .. عندما طال صمته نطقت اسمه بهيام ...
- زاهر .. سمعتني ؟؟ قلت ليك ...
قاطعها صوته الباكي ..
- سمعتك يا نادية .. سمعتك .. بس ما قادر اصدق البسمعو منك ..
- صدق يا زاهر .. اخيرا ربنا استجاب لدعواتنا وحنبقى مع بعض لغاية آخر يوم في عمرنا بكرة جيب معاك ورقتك ..خالي عاوز يشوفها عشان يتاكد اننا فعلا اتزوجنا .. ما تتاخر .. تعال بعد الصلاة طوالي ...
ليلتها لم يغمض لها جفن .. استغرقتها احلام اليقظة التي غذاها شوقها الجارف الى زوجها بنار احرقت جلدها .. كانت تحس بانها تسبح في غمامة ناعمة وصورة مستقبلها مع زاهر تتراقص امام عينيها ... تمدد الزمن وتمطت ساعات النهار بكسل يتحدى لهفتها ... قضت الوقت وهي تحاول تحسين منظرها المزري .. وعندما نظرت الى المرآة لترى نتيجة جهودها .. صدمتها صورة عظامها الناتئة وملامح وجهها الشاحب الهزيل .. انتابها القلق من ان يراها حبيبها بهذا الشكل .. وذابت مخاوفها عندما التقت عيناهما لحظة دخولها الغرفة ورات الحب والشوق يشعان منهما بوضوح ....بدا انيقاً وسيماً برغم فقدانه الكثير من وزنه .. كان يتقدم نحوها ماداً يده عندما اوقفه صوت خالها الصارم
- اقعد يا زاهر وخلينا نتفاهم ..وينها ورقتك كدة خليني اشوفها ...
جلس زاهر بارتباك بينما ظلت عيناه معلقتان بنادية التي خافت من خذلان ساقيها فجلست في اول كرسي صادفها وهي تراقب كل حركة من حركات زاهر الذي اخرج من جيب قميصه مظروف ابيض مطوي بعناية .. فتحه بحرص واخرج منه ورقة صغيرة شبيهة بورقتها التي يمسكها خالها بين يديه فتحها ببطء وناولها لليد الممدودة ... كان جميع من في الغرفة يتابعون حركة الرجل الطويل الممتلئ الذي نهض من جلسته المتململة ممسكاً كل ورقة بيد واتجه بخطوات واسعة الى نهاية الصالون الفسيح وقف بالقرب من النافذة التي تحتل مساحة كبيرة من الجدار .. اخرج علبة سجائره وضع اللفافة بين شفتيه واخرج قداحته .. وبهدؤ اشعل النار في الاوراق التي استقرت في يده اليمين ورمى بها داخل مزهرية فارغة بالقرب منه .. صرخت نادية وقفز زاهر على قدميه بينما ارتسمت ابتسامة راحة على شفتي نعمات وامها .. عندما وصل زاهر الى حيث يقف الخال كانت الاوراق قد اصبحت بقايا متفحمة قبض عليها فتفتت في يده وتحولت الى قطع صغيرة تطايرت في كل الاتجاهات وقف زاهر مذهولاً بفم مفتوح وعينان امتلاتا بالدموع .. وخرجت كلماته مختنقة ..
- ليه كدة يا خال ؟؟ ليه حرقت الاوراق ؟؟!! ...
اتاه الرد من الجدة الحانقة ...
- خال ؟؟ خلال الشوك اليشق حلقك .. خالك بوين ؟؟ والله انت لو ما الزمن صحي بقى كعب ما كان واحد زيك قدر يغش على بتنا الماصلة المفصلة ويعرسها ..
تجمد زاهر في مكانه وبدا عرق غاضب ينتفض في اعلى جبينه .. حاولت نادية التحرك من جلستها لكنها احست بكل عصب في جسدها قد تحول الى هلام لا تملك السيطرة عليه .. خرجت كلمة الاحتجاج الوحيدة من شفتيها بالم ..
- حبوبة ..
التفتت اليها نعمات بغضب متفجر وقد اختفى كل برودها الذي تعاملت به منذ بداية الموضوع ..
- الحب اليخنقك يا فاجر يا ام عينا بيضا .. انتي صدقتي اننا كنا حنخليك تعرسي الجربوع دة ؟؟ والله لو اقطعك وارميك لكلاب الشارع ما اخليك تفضيحنا وتكسري ضهرنا وتبقينا لبانة في لسان اليسوى وما يسوى .. عاوزة تشمتي فيني السرة وتخليها تقول اني فعلا ما عرفت اربي ؟؟ عاوزة تجبري ابوك حامد ود العمدة يخت يده في يد الغرابي ؟؟ !! ...
كانت الكلمات تنزل على زاهر كسياط من نار تخترق جلده ويصل المها حتى عظامه .. حاول ان يتماسك من اجل حبيبته التي كانت تنتحب بهستريا .. خرج صوته قوياً رغم الالم .. حاداً رغم الهوان ... ثائراً برغم الامتهان ...
- اسمعوني كلكم ... انتو قايلين روحكم شنو ؟؟!! احسن ناس في الدنيا دي ؟؟ ربنا ما خلق غيركم ؟؟ مافي زول زيكم ؟؟ رافضني ليه ؟؟ بتهينوني بالصورة دي ليه ؟؟ عشان ما لونكم ؟؟ بتعاقبوني عشان شكلي ما بشبهكم ؟؟ عشان قبيلتي ما قبيلتكم ؟؟ بلاهي انتو مسلمين انتو ؟؟ انا الله خلقني كدة وخلقكم كدة ... لكن انا ما اقل منكم .. ولا انتو احسن مني .. وما تفتكروا عشان حرقتوا الورق معناها خلاص الموضوع انتهى .. نادية مرتي وبشهادة شهود ..
قاطعه الخال الذي بدت ثورته في حركاته المتوترة ..
- زواجك من نادية كان غلطة وحنصلحها حالاً .. ارمي يمين الطلاق واتفضل برة .. تاني وشك دة ما عاوزين نشوفوا .. وتاكد اني لو عرفت انك حاولت مجرد محاولة انك تتصل بيها حيكون آخر يوم في عمرك ..
- اطلق ؟؟ انا اطلق نادية ؟؟ ما حيحصل ولا حتى في ابعد احلامكم .. نادية مرتي .. وحتفضل مرتي لمن اخش التراب .. ومستعد اعمل أي شئ عشان تبقى معاي .. انا حامشي البوليس وافتح فيكم بلاغ واطالب بيها عن طريق المحكمة ... والفضيحة الانتو خايفين منها دي حجيبها ليكم لغاية خشم بابكم .. وعندي الشهود ومستعد اصل لغاية الطبيب الشرعي وانشر قصتنا في الجرايد عشان اثبت انها مرتي ..
- نطق كلماته الاخيرة بتحدي جعل نعمات تمتقع .. بينما ادخل الخال يده في جيبه واخرجها بحركة مفاجئة وهي تحمل مسدس صغير لامع .. تراجع زاهر خلفاً وتعالت صرخات نادية الفزعة ...
- انت بتهددنا يا كلب ؟؟ بتهدد اسيادك ؟؟!! .. حتطلقها .. حتطلقها ورجلك فوق رقبتك .. لو عاوز تطلع من البيت دة حي حتطلقها .. ارمي اليمين وغور في ستين داهية ...
ثبت زاهر في وقفته كالطود وعقد ذراعيه حول صدره وهو ينظر الى نادية المنكمشة في كرسيها بالم وخرج صوته كالفحيح ..
- انت قايل روحك بتخوفني بمسدسك دة ؟؟ انا ما بخاف .. اقتلني لكن ما بطلقها .. اضرب .. لكن طلاق ما بطلق ونادية حتفضل مرتي غصباً عنكم .. وحاعلن زواجي بيها في كل مكان .. حاخلي السودان كلو يعرف انها مرتي ... واعلى ما في خيلكم اركبوا ...
قفزت نادية من كرسيها برعب وهي تسمع صوت قفل الامان في المسدس يحرر استعدادا لاطلاقه ..
- لا يا زاهر ما تفضحني وتفضح اهلي .. طلقني .. انا عاوزة الطلاق ... لو سمحت طلقني وخليني اخلص ..
التفت اليها الجميع بدهشة .. كانت نظرات حبيبها المفجوعة تذبحها .. لكنها لم تهتم .. سوف يكون هناك متسع من الوقت للالم فيما بعد .. ربما العمر كله .. لكنها الان سوف تنقذه مهما كان الثمن الذي يتوجب عليها دفعه ..لن تسمح لهم بقتله .. يكفي انهم قتلوا طفله وقتلوها معه .. احست بدوار قاس يحتكر احساسها ويكاد يفقدها وعيها .. لكنها تماسكت امام سؤال زاهر المذهول ..وقررت ان تلعب على وتره الحساس الذي تدرك بانه لن يسمح لاي كان .. ولا حتى هي بمسه .. وتر كرامته التي يعتز بها كثيراً ... سوف تحميه من اهلها بالطريقة الاكثر ايلاما لها .. وله ...
- نادية ؟؟ انتي بتقولي طلقني وبتسمي اعلان زواجنا فضيحة ؟؟ مش دة الشئ الكنا عاوزينو انا وانتي من يوم ما عرفنا بعض ؟؟ حصل ليك شنو .. خوفوك ؟؟ ضغطوا عليك عشان تقولي الكلام دة مش كدة ؟؟ لكن انا قلت ليك من زمان ما بطلقك حتى لو انتي طلبتي .. لاني متاكد وواثق من حبك لي زي ما انا واثق من حبي ليك .. عارف انك بتقولي الكلام دة من ورا قلبك ..
انحدرت دموعها حارة على خديها الشاحبين .. اغمضت عينيها بقوة حتى تستجمع شجاعتها ... خرجت كلماتها مهتزة .. لكنها واضحة ...
- اسمع يا زاهر .. بصراحة انا القلت لاهلي عاوزة الطلاق واتفقت معاهم على كل حاجة
لم تبال بالصوت المجروح الذي خرج منه عنوة .. ولا بنظرات الدهشة التي تبادلها الجميع وواصلت بتصميم ..
- انا في البداية كان عاجبني الموضوع .. الطريقة الحبيتني بيها اشبعت غروري .. ما حانكر اني حبيتك ... بس ما لدرجة اني اضحي باهلي عشانك .. ولا بالعريس المتقدم لي لانو ما بتعوض ...
كانت دموع زاهر تنزل كماء النار على جروح روحها المعذبة .. توترت انفاسها وهي تجبر الكلمات على الخروج من شفتيها الجافتين ...
- تعرف انا اتاكدت اني فعلا ما عاوزة اواصل معاك متين ؟؟ لمن عرفت اني حامل ؟؟
خيم صمت ثقيل على الغرفة .. كانت النظرات الموجهة الى نادية تحمل معاني متباينة ... اكثرها تعبيرا تلك التي ارتسمت على وجه زاهر فتقدم نحوها وهو يتمتم ..
- نادية انتي حامل ؟؟ ليه ما كلمتيني ؟؟ دة السبب المخليك تطلبي الطلاق مش كدة ؟؟ مفتكرة اني ما اوفيت بوعدي ليك ؟؟ والله يا نادية ما اتعمدت اعمل كدة .. الشئ دة حصل غصبا عني لمن اميرة ...
قاطعت تقدمه برفع يد مرتعشة في وجهه .. وكلمات لا تقل عنها ارتعاشاً ...
- كنت حامل يا زاهر .. كنت .. انا عملت عملية ونزلت الجنين .. ما عاوزة حاجة تربطني بيك .. الحمل فوقني من الوهم الكنت عايشة فيهو .. وهم انو الحب ممكن يخليني اتغاضى عن الفروقات البيني وبينك .. انا ما بقدر اعيش حياتك يا زاهر .. وانت ما حتقدر تعيشني في المستوى الانا اتعودت عليهو .. عشان كدة لو سمحت طلقني .. اذا انت فعلا بتحبني زي ما بتقول وعاوز سعادتي ... يبقى طلقني .... طلقني يا زاهر ما عاوزاك .. طلقني ..
وقفت جامدة وهي تدعو بحرارة في سرها ان تكون قد اجادت التمثيل واقنعت حبيبها برفضها له .. باستطاعتها ان تتحمل بعده وفراقه .. لكنها لا تستطيع ابدا ان تتحمل موته ... بسببها .. وبيد خالها..
تعمق الصمت اكثر بعد كلماتها الباكية ولم يقطعه سوى انفاس زاهر العالية المضطربة .. ظل ينظر اليها لفترة طويلة وهو يامل بان تخبره بانها لا تعني ما تقول .. وانهم يجبرونها على قول هذه الكلمات السامة .. كان على استعداد للموت من اجلها .. لكنها تحاشت النظر اليه بالتحديق في كفيها المتقاطعتين بقوة ابيضت لها مفاصلها ... واقنعه صمتها المصمم بجدية طلبها ... رفع راسه بكبرياء تصلبت ملامحه وخرج الهواء حاراً من انفه ... نظر الى الجميع باحتقار وكراهية .. ثم نطق كلماته
نادية ... انتي طلقانة ... طلقانة .. طلقانة ...
اعتصم بما تبقى له من قوة وانسحب خارجاً دون ان يلقي نظرة الى الوراء ... تراخت اليد التي تحمل المسدس ... ارتسمت ابتسامات راحة على وجه نعمات وامها ... وانهارت نادية ارضا ما ان تاكدت من نجاة حبيبها وهي تبكي بحرقة تتخللها صرخات حادة ..
- انا بكرهك يا امي ... بكرهكم كلكم .. وما حسامحكم على العملتو فيني لمن اموت ...
وبكرة فصل جديد ...................

Abubakr Ibrahim
17th January 2011, 07:03 AM
الفصل التاسع عشر (1)
انطلقت صرخات حبيبة الملتاعة لتبدد سكون الجو وتملا ممرات المستشفى الهادئ بضجيج حزين ... لم يكن مرض امها الطويل كافياً لتهيئتها على تحمل الم فقدانها .. كانت بالنسبة اليها الام والاخ والاخت والصديقة .. الصدر الحنون الذي يستقبل كل احباطاتها وحزنها وغضبها .. كانت كل ما تبقى لها من عائلتها بعد وفاة ابيها واختفاء عبد الرزاق وتعمد عبد الستار الابتعاد عنها وعن عائلتها في السنوات الاخيرة .. هذا الابتعاد الذي اراحها كثيراً .. فمع كل زيارة كانت النظرات المتبادلة بين زوجها وشقيقها تشعرها بالغثيان .. نظرات غامضة تحمل مزيجاً غريباً من الحب والكراهية وتشحن الجو بشرارات من التوتر المرهق .. كانت تحرص على عدم انفرادهما ولو لدقائق .. فهي قد تتحمل ممارسات زوجها على مضض طالما تتم بعيداً عنها ومع غرباء ... لكن فكرة وجود زوجها مع شقيقها كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال .. اصبح عدم ارتياحها وتحفزها واضحاً في كل زيارة .. وبات تواجدها الكثيف حولهما مقلقاً ... فتباعدت الزيارات حتى انقطعت عن بيتها تحديداً ... لكن من حين لآخر كانت تلتقيه عند حضوره لزيارة امهما .. ما ان يراها حتى يبدا بالتململ وسرعان ما ينتحل عذراً للمغادرة دون ان تلتقي عيناهما ...
- حبيبة !! ... دة شنو البتسوي فيهو دة ؟؟!! ... البسي توبك واستري روحك ..
كانت عبارات ابراهيم الزاجرة سبباً في انتباهها لحالتها المزرية ... فقد انفرط ثوبها عن جسدها واصبح يزحف خلفها على الارض كاشفا تضاريسها المغرية للعيون الفضولية ... لملمته حولتها وهي تنظر الى زوجها الذي بدا حزينا على رحيل امها بقدر حزنها هي ... في بداية زواجهما كانت تظنه يتظاهر بحب اسرتها ارضاء لها .. لكن مع مرور الايام تاكدت بانه يحمل مشاعر حقيقية لامها وابيها واخويها ... مشاعر ربما كانت تفوق تلك التي يحملها لها هي زوجته وام بناته .. كان يتعامل معها باحترام ويغدق عليها من المال بما يفوق طلبها واحتياجها .. لكنه ابدا لم يمنحها ما تحتاجه منه حقاً .. حبه ..
- سوقي البنات وارجعي البيت .. انا حخلص الاجراءات واستلم الجثمان واحصلكم .. واول ما توصلي كلمي الجماعة واتصلي بعم حامد عشان يجهز للفراش ..
عندما وصلت سيارة التاكسي التي تقل حبيبة وبناتها الى ناصية الشارع فوجئت بالجموع المتمركزة امام الحوش واصوات البكاء والعويل التي تصم الآذان ... اندهشت من السرعة التي وصل بها الخبر وهمست لنفسها بمرارة ...
- يا حليلك يا العينة .. ما كنت متخيلة الناس حتجي لجنازتك قدر دة .. لكن هم اكيد ما جايين عشانك .. ولا عشاني .. اكيد كلهم جايين يجاملوا ود العمدة وابراهيم ...
شقت السيارة الجموع بصعوبة وتوقفت امام الباب الكبير .. عندما ترجلت حبيبة وجدت نفسها في مواجهة بلقيس التي احتضنتها ما ان راتها وهي تبكي بحرارة وتخرج كلماتها متقطعة من بين شهقاتها العالية ..
- احي يا حبيبة من نار امي ... ووووب عليّ من حرقة السرة المشت خلتني ..
تملصت حبيبة من قبضة بلقيس وسالتها بحيرة ..
- السرة ؟؟!! السرة ماتت يا بلقيس ؟؟!! .. السرة ماتت مع العينة في يوم واحد ؟؟!! ..
توقفت بلقيس عن البكاء لبرهة وهي تنظر الى حبيبة بجزع ..
- العينة ماتت ؟؟ اماتنا ماتن في يوم واحد يا حبيبة ؟؟ ..
وبدات عاصفة هوجاء من البكاء غزتها توصيفات بلقيس وحبيبة واستمرت حتى خروج الجنازتين متجاورتين .. انهمك بعدها الجميع في التجهيز لايام طويلة من استقبال المعزين... اصرت بلقيس على جلوس حبيبة بجانبها .. ومع كل قادمة من اهلها كانت تكرر نفس الجملة ...
- عزوا حبيبة مرت ابراهيم .. امها برضو ماتت الليلة ..
كانت بعض الايدي تمتد بتردد وتوضع في راس حبيبة المحني بلمسة خاطفة لا تكاد تستقر حتى تبتعد مع انقضاء الصوت الرفيع الذي تصدره النساء مجاملة لطلب بلقيس ودون مراعاة لمشاعر حبيبة التي احست بالغضب من برود وتعالي اهل زوجها .. في نهاية اليوم قررت ان تقاطع مجلس العزاء في البيت الكبير حتى تجنب نفسها هوان المجاملة الرافضة وتمارس حزنها بالطريقة التي تستحقها العينة
كانت تشق ممرات البيت الكبير في طريقها الى منزلها عندما استرعى انتباهها صدى اصوات تعرفها جيداً .. ابطأت سيرها ولم تبذل جهداً لاستراق السمع .. فقد كانت الاصوات عالية بما يكفي لتصل اليها واضحة ..
- عليكم الله بلقيس ما بالغت ؟؟!! .. مقعدة الخادم جنبها في المرتبة وعاوزانا كمان نخت يدنا فيها ونعزيها ؟؟!! غايتو احرجتنا جنس احراج ...
- ولا احراج ولا حاجة .. انا ابيت اخت يدي في راسها ولا اباكيها .. ياهو الفضل كمان اعزي الخادم !! .. دة الا يكون آخر يوم في عمري ... والله مش كان عرست ابراهيم ود العمدة لو عرست العمدة زاتو حتفضل خادمنا .. ومن متين احنا بنعزي الخدم كمان ؟؟!! تعرفوا ... السرة الله يرحمها لو عرفت العينة دي بتموت معاها في نفس اليوم كان اجلت موتها شوية .. وكان عرفت انو ود العمدة بيدفنها جنبها ..كان خلت الموت زاتو .. يا حليلها المسكينة تلقاها هسة بتتقلب في رقدتها وما قادرة ترتاح ..
احست حبيبة بالدم يغلي في عروقها .. فتقدمت وسدت الباب المفتوح بجسدها المتوتر ونظرت الى النساء الغافلات بغضب وتحد ..
- تعرفوا انكم نسوان قليلات ادب وما مربيات وما لاقيات زول يلمكم .. عاملات فيها ربيبات الحسب والنسب وبنات الاصول .. وانتو ما عندكم شئ غير الحقد والكراهية .. وما بتعرفوا غير النميمة واكل لحم خلق الله ... انا لولا احترامي لنفسي وللظروف الحاصلة .. كنت وريتكم شغل الخدم على اصولوا .. و البتسووا فيهو انتو دة انا البتقولوا علي خادم ما بسوي زيو...
بهت جميع من في الغرفة لظهورها المفاجئ وكلماتها الحادة .. ولم تجرؤ أي من الموجودات على التفوه بكلمة .. نظرت اليهن باحتقار وقبل ان تختفي التفتت وخاطبتهن بمرارة ..
وللفصل بقية .....

Abubakr Ibrahim
18th January 2011, 07:04 AM
الفصل التاسع عشر (2)
- يالحراير يا بنات الاصول .. لو ياها دي اخلاقكم انا مبسوطة اني طلعت خادم .. على الاقل الخادم عرفت تراعي حرمة الموت وما اتجاوزت حدها حتى مع ربها الخلقها .. اخي تفو عليكم ناس موهومين وتافهين وقلوبكم زي السكن ...
بصقت على الارض ثم غادرت دون ان تنتظر رداً .. ولم تعاود الظهور في البيت الكبير طيلة ايام العزاء التي امتدت لشهر كامل .. وبرغم ضغوط ابراهيم عليها لم تمتثل لطلبه وانهت النقاش بحسم..
- اسمع يا ابراهيم .. انا اهلك ديل خلاص اكتفيت منهم ومن حقارتهم لي ولاهلي .. استحملتهم سنين وسنين لكن خلاص فاض بي .. ومافي شئ تاني بيجبرني استحمل سخافتهم وعنصريتهم .. سبحان الله ديل حتى في الموت عاوزين يعملوا خيار وفقوس اها الله وراهم .. الموت ما فيهو تمييز ... والعينة الخادم ماتت مع السرة بت الاصول في نفس اليوم واتدفنت في قبر جنبها .. يكون في علمك انا البيت الكبير تاني ما ماشة والعاوزني يجيني هنا ...
لم يؤازرها في حزنها غير نعمات التي تجنبت البيت الكبير بعد فشلها في تحمل نظرات وغمزات الشماتة التي راتها سافرة في اعين اقارب السرة وهم يراقبون حركتها البطيئة التي استعادتها بعد مجهود جبار في العلاج الطبيعي .. ومن وقت لآخر تحضر رجاء التي اصبحت صورة باهتة وحزينة للمراة المرحة المحبة للحياة التي كانتها يوماً .. لقد اصابها هجران ابنتها للمنزل في مقتل ...
- يا رجاء ما تعملي في نفسك كدة .. حتموتي لو استمريتي بالطريقة دي .. انتي ما قاعدة تعايني في المراية ؟؟ ما شايفة روحك بقيتي كيف ؟؟!! وبعدين هي البت مشت وين ؟؟ مش عند اعمامها ؟؟ يعني اكيد ما بتجيها عوجة ..
كانت الكلمات تخرج من نعمات حارة ... مواسية ... متفهمة .. لم تعد الامور الى طبيعتها ابدا في اسرتها الصغيرة بعد مشكلة نادية التي جاهرتها بالعداء والكراهية باسلوب مخيف فأصبحت هماً يؤرقها ويقض مضجعها ... حتى استعادتها لصحتها لم تفرحها .. وبدا الخوف والقلق يتسللان الى قلبها عندما رفضت ابنتها باصرار وعناد كل من تقدم طالباً يدها .. وتوقفت محاولاتها للضغط عليها عندما انهت احد النقاشات العديدة معها بوقاحة وتحد ..
- شوفي يا امي .. ما تكتري كلامك معاي .. عرس ما حعرس .. حاقعد ليك كدة عشان كل ما تشوفيني تتذكري انتي عملتي شنو فيني ...
- هو انا عملت شنو فيك يا بت يا قليلة الادب ؟؟!! .. انا عملت فيك خير لمن خلصتك من العواليق الكان غاشيك وماكل عقلك ... عملت شنو غير سترتك من الفضيحة والجرسة وسط الناس وحافظت على سمعتك .. والله ومليت خشمي بالله لو ما وافقتي على العريس دة الا اخلي ابوك يغصبك ويعرس ليك ورجلك فوق رقبتك ...
- بالله ؟؟!! عليك الله يا امي انتي صدقتي كذبتك الانتي صنعتيها عشان تبرري بيها جريمتك في حقي وحق راجلي وطفلي ؟؟!! اوعي تصدقي انك عملتي دة كلو عشاني .. لانو انا وانتي عارفين انو كل العملتي كان عشانك انتي .. عشان امي السرة ما تشمت فيك وتقول بتك عرست العبد .. وعشان ما تطلعي قدام ابوي ما عرفتي تربي .. وعشان تحافظي على صورة اهلك قدام الناس ..اتآمرتي علي انتي واهلك .. ودمرتيني بقلب بارد كاني ما بتك .. لكن انا بحذرك يا امي ... لو اصريتي على موضوع العرس دة ولا كلمتي ابوي .. قسماً بالله الا افضحك الفضيحة الجد ..واول حاجة امسك العريس واهلو واحكي ليهم قصتي من طق طق للسلام عليكم ... وبعدها امشي احكي لامي السرة وبلقيس عن العملتوا فيني .. حيحصل شنو يعني ؟؟ حيقتلني ابوي مثلاً ؟؟ يا ريت .. دة حتى الموت اهون علي من الحياة الانا عايشاها هسة دي ..
كانت لهجة نادية وملامحها كافية لاقناعها بجدية تهديداتها .. فاعتذرت لاهل العريس وهي تتخوف من سنوات قادمات سوف تضطر فيها لمواجهة مشاعر الحقد والغضب التي احتلت ابنتها وحولتها الى مخلوقة اخري لا تعرف الرحمة ... ولا الغفران ..
- تعرفي يا رجاء تربية البنات صعبة شديد .. زي اكل الجمر .. لكن انتي ما قصرتي في أي حاجة .. يعني ما تلومي نفسك لانو بتك خلت البيت ومشت لاعمامها .. خليها شوية بكرة تروق وتهدا .. حتعرف غلطتها وترجع ليك براها ..
- متين يا نعمات ؟؟ متين ترجع .. وحياة المسيح انا حاسة كانو حتة من قلبي قطعوها وشالوها ... ما قادرة اتحمل فراقها يا نعمات .. يشهد ربنا انا ما بانوم الليل لمن اتذكر انها ما نايمة في سريرها ..
- اصبري يا رجاء ... اصبري .. الزمن بيحل كل شئ ..
في غرفته جلس ابراهيم متململاً ضجراً وهو يشعر بدبيب النمل يجتاح جسده ويفصح عن احتياجه لاشياء انزوت في اعماقه منذ وفاة السرة والعينة ... لقد جعله رحيلهما معا في يوم واحد يشعر بحزن حقيقي لم يشعر به منذ زمن طويل .. تحديداً منذ اكتشافه ان حامد ليس ابوه .. يومها راوده احساس اليتم لاول مرة في حياته .. واوجعته الصدمة كما لم يوجعه شئ آخر ... لكن فقدان من انجبته ومن ربته ورعته كان له طعم مختلف ... طعم الفراغ .. لقد اصيب بالرعب من ذلك الاحساس الذي احتل روحه وجعله يفقد القدرة على التواصل مع كل ما حوله ومن حوله .. فانفصل عن واقعه وسجن نفسه داخل فقاعة صلبة شفافة ينظر من خلالها الى العالم الخارجي وهو يتحرك حوله دون ان يستطيع مشاركته في حركته .. فقدت كل الاشياء طعمها .. الاكل .. الضحك .. البكاء حتى سجائره المخلوطة القابعة في احد اركان خزانته لم تثر فيه رغبة تدخينها .. ولم يعد جسده يتجاوب مع الاغراءات المعتادة التي كانت تحركه فيما مضى ... حاول اخراج نفسه من هذه الحالة بشتى الطرق ...فقاد سيارته لساعات وساعات ... تجول في الشوارع المزدحمة .. وتاه في الخلاء المقفر .. وقف امام المباني الفخمة في الاحياء الراقية .. وخاض داخل الحفر الناتجة عن صب مياه البالوعات في الاحياء الفقيرة .. زار اضرحة الشيوخ وتاه وسط المزارع والزرائب .. نام على مقود سيارته امام البحر الصاخب وابتل جسده بالعرق عندما التصق به تراب الارض الحار .. كان فشل محاولاته اليائسة لاستعادة الاحساس بالحياة والتخلص من الفراغ الذي ابتلعه يدخله في دائرة جديدة من الحزن والاحباط .. زادتها سؤاً نظرات حبيبة التي تحولت من اللوم والاتهام الى الاستنجاد وطلب الدعم ...
وللفصل بقية .....................

Abubakr Ibrahim
19th January 2011, 07:24 AM
الفصل التاسع عشر (3)
لذلك غمرته فرحة طفولية عندما احس بالوخزات التي تعبر جسده ... فهي دليل تعافيه من التبلد المؤلم الذي ناء بحمله طيلة الفترة الماضية .. نهض من جلسته بنشاط محموم .. بدل ملابسه .. وفي لحظات كان يقطع الصالة العريضة تسبقه رائحة عطره الخانق .. رفعت حبيبة راسها ورمقته بنظرة كليلة بعد ان رات في ملامحه شرارات ظنتها قد خبت ... تمتم بتحية باهتة دون ان ينظر الى النساء الجالسات اللائي تابعن خطواته حتى اختفى خلف البوابة .. تبادلت نعمات وحبيبة نظرة عميقة حملت معان خفية ونمت عن ادراك مشترك .. ففي احدى لحظات ضعفها النادرة احتاجت حبيبة لشخص آخر تشركه معها في السر الاسود الذي يخنقها .. فلم تجد غير نعمات التي كانت تبادلها الود والاحترام ... يومها اندهشت لجمود وجه نعمات .. ثم ادركت بانها كانت تعلم منذ زمن بعيد بعد ان اخبرها ود العمدة بهواجسه التي كادت تصبح يقين عن سلوك ابن اخيه المشين ... ولم يكن هناك ما يمكن فعله غير التزام الصمت والتظاهر بان ما يحدث غير حقيقي ...
وقف ابراهيم امام باب سيارته وقد تجمدت يداه من لفح الهواء البارد .. دلف الى الدفء الداخلي واغلق الباب خلفه .. اشعل المحرك ثم لفافة التبغ وجلس ساكناً وهو يستمع الى صوت الماكينة يعلو وينخفض ويتامل دخان سيجارته التي تحترق بين اصابعه بشغف .. قاد بهدوء حتى وصل الى بيت (منّان ) الطيني بجدرانه القصيرة ولونه الكالح الحائر بين البني والرمادي ..عندما ترجل امام الباب الحديدي الصدئ بدا التناقض واضحاً بينه وبين المحيط المتواضع حوله ... دفع الباب بلهفة لترتد يده بالم .. فاعاد النظر اليه ليفاجأ بوجود جنزير حديدي سميك يطوق عنقه وفي نهايته قفل ضخم ... تبسم باستهزاء .. فالجدران القصيرة لا تحتاج الى جهد كبير لقفزها لكنه وقف بصبر نافذ وطرق بعنف حتى سمع انين باب الخشب الداخلي يعلن وجود مجيب لطرقاته .. راقب ابراهيم من خلف الحائط راس منان الاشيب وهويظهر ويختفي وسمع صوته المتوتر يسأل بحذر ..
- منو ؟؟!! منو في الباب ؟؟!! ...
- افتح يا منان انا ابراهيم ..
تهللت اسارير الرجل البدين لمراى ضيفه واهتزت طبقات الدهن في جسده وهو يهرول تجاه الباب ..
- معقولة ؟؟!! ... ابراهيم ود العمدة ؟؟!! ياخي بيتنا نور ... الليلة عيد ...
وفي لحظات فُتح القفل وسُحب الجنزير الخانق وهو يصدر طقطقات عالية عند اصطدامه بالجسد الحديدي .. خطا ابراهيم داخلاً وعانق منان بحرارة ادهشتهما معاً ..
- والله ليك وحشة يا منان .. مالك الليلة مقفل بالجنزير ؟؟ عندك شنو ؟؟ معاك منو ؟؟!!
- معاي جادين بس ...
توقفت خطوات ابراهيم عن الحركة وبدا يسحب يده من قبضة منان الذي تمسك بها بشدة ..
- روق يا ود العمدة .. انا عارفك الزول دة ما بتدورو .. لكن ما عندك معاهو أي شغلة وهو زاتو ما حيقعد .. جا جاب لي بضاعة ومتخارج طوالي ..حرّم تدخل وتجربها ...
حسم الحاح منان تردد ابراهيم الذي شعر بحاجة عقله الماسة الى طعم ورائحة الدخان الازرق .. فدخل الغرفة ليجد نفسه في مواجهة عيني جادين المستديرتين ونظراته الباردة التي تنضح كراهية .. لقد ظل لفترة طويلة يسال نفسه بحيرة عن سر هذه الكراهية ... بل حاول ان يزيل اسبابها بالطريقة الوحيدة التي يتقنها فاغدق عليه الاموال والهدايا .. لكن ماله المبذول لشراء الحب تحول الى حطب يغذي نار حقده عليه .. وعندما اصابه الياس منه بادله مشاعره بمثلها لكنها تفوقها سفوراً وقوة .. واصبح الكره بينهما كالظل الاسود الذي يخيم على كل جلسة تجمعهما .. القى ابراهيم التحية على جادين المطرق بتجهم ويتظاهر بالانشغال في اعادة رص قناديل البنقو على طاولة قصيرة امامه .. فرد عليه ببرود ودون ان يرفع راسه ... دلت نظرات منّان على حرجه من تصرف جادين العدائي فبالغ في الاحتفاء بابراهيم ...
- يا ود العمدة ياخي اشتقنا ليك عديل كدة .. يا زول كيف تقطع مننا قدر ده وانت عارفنا غيابك ما بنحملوا ؟؟!! .. والله انا لولا ظروف بيتكم كنت جيتك .. اها الاهل كيف انشاء الله متصبرين ؟؟ ...
اختار ابراهيم كرسيه المفضل وجلس بترفع واضعاً قدم فوق الاخرى لتنتصب مباشرة في وجه جادين الذي امتقع غضباً وتوترت حركات جسده حتى سقطت بضاعته الثمينة من يده وتبعثرت على الارض بفوضى .. كان ابراهيم يراقبه بعيون ضيقة اخفى نظرة الرضا والتشفي الواضحة فيها باسدال رموشه الغزيرة عليها .. لقد كان يستمتع بزرع الغضب داخل جادين محاولاً تعزيز احساسه بالدونية امامه .. الم يرفض ان يبيعه حبه ؟؟!! .. اذن سوف يمنحه كراهيته بلا مقابل .. لم يخف اسلوب ابراهيم المستفز على منّان فسعى لتلطيف الجو بعبارات مجاملة ..
- والله يا ود العمدة المرة دي جادين جاب ( دوكو ) .. منجة بس !! يا زول انا جربتو قبيل وحسيت روحي طاير فوق السحاب .. ايه رايك ؟؟ الف ليك واحدة ؟؟ ...
- لا ما تلف لي .. عندي مزاج الف براي .. بس ناولني العدة ...
هرول منّان واحضر احدى الطاولات الموزعة في الغرفة ووضعها امام ابراهيم .. وسرعان ما اصطفت على سطحها مختلف انواع علب التبغ وحزمة صغيرة من الاوراق الناعمة وقندول متخم بالحبوب .. كان ابراهيم يتابع حركة صديقه الدؤوبة بلهفة حتى انتهى ..
- شيل البرنسيسة يا منان وجيب لي ورقة بيضا عادية ...
- اوووووه .. يا عمنا الظاهر عليك الليلة عندك مزاج ( نقرفة ) عالي ..
وضع ابراهيم الورقة البيضاء في منتصف الطاولة .. اخرج علبه سجائره من جيب قميصه وتناول منها لفافة رفعها امام عينيه ودار بينهما حديث صامت ثم بدأ يضغط عليها برفق من اسفل الى اعلى حتى بدأت حبات التبغ الخشنة تطل براسها من مخبئها الضيق لينزلها بحرص على سطح الورقة .. كرر العملية بصبر حتى افرغ اللفافة من احشائها وحنى راسه على الطاولة متابعاً حركة اصابعه التي تعزل بعض قطع التبغ وتتخلص منها .. عندما انتهى من من عملية الفرز البطيئة حمل القندول ورفعه الى انفه ... استنشق منه نفساً عميقاً قبل ان يبدا بفركه بقوة فتساقطت حباته واستقرت مشكلة هرماً صغيراً تخللته انامل ابراهيم الطويلة ومزجته باحتراف حتى تكون الخليط الذي يرغبه .. حمل ورقة اخرى وطواها في شكل قرطاس بفتحة صغيرة اسفله ووضع بداخله مزيجه الغالي ثم بدا يعيده بحرص شديد داخل اللفافة المفرغة .. بعد ان استقرت آخر قطعة في مكانها حمل للفافة بعناية وضربها على طرف الطاولة ضربات سريعة متتالية ثم برم طرفها برقة قبل ان يشعلها ويعيد تموضع جسده داخل الكرسي العريض .. اغمض عينيه واسند راسه الى الخلف وبدأ يعب انفاس عميقة لا يكاد يخرج من دخانها الا اقله ... احس بهمومه تتلاشى .. وباحزانه تخرج من جسده وتتراقص حوله كالظلال قبل ان تتبدد في فضاء الغرفة الخانق ... لم يعد هناك احساس بالفراغ .. لقد امتلا جوفه بفيضان من الالوان الزاهية .. وبدا يشعر بسعادة كان قد افتقدها منذ زمن طويل .. تراقصت ابتسامة رضا على شفتيه وما لبثت ان تحولت الى ضحكات عابثة .. قاطعها جادين بصوت كالفحيح..
- صحي دنيا دبنقا !! .. ناس تجري وتتعب وتجازف بروحها عشان تجيب البضاعة وناس تلقاها باردة وعلى الجاهز ...
رفع ابراهيم راسه من اتكاءته ونظر الى جادين بجفون خاملة .. واتسعت الابتسامة الناعسة وهو يخاطب غريمه باستعلاء متعمد زاده وضوحاً تلاعب الدخان الازرق بخلايا عقله الواهن ...
- تعرف يا جادين انك زول حاسد وحاقد ؟؟!! .. انا بس المحيرني انت بتكرهني قدر دة ليه ؟؟ انا عملت ليك شنو ؟؟ .. عرست امك ولا قتلت ليك زول ؟؟ .. ياخي حكمة ربنا اني طلعت غنيان وعندي قروش كتيرة وانت طلعت فقران وعدمان وصرمان .. يعني عاوز تعتطرد على حكمة رب العالمين كمان ؟؟!! ولا عاوز تحاسبه عشان بقاني كدة وبقاك انت كدة ؟؟!! دي حاجة غريبة والله .. ياخي بيّض نيتك شوية يمكن ربنا يفتح عليك ...
اصبح جادين صورة مجسدة للغضب فهب واقفاً بعنف .. وخرج صوته زاعقاً حاداً ..
- انا حاقد ؟؟!! .. انت بحسدك ؟؟!! على شنو ؟؟!! عشان غنيان ؟؟ طظ فيك وفي قروشك .. وبعدين مش لمن تبقى قروشك بالجد ؟؟!! هو انت جبتها بضراعك ولا بنفاعك ؟؟ اشتغلتها ولا تعبت فيها ؟؟ انت حيا الله قمت من نومك ولقيت كومك ... يعني لو ما قروش عمك انت ما كنت حتسوى بصلة معفنة ...
- براحة يا جادين ... روّق شوية احسن يطق ليك عرق .. وبعدين ياخي القروش حقتي حقت عمي .. حقت ابوي .. ولا حتى حقت امي .. ما مهم .. المهم انو عندي قروش وقروش كتيرة شديد بقدر اشتري بيها أي حاجة انا عاوزها ...
- لو بتقدر تشتري بيها أي حاجة كنت اشتريت بيها رجالة تتم بيها نقصك .. اوعى تكون مفتكر عشان قدرت تغش الناس كلها بعرسك وولادتك حتقدر تعمل فيها راجل عليّ انا كمان ؟؟!! ... احنا دافنينو سوا .. وانا عارف قيرك وقعيعيرك .. اها انا ما عندي زي قروشك .. لكن احمد الله انا راجل كامل وما فيني نقص بيحوجني اتدسى ورا العندي ..
احس ابراهيم ببروده يفارقه وبدات الدماء تغلي في عروقه ... لقد نكأ جادين جرحه ومكمن وجعه فوقف بعنف في مواجهة خصمه الضئيل ..
- انا راجل غصباً عنك يا كلب .. عاوز تعرف رجالتي ؟؟ تعال هسة اوريك ليها ..
تراجع جادين خطوة الى الوراء وارتفعت ضحكته ساخرة ..
- رجالتك دي وريها للبتشتريهم بقروشك .. انا ما لازماني ... وكان انت مقتنع انك راجل زيك زيي واحد .. اريتها الرجالة تطير ..
لم يشعر ابراهيم بيده وهي تصطدم بوجه جادين .. لكنه سمع صوت الآهة التي اطلقها قبل ان تطيح به الضربة ارضاً .. عندما دخل منَان الغرفة فوجئ بمنظر ابراهيم المتحفز وجادين المرمي ارضاً وقد امتلا وجهه بالدماء التي تسيل من انفه وشفتيه ...
- بسم الله في شنو يا جماعة ؟؟!! مالكم ؟؟ استهدوا بالله .. الحصل شنو ؟؟!!
قفز جادين من سقطته صارخاً ...
- التافه دة ضربني عشان وريتو حقيقتو ... لكن والله ما افوتها ليك يا واطي .. وان ما اخدت منك حقي بايدي ابقى صحي انا المرا وانت الراجل ..
بحركة مفاجئة رفع كم جلبابه العريض واستل من حزام جلدي مربوط بذراعه خنجر صغير لامع ... وقبل ان يدرك أي منهم خطوته التالية كان السلاح المميت قد استقر في بطن ابراهيم الذي تمايل بذعر وهو يحاول سد الفجوة التي تنزف منها الدماء بغزارة ... تسمر منّان في مكانه وحل بالغرفة سكون تام الا من صوت تنفس ابراهيم المتسارع .. عندما استوعب جادين ما فعلته يداه .. رمى سلاحه واطلق ساقيه للريح ...
شق حامد طريقه الى داخل الغرفة التي وضع فيها ابراهيم وقد امتلات برجال الشرطة بينما تحلق بعض الفضوليين خارجها .. اخافه شحوب وجه ابن اخيه الذي حاكى لون غطاء السرير القذر .. والتفت الى الطبيب بتساؤل صامت ...
- ما تخاف يا حاج حامد حيبقى كويس .. هو فعلا فقد كمية كبيرة من الدم .. لكن قدرنا نلحقو .. ما شاء الله بنيته قوية وحيتحمل .. كلها كم يوم ويرجع لحالتو الطبيعية ...
التقط ضابط الشرطة الموجود في الغرفة طرف الحديث وخاطب حامد باحترام ينم عن معرفة سابقة
- معليش يا حاج حامد .. اول ما يفوق حنكون مضطرين نسوقو عندنا .. الموضوع الدور دة ما ساهل ومافي طريقة نلمو زي كل مرة .. دي بقت فيها محاولة قتل .. اضافة لكدة البيت الاتضرب فيهو سيدو تاجر مخدرات معروف وسمعتو زي الزفت .. وعامل بيتو وكر للمنوعات وحاجات تانية كتيرة ...ولمن مشينا بعد البلاغ لقينا مخدرات بالكوم ... والزول الطعن ابراهيم زاتو تاجر معروف .. الدورية قبضت عليهو في موقف الباصات كان بيحاول يسافر .. واول حاجة قالها انو ابراهيم هو سيد التجارة كلها وهو الممول لنشاطهم ...
ولو التحقيق اثبت صحة الكلام دة وانو ابراهيم فعلاً متورط معاهم في تجارة البنقو .. حتواجهوا مشكلة كبيرة وصعب يطلع منها ..
المرة دي .. حتى انت ما حتقدر تعمل ليهو حاجة ..
وبكره فصل جديد ........................

Abubakr Ibrahim
20th January 2011, 06:59 AM
الفصل العشرون (1)

اختار جمال الجلوس في اعلى مكان داخل القاعة الفسيحة .. فالتقطت عيناه كل شاردة وواردة تدور في الكنبات المتدرجة تحته .. تشبعت خياشيمه بعبق الرطوبة المخلوط بروائح المحاليل والتي اضفت على المكان جواً مميزاً ادمنه طلاب كلية الطب .. حاول ان يشغل نفسه بقراءة الكتاب الضخم القابع على حجره منذ فترة طويلة دون ان يتزحزح عن الصفحة الاولى .. كان يرفع راسه بانتباه كلما احس بظل قادم يحجز ضؤ الشمس الذي لا يستطيع التوغل الى مساحة اكثر من المدخل العريض حيث اعتاد جميع الداخلين التوقف بعده لبرهة حتى تعتاد اعينهم على عتمة المكان برغم اضواء النيون الموزعة في السقف بسخاء ..
كانت الكنبات تحته شبه فارغة الا من قلة قليلة .. نظر الى ساعته بقلق .. لقد تاخرت منال عن موعدهما وهذا تصرف غير معتاد منها ... شرد عقله في الترتيبات التي عكف عليها منذ اشهر وتبسم بسعادة لنجاحه في تجهيز كل الاوراق اللازمة لضمان حصولهما على تاشيرة الدخول الى استراليا التي قرر الذهاب اليها حتى يكونا بمنأى عن ردود الفعل المتوقعة لهروبهما سوياً .. لم يكن يهتم بما قد يحدث له .. لكنه لن يتحمل ان يحدث أي شئ لمنال ... حبيبته التي يجعله احساسه بها على استعداد للقيام باكثر الامور جنوناً في العالم حتى هجران دينه وعشيرته ... حتى اقتلاع جذوره وهدم كل جسور التواصل مع اهله ... كان اكثر ما يؤلمه هو اضطراره لترك امه .. هذه المرأة التي ظلمتها الحياة فلم تستسلم .. وتحدت ظلمها ببذل مزيد من الحب لكل من حولها .. تذكرها بحزن وحنان .. خوفه عليها من مغبة تصرفه هو الشئ الوحيد الذي يفتت عزمه احيانا ويجبره على اعادة التفكير .. لا يريد ان يتسبب بايلامها .. خصوصاً الآن وهي ما زالت تعاني من هجران جانيت للمنزل واعتصامها ببيت عمها .. لقد حاولت المستحيل لاعادة ابنتها .. وعندما فشلت .. اعتصرها الالم وتحولت الى شبح حزين صامت .. حتى خطبة جاكلين لناصر لم تنتزع منها الا ابتسامة باهتة اثناء وقوفها في باحة الكنيسة لاستقبال ضيوفها ... كانت عيناها مشغولتان بالبحث عن طيف ابنتها المتمردة .. لقد املت في حضورها حتى تستطيع الانفراد بها بعيدا عن سطوة اعمامها ومحاولة اقناعها بالعودة .. لكنها خيبت امال الجميع وزرعت الحزن في قلوبهم بمقاطعتها الحفل
افاق جمال من شروده على هزة ناعمة من كف رقيق استقر على كتفه .. رفع راسه ليطالع وجه منال الفاتن بابتسامتها المغرية .. تهللت اساريره وغاب عن باله كل شئ الا وجودها بقربه .. تلاشت كل الافكار القاتمة وتوارى قلقه وانزوى حزنه خلف اشراقة حضورها وشوقه الجارف اليها ..
- اللي واخد عقلك يا دكتور !! سرحان وين قدر دة ؟؟!! ... لي ساعة بأشّر ليك وانت غايب في عالم تاني ..
طفا به صوتها الهامس في غيمة مخملية واستنفر حواسه الجائعة اليها ... امسك يدها النائمة على كتفه وسحبها حتى اجلسها بقربه فاندلعت تيارات من الكهرباء تعبث باعصابه من جراء التصاق جسديهما ...
- وحياتك انتي مافي واحدة غيرك واخدة عقلي وروحي وقلبي وتفكيري وكياني ... وحشتيني يا منال .. ليه غبتي عني قدر دة ؟؟ انتي مش عارفة اني ما بتحمل بعدك فترة طويلة ؟؟!! ..
جاوبته بابتسامتها المغرية ثم انحنت كأنها تهمّ بالتقاط شئ سقط منها ارضاً .. وبهدوء استقرت شفتيها على ظهر كفه في قبلة دافئة متانية حبست انفاسه وانتقل تاثيرها من يده لينتشر في جسده كالحمى ... اغمض عينيه وهمس باسمها مرارا وتكرارا ...
عندما رفعت راسها احست بالغرور وهي ترى تاثير ما فعلته واضحا في نظراته الذائبة ويديه المرتعشتين ..
- اعمل شنو يا جمال ؟؟ انت ما شايف الظروف الاحنا بنمر بيها ؟؟ اول شئ وفاة حبوبة السرة وحبوبة العينة في يوم واحد .. لسة ما خلصنا حصل الحادث بتاع خالو ابراهيم .. واهو يادبوك طلع من المستشفى على السجن طوالي .. وجدو عاوز يجن من الموضوع ده .. ما خلى محامي في البلد ما وكلو ليهو ... لكن الظاهر الموضوع المرة دي اكبر من نفوذ ود العمدة زاتو .. وكمان رحمة حامل وتعبانة شديد ... امي رفضت تخليها تجي تقعد معانا.. قالت ليها البيت عندنا جايط وما حترتاح وجبرتني انا امشي عندها كل يومين اقعد معاها واساعدها .. هسة الليلة انا طلعت بالعافية .. ولو امي عرفت اني خليت رحمة براها حتكسر رقبتي .. اها يلا وريني بسرعة عملت شنو لاني ما بقدر اقعد كتير ..
- طيب يا ستي اسمعي .. حصل كالآتي ...
كانت منال تستمع اليه وبداخلها دوامة من المشاعر المتناقضة .. خوف وفرح .. لهفة وحزن .. قلق وترقب .. لقد فكرت كثيراً في نتيجة فرارهما على اسرتيهما .. اصبح الارق رفيقها في الليالي الاخيرة وهي تتخيل مئات السيناريوهات لما يمكن ان يحدث بعد اختفائهما .. كل التصورات كانت ماساوية ومخيفة .. لكنها في قرارة نفسها ايقنت بانها مستعدة لتحمل تبعات قرارها .. ما لا تستطيع تحمله هو فكرة الحياة بعيداً عن جمال .. بعيداً عن حبه واهتمامه .. بعيداً عن وجوده .. كانت تشعر بحجم التضحية التي يتوجب عليه تقديمها حتى يكون معها .. وتقدرها حق قدرها .. فهو سيتخلى عن دينه وانتماؤه .. وسوف يقطع كل جذوره بعالمه القديم من اجلها ...
- منال .. عاوز اسالك للمرة الاخيرة .. لانو بعد دة ما حيكون في أي طريقة رجعة لورا انتي مقتنعة تماما بالشئ الاحنا بنعمل فيهو دة ؟؟ واثقة من قرارك ؟؟ ما حقدر اتحمل لو في يوم من الايام حسيت انك ندمانة ولا متحسرة على أي خطوة مشيناها مع بعض ..
قبضت منال كفه بقوة وتسللت اصابعها بين اصابعه وتقاطعت معها في اندماج حميم .. مالت على اذنه وحشرت صوتها الهامس بداخلها ...
- جمال .. احساسي بيك بقى اكبر من أي نقاش ... بقى قناعة ثابتة ... شئ ما بقدر اتنازل عنو حتى لو عاوزة .. حسرتي الوحيدة بعدين حتكون على العمر الفات بدون ما اكون فيهو بانتمي ليك فعلا .. امشي في التجهيزات زي ما احنا متفقين .. بس اديني شهر واحد عشان ارتب باقي حاجاتي كلها ومنها اطمن على رحمة وخالو ابراهيم .. بعد كدة .. انا كلي ليك يا جمال ..
تلفت جمال حوله بحثاً عن أي اعين فضولية تراقبهما .. لكن كل من جلسوا تحته كانوا اما غائبين في اعماق كتبهم .. او غارقين في بعضهم البعض كما هو حاله مع منال .. مال عليها وطبع قبلة شغوفة في خدها الناعم ... تمنى لو استطاع الانحراف قليلاً حتى يستعيد ذلك الاحساس الذي عاشه في تلك اللحظة الفريدة يوم زواج رحمة .. لكن توتر منال انباه بضرورة الاكتفاء بما هو متاح حالياً ..
تحركت من جانبه بعناء تركته وفي عينيها وعود كثيرة .. وقبل تبدا في هبوط الدرجات التفتت اليه وتحركت شفتاها بجملة صامتة لم تسمعها اذنه ... لكنها ضجت في اعماقه كما لو انها صرخت بها غادرت وتركته شاردا فيها بعد ان تركت رائحة عطرها ترافقه في جلسته .. شعر بالحماس لاكمال ما بداه ... وباللهفة الى حد الرغبة في اختزال الايام وصولا الى اللحظة التي يتمناها وينتظرها بشوق .. فجاة عاد به تفكيره الى امه .. فاختفت كل الاشياء الا وجهها الباكي .. احس بالضيق والعجز ... وتاه في افكار من نوع آخر تقاطع فيها احساسه بالذنب مع احساسه بالمسئولية ورغبته في تقديم شئ لها يعوضها عن غيابه .. هدية اخيرة تشفع له بعد غيابه الابدي عنها .. ثم قرر ان تكون هديته اعادة جانيت الى حضنها مهما كلفه الامر ... ربما يجعلها هذا تغفر له ما سياتي .. حفزه تفكيره على الحركة فخرج من مبنى الكلية مسرعاً وكان طيلة الطريق الى منزل عمه يفكر في المدخل المناسب الى شقيقته ... لم يكن قد استقر على شئ حتى لحظة وصوله امام باب المنزل الذي لم يزره منذ مراهقته الا مرات تعد على اصابع اليد الواحدة ... ترجل بتردد بعد ان بدا يساوره الشك في سلامة قراراه بالحضور .. كان على وشك التراجع عندما فتح الباب وظهر خلفه احد ابناء عمه رمقه بنظرة ناكرة مستغربة .. تمعن فيه بدقة .. ثم ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيه ومد يده بترحاب ..
- ابن عمي الدكتور جا يزورنا ؟؟!! .. دي خطوة عزيزة .. اتفضل يا راجل .. معليش بالاول ما عرفتك .. شكلك اتغير شديد .. احنا لينا كم سنة ما شفنا بعض ؟؟ ...
تناول جمال اليد الممدودة وبادله التحية بحرارة مصطنعة بينما حملت نبرات صوته الكثير من اللوم..
- اتلاقينا قبل سبع سنين لمن جيت مع عمو تباركوا لي دخول كلية الطب ..
- بلاهي مرت سبعة سنين ؟؟!! يا يسوع !! شوف الزمن كيف بيجري .. طيب كويس انو جانيت جات عندنا عشان نشوفك .. ادخل ..دي ماما ما حتصدق انك جيتنا
كان يسير وراء ابن عمه في الممر الضيق بخطوات نادمة .. وتفاقم ندمه عندما عندما انتهى الممر فجاة ووجد نفسه في حوش فسيح اصطفت فيه الاسرة والكراسي التي جلس عليها عدد لا يقل عن عشرة اشخاص ما بين نساء ورجال واطفال كانت عيونهم تراقب دخوله بصمت وريبة ...
- طبعا ما عرفتو دة منو مش كدة ؟؟!! ما بتنلاموا لانو ليهو عشرة سنين تقريباً ما دخل بيتنا .. يا جماعة دة دكتور جمال ولد عمي ... يا جمال ديل اولاد عمك وبناتو ورجالهم ونسوانهم وعيالهم ....
استغرقت جولة التحية زمناً طويلاً وهو ينتقل من شخص الى آخر مجيباً على طوفان الاسئلة المتواصل عن اهله ودراسته .. ثم تبعها الحاح زوجة عمه بشرب الشاي باللبن ..
وللفصل بقية ....................

Abubakr Ibrahim
22nd January 2011, 07:11 AM
الفصل العشرون (2)
- وحياة المسيح دة شاي ما حتكون شربت زيو من سنين .. بلبن البقر الصافي المقنن .. ومرة عمك عاملة بسكويت مفرمة وخميرة لبن يغني عليهم المغني ... اقعد اشرب اكيد امك ما بتعمل ليكم الحاجات دي .. اصلها من زمان مدلعة روحها وما بتحب التعب ...
اغاظه الانتقاد الصريح لوالدته المكافحة .. اراد ان يصرخ فيهم ان يكفوا لسانهم عنها .. لكنه سجن انفعالاته حتى لا يضيع فرصة رؤية شقيقته .. كان اختلاط اصواتهم وارتفاعها يصيبه بطنين في اذنيه وبرغبة قوية في مغادرة المكان زادها تفاقماً ظهور عمه المفاجئ بلهجته المستفزة ..
- جمال ؟؟!! ايه المفاجاة دي ؟؟!! .. ازيك يا ولد ؟؟ عامل ايه ؟؟ وينك ما بتجي تشوف اهل ابوك ؟؟ ولا دي امك الحامياك تجينا ؟؟!!
تجاهل جمال الجملة الاخيرة واجاب عمه بتهذيب بارد ..
- اهلاً يا عمو .. كيف صحتك واخبارك ؟؟ ...
- صحتي بمب زي ما شايف يا دكتور .. لكن اخباري زفت .. بلاهي دي عملة تعملها امك ؟؟ تدي بت اخوي لولد الحبشية ؟؟!! ليه ؟؟ اولاد الاقباط خلصوا من البلد ؟؟!! وانت وخالك كيف تسمحوا بحاجة زي دي ؟؟ كيف توسخوا عيلتنا الطول عمرها نضيفة بالطريقة دي ؟؟ والمسيح .. انا لولا الناس مسكتني كنت جاي الكنيسة افضي مسدسي في اختك وامك ...
تملك الغضب جمال من اللهجة المهينة المتحاملة التي يتحدث بها عمه .. فخرج صوته جافاً متوتراً..
- لو سمحت يا عمو ما تتكلم عن ماما بالطريقة دي .. انا عاوز اعرف انتوا ليه بتكرهوها للدرجة دي ؟؟ عملت ليكم شنو ؟؟ ماما الانت بتشتم فيها دي ربت اولاد اخوكم لمن انتو اتخليتوا عنهم ... هجرت كل شئ ونست روحها ورفضت تتزوج تاني برغم انها كانت في عز شبابها وجمالها .. اشتغلت خياطة وباعت البسطرمة والسجق وهي الطول عمرها مدللة في بيت ابوها عشان تربينا وما نحتاج لحد ... عمرها ما اذتكم ولا اتطاولت عليكم .. حتى لمن رفضتوا تدوها ميراث بابا ما سالتكم ولا عملت معاكم مشكلة ..
- تعمل معانا مشكلة ؟؟ وهي تقدر ؟؟ وبعدين نديها ميراث اخونا عشان تستمتع بيهو هي واهلها ؟؟ دة بعدها وبعدهم .. الميراث محفوظ .. ولمن انت واخواتك توصلوا سن معينة كل واحد فيكم حياخد نصيبوا ... امك ما مننا .. ومن اول مرة ابوك قال عاوزها احنا رفضنا وقلنا ليهو مستحيل تتزوج واحدة من برة كنيستنا .. لكن هي اكلت مخو وخلتو يمشي وراها زي العميان .. خلتو يعصى ابوهو واخوانو الاكبر منو .. دة حتى في النهاية خلى كنيستنا وبقى يمشي معاها .. ودي بقى العمري ما حاغفرو ليها ..
- عموماً يا عمو انا ما جاي اناقش مشكلتكم مع ماما .. انا جاي اشوف جانيت واتكلم معاها .. نادوها لي لو سمحتوا ..
- جانيت ما موجودة .. طلعت شغل مع الكنيسة .. وما حترجع قريب .. لمن تجي حنكلمها انك جيت تزورها ..
احس جمال بالغيظ والاحباط لفشل محاولته رؤية شقيقته فهب مسرعا وهو يلقى التحية على الحاضرين بفتور وخرج .. جلس خلف مقود سيارته وهو يبحث عن كلمات لائقة ينهي بها هذا اللقاء العاصف مع عمه الذي اتكا على الباب وهو ينظر اليه بسخرية .. لم يجد شيئا يقله فادرا المفتاح وهمّ بالحركة عندما اتت سيارة مسرعة وتوقفت امامه برعونة مثيرة عاصفة من الغبار .. اخرج راسه ليحتج على السائق الذي نزل مهرولاً بثياب تلطخها الدماء وقد بدت عليه سيماء الانزعاج الشديد ..
- الحق يا بابا .. الحملة حصلت فيها مشكلة .. ناس المنطقة المشينا ليها ضربونا ضرب شديد ... وجانيت في المستشفى ...
قفز جمال مذعورا من سيارته عندما سمع اسم اخته .. وامسك ذراع الفتى واداره عليه بعنف ..
- جانيت ؟؟ جانيت اختي ؟؟ الحصل ليها شنو ؟؟ الضربها منو ؟؟ وليه ؟؟ وفي ياتو مستشفى ؟؟
نظر الفتى الى جمال بحيرة وخوف .. ثم التفت الى ابيه الغاضب الذي خرج صوته هادراً ..
- اتكلم يا ولد .. حصل ايه ؟؟!!
- ضربوهم يا بابا .. ضربوهم وكسروا عضامهم .. و في ناس ماتت ..
- مين اللي ضربهم ؟؟!! ..
- لمن وصلنا المنطقة اتوزعنا مجموعات .. كل مجموعة مشت مكان وبدينا نخش البيوت مجموعة جانيت دخلت بيت وطلعوا سيادو مسلمين متعصبين .. قفلوا عليهم الباب ووقعوا فيهم ضرب وبعدين رموهم لينا في الشارع زي الكلاب .. كانوا بيموتوا قدام عيوننا واحنا ما قدرنا نعمل أي حاجة ..
انهار الفتى باكياً بين ذراعي ابيه .. وبالكاد استطاع جمال ان ينتزع منه اسم المستشفى الذي ادخلت اليه جانيت ليسابق الريح بسيارته وقد انقبض قلبه واحس كان الدنيا باسرها تطبق على انفاسه .. وظل هذا الاحساس يراوده اثناء وقوفه امام القبر المفتوح وهو يستمع الى كلمات القسيس التي خرجت منه بصوت باك ...
" أبانا الذي في السموات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك.
لتكن مشيئتك. كما في السماء كذلك على الأرض.
خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم.
وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا.
ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير.
بالمسيح يسوع ربنا لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين.
طيلة ايام العزاء انشغل معظم الحضور عن مواساة اهل البيت في فقدهم بالحديث عن الحادث واسبابه .. وتطايرت العبارات الثائرة حتى في حضور وفد الحكومة الذي اتى معزياً وهو يحمل وعوده بالقبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة ... قابله الحضور برفض بارد وصامت ... لتشتعل النقاشات مرة اخرى بعد مغادرته ..
- يا جماعة الحصل دة شئ مؤسف ومؤلم وطعنة لينا كلنا ... لكن خلونا نقول الحق .. الغلط في الاساس من منو ؟؟ ليه الكنيسة ترسل اولاد صغار زي ديل في حملات تبشير ؟؟ الشغل دة عاوز ناس عندها خبرة وبتعرف تمشي وين ومتين وتتصرف كيف في الحالات الزي دي ... هسة حتى لو قدموهم لمحاكمة حيقولوا انو هم الدخلوا للناس في بيتوهم .. يعني ما طلعوا اتهجموا عليهم في الشارع وضربوهم ..
- حق ايه وباطل ايه البتتكلم عنو ؟؟ يعني الحق انهم يقتلوا عيالنا وبعدين يغشونا بكلام محاكمة وقانون ؟؟ احنا لازم ناخد حقنا بايدنا .. الحكومة ما حتجيب لينا دم عيالنا الراحو .. وبعدين الاولاد ديل الكنيسة ما رسلتهم .. هم الاتطوعوا يمشوا كجزء من نشاطهم .. وفرضاً الكنيسة رسلتهم .. وهم الدخلوا بيوت الناس .. فرضاً انو الكلام ما عجبهم .. كانوا يشاكلوهم .. يطردوهم .. لكن يضربوهم لمن يكسروا عضامهم ؟؟ يقتلوهم ؟؟ دة منتهى الوحشية .. واحنا ما لازم نسكت .. الموضوع دة لازم يوصل لاعلى جهة .. ومجلس الكنايس لازم يتحرك والا بكرة الحكومة تغطي عليهو ويقولوا لينا عشان الفتنة وعشان السلام .. ويتنسي الموضوع زي الما حصل شئ ...
كان الحوار يعمق جراح كل الحاضرين ويعيد جمال الى المشهد الذي انطبع في ذاكرته الى الابد .. مشهد جسد جانيت النحيل وقد تغطى بالدماء .. جمجمتها المهشمة وشظايا العظام المزروعة في المخ المكشوف لقد فعل المستحيل حتى تبدو الجثة باحسن صورة عندما تراها امه المنهارة .. لكن فقدانها الوعي عند رؤيتها دل على فشله في تجميل ما حدث .. وبرغم الدعم اللامتنهاي الذي تلقته اسرته من الاهل والاصدقاء والجيران .. الا ان الحزن المصحوب بدهشة ناقمة لم ينقص .. وبانقضاء اليوم الثاني للعزاء اصبح التحفز سيد الجو في الصيوان الصغير بين اهله وعشيرته وبين اصدقاؤه وجيرانه المسلمين بعد ان اصبح النقاش بين الطرفين يتجه الى منحنيات خطيرة .. لم يحسم الامر سوى خروج رجاء المنهارة وهي تستند على كتف شقيقها ومخاطبة الجمع الثائر بعد ان توغل توتر الخارج الى داخل المنزل واصبح الوضع لا يطاق ..
يا جماعة انا بتي خلاص راحت .. خلوها ترتاح في قبرها وما تعملوها سبب عشان تقوموا حرب وتسيل الدموم .. انا شخصيا مسامحة وما مطالبة اي زول باي شئ .. حانتظر القانون يجيب لي حقي وحق بتي .. ودة ما خوف ولا ضعف .. لكن انا باعمل كدة لاني انسانة مؤمنة وباعمل زي ما المسيح هدانا لمن قال :
" سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. واما انا فاقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الايمن فحوّل له الآخر ايضا. ومن اراد ان يخاصمك وياخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضا. ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين. من سألك فاعطه. ومن اراد ان يقترض منك فلا ترده ...
سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا الى مبغضيكم. وصلّوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السموات. فانه يشرق شمسه على الاشرار والصالحين ويمطر على الابرار والظالمين. لانه ان احببتم الذين يحبونكم فاي اجر لكم. اليس العشارون ايضا يفعلون ذلك. وان سلمتم على اخوتكم فقط فاي فضل تصنعون. أليس العشارون ايضا يفعلون هكذا. فكونوا انتم كاملين كما ان اباكم الذي في السموات هو كامل"
وللفصل بقية .........

Abubakr Ibrahim
23rd January 2011, 06:50 AM
الفصل العشرون (3)
يبقى الله يخليكم اقفلوا السيرة دي وشوفوا ليكم موضوع تاني اتكلموا عنو .. استدارت ودخلت ليسود بعدها صمت غاضب مضطرب ... وإنقطعت المناقشات حتى انقضاء اليوم الثالث وانفضاض الحشد كل الى حياته .. وبات على الاسرة الصغيرة ان تواسي بعضها البعض خصوصا رجاء التي هدها الحزن ونالت منها الفجيعة حتى الزمتها الفراش ...
كان جمال يحس باحتياجه الشديد لمنال ورغبته في وجودها الذي يخفف عنه المه .. لكن الاولوية اصبحت لاسرته .. لقد نسى نفسه ورغباته وامنياته .. لم يشعر حتى بمرور الشهر الذي اتفق عليه معها كميعاد نهائي لزواجهما وسفرهما .. غرق في الهموم لدرجة انسته كل شئ برغم وجود منال الدائم في منزلهم برفقة جاكلين الجزعة من موت نصفها الاخر .. كان يرافقها حتى باب بيتهم عندما تتاخر ليلاً .. يسير معها في الدرب صامتاً شارداً فتنظر اليه باشفاق وتفهم .. لم تذكره بموعدهما .. وانتظرته بصبر حتى يفيق من حزنه .. وعندما اكملت جانيت اربعين يوماً اقيم لها قداس مختصر في الكنيسة وطلب جمال من منال ان تلتقيه بعدها في الكلية ...
- منال .. أنا آسف .. ما حقدر التزم بوعدي ليك .. وبحلك من أي وعد انتي وعدتيني ليهو .. انتي حرة يا منال .. امشي عيشي حياتك .. وانسيني ..
ادخلته شهقتها المصحوبة بسيل من الدموع في دوامة من العذاب .. لقد جلس مع نفسه لايام .. وحيداً وهو يفكر في التزاماته نحو اسرته بعد ما حدث .. والتزامه تجاه من احبها قلبه بكل ما يملك من قدرة على الحب .. كانت المفاضلة مجحفة لكل الاطراف .. ثم قرر ان يبعد قلبه وعواطفه من الامر حتى يستقيم تفكيره .. لم تكن امه ستحتمل ضربة اخرى خصوصا اذا اتت منه .. ارتداده عن دينه وهروبه مع منال سوف يقضيان عليها .. عاش ايام من التمزق بين ولاؤه لاسرته .. وحبه وحلمه وامله .. وعندما انتصر ولاؤه لاسرته احس بدبيب الموت يزحف الي اعماقه ويستولى على روحه وما تبقى من مشاعره ...
- جمال .. انت بتعاقبني على موت جانيت ؟؟!! .. بتحملني وزر انو قتلوها مسلمين ؟؟!! عشان كدة عاوز تخليني ؟؟ .. أنا ذنبي شنو ؟؟ انا بحبك .. انا ...
كانت الكلمات تخرج من بين شفتيها متقطعة .. جريحة .. تخنقها شهقات البكاء .. كان يظن انه حصن نفسه ضد أي ضعف قد يعتريه امامها .. لكنه لم يحتمل رؤية دموعها .. وتمنى الموت في تلك اللحظة لانه تسبب بتعاستها .. كان شاكراً لعزلة المكان وعتمة الغروب التي اتاحت له فرصة احتوائها بين ذراعيه .. وضع راسها على صدره وبدأ يتارحج بها وهو يهمس اعذاره في اذنها .. كان يهدهدها كطفلة صغيرة .. يربت على شعرها ويمسح دموعها .. وعندما احس بان ضعفها قد بدا يتسلل اليه ... ابعدها عنه برقة .. امسكها على امتداد ذراعيه .. وكانت عيناه كالبركان ...
- منال .. لا انا ولا انتي حنقدر نحمّل ضميرنا عبّء أي حاجة تحصل لماما .. انا بس عاوزك تختي نفسك مكاني ... بالظروف البيمر بيها بيتنا .. بحالة امي .. تفتكري بقدر امشي واخليها .. دة حتى يا منال انا لو عملت كدة انتي مفروض تخافي مني وما تأمني لي في المستقبل ... لاني لو اتخليت عن اهلي وهم في الظروف دي ممكن عادي جدا اتخلى عنك انتي كمان في أي لحظة ...
كان صوتها المتضرع يذبحه ..
- بستناك يا جمال ... بستناك لغاية ما الظروف تتصلح ونتطمن على خالتي رجاء وبعد كدة نعمل الاتفقنا عليهو .. احنا لسة صغار ... وانا ما مستعجلة ... حستناك ولو مية سنة بس ما تقول لي البينا انتهى .. ما بقدر اتحمل الشئ دة يا جمال .. ما بقدر ..
- لا يا منال ... انا ما بخليك تعملي كدة .. ولا ضميري بسمح لي اعلقك معاي لزمن ما معروف مداهو متين .. المسالة ما بقت هسة ولا بعدين .. الموضوع بقى اكبر من كدة بكتير .. يا منال افهميني .. انا مسئوليتي تجاه اهلي زادت بعد الشئ الحصل دة .. براك شايفة حالة ماما من يوم وفاة جانيت .. منهارة وراقدة في السرير .. ما قادرة تستوعب الحصل لبتها .. ما مصدقة انها ماتت ومرات تتوه في عالم تاني وتقول انو جانيت سافرت وحترجع .. لمن كلنا بقينا خايفين عليها شديد .. منال .. انتي عارفة أي ارتباط بينا مستحيل طول ما احنا هنا .. وانا طلعتي برة البلد بقت مستحيلة برضو .. اوعي تفتكري انو سهل علي اجي واقول ليك الكلام دة .. والله دي اصعب حاجة عملتها في حياتي كلها... و لاني عارف اخليك معناها اتخلى عن سعادتي واملي واحلامي .. اتخلى عن حياتي كلها .. واعيش تعيس لغاية آخر يوم في عمري .. لكن انا وانتي عارفين انو الحياة اولويات .. قبل فترة قصيرة جداً انتي كنتي في اعلى القائمة .. انا ما اتخيلت لحظة اني حانزلك من عليائك دي .. لكن احنا نقول شئ .. وربنا يقول شئ تاني ..
رفعت منال وجهها البلل بالدموع وكانت كلماتها واثقة ومتحدية ...
- بستناك يا جمال .. مهما طال انتظاري .. بستناك ..
- لا يا منال ... ما تجمدي حياتك .. انا خلاص اقتنعت انو محكوم علي اعيش من غيرك دة قدري .. وانا حاقبلو .. لكن بعاهدك على حاجة لو حيكون فيها عزاء ليك .. مافي أي واحدة تانية حتاخد مكانك طول ما انا عايش .. طالما ربنا اراد اني ما اكون ليك ... ابدا ما حاكون لغيرك .. دة عهد باقطعو ليك وربنا شاهد عليهو ..
نهضت منال ببطء ونظرت طويلاً اليه .. كان مطرقاً يحاول ان يخفي دموعه التي بدات تسيل رغماً عنه .. احست بقلبها يتفتت .. وضلوعها تطبق على صدرها ... انها اول مرة ترى فيها دموعه .. ولم تحتمل ما تراه .. حاربت اختناق انفاسها لتنطق كلماتها الاخيرة ..
- حاستناك يا جمال ... حتى لو العمر كلو ...
عندما تمالك جمال نفسه ورفع راسه .. رآها تبتعد عنه بخطوات مترنحة ... دفن راسه مرة اخرى بين ذراعيه .. واجهش ببكاء مر ...

وبكره فصل جديد......................

Abubakr Ibrahim
24th January 2011, 07:31 AM
الفصل الحادي والعشرون (1)
انكسرت حدة الحرارة قليلاً عندما بدأت الشمس تميل نحو المغيب .. تمددت ظلال الاشجار بجمود .. وخلق انعدام الهواء جواً خانقاً .. انه احد ايام الصيف النموذجية .. تعالى صراخ الاطفال وهم يعبثون تحت زخات المياه المتدفقة من ( خرطوش ) البلاستيك الطويل الذي امسكه حامد بين يديه محاولاً ان يدعّي الصرامة مع صغار الحوش المتحلقين حوله كل يحاول التقاط نصيبه من القطرات الباردة .. جلس حامد ود العمدة هادئاً يتامل احفاده بفخر .. واتسعت ابتسامته وباتت اكثر حنواً عندما التقت عيناه بعيني حفيده الذي يحمل اسمه .. كان اول حفيد ذكر في عائلته .. وقد احبه منذ اول لحظة وضعه فيها عمار بين يديه ..
- امسك حامد الصغير اذن ليهو في اضنينو يا عمي ..
اغرورقت عيناه عندما فرغ من ترديد الاذان في اذني حفيده ووضع اصبعه داخل الكف الصغير فتحركت الاصابع الطرية بنعومة .. وحبس شهقة دهشة عندما فتح سميه عينان تنافسان عينيه في اللون والشبه ... لقد كان نسخة طبق الاصل من طفله الذي غادر الحياة مبكراً ... وراوده احساس بانه يعيش لحظة مكررة عاشها سابقاً عندما وضعت امونة ابنه بين ذراعيه للمرة الاولى ... احتج على قرار عمار واميرة بتسمية المولود تيمناً به ..
- يا اولاد اختاروا ليكم اسم تاني ... حامد دة بقى موضة قديمة وبكرة الولد يكبر ويزعل انكم سميتوهو بيهو ...
- يا ابوي بكرة حامد لمن يكبر حيشكرنا لاننا اديناهو اسمك .. اريتو يطلع بشبهك في حاجاتك كلها مش الاسم وبس ..
- يا بتي يمكن راجلك عندو راي تاني ولا عاوز يسميهو على ابوهو ..
- عم حامد .. انا مصّر اكتر من اميرة انو الولد يشيل اسمك .. كفاية انو وقفتك معانا هي كانت سبب جيتو للدنيا ..
حمل حامد اسم جده وملامحه .. وبرغم امتلاء المنزل بالاحفاد على مر السنين .. الا ان سميه ظل المفضل عنده ..
تشربت الارض العطشى بالرزاز المتساقط عليها بامتنان وتنفست ارتوائها فعبق الجو برائحة التراب المبلل التي اختطلت برائحة شباك الصيد والسمك والرطوبة القادمة من النيل ...
- حامد .. خلاص كفاية رش .. امشي لحبوبة نعمات خليها تجيب الشاي وشوف ابوك وين عشان يجي يشرب معاي ..
امتثل ابن العاشرة لاوامر جده بطاعة فاغلق صنبور المياه باحكام دون ان يبالي بصيحات خيبة الامل الصادرة من جيش الاطفال المحتج على انقطاع مصدر لهوه ... كان حامد يراقب احفاده بنوع من الرضا الممزوج بحزن غامض اصبح جزء منه .. لقد اكسبته الحياة كثير من الخبرات .. وعلمته كيفية التصالح مع كل شئ فيها فتجاوز مشاعر الندم والخوف والالم .. لكنه لم يستطع ابداً تجاوز الحزن المزروع بداخله كنبتة لعينة كلما حاول اقتلاعها ناورته وثبتت جذورها اكثر في اعماقه كان احيانا يحاول فلسفة اسباب احساسه والتعامل معه كناتج طبيعي لاحداث حياته الطويلة التي توقف عن عدّ سنواتها منذ وفاة السرة قبل احدى عشرة عاماً ... لقد ادهشه الترنح والضياع الذي انتأبه بعد رحيلها .. احس كانه فقد هويته وجزء من ذاكرته التي كانت تعيش بداخلها .. ثم اكتشف ان غيابها قد فصم كل عرى التواصل بينه وبين ماضيه .. فقد كانت السرة حاضرة بقوة منذ طفولته وصباه حتى تجارب نضجه المؤلمة .. ووجودها في حياته كان الجسر الذي يربط بينه وبين ذلك الماضي البعيد .. بعد رحيلها ضعفت علاقته بمن تبقى من اهله في القرية الى حد كبير ... لدرجة انه لم يطا ارضها منذ خمس سنوات كاملة ... كانت آخر زيارة قام بها بعد وفاة هادية ... ابنته الصغيرة التي رحلت بعد معاناة قاسية مع جملة من الامراض استسلم الطب امام جبروتها فغادرت مخلفة وراءها جرحاً غائراً في قلب نعمات .. واحساس دائم بالذنب في قلبه جعله يعاني من الكوابيس لدرجة بات يخاف النوم حتى لا ياتيه طيفها الغاضب بنظراته اللائمة المتهمة ويجعله يهب مفزوعاً ليذهب الى قبرها ويجلس ساعات طويلة يقرأ لها القرآن ويطالبها بالسماح على اهماله غير المتعمد اثناء حياتها ... ويبكي ..
- الشاي يا حاج حامد ...
رفع راسه ونظر الى نعمات بابتسامة لا تشي بشئ مما يدور في أعماقه .. بادلته الابتسام بملامح نقية زادها وضوحاً الطرحة البيضاء التي تلتف بوقار حول وجهها الاسمر .. كانت تبدو اصغر من عمرها الحقيقي ويشع من ملامحها سلام غامض .. لقد كادت وفاة هادية ان تذهب بعقلها .. واصبح حزنها على ابنتها حديث المجتمع .. اعتزلت الناس و لبست السواد من راسها حتى قدميها ...امتنعت عن ارتداء الاحذية وصارت تتجول حافية حتى لو اجبرتها الظروف على الخروج من منزلها الذي اصبح سجنها الاختياري .. تحول شعرها الفاحم الى كتلة بيضاء ولم تنقطع دموعها لشهور .. كان يقف عاجزا امام احزانها ويكبله احساسه بالتقصير .. لم يكن يدري ماذا يفعل حتى اتاه شقيقها المهموم باحوالها ..
- انت يا حامد ما شايف عمايل نعمات دي ؟؟ ياخي البتسوي فيهو دة كفر عديل والعياذ بالله .. اتكلم معاها .. خليها على الاقل تلبس ليها حاجة في رجلينها لمن تجي طالعة .. ياخي الناس اكلت لحمنا بتصرفاتها دي ..
- والله اتكلمت معاها لمن لساني نشف .. والناس كلها اتكلمت معاها بدون فايدة .. انا خلاص بقيت ما عارف اعمل ليها شنو ...
- وديها الحج .. هي اصلا ما حجت قبل قبل كدة .. واهو الموسم باقي ليهو اقل من شهر وديها يمكن زيارة بيت الله تخليها تتصبر شوية ..
عادت نعمات بعد اداء فريضة الحج وقد بدت شبيهة بتلك المراة التي كانتها منذ زمن بعيد .. لم يعد احد يلاحظ حزنها الا بالتمعن في عينيها الواسعتين أو عندما تتلبسها حالات شرودها المفاجئ ...
- اقعدي يا نعمات اشربي معاي الشاي .. وين عمار ؟؟ ..
- جاي .. بس مستني اميرة تطلع من الحمام عشان تمسك البت ..
- طيب كبي خلينا نشرب وهو يجي براحته ...
جلسا يحتسيان الشاي في صمت .. لم يعودا بحاجة الى الكثير من الكلمات .. لقد اصبحت حياتهما هادئة وتسير بنعومة .. اصبحا كصديقين تشاركا الكثير من تجارب الحياة السعيدة والتعيسة فربطت بينهما الفة واحتياج للرفقة دون غيرها من الاشياء .. لقد عاد الى بيتها بعد وفاة السرة .. احس بوحدة غريبة اخافته وجعلته يلتمس وجودها .. لم يتشاركا السرير .. فهو لم يكن بحاجة الى علاقة جسدية حميمة بقدر احتياجه لوجود كائن حي يتنفس قربه ويشعره بالحياة .. واكتفت هي بهذه الرفقة المنقوصة ولم تطالبه بالمزيد .. فمجرد وجوده قريبا منها الى هذا الحد حلم بعيد المنال تحقق بعد طول انتظار .. كانت نعمات تحمل كوبها بيد وترشف منه على مهل .. بينما انشغلت يدها الاخرى بعد حبات مسبحتها الصغيرة التي لم تفارقها منذ عودتها من الحج .. سرحت في اصوات الاطفال اللاهين في عالمهم .. كانو مختلفي السحنات والاعمار تجمعهم الشقاوة والعبث الطفولي .. ابتسمت لرؤية ولدي اميرة وابنة نادية التي ستبلغ الرابعة بعد ايام ... غامت افكارها عندما تذكرت تلك السنوات العجاف التي ناصبتها فيها ابنتها العداء .. كانت تتعمد تعذيبها برفضها الزواج والعمر يتقدم بها وفتيات الحوش يتزوجن واحدة تلو الاخرى ... كانت ترفض بلا ترو او نقاش .. فاندهش حامد من عناد ابنته الغريب والح على نعمات في السؤال لمعرفة الاسباب .. اخبرته باختصار شديد عن رفضها للعلاقة بين ابنتها وزميلها .. ذكرت الاسباب دون ان تخوض في التفاصيل .. يومها هنأها حامد على حكمتها في معالجة الامر دون ان يدرك سر الابتسامة الساخرة المتالمة التي ارتسمت على شفتيها .. لقد كان مرض هادية هو المعول الذي هدم جدار الصخر بينهما .. ففي احدى الصباحات الخريفية اتجهت نعمات الى غرفة ابنتها الصغرى لتزورها كما تفعل كل يوم بعد ان رفضت الخروج منها الا لشن غارة على المطبخ والتهام كل ما يقع تحت يدها من طعام .. اصبحت تصاب بنوبات هياج هستيرية اذا ما حاول احدهم منعها .. فوقفوا جميعاً يراقبون بالم جسدها وهو يتحول الى كتل شحمية قبيحة زادت من كآبتها وانعزالها .. وشراهتها ..
وللفصل بقية ..................

Abubakr Ibrahim
25th January 2011, 06:40 AM
الفصل الحادي والعشرون (2)
عندما فتحت الباب بعد طرقات خفيفة .. فوجئت بجسد هادية الضخم مسجي ارضاً ويسد الطريق .. كانت ساكنة الحركة ومن بين شفتيها المنفرجتين يخرج صفير متقطع بينما ابتل قمصيها القطني الفضفاض بالعرق .. اندفعت نادية الى الغرفة مذعورة اثر صرخات نعمات التى عكرت صفو الصباح .. تسمرت عندما رات منظر شقيقتها .. ثم بدات تشارك امها بالصراخ ...
اثناء ساعات الانتظار الطويلة خارج غرفة العناية المكثفة بدات رحلة ذوبان الجليد بين نعمات المنهارة ونادية الخائفة .. لقد تشبثت كل منهما بالاخرى في يأس .. واصبحت نادية تهتم بمواعيد ادوية والدتها .. وتجبرها على تناول الطعام .. تصر على عودتها للمنزل حتى تنال قسطاً من الراحة بينما تتبادل هي واميرة البقاء بجانب هادية الغائبة عن الوعي .. احست نعمات بالسعادة والامتنان لابنتها عندما دافعت عنها باستماتة وتصدت للطبيبة الغاضبة التي وقفت تصرخ في وجهها بعنف ..
- كيف تخلي بت في السن دة توصل لوزن مخيف زي دة ؟؟ كنتي وين من يوم ما بدا وزنها يزيد ؟؟ انتي ما عايشة معاها في نفس البيت ؟؟ ما كنت بتشوفيها لمن تاكل ؟؟ تاكدي انو الوضع الفيهو بتك دة حصل نتيجة لاهمالك .. دي لسة طفلة ... كيف تدخل في غيبوبة سكري ويكون ضغطها في السما ويجيها ضعف في عضلات القلب وقصور في الكلى والكبد ؟؟!! حتى لو حصلت معجزة وقدرنا نعالج ديل كلهم حيكون نظرها خلاص انتهى وحتعمى لانو ارتفاع السكري الشديد فجر كل الاوعية الدموية في عيونها ..
عندما رات نادية شحوب وجه نعمات الغارق في الدموع امام الهجوم العنيف .. وقفت في وجه الطبيبة وحالت بينها وبين امها ..
- اسمعي هنا .. انتي منو الاداك الحق تتكلمي مع امي بالصورة دي ؟؟ تفتكري يعني كان عاجبها تشوف بتها بتوصل لمرحلة زي دي وهي ما قادرة تعمل ليها حاجة ؟؟ انتي ما عارفة الظروف الاحنا عايشنها يبقى اوعك تحكمي عليها ولا علينا .. ولازم تفهمي انو البتتكلمي معاها دي ام .. عارفة يعني شنو ام ؟؟!! .. يعني سعادة عيالها اهم شئ في حياتها .. خلي جاية انتي بكل عجرفة وغرور تتهميها بالاهمال ؟؟ انتي دكتورة شنو انتي ؟؟ كيف تتعاملي مع اهل مريضة عندك بالصورة دي ؟؟ ياخي انعل ابو دكترتك العاوزة تذلي بيها خلق الله دي .. ويكون في معلومك امي دي عيانة ولو حصل ليها أي حاجة بسبب كلامك دة انا حاحملك المسئولية كاملة .
اشعرها دفاع ابنتها بالدفء وخفف عنها مرارة الحزن الكثيف الذي تعيشه .. قدمت نادية شكوى بحق الطبيبة وطالبت ادارة المستشفى بتغييرها .. كان البديل شاب خلوق .. صبور ومتفهم .. تفاني في رعاية هادية واصبح يقضي كل اوقات فراغه بجانبها .. وعندما اعلن وفاتها بعد شهر من وجودها بالمستشفى .. احتضن نعمات المفجوعة واجهش بالبكاء .. وظل مواظباً على الحضور طيلة ايام العزاء ومتابعاً لوضع نعمات الحرج التي ارتفع ضغط دمها بشكل استدعى ادخلها المستشفى والبقاء فيها لفترة طويلة .. وخلال ملازمة نادية لها نشأ ود خجول بينها وبين الدكتور ( نادر ) تنامى بهدوء بعد ان اصرت نعمات على ان يصبح هو طبيبها المعالج ... ولم تتفاجأ حين لمح لها برغبته في الزواج من ابنتها الجميلة التي وضعت في خانة عوانس الحوش منذ زمن بعيد .. تخوفت نعمات من رفضها المعتاد برغم احساسها بوجود قبول متردد منها ارادت ان تغذيه فخاطبتها بضراعة ...
- نادية يا بتي .. الله يرضى عليك ما ترفضي دكتور نادر .. الولد ممتاز وما فيهو عيب وعاوزك من قلبو لربو .. وانا قلبي بقول لي إنو انتي كمان بتميلي ليهو .. ادي نفسك فرصة وفكري كويس .. انتي ما بقيتي صغيرة .. وانا ابوك كبرنا وما حندوم ليك للابد لازم تعرسي وتجيبي ليك جنا يسندك في كبرك وعياك .. هسة لو ما انتي واختك منو الكان حيتجبر علي ولا يخدمني لمن عييت ورقدت ؟؟!! يا نادية لازم تنسي كل الحصل زمان وتبدي تعيشي حياتك من جديد ...
رمقتها ابنتها بنظرة خالية من اللوم والعتاب والحقد الذي سكن عينيها طيلة السنوات الماضية ...
- انا ممكن اوافق على دكتور نادر .. لكن بشرط ..
تلقفت الام الملهوفة الكلمات بفرح ...
- انا متاكدة انو حيوافق على كل شروطك .. بس ما تطلبي منو حاجات فوق طاقتو .. في النهاية دة موظف في بداية حياتو ودخلو محدود .. يا نادية ابوك منتظر عرسك دة من سنين .. وحيعمل ليك أي حاجة انتي عاوزاها ..
وهبطت كلماتها اللاحقة كلطمة في وجه نعمات ...
- شرطي اني احكي لنادر عن قصتي مع زاهر من اولها لاخرها .. اذا وافق بعد داك يعرسني حاقبل بيهو ...
دلت شهقة نعمات التي اعقبها صمت تام على صدمتها من كلمات ابنتها .. وعندما تمالكت نفسها خرج صوتها محبطاً باكياً ...
- يا بت انتي جنيتي ولا شنو ؟؟!! حرام عليك البتعمليو فينا دة ؟؟ عاوزة تفضحي روحك وتفضحينا معاك ؟؟ ليه ؟؟ عشان شنو ؟؟ ما تخلي الموضوع يمشي وعفا الله عما سلف ... أنسي ماضيك دة كلو بخيرو وشرو .. اعتبريهو كأنو ما حصل ... انا عملت العملتو زمان داك عشان لحظة زي دي ... ما تخافي ما حيعرف .. واذا ربنا سترك ما تفضحي روحك ... اسمعي كلامي .. انا امك .. عشت اكتر منك وبعرف اكتر منك نادر صحي دكتور ومتعلم ومثقف .. لكن في النهاية راجل .. راجل شرقي ... وسوداني .. وحاجة زي دي مستحيل يقدر يتجاوزها .. حتى لو قبلها هسة عشان بحبك وعاوز يرتبط بيك باي شكل ... لكن بكرة بتدخلوا في تفاصيل الحياة الزوجية بكل مشاكلها وروتينها ومللها واحباطاتها ... وفي اول ملف حيذكرك بالكلام دة لانو حيكون قاعد جواهو زي السوسة بينخر في عقلو ...
- امي .. دة شرطي الوحيد وما حتنازل عنو .. انا ما عاوزة ابدا حياتي مع نادر بكذبة كبيرة وامشي ليهو كاني بت لا عرفت ولا شفت .. نادر من حقو يعرف اني عشت تجربة زواج بكل تفاصيلها .. بما فيها الحمل والاجهاض ... بعد كدة هو يختار .. لو قبل بظروفي دي تاني ماحيقدر يقول اي حاجة ... اذا رضيتي أكلمو خير وبركة نمشي في الموضوع ونشوف حيوصل وين .. واذا ابيتي .. اعتذري ليهو طوالي وقولي اني رافضة اعرس ..
- يا نادية انتي لو كنتي معرسة بطريقة رسمية واتطلقتي ولا حتى راجلك مات ما كان حيكون فيها حاجة .. لكن ..
- دة شرطي .. موافقة ولا لا ؟؟
تم الزواج في حفل هادئ بسيط .. وخيب نادر كل توقعات نعمات المتشائمة .. كانت علاقته بنادية تزداد توهجاً بمرور السنوات .. وعبر عن حبه لزوجته وطفليه بانصهاره التام في عائلة ود العمدة الكبيرة ...
- معليش يا جماعة .. اتاخرت عليكم .. اميرة الظاهر عليها نامت جوة الحمام ونستنا انا والبت برة ..
سحب عمار كرسيه وجلس بين والدي زوجته وتناول كوب الشاي من يد نعمات شاكراً ...
- يا عم حامد لي كم يوم عاوز اسالك عن ابراهيم .. اخبارو شنو ؟؟ .. كنت ناوي امشي ازورو لكن ما لاقي زمن .. وكمان اميرة قالت لي انو ما راضي يقابل زول ...
اكفهرت ملامح حامد عندما سمع اسم ابن اخيه .. وعبرت وجهه سحابات الالم والغيظ المخلوط بالغضب .. لقد اعجزه هذا الولد الفاسد بعد ان فعل كل ما يستطيعه لتغطية افعاله الشائنة .. لم يعد بوسعه فعل شئ آخر غير امنية سرية كان يخجل ان يجاهر بها حتى لنفسه .. كان يتمنى له الموت ... وكان يبرر امنيته بان موته سيكون ستراً لهذه العائلة بعد ان اصبح فجوره العلني فضيحة تتبع اسمها كلما ذكر .. كان يتنسم اخباره عن بٌعد منذ ان طرده من المنزل قبل عام تقريباً عندما اتته حبيبة شاكية باكية للمرة الاولى منذ زواجها .. تكلمت بعد ان تعداها الاذى وطال صغرى بناتها .. الوحيدة التي ظلت في المنزل بعد زواج اختيها وانتقالهما للسكنى بعيدا عنهم ...
- يا عم حامد انت عارفني عمري ما إشتكيت من عمايل ابراهيم وتصرفاته .. وصبرت عليهو صبر ايوب .. لكن لمن جات على بتي ما قدرت اسكت .. ما عارفة الحصل ليهو شنو !! الظاهر البلاوي الكتيرة البيشربها دي خلاص طلعت في راسو وجننتو .. بقى خاتي نقرو من نقر البت ومكرهها عيشتها .. يجي وش الصباح مسجم ومرمد يصحيها من النوم ويقعد ينق في راسها لمن تجي مواعيد مدرستها .. المسكينة بالعافية تجري تلحق البص .. حاميها القراية وعامل ليها رعب .. بيضربها باي حاجة تجي تحت يدو .. امبارح فك فيها كباية الشاي ولو ما ربنا ستر كان فتحت راسها .. يا تشوف ليك معاهو حل يا عم حامد .. ولا انا اخلي البيت و اسوق بتي امشي اقعد في أي مكان ..
وللفصل بقية ................

Abubakr Ibrahim
26th January 2011, 07:56 AM
الفصل الحادي والعشرون (3)
عندما فتح حامد باب منزل ابراهيم بعنف ارتج له الجدار .. وجده جالساً وسط سحابة من الدخان الازرق .. يدندن بلحن مبهم وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة بلهاء ..كانت تفوح منه رائحة عرق نتن اختلطت بابخرة فمه التي تزفرها انفاسه فأصبح جو المكان خانقاً ومقززاً ...
- دة شنو دة يا ولد الانت بتعمل فيهو دة ؟؟!! .. بلاهي ما خجلان من روحك .. ياخي انت بناتك عرسو وولدو وبقيت جد .. حتوعى متين ؟؟ حتبطل الوسخ البتعمل فيهو دة متين ؟؟!! حتنضف متين ؟؟!! قوم حيلك اطفي الزفت الفي ايدك وغسل وشك ولا استحمى عشان تفوق والواحد يعرف يتكلم معاك ..
- أنا بكرهك ...
خرقت الجملة المفاجأة اذني حامد وظل واقفاً فترة طويلة يتامل ملامح ابن اخيه التي تحمل حقداً مخيفاً .. محاولاً استيعاب ما سمعه وما يراه ..
- قلت شنو يا ابراهيم ؟؟!! ...
- سمعتني كويس يا ود العمدة .. ما تعمل لي فيها رايح .. وكان ما سمعت بقولها ليك تاني .. انا بكرهك .. بكرهك اكتر من أي شئ في الدنيا دي .. اكتر من الموت زاتو..
- انا ما ححاسبك على كلامك دة هسة لانك ما في وعيك .. لكن لمن تصحصح كويس انا بعرف شغلي معاك ...
- حتعمل لي شنو يعني ؟؟ ... حتضربني ؟؟!! .. انا بحذرك من هسة لو حاولت تمد ايدك علي تاني بكسرها ليك .. اوعى تكون قايلني لسة الولد الصغير البخاف منك داك ؟؟ ولا يمكن قايلني لسة محتاج ليك ولقروشك ... فوق يا عمو .. فوق وعاين لي وشوفني كويس .. انا كبرت .. كبرت شديد .. وخليت الخوف منك من زمان .. وكان للقروش انا خلاص استغنيت عنك وعن وصايتك .. ورثتي من امي وابوي تعيشني مرتاح لآخر عمري .. يعني بالواضح كدة .. طظ فيك وفي قروشك ..
- انت ولد قليل ادب وما اتربيت .. ؟؟!! ..
- في دي كلامك صح .. اول مرة اتفق معاك في كلام تقولو ... انا بالحيل ما اتربيت .. انت قالوا عرست امي عشان تربيني .. لكن عمرك ما ربيتني .. اها اتحمل نتيجة عدم تربيتك لي .. اتحمل فكرة اني بقيت كدة بسببك ..
- ما تغش على نفسك يا ابراهيم .. انت ما بقيت كدة بسببي ولا بسبب أي زول .. انت بقيت كدة لانك عاوز تبقى كدة .. يعني شوف ليك شماعة غيري علق فيها سبب فشلك .. طول عمرك من ما انت صغير انسان مهزوز .. وكبرت بقيت فضيحة ماشة على رجلين .. كتر خيري الاتحملت بلاويك وقرفك السنين الفاتت دي كلها .. ودة والله ما عشان خاطرك .. عشان خاطر اسم اخوي الانت شايلو وما مشرفو .. اسمعني كويس يا ولد لاني ما حكرر كلامي دة كتير .. لو سمعت بيك تاني مديت يدك على بتك ولا ضايقت حبيبة حوريك الادب الطول عمرك ما شفتو .. فاهم الكلام دة ولا لا ؟؟ ..
- وانت الدخلك شنو في مرتي وبتي ؟؟ مالك ومالهم ؟؟ عاوز تشاركني فيهم كمان ؟؟ بياتو مناسبة ؟؟ هو انا كنت شاركتك في نسوانك الكنت بتعرس فيهم الصباح الصباح ديل ؟؟ ولا شاركتك في بناتك الفلطتهم زي الارانب ؟؟
نزلت عصا ود العمدة الغاضبة على راس ابن اخيه وانفجرت الدماء لتملا المكان ... لم يستطع احد اقناع ابراهيم بالتنازل عن بلاغ اتهامه لعمه بضربه الا ( بله) الذي اتى من القرية مسرعاً استجابة لاستغاثة نعمات ... عندما خرج ابراهيم من المستشفى رفض حامد عودته الى المنزل ...
- ما عاوزو في بيتي .. يمشي يشوف ليهو أي مكان تاني يلم فيهو حقدو وكراهيتو ووساختو ...
- برضو طظ فيك وفي بيتك .. انا من يوم ما عرست كنت عاوز اغور من خلقتك دي وانت الابيت واصريت على قعادي عندك .. وهسة حسوق مرتي وبتي واتخارج منك...
- ما عندك عندي مرا ولا بت .. اطلع براك .. انشاء الله تسكن جوة براميل الخمرة وتتسطل الليل والنهار .. انت حر في روحك .. لكن حبيبة وبتها مسئوليتي .. وما بخليك تسوقهم عشان تبهدلهم معاك ..
- طيب يا حامي حمى البشرية .. خليتهم ليك .. مش عشان انت قلت كدة .. لا .. عشان انا زاتي ما عاوزهم .. لكن في يوم من الايام لو جاني مزاج اسوقهم .. بسوقهم .. برضاك ولا غصباً عنك .. بالبوليس .. بالمحكمة .. باي وسيلة تريحني وتتعبك ..
خلال الشهور الاولى لاختفائه لم يهتم حامد بمعرفة مكانه .. ثم بدأ يبحث عنه تحت ضغط ( بله ) المهموم باحوال ابن اخيه .. اتاه مرساله مطرقاً خجلاً وهو يخبره عن ما توصل اليه ..
- أجر ليهو شقة في المهندسين وعايش ببذخ شديد .. سايق عربيتو الليل والنهار وحايم في حتت معينة يلقط الاولاد الصغار ويوديهم بيته .. الجيران بدوا يشتكوا من نوعية الناس البيجوهو وشكلهم .. وسمعت تحت تحت كدة انو البوليس خاتي عينو عليهو ومراقب كل تحركاتو ...
عندما سمع نبأ القبض عليه متلبساً في احد البيوت المشبوهة .. استخدم حامد كل علاقاته ونفوذه لمنع نشر الخبر .. ارسل المع المحامين لمقابلة ابراهيم الذي رفض ببرود أي مساعدة من عمه .. واعترف بكل التهم التي نسبت اليه .. عند اعلان الحكم بسجنه .. اهتزت قاعة المحكمة بضحكاته المدوية التي افزعت الجميع وشككتهم في سلامة قواه العقلية ...كانت جلسة اعلان الحكم آخر مرة رآه فيها أي من افراد اسرته بعد ان رفض استقبالهم عندما ذهبوا لزيارته في سجنه ...
- ما عندي أي اخبار عنو يا عمار .. لسة رافض الزيارة او أي محاولة تواصل معاهو...
نطق كلماته وهب مستئذناً على عجل .. بدت خطواته اكثر بطئاً وتعباً من ذي قبل .. فاحس عمار بالندم على سؤاله الذي نكأ جرح والد زوجته بدون قصد منه .. وقف ليلحق به ... فثبتته يد نعمات في جلسته وهي تتابع زوجها بنظرات مشفقة ومتفهمة ...
- خليهو هسة يا عمار .. اصلا سيرة ابراهيم دائما بتنرفزو .. لكن بعد شوية بروق وبرجع عادي ...
كاد حامد في اندفاعه البطئ ان يصطدم بمنال التي خرجت فجأة من الباب الداخلي للمنزل وهي تحمل حقيبتها الطبية ..
- بسم الله .. مالك يا منال مستعجلة قدر دة ...ماشة وين ؟؟
- معليش يا ابوي ما كنت منتبهة .. مواعيد حقنة خالتي رجاء جات وماشة اديها ليها ..
- رجاء عندها بدل الدكتور اتنين في البيت وتمشي انتي تديها الحقنة ؟؟!! ...
- قالت جمال وجاكلين ايدهم حارة ولمن يدوها الحقنة بتفضل واجعاها فترة طويلة .. لكن انا يدي باردة وما بتحس بيها ..
- رجاء دي بتتدلع ساكت ... يلا انا حامشي معاك .. لي زمن ما شفتها ..
دخلت منال بضجيجها المعتاد وهي تناوش جانيت ابنة جاكلين كعادتها .. حملتها بين ذراعيها رفعتها عالياً وهي تدغدغها وتتجاوب مع صرخاتها الطفولية العابثة ..
- هوي يا منال .. نزلي بتي دي في الارض ما توقعيها لي .. دي الحيلة يختي وما عندي غيرها .. اتاخرتي مالك ؟؟ ماما هوستني بالسؤال عنك .. وكالمعتاد ما رضت تخليني انا ولا جمال نديها الحقنة ..
- ليها حق ما تخليكم لانكم انتو الاتنين ايدينكم عاملة زي قوالب الطوب .. وانا ايدي خفيفة زي الريشة .. هو أي زول اتخرج من طب بينفع يكون دكتور ؟؟ يا فالحة الدكترة دي خشم بيوت..
تعالى صوت رجاء الزاجر من داخل غرفتها ...
- يا بنات بطلوا نقار مواعيد الحقنة فاتت .. يلا يا منال خلصيني ..
- جاية يا خالتي رجاء .. ومعاي ابوي حامد عاوز يسلم عليك ..
كان جمال قد خرج من غرفته ملهوفاً عندما سمع صوت منال .. ثم توقف اندفاعه لمراى ود العمدة برفقتها ..
وللفصل بقية .............

Abubakr Ibrahim
27th January 2011, 07:03 AM
الفصل الحادي والعشرون (4)

- عم حامد .. اهلاً وسهلاً .. اتفضل اتفضل .. واقف برة ليه ؟؟
كانت العلاقة بين الاسرتين قد اذدادت رسوخاً بمرور السنوات وتقاسم ملمات الحياة .. بعد مقتل جانيت المأساوي احس حامد بمسؤليته تتعاظم تجاه الاسرة الصغيرة الغارقة في الحزن .. فاصبح هو وجميع اهل الحوش متواجدين بصفة دائمة لمؤازرة رجاء المنهارة حتى تلاشت كل الحواجز بين البيتين ... جلس حامد في الكرسي الملاصق لسرير رجاء وهو يخاطبها بحنو ابوي ..
- والله يا رجاء انتي بتتدلعي .. يا ولية قومي وشدي حيلك شوية .. انتي كويسة وما عندك عوجة .. مالك عاوزة تشفقينا عليك ؟؟ ولا بتعملي كدة عشان اولادك يقعدوا جنبك اليوم كلو ؟؟
منحته رجاء احدى ضحكاتها التي اصبحت نادرة ومتباعدة ..
- والله يا عم حامد لا عاوزاهم يقعدوا معاي ولا حاجة .. حتى اسال جاكلين .. البت دي يوميا انا بطردها عشان تمشي بيتها .. وحياة العدرا بقيت خجلانة من راجلها .. البت بتقعد عندي اكتر مما بتقعد عندو ..
- يا ماما يا حبيبتي ناصر عارف انك روحي ونفسّي .. واني مستحيل اقعد يوم واحد من غير ما اشوفك .. وبعدين هو ما يقدر يقول ولا كلمة .. مش كفاية انك بتعبك دة ومصرة تمكسي ليهو بتو وابيتي تخلينا نجيب ليك شغالة تساعدك ؟؟ وعلى فكرة يا جدو حامد ناصر زاتو بقى ينافسني في حب ماما لمن انا مرات بغير منو ..
رمقتها رجاء بحنان وهي تحتضن حفيدتها التي تسللت وتكورت في مكانها المفضل على صدر جدتها ووضعت ابهامها داخل فمها وهي تنظر الى الجميع ببراءة ..
- شغالة شنو الانا باخليها تعمل حاجة لجونا ؟؟!! دة انا لو بزحف على ايديني ورجليني برضو بسوي كل حاجاتها براي ... دي الغالية المخلياني احس انو الدنيا دي فيها حاجة تستاهل يعيشوا ليها ...
اشتكى جمال ضاحكاً ..
- شايف يا جدو حامد ماما بتقول شنو ؟؟ .. يعني احنا كلنا ما بنستحق تعيش عشانا .. وبسبب المفعوصة دي كلنا اترمينا في الرف ..
- يا ولد اعز من الولد ولد الولد .. وانت بس ريحني وعرس شوف انا عيالك حعمل ليهم شنو .. اها يا عم حامد طالما الموضوع انفتح خليني النشتكي ليك من جمال دة ... الولد كاسر قلبي بعدم عرسو .. ما عرفنا هو عاوز شنو .. جبنا ليهو بنات اشكال والوان .. اصل وفصل وتدين وتعليم .. وبرضو رافض .. عليك الله اتكلم معاهو .. انا عاوزة اشوف عيالو قبل ما اموت ...
- بعد الشر عليك يا ماما .. وبطلي حركات المسلسلات المصرية دي ... تموتي كيف يعني ؟؟ وتخلي التعب والشقاوة لمنو ؟؟ يا ماما انتي ملك الموت زاتو بيلاوز منك ويقول الزولة دي بتحب التعب عشان كدة خلوها عايشة مافي داعي نريحها .. يا ست الكل انشاء الله انا قبلك .. وتعيشي لمن تخرفي وتجننينا بخرفك .. واضح انو خرفك حيكون صعب خلاص ..
- بعد الشر عليك يا ولدي انتو لسة العمر قدامكم .. لكن احنا خلاص حناخد زمننا وزمن غيرنا ؟؟ يلا حسن الختام ..
- في شنو يا ماما وجمال ؟؟ مالكم قلبتوها غم كدة ؟؟ .. خلونا من سيرة الموت دي عليكم الله واتكلموا في أي حاجة تانية ..
عبرت وجه جمال سحابة قاتمة .. وظهرت لمعة غامضة في عينيه التي تفادت النظر الى جميع الموجودين بالغرفة .. وخرج صوته مبحوحاً ..
- ماما انتي مش مؤمنة ؟؟ مش عارفة انو الزواج قسمة ونصيب ؟؟ .. لازم تعرفي اني ما رافض الزواج في حد زاتو .. انا بس منتظر ربنا يقسم لي نصيبي ..
خيمت لحظة صمت كثيف على الغرفة بعد الكلمات الحارة التي كان لها وقع مختلف على كل شخص اطرقت منال بحزن وهي تقاوم الدموع التي تجمعت في عينيها وهددت بفضحها .. طرفت عدة مرات .. اعطت ظهرها للجميع وهي تتظاهر بتعبئة الحقنة .. فمنذ ذلك اللقاء العاصف الذي جمعهما ليخبرها جمال برغبته في انهاء ما بينهما .. تغيرت علاقتهما بصورة كبيرة .. واصبحت مشاعرهما اعمق وانضج واشد قوة مما كانت .. وبعد ان تخطى جمال محاولات تفاديها والابتعاد عنها واستسلم لاحتياجه الشديد لوجودها في حياته .. أبرما اتفاقاً صامتاً بترك الامور تسير كما قدر لها دون أي محاولة لدفعها في اتجاه آخر .. التزم جمال بعهده لها .. لم تكن هناك اخرى في حياته غيرها .. برغم وسامته التي عززتها سمعته كطبيب تخصص في مجال جراحي نادر وصعب وجعلت الفتيات ينجذبن اليه ويتحلقن حوله اينما سار .. وبرغم تحسن اوضاعه المادية بشكل ملفت جعله حلم الكثيرات .. الا ان منال ظلت هي حلمه الاوحد ..
كان يحس بالالم والفرح معاً عندما يتناهى الى سمعه رفضها للعرسان الواحد تلو الآخر .. لم تكن تخبره ... لكن جاكلين المهمومة بعدم زواج صديقتها كانت تاتي وتحكي لامها عن عناد منال الغير مبرر ورفضها القاطع برغم كل الضغوط التي تمارس عليها .. في احدى المرات كان العريس شاب يحمل كل صفات فى الاحلام لاي فتاة .. فاحس بذنب قاتل يتاكله .. حاول مناقشتها واقناعها بالموافقة ..
- منال ... عاوز اطلب منك طلب بس اوعديني ما ترديني فيهو ..
- طلب ؟؟!! .. انت تامرني يا جمال وانا اطيع .. قول عاوز شنو ؟؟ ..
- ارجوك .. ارجوك يا منال وافقي على الزول المتقدم ليك دة .. اتزوجي وعيشي حياتك .. العمر بيجري .. وانا خايف عليك .. وحاسي بالذنب لاني معلقك معاي في وضع ما عارف نهايته شنو .. انتي بتستاهلي تتزوجي احسن انسان في الدنيا دي .. وتجيبي احلى عيال ... تستاهلي تعيشي سعيدة .. منال انتظارك لي ما منطقي وما فيهو شئ من العقل .. حتنتظريني لمتين ؟؟!! .. اذا انا زاتي ما عارف انا منتظر شنو ..
قاطعته بلهجة غاضبة .. حاسمة ..
- اسمع يا جمال .. كلمة قلتها ليك من زمان .. حستناك ولو العمر كلو .. يعني يا اعرسك انت ولا بلاش .. انا يا جمال ما محتاجة مجرد راجل اشاركو السرير ويصرف علي ويبقى اسمي مقرون باسمو .. انا بالذات بعد تجربة امي وابوي مصرة اني ما اتزوج تحصيل حاصل .. لازم زاوجي يكون تتويج لاحساس جواي ... لانو الزواج في حد زاتو ما هدف بالنسبة لي .. الزواج مجرد وسيلة تحقق لي رغبتي في الانتماء لانسان محدد انا بحبو وعاوزة ابقى جزء منو اشيل اسمو واربي عيالو .. فهمت ولا اشرح زيادة ؟؟ ..
بعد هذا النقاش احبها اكثر .. احترمها اكثر .. وتمناها اكثر .. ولم يفاتحها مرة اخرى في امر زواجها بآخر ...
قطع صوت جاكلين المرح حبل الصمت المشحون ..
- انتو ليه شانين حملة على جمال براهو ؟؟!! .. ما عندكم مثال تاني .. الدكتورة منال العاوزة تبقى راهبة .. ونست زمان لمن بتتشاكل معاي عن موضوع دخول البنات الدير وفكرة الترهبن في الدين المسيحي .. كانت بتقول لي لا رهبانية في الاسلام .. اها هسة هي بقت راهبة مسلمة ..
تحولت الانظار الى منال التي فرغت للتو من سحب الحقنة من ذراع رجاء .. رفعت راسها اليهم وابتسمت باطمئنان ..
- انا تقريباً عندي نفس فكرة جمال عن الزواج .. انو قسمة ونصيب .. قدر مكتوب ومسطر من قبل ما نتولد .. حاجة ما بتحصل الا لمن ربنا ياذن .. وفي لحظة ما بعلمها الا هو سبحانه .. وما تمشوا بعيد .. اقرب مثال نادية بت أمي نعمات .. قعدت بالسنين ترفض العرسان .. ولمن جا الدكتور نادر .. ما فتحت خشمها وطوالي وافقت برغم انو ما كان احسن زول اتقدم ليها .. طيب وافقت ليه ؟؟!! لانو المسالة ما بتخضع لاحسن واكعب .. المسالة انو ربنا لمن يقول ليها كوني بتكون .. انا ما رافضة اتزوج انا بس منتظرة اللحظة البيقول فيها ربنا كوني .. وصدقوني وقتها داك ما حقدر اقول لا ولا أي زول تاني حيقولها ... مهما كان الشخص المتقدم لي ..
علت وجه جمال ابتسامة فخورة تبعها تعبير ناعم سرعان ما اختفى .. لكنه لم يفت عيني ود العمدة البارعتين في التقاط التفاصيل .. قطب حاجبيه بعد ان بدات فكرة غامضة تتشكل في عقله ... نقل نظراته ما بين حفيدته الحالمة .. وجمال الهادئ .. ضربه الادارك كالبرق .. واحرق روحه الكهلة .. بدات جملة مخيفة تتردد في عقله ... واستمرت بالحاح مقيت حتى اوى الى سريره ليلاً..
- جمال ومنال ؟؟!! معقولة ؟؟!! ... مستحيل ..
اغمض عينيه وهز راسه حتى ينفض عنه الفكرة ... تواترت الى ذاكرته المتعبة احداث متفرقة لم تكن تعنى شيئا ساعة حدوثها .. لكن تبعاً لادراكه الجديد اصبح لها معنى مختلف ... بدات التفاصيل تتجمع مع بعضها كقطع الاحجية المثتناثرة .. واصبح السؤال يدوي في عقله كقرع الطبول ..
- جمال ومنال ؟؟!! معقولة ؟؟!! ... مستحيل ..
وبكره فصل جديد ....................

Abubakr Ibrahim
29th January 2011, 07:01 AM
الفصل الثاني والعشرون (1)
عزلت رحمة نفسها في غرفة نومها وهي تتلهف لقراءة خطاب شقيقتها منذ ان سلمه اياها محمود ظهراً عند عودته من العمل .. وضعته في جيب قميصها وظلت تتحسسه كل دقيقة للتاكد من وجوده في مكانه .. كان صبرها يقل كل ما بدات في مهمة جديدة من مهامها المنزلية ..اخيراً وعندما تفرغت تماماً تربعت في منتصف سريرها وحملت الظرف الازرق ضمته الى صدرها واستنشقت رائحته بشوق ... لقد اعتادت منال ان تضع لها بضع قطرات من عطرها المفضل داخل كل رسالة فترسل لها لمحة منها يبقى عبيرها لفترة طويلة .. بدأت القراءة الاولى التي كانت تتبعها عادة قراءت اخرى حتى تكاد تحفظ مواقع النقاط والفواصل المكتوبة بخط منال المنظم الانيق ...
ستوكهلم 12 سبتمبر ...
اختي الحبيبة رحمة .. قبل أي شئ خليني اقول ليك كل سنة وانتي طيبة .. وعقبال مية سنة من العمر المليان صحة وعافية يا رب ... اتمنى جوابي دة يوصلك في نفس يوم عيد ميلادك .. ما تخافي طبعا حاضرب ليك تلفون لاني مشتاقة لصوتك وصوت العيال .. لكن رسلت ليك الجواب عشان عارفة هوسك في الاحتفاظ بجواباتي ...
ابتسمت رحمة وهي تسترق نظرة خاطفة الى الصندوق الخشبي الصغير المطعم بالصدف وهو يحتل مكانه الاثير بجانب سريرها ... كانت تحتفظ فيه بكل رسائل منال التي بدات ترسلها لها بعد مغادرتها البلاد منذ اربع سنوات لم تعد فيها الا مرة واحدة عند وفاة جدهم حامد ود العمدة الذي رحل بهدؤ اثناء نومه وعلى وجهه شبح ابتسامة غامضة .. لم تستطع اللحاق بمراسم الدفن التي تمت في القرية حيث دفن في قبر ملاصق لقبر زوجته الاخيرة امونة وطفلهما كما اوصى قبل موته بزمن طويل .. عند وصولها متعبة وحزينة بعد رحلتها الطويلة ارتفعت حرارة البكاء مرة اخرى .. وعندما احتضتنها بلقيس بعنف .. لاحظت رحمة الغمزات المتطايرة بين اهل والدتها المحتجين على سفر منال وبقاءها وحيدة في دولة اوربية .. لقد كانت حاضرة اثناء غالبية المشاحنات التي وقعت بين امها واهلها ... كانت بلقيس تدافع بحرارة عن حق ابنتها في التعليم ...
- منال من حقها تتعلم لغاية آخر درجة في التعليم ..انتو ليه عاوزني امنعها ؟؟ عشان هي بت ؟؟ وشنو يعني بت ؟؟ انا بتي مربياها كويس .. بثق فيها وفي اخلاقها وتصرفاتها .. شنو المشكلة انها تكون براها .. حتعمل حاجة غلط يعني ؟؟ طيب هي لو عاوزة تغلط وهي قاعدة هنا ومعاي في بيت واحد تفتكروا انا بقدر امنعها ؟؟ انتو عايشين وين ؟؟ زمن الرقابة حقت الاهل البسالوا البت ماشة وين وجاية من وين ومصاحبة منو دي انتهت زمان ... الزمن الفينا دة الرقابة بقت الا من جوة البني آدم براهو .. والواحدة لو عاوزة تعمل شئ غلط لا ام ولا ابو ولا اخو ولا عم بيقدر يمسكها .. هسة البنات الحايمات هنا ديل ما قاعدات مع اهلن ؟؟ قدروا يمنعوهن ؟؟!! ... حاول البعض من اهلهم تاليب الاب الغارق في ملذات حياته لمنع ابنته من السفر .. لكنه لم يهتم ... خصوصا عندما علم بموافقة ود العمدة ومباركته لخطوة حفيدته التي اثلجت صدره بتفوقها في الحصول على الماجستير والدكتواره في زمن قياسي جعلها حديث النشرات الطبية نسبة لتخصصها الجراحي النادر ... أحست رحمة بغصة في قلبها لابتعاد شقيقتها الوحيدة .. وكانت من اشد المعارضين لقرار سفرها .. لكن اصرار منال الشديد ... وموافقة بلقيس المترددة التي حسمتها موافقة ود العمدة وحماسه الشديد للفكرة جعلها تصبح واقع خيم بظله الحزين على كل اهل البيت .. وخلال اقل من شهر كانت منال قد انهت كل اجراءتها ... لم يثنها شئ لتاجيل مواعيد رحيلها .. حتى توسلات صديقتها الحميمة جاكلين للبقاء بضعة ايام فقط لحضور زواج جمال لم تجعلها تغير رائيها .. اعتذرت وتعللت بمطالبة الجامعة لها بالحضور في موعد محدد للحاق بالفصل الدراسي ... خلال تلك الايام اصبحت رحمة تتبع منال كظلها وهي لا تكاد تصدق بانهما سوف تفترقان .. لكن تصرفات منال كانت تصيبها بالحيرة .. فقد بدأ وكأن شقيقتها تتهرب من البقاء مع افراد اسرتها وتفضل التغيب خارج المنزل لساعات طويلة بحجة تجهيز الاوراق اللازمة للسفر .. وحتى عندما تعود من مشاويرها التي لا تنتهي كانت تتظاهر بالتعب لتبقى وحيدة في غرفتها .. وتبكي ...
كان حزن منال العميق يفزعها .. لقد اعتادتها مرحة حتى في اصعب الاوقات ... لكنها خلال الشهر الاخير تحولت الى مخلوقة اخرى .. اختفت ضحكاتها وغابت ابتسامتها .. نحل جسدها وعافت نفسها رفقة احبابها .. لقد بذلت هي وامهما المستحيل لمعرفة اسباب حالتهاالغريبة .. لم تكلا من سؤالها ... وكان جوابها مماثلاً في كل مرة .. وتذكرت رحمة آخر نقاش دار بينهما واثار مزيداً من القلق في نفسيهما ...
- يا جماعة انا كويسة ما عندي حاجة .. بس الشغل كتير وانا مضغوطة شديد .. ما تقلقوا .. ايام وبتعدي ...
- طيب يا بتي اخدي اجازة وارتاحي لغاية مواعيد سفرك ما تجي .. يعني انتي حتفضلي تساسقي كدة لغاية يوم السفر ولا شنو ؟؟!!...
- اجازة ؟؟ لا يا امي ما عاوزة اجازة .. مش بيقولوا الشغل الكتير هو احسن علاج للزول عشان ينسى همومو ؟؟ ..
- هموم ؟؟ وانتي هموم شنو العندك يا منال ؟؟ يا بتي الله يرضى عليك وريني مالك .. لو عندك مشكلة احكي لي .. مش انا طول عمري باتعامل معاك انتي واختك على اساس اننا صحبات ؟؟ وريني الحاصل عليك شنو ... احكي لي مالك ..
- قلت ليكم مافي حاجة .. ما تكبّروا المواضيع ساكت .. انا كويسة .. العندي دة شوية ارهاق .. لكن انتي عارفاني يا امي انا بحب شغلي وما بلقي نفسي الا فيهو ...
- طيب يا منال ما تفكري في العريس المتقدم ليك دة .. يا بتي الولد ممتاز .. ادي نفسك فرصة تعرفيهو وبعدين قرري ايوة ولا لا .. لكن ما منطق انك ترفضي طوالي كدة من غير حتى ما تعرفي اي حاجة عنو ..
- امي الله يخليك ما تعكننيني بسيرة العرس دي .. انا قلت ليكم من زمان ما بفكر في الموضوع دة هسة .. لمن يجي وقتو ..
- ووقتو دة حيجي متين انشاء الله ؟؟ حددي لي بعد كم شهر ولا كم سنة ؟؟ يا منال انتي كبرتي والقدرك كلهم عرسوا زمان واولادهم بقوا كبار .. وريني بس منتظرة شنو ؟؟ لو عندك زول معين في راسك كلميني بيهو .. وصدقيني مهما كان ما حنرفضو لاننا بنثق فيك وفي اختيارك ...
ردت منال بمشاغبة اعادت اليهم جزء من صورتها القديمة ...
- متاكدة يا امي ؟؟!! .. مهما كان حتوافقوا ؟؟!! اوعي بعدين تنطي من الكلام دة .. خليك شاهدة يا رحمة ..
بدت في عينيها نظرة جادة برغم صوتها المازح ... وعندما رات علامات التوجس تتقمص ملامح امها انهت النقاش بضحكة حزينة تبعتها اثناء انسحابها مخلفة ورائها عشرات الاسئلة في راس الام المتحسرة ... تذكرت رحمة اختفاء منال الغامض لعدة ساعات قبيل سفرها بيوم .. خرجت بصمت دون ان تخبر احدا عن مقصدها .. وعادت بحالة مزرية .. كانت ملابسها المجعدة الفضفاضة تنبئ عن كمية الوزن الذي فقدته خلال الفترة الماضية .. ارتمى شعرها المشعث وراء ظهرها باهمال .. بينما شعت عيناها المنتفختان بلون احمر وسط بشرة وجهها الشاحبة .. بهت الجميع لمرآها واكثرهم بلقيس التي اصابها الفزع على حال ابنتها .. فقد بدت كجثة تسير على قدمين .. وعندما حاولت ان تتبعها الى غرفتها التي دخلتها بشرود دون ان تلقي بالاً لافراد اسرتها المجتمعين بانتظارها .. ثبتها ود العمدة بحركة حازمة من عصاه ...
- خليها يا بلقيس .. منال بتمر بظرف نفسي صعب ما تضغطي عليها ... وهسة مافي أي زول يحاول يتكلم معاها .. خلوها لغاية ما تروق ..
- لكن يا ابوي ما شايف البت شكلها بقى كيف ؟؟!! هو سفرها دة في زول جابرها عليهو ؟؟!! مش براها المصرة وعاوزة تمشي ؟؟!! لو ما قادرة عليهو خلاص تخليو وتقعد تواصل تحضير هنا واهو عندها شغلها .. وتكون جنب الناس ...
- لا يا بلقيس .. منال لازم تسافر ...
اصيب الجميع بالاستغراب لرده الحاسم .. واندهشوا من حماسه واصراره على سفر حفيدته بعد توقعاتهم بان يكون اكبر رافض ومعارض للفكرة .. واصبح موقفه مبعث حيرة وتساؤل لدى افراد اسرته..
كانت رحمة تنتقل ما بين سطور الخطاب القابع في حجرها وذكرياتها التي تلغي الحاضر وتعود بها الى تلك الايام التعيسة التي اعقبت سفر منال .. لقد احست وكأن جزء من جسدها قد بتر ودخلت في كآبة عميقة جعلتها تهمل حتى زوجها وطفلها .. تحلى محمود بصبر فائق واصبح يعاملها برقة وحنان اكثر مما سبق حتى تغلبت على غياب توأم روحها وبدات تتعامل معه كامر واقع ...لكن اذداد قلقها لانقطاع اخبار منال طيلة الاربعة اشهر الاولى .. لم يصلهم منها غير مكالمة يتيمة اخبرتهم فيها بوصولها بسلام واستقرارها في الجامعة .. ثم تبعها صمت تام جعل بلقيس تكاد تموت لولا مواساة ود العمدة الذي كان يتكلم عن منال بحزن غريب ... عندما وصلتها اول رسالة بعد الانقطاع القاسي صارت ترياقاً لروحها المعذبة ...
وللفصل بقية ..................

Abubakr Ibrahim
30th January 2011, 07:05 AM
الفصل الثانى والعشرون (2)
اكملت رحمة قراءة الخطاب .. اعادت ضمه الى صدرها .. مسحت دموعها التي ترافقها في قراءة كل رسالة .. ثم اخرجت الاقلام ومجموعة الاوراق من الدرج وبدات في كتابة رد طويل يحتوي على ادق التفاصيل والاحداث التي حدثت في حياتها وحياة اهل الحوش منذ الخطاب الاخير ...
كانت استفاضتها في السرد مبعث راحة لمنال التي تربعت في منتصف السرير الضيق بغرفة استراحة الاطباء بمستشفى استوكهلم العام .. كانت تلتهم السطور بلهفة وهي تحس بالامتنان لشقيقتها التي لا تغفل شاردة ولا واردة بدون ان تذكرها لها مما جعلها تشعر بانها ما زالت هناك .. تعيش معهم وتشاركهم تفاصيل حياتهم .. خصوصا بعد الانعزال المتعمد الذي مارسته خلال الشهور الاولى لوصولها .. كانت بحاجة لان تقطع كل صلاتها بالسودان .. وكل شئ يذكرها بجمال ... دق قلبها دقات متتالية عندما مر اسمه في خيالها ... ما زالت ذكراه تحرك مشاعرها برغم مرور كل هذه السنوات على فراقهما ... جمال هو الرجل الوحيد الذي ثملت بحبه منذ سنوات مراهقتها الاولى ... الرجل الوحيد الذي استطاع ان يعزف اوتارها الصحيحة ويمتلك مفاتيح حواسها .. فهو لم يكن بالنسبة لها مجرد حبيب فقط .. كانت تحسه الاب الذى تخلى عنها .. والشقيق الذي لم تحظ به قط والصديق الذي يكمل جملتها الناقصة .. كانت تحس معه بامان لا حدود له ويمنحها وجوده سعادة مفرطة .. معه لم تكن تحتاج لكتير من الكلمات .. تكفيه نظرة ليفهم ما تريد .. لقد وصلا الى مرحلة من التفاهم النادر جعلتهما يؤمنان بان لا حياة لاحدهما دون الآخر ... لذلك كانت صدمتها عنيفة عندما طلب منها ان تلتقيه في احدى الكفتريات الهادئة التي اعتادا على الجلوس فيها .. عندما راته قادماً من بعيد بدا لها وكانه انسان آخر بملامح مختلفة .. كان قد اختفى منذ ثلاثة ايام بعد ان اخبرها في اتصال تلفوني مقتضب بانه سيبقى في المستشفى لحالة طارئة ولن يستطيع التواصل معها..
- بسم الله يا جمال .. مالك شكلك عامل كدة ؟؟ .. انت عيان ولا حصل شنو في المستشفى ؟؟!! ...
ولاول مرة في تاريخ علاقتهما بات الصمت ردا على سؤالها .. افزعتها نظراته الميتة التي تتفادى عينيها المتلهفتين لعناق عينيه ... كما افزعتها الرائحة المنبعثة من جسده والتي دلت على عدم استحمامه منذ مدة .. لقد اعتادته نظيفاً .. انيقاً .. عطر الرائحة .. مرت عليها لحظات صمته كالدهر وبدا الخوف يتفاعل ويتصاعد بداخلها كالبركان .. كان القادم اسوأ مما تستطيع تحمله ...
- منال .. انا ما كنت في المستشفى ولا عندي حالة طارئة زي ما قلت ليك ... انا اختفيت لاني ما كنت قادر اواجهك ولا عارف اقول ليك الحقيقة .. لانو الحقيقة عاملة زي قصة من القصص الرخيصة البعملوها في المسلسلات ... حاجة كدة اصعب من إنها تتصدق او الانسان يقدر يتعامل معاها ... نوع من مفاجآت الحياة القاسية الممكن نتخيل تحصل للناس التانيين لكن ما تحصل لينا ... سامحيني يا منال .. سامحيني لاني مضطرأخون عهدي القطعتو ليك وانهي أي حاجة بيناتنا لاني خلاص حاخطب واحدة قريبة طنط ايزيس الاسبوع الجاي .. والعرس حيكون بعد شهر ..
لم تستمع الى بقية كلماته بعد ان بدأ طنين حاد يدوي داخل اذنيها .. احست بكل ما حولها يدور ببطء كانه مشهد في فلم سينمائي .. وبدات الطاولات والمقاعد تلعب فوق راسها .. والجدران تقترب حتى اطبقت عليها ... قطرات ماء باردة على وجهها جعلتها تستعيد قدرتها على الادراك بما حولها كان جمال واقفاً فوق راسها وهو يمسح وجهها بمنديله المبلل محاولاً اجبارها على احتساء جرعة ماء نفضت يده بعنف وهي تتمتم ...
- انا اكيد بحلم .. مستحيل دة يكون حقيقي .. دة كابوس ...
ارتمى جمال على كرسيه بتعب وخرج صوته مصبوغاً بمرارة موجعة ..
- منال ماما بتموت .. ما باقي ليها كتير .. سرطان في المعدة في مرحلة متقدمة ما بنفع معاها أي علاج ...
شهقت منال بالم ... كانت رجاء بالنسبة لها ام اخرى احبتها كما احبت بلقيس ... لم يلتفت جمال لرد فعلها وواصل كلماته كانه يكلم نفسه ...
- ما كانت بتشتكي من أي شئ .. زي عوايدها بتتالم بصمت .. كانت مفتكرة الموضوع بسيط .. القرحة قايمة عليها عشان ما ملتزمة بالاكل ولازم تطبخ بالسمن البلدي والشطة الخضرا .. او يمكن وجع معدة من كترت الحبوب البتبلعها .. قبل تلاتة يوم لقيتها في اوضتها بتبكي .. الالم شد عليها وبقت ما قادرة تتحمل .. شلتها جريت بها المستشفى وعملت ليها كل الفحوصات والتحاليل .. الدكتور قال اننا اكتشفنا المرض بعد فوات الاوان .. وانو خلاص مافي أي علاج حينفع بعد دة الا المسكنات ... حاولت اغشها واقول ليها انو ما عندها حاجة وانها بتتدلع زي كل مرة .. لكن ما صدقتني واصرت ترجع البيت ورفضت تقعد في المستشفى ... منال .. انا الايام الفاتت كنت بموت في كل لحظة وانا حاسي بالعجز قدام المها ... لعنت شهاداتي وقرايتي الما قدرت استفيد منها عشان اخفف بيها عن اعز الناس .. وفي نفس الوقت ما قادر افضفض لزول حتى خالو وجاكلين ما قدرت اكلمهم خفت يبان عليهم وماما تحس ونفسيتها تتدهور زيادة ... اول امبارح نادتني في اوضتها كان كلامها واضح شديد .. قالت لي انها عارفة انو اجلها خلاص قرب .. وانها ما خايفة من الموت بالعكس مبسوطة لانها ماشة لبابا وجانيت ... لكن عندها طلب اخير لازم انفذو ليها عشان تمشي راضية وسعيدة .. اني اتزوج العروس الرشحتها لي طنط ايزيس .. قالت عاوزة تموت وهي مطمنة اني استقريت وعملت اسرة .. عارفة انا قعدت بعد كلامها دة ساعتين بالضبط احاول اقنعها انها تصرف نظر عن الموضوع .. اتحججت بكل الحجج الممكن تتخيليها ... في النهاية لمن حسيت انها ما مقتنعة قربت احكي ليها عننا .. انا عارف هي بتحبك قدر شنو ... بس مسكت روحي في آخر لحظة خفت كلامي يزيد مرضها ... في النهاية قالت لي يا اما اوافق على العروس او حتخاصمني لغاية آخر يوم في عمرها .. وحتموت وهي غضبانة علي .. وكمان ما حتبلع الادوية ولا حتاكل ولا تشرب ...
في الاول يا منال كنت قايلها بتهوش ساكت عشان انا اوافق .. وقلت اخليها كم يوم وانا متاكد انها حتنسى كلامها كلو ..لكن الحصل عكس توقعاتي .. اصرت على موقفها بصورة غريبة .. رفضت الاكل والشراب والحبوب المسكنة .. رفضت تتكلم معاي وبقت لمن ادخل عليها بتدور وشها الناحية التانية .. قعدت يومين من غير ما تاكل ولا تاخد علاج .. انا بقيت زي المجنون وما عارف اعمل شنو .. اتصلت بخالو وجاكلين وناديتهم يمكن يقنعوها تاكل وتبلع الادوية من غير ما اوريهم تفاصيل مرضها .. لكن عندت مع الكل ومافي أي زول قدر عليها .. بدا المها يزيد في كل لحظة عن التانية .. اتخيلي بس يا منال الحالة الانا كنت فيها .. ما كان قدامي أي خيار تاني غير اني اوافق على العروس عشان ترضى تاكل وتبلع الحبوب .. ما قدرت اقيف اتفرج عليها وانا شايف الالم بيقطعها بدون ما اعمل حاجة .. كنت مستعد اعمل أي حاجة في الدنيا عشان هي ترتاح .. دي ماما يا منال .. وانتي اكتر واحدة عارفة يعني شنو ماما بالنسبة لي ...
ارتج جسده ببكاء مكبوت .. وتمردت دموعه فسالت بغزارة ... هالها منظره .. والبؤس الذي يتقطر منه .. احست بعجزه وقلة حيلته .. لم تستطع تحمل رؤيته بهذه الحال .... فتمالكت نفسها .. وحاربت كل المشاعر التي تصطخب بداخلها ... وخرج صوتها ثابتاً بشكل ادهشها هي شخصياً ...
- بس يا جمال .. ما تنهار بالصورة دي ... انا هسة خلاص بقيت فاهمة ومقدرة ظروفك عارفة انو القرار دة انت اخدتو غصباً عنك ... دي امك الربتك وتعبت فيك لغاية ما بقيت راجل ودكتور مشهور .. ضحت بكل حاجة عشانك انت واخواتك .. ودة الوقت المفروض تردوا ليها جزء من العملتو ليكم ... حتى انا ما برضى أي حاجة تحصل لخالتي رجاء بسببنا .. ولا بقدر اتحمل وزر الشئ دة .. ربنا اراد كدة حنعمل شنو ؟؟ دة قدرنا .. وما قدامنا غير اننا نقبلو..
كان لسانها يردد الكلمات الجوفاء بآلية بينما دواخلها تغلي بالرفض والاحتجاج الذي لم تجرؤ على اعلانه .. بدت ملامحها هادئة ولم يظهر فيها السواد الذي احتل روحها وصبغ عالمها بلونه الكئيب .. كان عزاؤها انه يتخلى عنها لاجل سبب نبيل .. لم يكن ما يفعله مجرد عذر للتملص من علاقتهما .. كانت واثقة من حبه لها ورغبته فيها .. لقد اثبت لها اخلاصه وصدق مشاعره بكل طريقة ممكنة طيلة السنوات الماضية .. ادركت صعوبة ما يحدث عليه .. لانها احست بكل ما يدور في اعماقه .. فقد كان يدور في اعماقها بنفس العنف والقسوة .. لكنها اختارت ان تتماسك ... كان على احدهما ان يفعل ...
- منال انا ما عارف كيف هعيش من غيرك !! كيف واحدة تانية تبقى مرتي ؟؟!! ... حديها شنو ؟؟!! ما عندي شئ اديهو لاي انسانة تانية غيرك .. لاني اديتك كل احساس جواي من يوم ما عرفتك .. انا اتعلمت الحب على ايديك .. عرفت يعني شنو رغبة لمن بكون جنبك ... شفت الدنيا بعيونك .. حسيتها باحساسك .. كنت حريص على مستقبلي عشانك وعشان اولادنا الجايين .. كنت بنوم عشان احلم بيك .. واصحى عشان اشوفك والاقيك ... بقيت آكل الاكل البتحبيهو .. بامشي الحتت البتفضليها .. بالبس الهدوم البتعجبك .. باتعطر بالريحة البتختاريها لي .. كل ما ارفع يدي واعاين للساعة بتذكر انها هديتك لي يوم التخرج .. دة انا حتى اضافريني باقصها بالطريقة الانتي بتحبيها .. يلا وريني مفروض اعمل شنو عشان انسى دة كلو ؟؟!! .. وريني الطريقة البتخليني اعيش من غير ما اشوفك في كل زاوية من افكاري .. وريني كيف اقبل الواقع الاتفرض علي دة من غير ما اجن ؟؟!! ...
عندما خرجت منال من الكافتريا كانت قد تحولت الى شخص آخر .. انطفأت كل الاشياء بداخلها .. لم يتبق من مشاعرها سوى رماد باهت .. ظلت تدور في الشوارع على غير هدى دون ان تحس بحركة البشر حولها .. لم تنم ليلتها .. ولا عدة ليال اخرى بعدها .. فقدت الاحساس بكل شئ حولها وفقدت الرغبة في كل شئ .. عافت نفسها الاكل والكلام حتى عملها .. اعتكفت في غرفتها وادّعت المرض حتى تبرر حالتها الغريبة ..
وفي اليوم الذي حضرت فيه جاكلين بانفاس لاهثة كي تدعوهم لحفل خطبة جمال .. زارها جدها في غرفتها لاول مرة .. جلس في طرف السرير المقابل لها .. ثبت راسه على كفتي يديه المتكئتين على عصاه .. تفحصتها نظراته بالم .. وادراك ...
- منال .. انتي مش كنتي مرة لمحتي لي انو الجامعة عرضت عليك منحة تحضير في السويد وانا رفضت ؟؟
رفعت راسها بدهشة ونظرت الى العجوز الهادئ ... احست بنظراته تغوص عميقاً داخل روحها وتفضح اسرارها .. لم تتكلم .. نزلت ببطء من سريرها .. جلست ارضاً تحت قدميه ووضعت راسها على حجره وبكت .. لم يقاطع نحيبها الذي طال .. وظلت يداه تربتان على راسها وكتفيها بحنان وتفهم حتى توقفت اهتزازات جسدها وهدأت انفاسها ...
- انا موافق تسافري يا منال .. ومتاكد انو السفر حيفيدك في حاجات كتيرة .. عاوزك من بكرة تمشي الجامعة وتبدي تجهزي اوراقك .. عندك مبلغ مفتوح .. أي حاجة عاوزاها اعمليها .. ولغاية نهاية الشهر عاوزك تكوني خلصتي كل شئ وسافرتي ...
قفز قلبها قفزات متتالية وتحاومت الشكوك حول راسها .. هل يعرف جدها شيئاً عن علاقتها بجمال ؟؟!! لماذا زارها اليوم تحديداً ؟؟ ولماذا يصر على سفرها قبل زواج جمال الذي حدد له بداية الشهر الجديد ؟؟ لم تجرؤ على سؤاله .. واكتفت بالضؤ الاخضر الذي فتحه لها لتهرب من مكان لم يعد يسعها .. واصبحت فكرة السفر هي ما يربطها بالحياة .. ركزت كل تفكيرها في انهاء اجراءتها والمغادرة قبل اليوم الذي سيصبح فيه جمال رسميا ملكا لامراة اخرى غيرها .. لم تكن ستحتمل رؤيته مع اخرى .. وساعدتها اعضائها عندما اصيبت فعلياً بالمرض يوم حفل خطبته وارتفعت حرارتها الى درجة مخيفة وكادت تستفرغ احشائها عندما انتهت سوائل جسدها في سيل لا ينقطع من القئ .. اصر جدها على ذهاب الجميع الى الكنيسة لمجاملة رجاء .. وبقى هو معها يحيطها برعايته بصمت يحمل الكثير من الاسرار .. كانت ممتنة له الى ابعد الحدود واذدادت له احتراماً وحباً خصوصاً بعد ان تحول شكها في علمه بمشاعرها تجاه جمال الى يقين دون ان يطالبها باي شرح او تفسير ...
وللفصل بقية ..............................

Abubakr Ibrahim
31st January 2011, 06:54 AM
الفصل الثانى والعشرون (3)
كانت قد حرصت على تجنب حدوث أي مصادفة تجمعها بجمال بعد اعلان خطبته .. لم تكن تثق برد فعل حواسها ان راته امامها .. وبرغم ذلك ظلت اخباره تصلها من تعليقات اهل الحوش المتناثرة ..
- انتو يا جماعة ما ملاحظين جمال ولد خالتي رجاء دة اتغير كيف ؟؟!! بقى ضعيف زي القشة ومبهدل وما مهتمي بروحو زي زمان ...
- آي والله كلامك صح .. وكمان بقى دمو تقيل لا بضحك ولا بتونس وطوااالي صاري وشو زي الكانو شايل هموم الدنيا فوق راسو ...
- دة كلو كوم ويوم خطوبتو كوم براهو ... الناس كلها علقت على شكلو .. الولد تقول ماشي في جنازة ؟؟ حزين وواقف بعيد من العروس زي الما عاوزها ...
- يختي موضوع العرس دة فيهو إنّة .. لانو واحد من العيال قال لي كانوا بيفتشوا على الحمام .. قاموا مشوا ورا الكنيسة .. شافوهوا واقف هناك براهو ببكي زي الشفع الصغار .. يا ربي هو ما عاوز العروس دي ومجبور عليها ولا شنو ؟؟!! ...
كانت هذه التعليقات تزيدها اصراراً على تجنبه .. فرؤيتها له بهذه الحالة قد تهدم كل الحواجز التي استماتت في بنائها داخل قلبها وعقلها طيلة الفترة الماضية ...لذلك ظلت يومياَ تراقب منزلهم بحرص تحيناً لفرصة اختفاء سيارته من امام الباب حتى تستطيع توديع رجاء قبل رحيلها الذي آن اوانه .. حصلت على مبتغاها قبل سفرها بيومين فسارعت الى منزلهم باستعجال مخافة رجوعه قبل انصرافها ...التمست له كل الاعذار عندما رات رجاء التي اصبحت شبحا هزيلاً وبالكاد استطاعت رفع يدها لترد تحية منال التي احتضنتها بشدة واغروقت عيناها بالدموع وهي تستمع الى صوتها الواهن ..
- معقولة يا منال ؟؟!! .. صحي الكلام السمعتو دة ؟؟ حتخلي البلد وتمشي ؟؟!! هان عليك يا بت تخلينا وتخلي امك واختك وكل حبايبك وتمشي آخر الدنيا ؟؟!! ليه يعني ؟؟ هنا مافي تحضير ؟؟!! وكمان ما عاوزة تأجلي سفرك اسبوع بس عشان تحضري عرس جمال ؟؟ الخطوبة كنتي عيانة ما زعلت منك لمن ما جيتي .... لكن هسة بالجد زعلانة منك ..
- عليك الله ما تزعلي مني يا خالتي رجاء .. انتي عارفاني ما بتحمل زعلك .. لكن اعمل شنو الظروف جات كدة .. لازم اكون هناك في تاريخ محدد وما بقدر اتاخر عليهم ولا يوم واحد .. انتي عارفة الخواجات ديل دقيقين شديد في مسالة المواعيد .. جمال ربنا يوفقو ويسعدو ويديك انتي الصحة والعافية عشان تشيلي اولادو وتفرحي بيهم ..
- أولادو ؟؟ يا بتي مين يعيش ؟؟ .. انا بس الله يديني عمر احضر عرسو واطمن عليهو قبل ما امشي .. صدقيني يا منال انا عارفة اني جبرتو على العروسة دي وهو ما عاوزها .. لكن بكرة حيفهم انا عملت كدة ليه وحيسامحني .. هسة خلينا من الكلام دة كلو .. ما تغيري رايك يا بت وتقعدي تحضري العرس وتبقي شبينة مع جاكلين ... وحياتي يا منال لو بتعزيني اجلي سفرك اسبوع ...
كانت كلمات رجاء تنغرز في روحها كسكين من نار تشعل وجعها وتحيل دواخلها الى غابة من اللهب ... تملصت من الالحاح بلباقة .. وكانت لحظات الوداع مؤلمة .. ارتفع صوت نحيب منال ورجاء حتى طغى على صراخ جانيت الصغيرة الخائفة من جو الحزن الثقيل المسيطر على الجميع .. جرّت منال قدميها بتعب الى الخارج .. وعندما وصلت الى منتصف المسافة بين المنزل والباب الخارجي احست بوجود جمال قبل ان تراه .. اصيبت بالذعر وبدات تتلفت بحثا عن مكان تختبئ فيه .. عندما فتح جمال الباب وجدها مسمرة في مكانها وراسها يدور بيأس فتسمر هو الآخر .. لم تدر منال لكم من الوقت ظلا واقفين هل هي ثوان .. ام دقائق .. او ربما ساعات .. كان الصمت بينهما مشحوناً بالآف الكلمات .. وتحررا اخيرا من اسره على صوت فرامل سيارة مسرعة في الشارع ... تقدم جمال نحوها ببطء ماداً يده .. التقطتها بلهفة وهي تحاول ان تسيطر على رعشتها .. وخرج صوتها همساً ..
- اهلاً يا جمال .. معليش ما قدرت اجي خطوبتك .. مبرو....
- لا يا منال .. اوعي تقوليها .. اوعي تباركي لي .. انتي بالذات ما حستحمل اسمعها منك ... وبعدين في زول بيباركو ليهو حكم اعدامو ؟؟ عاوز اسالك سؤال وجاوبيني عليهو بصراحة .. ليه بتتجنبيني يا منال ؟؟ ليه قسيتي علي كدة وحرمتيني من شوفتك ؟؟!! حتى الحقنة الكنتي بتديها لماما وانا كنت مأمل انها تبقى سبب عشان ما تغيبي عني اعتذرتي عنها !! .. انا يوميا بفتش عليك .. في الشارع .. في الكلية .. حتى المستشفى مشيت سالت عنك وعرفت انك قبلتي المنحة بتاعت السويد ومسافرة قريب .. كنتي حتسافري من غير ما تكلميني ؟؟!! من غير ما تودعيني ؟؟!! .. معقولة يا منال ؟؟ قلبك قسى للدرجة دي ؟؟!! ..
- حرام عليك يا جمال .. كفاية اسكت.. انت ما عارف كلامك دة بيعمل فيني شنو .. ما عارف انا عملت شنو عشان امنع نفسك من شوفتك وملاقاتك .. كنت متخيلة انك حتفهم اني عملت كدة عشانا احنا الاتنين .. كان لازم ابعد عنك باي طريقة .. ملاقاتنا لبعض ما كان حيكون عندها معنى غير العذاب لينا الاتنين .. عذاب ما حنقدر نتحملو .. واهو كل واحد فينا بدا مرحلة جديدة من حياتو ولازم يمشي فيها .. انا بصراحة ما كنت ناوية اودعك .. لكن طالما لاقيتك حقول ليك مع السلامة لاني مسافرة بعد بكرة ...
- بعد بكرة ؟؟!! بعد بكرة يا منال وما كنتي عاوزة تودعيني .. ما كنت هتخليني اشوفك قبل ما تختفي من حياتي لفترة ما يعلم بيها الا ربنا ؟؟ يا الله يا منال .. دة كتير .. كتير علي شديد .. شوفي لازم الاقيك بكرة .. ما تهزي راسك ولا تقولي لا .. دة حقي عندك .. حق العشرين سنة البنحب فيهم بعض .. حق الذكريات الفاتت .. وحق العمر الجاي بدونك .. لازم يا منال .. اديني ساعة واحدة بس .. ساعة تبقى لي ذكرى اعيش عليها ارجوك ما ترفضي ...
عندما اندست داخل سيارته في اليوم التالي كانت موقنة بان موافقتها على لقائه غلطة ستندم عليها فيما بعد .. ظلت صامتة طيلة الطريق ولم تساله حتى الى اين يأخذها .. اندهشت عندما توقف امام بناية ما زالت قيد الانشاء في احدى الضواحي الجديدة الهادئة .. نزلت بتردد سرعان ما اختفى عندما رات نظرة لوم جريح في عيني جمال .. مد لها يده وهو يقودها بحرص بين بقايا الخشب والطوب والاسمنت .. خرجت همسة احتجاج من بين شفتيها عندما اخرج من جيب قميصه مفتاح صغير ادخله في باب الشقة الارضية ...
- جمال ؟؟!! ...
- منال .. انتي لسة بتثقي فيني ؟؟!! .. عارفة يعني شنو منال بالنسبة لجمال ؟؟!!
- ايوة ..
- طيب ادخلي ..
وجدت امامها صالة فسيحة بنوافذ زجاجية عريضة وطليت جدرانها باللون الزهري الفاتح .. لونها المفضل .. كانت خالية من الاثاث الا كنبة طويلة امامها جهاز تلفزيون صغير .. تجولت نظراتها بتساؤل بين وجه جمال والمكان ...
- دي شقتك يا منال .. كانت حتكون هديتي ليك يوم عرسنا .. كنت عاملها ليك مفاجأة .. اول ما وضعي المادي بدأ يتحسن فكرت اجيب ليك هدية تفضل ليك العمر كلو .. قريبي مقاول عرضها علي واشتريتها منو بالتقسيط .. وسجلتها باسمك .. وحتفضل حقتك برغم الحصل .. على الاقل حتكون الحاجة الوحيدة القدرت اديها ليك فعلاً .. ضربت الحيط بالوانك المفضلة .... كنت بجي هنا يوميا تقريباً عشان اشرف على الشغل والتشطيب .. وكنت بفكر حتى لمن نطلع برة نأجرها وتبقى لينا استثمار كويس جوة السودان .. هسة ما عارف اعمل فيها شنو .. انتي قرري دي شقتك ملكك .. شوفي عاوزاني اعمل فيها شنو لغاية ما ترجعي وتستلميها .

وبكره الجزء الرابع من الفصل (الحلقة الأخيرة )

Abubakr Ibrahim
1st February 2011, 06:33 AM
الفصل الثانى والعشرون (4)
انفجرت منال في عاصفة بكاء هستيري اخافت جمال ... هرع اليها واحتضنها بقوة محاولاً ان يسيطر على ارتعاشات جسدها النحيل .. قاد خطواتها العمياء بحرص حتى اوصلها الى الكنبة فجلس واجلسها في حجره ودفنت راسها في صدره .. تسللت يده وانتزعت ربطة شعرها لتحرره شلالاً يتصادم وراء ظهرها ... كان يهمس في اذنها بكل عبارات الحب التي تعلمها لاجلها ... وعندما هدات قليلاً استلقى على ظهره وهي ما زالت سجينة ذراعيه واستقر جسدها اعلى جسده حتى لم تعد هناك أي مسافة تفصل بينهما .. تمسك بها بشدة .. وتعلقت به بيأس .. كانت يداه تجوب ظهرها المتشنج ثم ترتفع لتغوص عميقاً في خصلات شعرها المبعثر حتى هدأت تماماً واصبح نحيبها انات متقطعة .. ظلا على هذا الوضع لفترة طويلة لم يحاول فيها ان يحصل على اكثر مما هو بين يديه .. كانا صامتين كان لم يعد هناك ما يقال .. لحظتها تمنت منال لو بقيت على هذا الوضع حتى نهاية عمرها .. تمنت لو يتوقف الزمن .. تمنت لو تموت وهي بين ذراعيه ..
عندما انتبها لمرور الوقت .. كانت قد مضت ساعات على حضورهما .. انزعجت منال وهبت من رقدتها الآمنة لتحس فوراً بالفراغ والوحشة ... وبرد يخترق عظامها .. دمعت عيناها مرة اخرى عندما ادركت بانه هذا سيكون مصيرها حتى آخر العمر .. ترافقا بصمت حتى الباب ... وقبل ان يدير جمال المفتاح التفت اليها وفاجأها بقبلة جائعة .. حاولت التملص منه في البداية .. ثم استسلمت لطوفان مشاعرها وبادلته قبلته باخرى اعمق منها .. احست بانها تمتص جزء من روحه لتحجزه داخلها .. وتمنحه جزء منها ليبقى داخله .. عندما انفصلا كانت الدموع تملا وجهيهما .. لازمهما الصمت حتى نزلت منال من السيارة في مكان بعيد من منزلهم .. اغلقت الباب خلفها وركضت بعيداً دون ان تلقي نظرة اخرى عليه .. ودون ان تهتم لمنظر شعرها المشعث وملابسها المجعدة وعينيها الحمراوتين ...
عندما وصلت منال الى منفاها الاختياري .. دفنت همومها في رفوف المكتبات وبين صفحات الكتب .. رفضت ببرود أي علاقة اجتماعية عرضت عليها .. واصبحت مشهورة بوحدتها .. وتفوقها .. انجزت الماجستير في اقل من الوقت المحدد لها بكثير .. وتبعته بالدكتوراه .. اصبحت شبه مقيمة في المستشفى ولا تعود الى شقتها الصغير الانيقة الا نادراً ... كانت اخبار جمال تاتيها من ضمن التفاصيل الاخرى في خطابات رحمة .. ما زال نجمه يصعد في مجال تخصصه واصبح مرجعا يستعان به في الحالات الصعبة برغم صغر سنه وحداثة خبرته .. اصر على الاقامة بمنزلهم ورفض ان ينتقل بعد وفاة والدته التي رحلت عقب زواجه بشهرين ... انجبت له زوجته ابنتين .. رجاء ومنال ... احست بسعادة خفية لعلمها بانه منح اسمها لاحدى ابنتيه .. كانت تشعر بالفخر كلما سمعت اخبار نجاحه من جاكلين التي ظل تواصلها معها مستمراً وحميماً .. وصريحاً .... لدرجة انها كتبت ليها في احد خطاباتها التي كانت تنافس فيها رحمة في ذكر التفاصيل ..
" عارفة يا منال الدنيا دي ما فيها عدل .. لو فيها عدل بالجد ما كانت جانيت اتقتلت بالطريقة البشعة دي .. ولا كانت اعز صاحبة لي في الدنيا سافرت وخلتني براي .. ولا جمال فقدك لاسباب انتو الاتنين ما ليكم يد فيها .. عارفاك حتستغربي لكلامي دة .. لانو دي اول مرة اوريك اني عارفة الشئ الكان بينكم .. انا عارفة من زمان .... بديت اشك انو في شئ بينكم ايام عرس رحمة .. وكنت بدعي ربنا ليل نهار انو شكوكي تطلع غلط عشان عارفة استحالة أي ارتباط .. مش عشان اختلاف الدين وبس .. عشان حاجات كتيرة تانية .. لكن كل ما يمر يوم كنت بتأكد من شكوكي .. حبكم لبعض كان واضح زي الشمس .. انا مستغربة كيف الكل ما حس بيكم ؟؟ يمكن عشان مستبعدين الشئ دة ؟؟!! او يمكن انا حسيت لاني قريبة منكم انتو الاتنين ؟؟!! .. انتو كنتو شاطرين وعرفتو تدسوا مشاعركم ورا ستاير الجيرة والصداقة وزمالة الجامعة .. لكن انا كنت بلاحظ اخوي لمن يشوفك بيحصل ليهو شنو .. كنت براقبو اول ما انتي تجي داخلة .. بيتحول لكتلة سعادة ماشة على رجلين .... ولمن تمشي ببقى زي البالونة النفستي منها الهوا ... ما كان شايف بت غيرك .. ولا قادر يحس باي واحدة تانية مهما كانت جميلة .. ياما بنات من جماعتنا رموا نفسهم عليهو .. ياما امهات لمحوا ليهو بالكلام عشان يجي ياخد بناتهم .. وهو في عالم تاني .. في عالمك انتي يا منال .. صدقيني اشقفت عليكم من مشاعركم دي .. وكل ما اجي اسالك اخاف واتراجع عشان ما تقولي ايوة .. لكن الحصل ليك انتي وجمال لمن ماما اجبرتو على موضوع الخطوبة قطع كل الشكوك جواي .. خلاني اتاكد .. خلاني احزن شديد من النتايج .. انتي خليتي البلد وهربتي .. وجمال عايش حياة زوجية تعيسة مع انسانة ما بربطو بيها غير الواجب والعيال .. طول الوقت دافن نفسو في شغلو ما بين العيادة والمستشفى .. وطول الوقت بيسالني منك ومن اخبارك .. اما مرتو المسكينة بتشتكي بانها ما لاقيهو .. لا بقعد معاها ولا بتكلم معاها الا في طلبات البيت والعيال وبتشتكي كمان انو بيفرق في المعاملة بين البنات .. بيعامل منال بطريقة مميزة شديد .. والفترة القصيرة البيكون قاعدها في البيت بيكون شايلها في حضنو .. وحتى لمن يجي ينوم بيختها بينهم في السرير " ...
علمها بتعاسة جمال عمق جراحها وزادها تصميماً على البقاء بعيداً عن وطنها حتى اثناء الاجازات الشحيحة التي كانت ترفضها وتفضل عليها التطوع والبقاء في المستشفى .. كانت اجراءات حصولها على الجواز السويدي تسير بخطى حثيثة .. وسوف ترسل لامها وشقيقتها واطفالها دعوة لزيارتها ما ان تتمكن من ذلك ..
- دكتور عبد العظيم .. مطلوبة في غرفة الجراحة رقم (7) .. دكتور عبد العظيم
ابتسمت منال وهي تستمع الى اسمها ينطق بطريقة غريبة من خلال الميكرفون الداخلي .. طوت الرسالة بحرص ووضعتها في جيب البنطلون الاخضر الباهت .. شدت القميص واعادت لف السماعة الطبية حول عنقها .. رسمت على وجهها ابتسامة مهنية محترفة تبعث على الاطمئنان وهي تغادر الغرفة وعبارات جدها التي اعطاها لها زاداً قبيل مغادرتها ترن في اذنيها ..
- يا منال يا بتي الحياة دي غريبة .. بتحب تعاند معانا .. بتديك الشئ الما عاوزو .. وبتشيل منك اكتر شئ انت بتتمنى تاخدو ... احياناً بعد زمن بتحن علينا وبتدينا .. واحياناً ما بتدينا خالص.. عشان تقدري تعيشي .. اتعلمي تشيلي البتديك ليهو وانتي شاكرة .. واوعك تحاولي تقالعيها في البتشيلو منك .. لانك لو قالعتيها حتعاند معاك زيادة .. وحتدخلي في دوامة ما بنتهي من الحزن والتعاسة ... اسأليني انا يا منال .. واسمعي نصيحتي .. اقبلي العندك .. واحمدي ربك عليهو ..
اصبحت تستحضر نصيحة جدها الثمينة كلما ضاقت بها نفسها .. لم تعد تطلب اكثر مما لديها .. لقد اخذت ما اعطته لها الحياة وفي اعماقها امل ضعيف بانه يوم ما .. ربما تقرر ان تمنحها السعادة التي حرمتها منها ... ربما تقرر ان تصبح عادلة معها ...
"تمت بحمد الله"

Abubakr Ibrahim
2nd February 2011, 07:24 AM
إعتباراً من يوم السبت القادم

رواية سناء جعفر

" إغتيال فضيلة "

Abubakr Ibrahim
5th February 2011, 07:04 AM
إغتيال فضيلة
الكاتبة : سناء جععر

الفصل الاول
بدات تباشير الفجر تظهر في هذا اليوم الصيفي الحار .. عقارب الساعة تقترب من الرابعة والنصف صباحاً .. الهدوء يلف القرية الوادعة المستكينة على ضفاف النيل الا من اصوات مختلطة يتردد صداها من بعيد فتميز منها صياح ديك عجول او ازيز حشرات بدات نشاطها في الحقول المتناثرة على اطراف القرية ... صوت تكسر المياه الكسول على الضفة يتناغم بصورة مبهمة مع رائحة الطين ويخلق عطراً مميزاً للمكان ... تعالى صوت الآذان من المسجد الوحيد بالقرية مبدداً الصمت وناشراً الطمانينة .. بدات الاضواء تلمع في اماكن متفرقة من البيوت المتناثرة هنا وهناك وفي الدروب الضيقة بدات خطوات مسرعة تتسابق وتحايا متبادلة بين المتجهين الى المسجد ...نفس الوجوه المالوفة التي تترافق يومياً بكل ود وسماحة نفس .. في منزل الاستاذ محمد زين كانت الاسرة كلها مستيقظة الا الصغير احمد الذي قاوم كل محاولات شقيقته صفاء لايقاظه من نومه العميق .. الانوار مضاءة اكثر من المعتاد .. ونشاط محموم يعم المنزل الصغير ...
" يا ست البنات ناوليني الجلابية سريع عشان ما اتاخر على الصلاة "
بصوته الجهوري العميق نادى محمد زين على زوجته التي اتت مسرعة وهي تحمل الجلابية البيضاء بحرص بعد ان رشتها بعطر المسك ...
" معليش يا محمد بس كنت بافتش في فتيل المسك الولد احمد دة معذبني فيه عذاب شديد خلاص ... وكل ما ادسه منه يفتشه ويشيله الا صحيته عشان اساله "
نظر محمد زين الى زوجته باعزاز كبير وحبس انفاسه وهو يتطلع الى مفاتنها التي ما زالت تثير احساسه برغم مرور خمسة وعشرين عاماً على زواجهما وانجاب اربعة اطفال .. في كل مرة كأنه يراها لاول مرة .. امراة فاتنة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ... جمالها الموروث من اصول اجداها الاتراك كان واضحا في العيون الواسعة بلون العسل الصافي والانف الحاد والبشرة المخملية وشلالات الشعر البني الداكن التي تتدلى من راسها حتى خصرها .. كانت تملك قواماً بديعاً قاوم علامات الزمن وظل كما هو منذ ان تزوجها ... فقال لها بحنو الاب المشفق على صغيره
" ليه صحيتيه يا ست البنات ما كان ضروري المسك " ..
لحظتها اطلت ابنته فضيلة من الباب وهي تحمل العصا والطاقية
" لا يا ابوي خلي يصحوه عشان تاني ما يدس الفتيل "
كانت فضيلة نسخة مصغرة من والدتها وتميزت عنها بالطول الفارع الذي ورثته عن ابيها .. كانت تسير برشاقة وخفة الغزال تملك وجهاً على شكل القلب بحاجبين مقوسين وعيون لوزية شهلاء يتضارب لونها البني الفاتح مع الخط الاسود الذي يحدد انسان العين ليعطي عمقاً تتوه فيه النظرات .. هذا البحر العميق احيط برموش كثيفة طويلة ومتراصة بنظام بديع .. اسفل العينين انتصب انفها بكبرياء شامخ ثم تلاه فم مغري ممتلئ ينفرج عن اسنان منظومة كحبات اللولؤ... من خلال قميص نومها الطفولي الفضفاض بدت تفاصيل انوثة متمردة اعلن عنها صدر نافر وحشا ضامر ... خصر منحوت وارداف ممتلئة باستدارة جميلة بينما اظهر قميصها القصير جمال ساقيها الطويلتين بامتلاء ونعومة...كان شعرها الطويل الاسود يتماوج بدلال وراء ظهرها وهي تتجه الى ابيها وتلبسه الطاقية وتضع في يده العصا ..
“ ابوي عليك الله ما تنسى تدعي لي الليلة اكتر من كل يوم .. انت عارف وراي سفر ودنيا جديدة ومحتاجة لدعاك " ..
نظر الاستاذ محمد زين الى ابنته بفخر واشفاق وغامت عيناه من الحنو والحزن فاليوم ولاول مرة خلال سنوات عمرها البالغة ثمانية عشر عاماً سوف تغادر فضيلة المنزل وتسافر الى العاصمة لدخول الجامعة .. فابنته الجميلة سوف تلتحق بكلية القانون حسب رغبتها وامنيتها .. انها اول فرد من اسرته الصغيرة يلتحق بالجامعة .. وتذكّر بحسرة ابنه البكر عبد الرحمن الذي فضل العمل على الدراسة ليعينه على تحمل اعباء الحياة وتربية اخوته الصغار فقرر ان يجرب حظه في الاغتراب بعد حصوله على الشهادة الثانوية .. وبمعونة عمه المقيم في السعودية منذ فترة طويلة حصل على عمل براتب جيد كمدير اعمال احدى الاميرات التي وثقت في حسن اخلاقه فكانت تاخذه معها في حلها وترحالها عبر العالم مما حرمه من الحصول على اجازة والعودة الى السودان لمدة ثلاث سنوات متواصلة ..اعادته الى الواقع هزة ناعمة من يد زوجته
" يلا يا محمد حتتاخر على الصلاة " فنظر الى ابنته بعيون مليئة بدموع حبيسة امسكها حياء
" إن شاء الله حادعي ليك يا فضيلة الليلة اكتر من اي يوم تاني .. يلا انتي بعد ما تصلي اجهزي عشان ميعاد القطر ورسلي احمد يشوف اماني جهزت ولا لسة.. وانت يا ست البنات حضري ليهم الزوادة للطريق انا جبت البيض والطحنية والمربة "
تنهدت ست البنات شفقة على زوجها الحبيب " طيب يا محمد انت امشي لانو اقامة الصلاة بدت"
وخرج محمد زين مسرعاً تلاحقه نظرات ست البنات الملهوفة .. لقد احبت هذا الرجل منذ اول لقاء لاعينهما .. كان استاذ الرياضيات الجديد المنقول الى مدرستهم حيث تعمل هي مدرسة لغة عربية .. بدا شاباً خجولاً وسيماً ... اكثر ما لفت انتباهها اليه كان تفاديه النظر اليها .. وتعامله معها كبقية زميلاتها دون ان ينبهر بجمالها الذي يدير الرؤس ويجعل معظم الرجال يتصرفون بطريقة غريبة في حضورها .. تصارعت المدرسات العازبات للفوز بهذا القادم من العاصمة .. اما هي فقد كانت موقنة بانه لها دون غيرها .. وخلال سنة كانت زوجته وام طفله عبد الرحمن ... سالته بعد فترة من زواجهما لماذا كان يتفادى النظر اليها ؟ ... فاجابها ان جمالها اذهله.. وحبها شغفه من اول نظرة فتفادى النظر اليها حتى لا تفضحه عيناه ...
أتاها صوت احمد آخر العنقود في اسرتها وهو يصيح محتجاً " يا امي شوفي فضيلة دي عاوزاني امشي لاماني هسة .. أنا باخاف الحوش مضلم "
ردت ست البنات بحنان دافق " معليش يا احمد اجري بالنفاج سريع وتعال انا باقيف ليك في باب الحوش انت مش عارف فضيلة مسافرة الليلة ؟ .. اسمع كلامها وما تتعبها زي كل يوم "
" طيب بس انا جعان وعاوز آكل "
من الغرفة الاخرى اتى صوت صفاء الابنة المشاكسة التي يحلو لها مناكفة اخيها الاصغر طوال الوقت " بسم الله الرحمن الرحيم في زول من الفجر يقول جعان ؟ انت يا ولد بطنك دي فيها شنو ؟ "
وبدا احمد ردا سريعا ولكن ست البنات انتهرته بقسوة مفتعلة " بس يا عيال خلاص عاوزين تبدوا النقة من هسة " انتي يا صفاء ما ليك دعوة باخوك .. وانت يا احمد امشي شوف اماني سريع "
ونادت فضيلة شقيقها الصغير الذي تحس بالامومة تجاهه بصوتها الحنون
" حمودي لو مشيت شفت اماني حتجي تلقاني عملت ليك البسكويت باللبن البتحبه "
تهللت اسارير احمد بفرح طفولي وقفز مسرعاً الى الخارج وهو يتمتم " يا سلام عليك يا فضيلة انا ما عارف انتي عاوزة تسافري ليه ؟ مش كنتي تقعدي هنا وتخلي صفاء الفقر دي تمشي بدلك ؟" وركض بسرعة قبل ان يتسنى لصفاء الرد عليه ... التفتت ست البنات لابنتيها " يلا يا بنـات الصـلاة .. اتوضوا سريع وتعالوا نصلي قبل ما ابوكم يجي”
ومضى الوقت مسرعاً بعد حضور الاستاذ محمد زين من المسجد وتعالى صوت اماني الحاد من الحوش " أنا جيت يا خالتي ست البنات عاوزة شاي باللقيمات "
نشات اماني في بيت الاستاذ منذ نعومة اظفارها .. كانت كابنة ثالثة لهم ترافقت مع فضيلة منذ الروضة دخلا نفس المدارس وجلسا في نفس الكنبة توطدت العلاقة منذ ان انتقل اهلها للسكني في البيت الملاصق لبيت الاستاذ وبحكم تشابه السن تصادقتا منذ اول يوم ولم تكونا تفترقان الا وقت النوم وعندما بلغت الفتاتان مبلغ النساء قرر الاهل فتح نفاج بين البيتين تفاديا لخروج البنات الى الشارع .. فصارت اماني تقضي جل وقتها مع فضيلة ... اضافة لتعلقها المفرط بفضيلة .. كانت اماني تحمل سراً دفيناً في صدرها .. فقد تعلق قلبها بعبد الرحمن منذ ان عرفت معنى الاحساس وكتمت سرها خوفا وخجلا حتى عن صديقتها الحميمة .. لكن قرار سفر عبد الرحمن كشف سترها .. وفضحتها دموعها وحزنها ولوعتها على الفراق الوشيك .. وعرف الجميع ما تكنه اماني من حب وكانت مباركة صامتة من طرفي الاهل حتى يتمكن عبد الرحمن من جمع ما يؤهله للزواج ...
وبرغم الصداقة المتينة التي ربطت بين الفتاتين .. الا ان اماني لم تكن تملك دفع الغيرة التي تشعر بها احيانا من جمال فضيلة الفتان .. خصوصاً عندما تتم المقارنة بينهما من قبل الاخرين .. فقد كانت تبدو كالظل الباهت الذي يسير وراء الاصل ويكون دوماً متاخراً عنه بخطوات ...
بصورة عامة كانت اماني حلوة التقاطيع مقبولة الشكل ... خفيفة الروح .. قوامها جميل لكنه يفتقد تلك الهالة الانثوية الطاغية التي تميز فضيلة عن غيرها من البنات .. لم تكن من المتفوقات شانها شان صديقتها لكنها كانت تجتهد وتثابر حتى تستطيع مجاراة فضيلة التي لم تبخل عليها بوقتها او مجهودها وكانت تجلس معها بالساعات الطوال لتشرح لها معضلات الرياضيات او قواعد النحو والبلاغة .. وعند اعلان نتيجة الشهادة الثانوية تجلت جهود فضيلة في مجموع اماني الذي اهلها لدخول نفس كلية صديقتها في الجامعة العريقة بالعاصمة ..
احضرت ست البنات الشاي باللبن وصحون اللقيمات الحار وجلس الجميع يتسامرون لحين موعد القطار .. بعدها استقل الجميع السيارة البوكس الخاصة بالاستاذ محمد زين وتوجهوا الى المحطة ..
ساد الصمت وارتفع فقط صوت القرآن الصادر من مذياع السيارة .. سالت دموع ست البنات غزيرة وهي تتامل ابنتها المغادرة الى مكان لا تامنه وعالم لا تعرفه ... فبادلتها فضيلة النظرات وبدات بالبكاء ... وانتقلت العدوى الى الجميع ... وفي لحظات تعالت اصوات البكاء حتى نهرهم الاستاذ من مقعده وهو بالكاد يحبس دموعه ...لفت الموكب الحزين انظار رواد المحطة في هذا الوقت المبكر .. ولكن اكثر النظرات توجهت نحو ست البنات ومن ثم نحو فضيلة بجمالها المثير الذي زادته دموعها فتنة .. وتبعت اماني النظرات بتامل وحسرة وهمست الى نفسها ...
" يا الله حتى وهي بتبكي سمحة شديد والناس بتعاين ليها يا حليلك يا اماني مهما عملتي ما بتحصليها
تعالت صافرة القطار لتعلن الرحيل وكانت فضيلة تنتقل من حضن الى آخر حتى استكانت بين ذراعي والدها الذي همس في اذنها بصوت مبحوح
" ودعتك الله يا بتي ... خلي بالك من نفسك ومن صاحبتك .. انا عارفك عاقلة ورزينة .. ما تخلي اي شئ يشغلك من الدراسة عاوز اكون فخور بيك وترفعي راسي لمن تجيني شايلة الشهادة ويقولوا بتي بقت محامية .. حافظي على صلاتك لانه انتي هناك براكي بس ربنا هو البيحميك ويحافظ عليك ولو في اي شئ وفي اي وقت اضربي تلفون تلقيني عندك مسافة السكة ولو احتجتي قروش في اي وقت اتصلي وما تشيلي هم انتي عارفة اخوك ما مقصّر معانا "
كانت فضيلة تومئ براسها للرد على وصايا ابيها فقد احتبس صوتها في حلقها من شدة المها وحزنها على فراق اسرتها .. وانطلق القطار وبدات رحلة فضيلة الى المجهول ...
وبكره فصل جديد ....................

Abubakr Ibrahim
6th February 2011, 06:49 AM
الفصل الثاني

رن الهاتف النقال بإلحاح متواصل مبدداً سكون الغرفة الشاسعة المفروشة باللونين الزهري والأبيض ... كان كل ما فيها يدل على الترف والأنوثة ابتداء من الفرش الحرير مروراً بالستائر المزركشة وانتهاء بالإضاءة الهادئة التي انعكست بنعومة على وجه الفتاة المستلقية في السرير العريض وهي تحمل بين أصابعها النحيلة ذات الأظافر الطويلة المطلية باللون الأحمر القاني سيجارة رفيعة ... كانت تتأمل حلقات الدخان التي تنفثها من فمها الصغير الباهت .. بالقرب منها امتلأت الطفاية بالأعقاب ... رمقت الهاتف بنظرة لا مبالية .. داست عقب السيجارة ومدت يدها لتخرج أخرى من العلبة الغالية الثمن الموضوعة على الطاولة الصغيرة بجانب السرير .. تنهدت براحة عندما صمتت النغمة الراقصة لإحدى الأغنيات المشهورة .. وما هي الا برهة وجيزة حتى تعالى الرنين مرة أخرى هذه المرة من نقالها الآخر.. قطبت حاجبيها الرفيعين على شكل الرقم ثمانية رفعت رأسها إلى ساعة الحائط المواجهة لسريرها .. نظرت إلى الاسم على الشاشة العريضة لهاتفها وضغطت على الزر بغضب
" عاوز شنو يا فتــاح ؟؟ يا اخي انا مش ابيت ارد عليك في الرقم الاول ؟؟ بتتصل تاني ليه ؟؟ وبعدين انا مش حذرتك قبل كدة انك ما تستخدم الرقم دة خالص ؟؟ وقلت ليك الرقم دة للشغل وبس ؟؟ لكن انت ما غلطان ... غلطانة انا الاديتك ليه "
فوجئ عبد الفتاح باللهجة الغاضبة لكنه التزم ببروده المشهور ورد عليها بصوت عابث
" اهلاً يا ساريا .. كيفك ؟؟ شنو يعني دة جزاي عشان متصل اسال عليك ؟؟
ردت عليه ساريا بعصبية " تسال علي الساعة اتنين ونص صباحاً ؟؟ ليه الدنيا حصل فيها شنو ؟؟"
يا اخي جيتي على بالي واشتقت ليك .. شنو يا زولة كفرنا يعني ؟؟
تنهدت سارية بغيظ فقد استطاع اسلوب صديقها عبد الفتاح البارد ان يطفئ نار غضبها فتغيرت لهجتها " طيب يا مشتاق وش الفجر .. اخبارك شنو ؟؟ وعلى الفور اندفع فتاح كما يحلو لساريا مناداته في الحديث عن مواضيع يعلم انها سوف تثير اهتمام صديقته الملولة ..
" اها وبعد ما اديتك الشمارات كلها عاوز اسالك الجامعة فتحت ليها اسبوعين وانتي مسجلة غياب شنو ما ناوية تجي ولا شنو ؟؟ ""
أها " كلمة اعتادت ساريا استخدامها لتظهر عدم اهتمامها باي موضوع لا ترغب في الحديث فيه " ما عندي مزاج أجي ... وبعدين انت عارف اول ايام دي كلام فارغ ... يمكن اجي الاسبوع الجاي كيف الجماعة كلهم ؟؟" رد فتاح بحبور " بيسالوا عليك سؤال الضهبان ...
ضحكت سارية بصوت رفيع حاد " غايتو انت عمرك ما حتخلي طريقتك البلدي دي في الكلام ؟؟ شنو الضهبان دي ؟؟
" يا زولة هي بلا بلدي بلا افرنجي .. مش بلدي ؟؟بعد دة كله البنات كلهن مكسرات فيني " وهنا تعالت ضحكات سارية ... عبد الفتاح عبد العزيز تعرفه منذ نعومة اظفارها .. فقد ربطت شراكة عمل بين والده ووالدها وامتدت العلاقة بين الاسر حتى صاروا كعائلة واحدة ... منذ البداية انجذب عبد الفتاح نحو ساريا واختار صداقتها عوضاً عن صداقة اخوانها الاولاد ... فقد وجد فيها روحاً متمردة وشقاوة قلما تتواجد في البنات .. اعتادت ان تشاركهم العابهم الصبيانية وتتجنب الاختلاط باخواته ، على عكس شقيقتها الصغرى (سهى) التي كانت تتجه فوراً الى غـرفة البنات بمرور الايام تنامت علاقتهما ولكن في اطار الصداقة .. لم تراود عبد الفتاح اية خيالات عاطفية تتعلق بها وكان ينظر اليها وكانها احد اصدقائه الاولاد .. تعود ان يحكي لها كل اسراره ويناقشها في ادق تفاصيله بلا حرج ... وفي مرحلة المراهقة قرر ان يجرب اول قبلة معها ... ولم يحاول اعادة الكرة .. تركيب ساريا الجسدي الشبيه بالاولاد جعلها ابعد ما تكون عن فتاة احلام عبد الفتاح برغم تقاربهما الملحوظ خلال سنوات الدراسة الممتدة وحتى دخولهما الجامعة سوياً
" أها اخبار الدفعات الجديدة شنو يا فتاح ؟؟ ما لقيت فيها فتاة الاحلام ؟؟
وكأن عبد الفتاح كان ينتظر هذا السؤال " وووب علي يا سروية .. ما شفتي الدفعة الجديدة بتاعت حقوق فيها شئ ما بتوصف .. قنبلة .. صاروخ ... لغم .." ضحكت ساريا التي اعتادت وصف صديقها للفتيات الجميلات ...
يعني اسمح من بت الطب بتاعت السنة الفاتت ؟؟"ما انت قلت عليها نفس الاوصاف ؟؟
رد فتاح باندفاع " لا لا لا دي شئ عجيب حاجة غريبة جمال ما طبيعي عندها وش لوحة بس ... جسم سبحان من خلق وتجلى يا زولة هيي دي بت ما فيها حاجة غلط زي ما بيقولوا ( شعر وقعر )
انكمشت ساريا قليلاً عند سماع الوصف .. وارتفعت يدها لا شعورياً الى شعرها القصير المقصوص باتقان حتى حدود اذنيها .. ونظرت الى نفسها في المرآة المقابلة لسريرها وهي تعكس صورتها الكاملة في قميصها الحريري القصير الذي يلتصق بجسدها مظهراً غياب اية تضاريس انثوية وكاشفاً عن ذراعين نحيلتين وصدر صغير كحبات الليمون .. وكل ما يليه ضامراً ونحيلاً ... كان صوت فتاح الملئ بالحماس ياتيها بصخب من السماعة المتدلية من اذنها ...
دي يا سروية ما حصلت قبل كدة في الجامعة .. احنا هسة لينا كم سنة ؟؟ مش ثلاثة سنين ؟؟ لغاية الان الشارع الريئسي دة ما مشت فيه حاجة بتشبهها ... انا سالت عليها واتطقست بطريقتي الخاصة وعرفت انو اسمها فضيلة محمد زين عمرها 18 سنة جاية من الاقاليم قرية كدة ما عارف اسمها شنو في النيل الابيض ... دخلت بنسبة كبيرة شديد وباين عليها شاطرة شديد .. دايما معاها واحدة عرفت انها صحبتها الروح بالروح وجوا مع بعض اسمها اماني وهم عاملين زي تيمان برقوا اصلهم ما بيتفرقوا ... اماني ما سمحة زي فضيلة لكن يعني ما بطالة ...
وظل سيل كلمات الاطراء مندفعاً من فم فتاح مما اثار غيرة ساريا فقاطعته بصوت يموج بالغضـب " يعني الجامعة كلها مكسرة ولا شنو ؟؟!"
رد فتاح بنفس الحماس "مكسرة ساكت ؟؟ والله احلف ليك في ناس بقوا يعسكروا في الشارع مخصوص عشان يشوفوها ... لكن يا ساريا هي رزينة وتقيلة وما شغالة باي زول .. تخيلي انها ما حاسة بالعالم دة كله وماخدة الموضوع جد خالص من المحاضرة للداخلية وبالعكس .. ما بتتكلم الا مع زميلاتها في المدرج والبنات بس مختصرة الاولاد شديد"
سالت ساريا بفضول " ودي أمجد ما شافها ؟؟ فلتت منه كيف لغاية هسة ؟؟"
فصمت عبد الفتاح فترة ثم رد بصوت جاد " ما عشان كدة انا اتصلت بيك يا ساريا ... أمجد عمل المستحيل عشان يلفت نظرها ورسل ليها البنات البعرفهم كلهم عشان يتكلم معاها .. لكن هي رفضت سارية انا صاحبك وزي اخوك صح ؟؟ كان سؤالهالمفاجئ مؤلماً كطعنة في القلب لكنها ردت بخفة " طبعا احنا اصحاب واخوان " ساريا البت دي عجبتني شديد وعشان انا عارفك لو اتدخلتي في الموضوع دة بتقدري تعملي حاجات كتيرة .. ارجوك يا ساريا ما تتدخلي لصالح امجد .. ما تخلي امجد يوصل ليها قبلي .. انتي عارفة امجد لو وصل ليها حيعمل فيها شنو .. انا امبارح سمعته بيتكلم مع مها وسالها منك وقال حيتصل بيك الليلة عشان تتصرفي .. عليك الله يا ساريا لو بتعزيني جد حاولي تبعديه منها باي طريقة "
أحست سارية بالم حارق في حلقها من لهجة فتاح المتوسلة .. اعتادت اهتمامه السطحي بالبنات وكانت احيانا تدبر له المواعيد وتهيئ له المكان وعلى خلاف الاخرين كانت تقدم له خدماتها بلا مقابل ليقينها بانه سوف ينساهن بعد ان ينال غرضه منهن ولحرصها على ان تكون كل علاقاته عن طريقها ... كانت تختار له البنات حسب ذوقها ممن تضمن ولاءهم لها وكانت تشتري هذا الولاء اما بالمال او التهديد بالفضيحة .. هذه اول مرة يختار فيها فتاح فتاة بدون وساطتها ... اول مرة يبدي اهتماماً شديداً لدرجة ان يطلب منها ابعاد أمجد عن الطريق .. امجد البصيري ..صديقه اللدود جمعتهم الجامعة .. وربطت بينهم الظروف المشتركة .. فكلاهما من اسر ثرية وذات نفوذ .. وكلاهما يتمتعان بقدر كاف من الوسامة .. كان التنافس بينهما محتدماً ومستمراً ... ومستتراً ... كان منصب والد امجد الحكومي الرفيع يعطيه ميزة اضافية عن صديقه عبد الفتاح الذي اثرى والده بصورة مفاجئة مع بدايات عهد الانقاذ في السودان وسرت اشاعات كثيرة عن المصدر المفاجئ لامواله ... لكن لا احد توصل الى الحقيقة الكاملة وتضاربت التكهنات بين غسيل امول الى تجارة سلاح ومخدرات..
" اها يا ساريا قلتي شنو ؟؟"
اعاد سؤال فتاح المتلهف ساريا الى ارض الواقع ... حاولت ان تخفي جمودها باصطناع الحماس
" ما عندك مشكلة يا فردة ... انا بكرة .. ولا هو الليلة .. حاجي الجامعة عشان اشوف معبودة الجماهير دي ونلقى ليها مدخل ... ما تخاف الزمن دة كل زول عنده مدخل ... وكل زول عنده تمن و لو ناوي تدخل في منافسة مع امجد تقّل جيبك انت عارفو بيدفع كيف بالذات لمن البت تدخل راسه وتعصلج معاه"
"رد فتاح بصوت مصدوم " لا يا ساريا انا فضيلة دي بالذات ما عاوزها بالطريقة دي .. قلت ليك البت عجبتني جد ولو لقيت طريقة اتكلم معاها بعيد عن الجامعة يمكن افكر جادي ارتبط بيها "
احست ساريا بما يشبه الاغماء من وقع كلمات فتاح لكنها تمالكت نفسها وردت ببرود لم تستطع اخفاؤه " خلاص يا فتاح ما تنق كتير هسة خليني انوم عشان بكرة اقدر اجي الجامعة واشوف الموضوع .. يلا باي "
واغلقت الخط قبل ان تسمع رده ... اشعلت سيجارة .. وضغطت على الهاتف وانتظرت الرد ...اتاها صوت مها النائم "أيـوة منو ؟؟" ردت عليها ساريا بحدة " شنو المنو يا مرض انتي ؟؟ بكرة الصباح مري علي بدري انا حامشي الجامعة "
ردت مها بدهشة "ساريـا ؟؟!! بسم الله مالك ؟ في شنو ؟؟ صرخت ساريا بصوت هستيري " ما عاوزة كلام كتير بكرة مريني بدري فاهمة ؟ " واغلقت الهاتف ... وتاهت افكارها في التدبير ليوم غد ...
وبكره فصل جديد ...................

Abubakr Ibrahim
7th February 2011, 06:54 AM
الفصل الثالث

كان الهرج يسود مبنى القسم الداخلي التابع للجامعة كما هو معتاد في هذا الوقت من الصباح .. ابواب الغرف تفتح وتغلق .. ضحكات ومشاحنات .. وقد تسمع صوت بكاء آت من مكان بعيد .. الكل يتعجل في طقوس الاستعداد اليومي لمغادرة السكن إلى الكليات المختلفة .. كان الجو صحواً وتيار هواء خفيف يقطع الممرات محملاً بشتى انواع الروائح .. في نهاية الممر الطويل وداخل غرفة تحتوي على اربعة اسرة من الحديد المقشر ودولاب وطاولة قديمة تمت تغطيتها بورق جرائد وقفت أماني امام قطعة مرآة معلقة في الحائط وهي تتامل وجهها باعجاب .. فقد تجرأت اخيرا ووضعت قليلاً من اللون الوردي علي شفتيها ورسمت عينيها بالكحل الاسود ... ارتسمت ابتسامة رضا على وجهها ... تنهدت فضيلة الجالسة بصبر على طرف السرير وهي تراقب صديقتها التي ادمنت النظر إلى المرآة وخاطبتها بصوت حنون : يلا يا أماني خلصينا .. المحاضرة باقي ليها نص ساعة وما عاوزين نتاخر : التفتت أماني ناحية فضيلة وفي الحال اختفت ابتسامة الرضا ونظرة الإعجاب التي تبنتها منذ برهة قصيرة وهمست لنفسها :" أحي يا فضيلة أعمل شنو عشان أبقى في ربع جمالك ؟؟ "
وغامت عيناها وهي تتذكر تأثير صديقتها الطاغي على كل من التقوه منذ أن وطأت أقدامهم ارض المحطة .. رد فعل زملائهم وانجذابهم نحوها تملق البنات ومحاولتهم نيل صداقتها ... تنافس الجميع لارضائها .. وشعرت برعشة غيرة باردة تخترق عظامها وتحبس أنفاسها في حلقها .. في قريتهم الصغيرة لم يكن الأمر يهمها فعالمهم المحدود والعلاقة المميزة التي كانت تربطهم منعت الجميع من إجراء المقارنة الحتمية بينهما ... أما هنا فقد اختلف الوضع .. أحست بالبعد الشاسع بينها وبين صديقتها .. وجعلها هذا الإحساس تبذل ما في وسعها لتقريب مسافة الملامح والتمرد على شكلها والسعي إلى الانعتاق من قيد نمط فتاة القرية المتحفظة ...
يلا يا أماني خلينا نمشي كفاك الجلبطة البتسوي فيها دي "
ردت أماني بنزق " انا ما عارفة انتي مستعجلة لشنو ؟؟ يعني ماشيين الجنة ؟؟ ما ياها المحاضرة المملة دي ولا شئ تاني ؟؟ .. يا زولة اقول ليك اقتراح حلو ؟؟ ايه رايك ندك يوم الليلة دة ونمشي حفلة التعارف العاملينها للطلبة الجدد ؟؟ عليك الله خلينا نفرّق شوية وعلى الاقل نتعرف على ناس كتار ونشوف الدنيا دي حاصل فيها شنو .. قالوا حتكون رابة وجايبين فنان ما عارفة اسمه منو .. عليك الله يا فضيلة ما تقولي لا .. يا بت انتي ما زهجتي من مشي الكلية كل يوم ؟؟ وبعدين حتى في الجامعة ما قاعدين نقعد بعد المحاضرات طوالي نجي للسكن التعيس دة ..
كانت فضيلة تستمع لصديقتها بدهشة حقيقية .. منذ وصولهما إلى العاصمة اظهرت أماني انبهاراً شديداً بكل ما حولها .. وتفانت في محاولة الاندماج والذوبان في مجتمع الجامعة ونمط الحياة السائد فيها حتى بدت لفضيلة وكانها قد انسلخت تدريجيا من شخصيتها الحقيقية وتبنت شخصية اخرى مختلفة تماما عنها خلال الاربعة اسابيع التي انقضت منذ بدء الدراسة .. تملكها الخوف من هذا التبدل السريع واستبدت بها الحيرة في كيفية التعامل مع صديقتها التي تحبها وكانها اختها الشقيقة .. كانت تتاملها وهي تضع مستحضرات التجميل التي ابتاعتها من احدى فتيات الداخلية بالتقسيط وتفكر هل تمنعها .. وهل تستطيع منعها ؟؟؟
ظلت الافكار تتضارب داخل عقلها وهي تستمتع إلى سيل الجمل المندفع من فم أماني وكانها تخرج من بعد سحيق ومغلفة بالصدى .. اعادها إلى الواقع صوت زميلتها في الغرفة المجاورة وهي تطل براسها من الباب "فضيلة عليك الله اديني طرحتك البنية لو ما محتاجة ليها .. المكوة اتحرقت وطرحتي مكرفسة شديد ما باقدر امشي بيها كدة " ردت فضيلة بابتسامة عريضة .. ما محتاجة ليها شيليها من الشنطة تحت السرير "
ثم رمقت أماني بنظرة عاتبة " يلا يا أماني بطلي الكلام الفارغ البتقولي فيه دة وخلينا نحصل المحاضرة , وتمتمت أماني بصوت خفيض "عارفة راسك الزي الحجر دة يلا طيب خلينا نمشي وتضيع علينا الحفلة "
كانت شلة المرطبين كما يحلو للجميع مناداتهم مجتمعة في مكانها المعتاد تحت ظل الشجرة العتيقة التي تتدلى فروعها وتعانق الارض .. حضور ساريا اضفى جوا من الفرح وسط افراد الشلة وتناثرت التعليقات والقفشات بينهم ... كانوا يجلسون متقابلين امجد وعبد الفتاح على الكنبة الحجرية في مواجهة ساريا ومها .. كانت ساريا تضحك بعمق عندما لاحظت وجوم فتاح المفاجئ والنظرة الغريبة التي اطلت من عيني امجد
" في شنو مالكم وقع عليكم سهم الله ؟؟"
فغمزها امجد وهو يشير براسه إلى بداية الممر العريض عند بوابة الجامعة .. والتفتت ساريا لتقع عيناها مباشرة في عيني فضيلة الرائعتين .. وبدون تفسير او سبب كرهتها من اول نظرة .. وحامت نظراتها الفاحصة الدقيقة حول الفتاة اللاهية عنهم وهي تبحث عن عيب مخفي يكون هدفاً للسانها الحاد ...
كانت فضيلة انيقة ببساطة آسرة .. ترتدي قميص ابيض ناعم يكشف عن عنقها الطويل بلونه الذهبي الاخاذ وعلى راسها طرحة باللونين الابيض والاسود غطت مقدمة الشعر الناعم لكنها عجزت عن الوصول إلى آخر الضفيرة النائمة باغراء خلف ظهرها .. التنورة الواسعة بلونها الاسود اظهرت للعيون الخبيرة كل ما ارادت فضيلة اخفاؤه .. وفي قدميها الناعمتين ارتدت صندل ابيض مفتوح متساو مع الارض ..كانت تسير كملكة منتصبة القامة مرفوعة الراس وقد أضفى طولها الفارع لمسة ارستقراطية مهيبة عليها ...
عادت نظرات ساريا إلى اصدقائها لتفاجا بالتعبير الهائم علي محيا عبد الفتاح .. ثم انتقلت نظراتها إلى امجد الذي شعت عيناه بالرغبة والغيظ معاً .. وعادت تنظر مرة اخرى إلى فتاح واعتصرها الالم .. كم تمنت وحلمت بان ينظر اليها بهذه الطريقة .. كم صبرت وتحملت على امل ان ياتي اليوم الذي يبادلها فيه الحب ... لقد احبته بصمت وعنف منذ القبلة اليتيمة التي تبادلاها في سنوات المراهقة الاولى ... لكنها اخفت احساسها عن الجميع وبالذات عنه هو خوفا من ان تفقده .. واجبرت نفسها على التعامل معه كصديق تنفذ له رغباته التي تخطتها عن عمد لتذهب إلى اخريات عرفت كيف تختارهن له بحيث ينساهن لحظة مغادرتهن ... لكن هذه النظرة التي راتها الان اخافتها ... اشعلت نار الغيرة في صدرها .. شعرت بها وكانها خنجر يغرز في قلبها ...فخرج صوتها متوترا حادا غاضباً يقارب النواح
" هي انتوا .. في شنو مالكم قربتوا تريلّوا ؟؟ "
نظر عبد الفتاح إلى الارض بخجل بينما تابع امجد متابعة خطوات فضيلة بعيون لا ترمش .. ثم فجاة التفت إلى ساريا وكان صوته ناعساً ناعماً وهو ينطق الكلمات بصعوبة
" تعالي يا ساريا انا عازمك فطور بمناسبة جيتك الجامعة الليلة "..
فردت مها بغيظ " شنو يعني عازمك يا ساريا ؟؟ احنا برة ولا شنو ؟؟"
فاوما ايجاباً " انا عندي كلام خاص مع ساريا .. امشي انتي مع فتاح افطروا ونتلاقى بعدين في حفلة الطلبة الجدد ..
زاغت نظرات فتاح وهو يرى ساريا تهم بالنهوض فهمس لها بلهجة مستعتطفة " ساريا ما تنسي كلامنا الامبارح واول ما تخلصي من امجد سوي لي تلفون ووريني عاوز منك شنو .. حاستناك ما تتاخري "
طلباتك يا امجد " كان سؤال ساريا مباشراً وقصيراً وهي تتامل امجد الجالس باسترخاء ويبدو متلائماً مع جو الترف الذي يحيط بهم في احد اركان الكوفي شوب الفخم ... رد عليها بنفس الطريقة وهو يدير كاس العصير بيد بينما الاخرى ممسكة بالسيجارة " فضيلة ... عاوز فضيلة .. باي طريقة .. باي تمن ما بيهمني .. اتصرفي جيبيها لي وكل طلباتك مجابة " .. ردت ساريا بصوت بطئ ملئ بالتحدي " مهما كانت ""
واجابها امجد بهدؤه المستفز " مهما كانت "
ابتسمت ساريا بسخرية " غايتو انتوا الرجال زي الشفع الصغار لمن تعجبكم لعبة الا تشيلوها حتى لو ما حقتكم .. ولمن تشوفوا ليكم بت سمحة بتبقوا زي الكلاب مستعدين تتذللوا لو ما لقيتو ا طريقة تعضوا .. المهم .. تقل جيبك البت باين عليها صعبة وزي دي جرّها لناحيتنا بيحتاج مصاريف كتيرة
شرب أمجد جرعة من العصير ودس يده في جيبه اخرج المحفظة المنتفخة تناول منها رزمة ووضعها امام ساريا..
" دي 500 الف ورق كبير عربون عشان تعرفي اني مستعد ادفع أي شئ .. لكن على شرط لغاية نهاية الشهر دة فضيلة تكون بقت حقتي "..
ورمقها بنظرة غريبة .." يعني يا ساريا بالواضح كدة طلعي فتاح من اللعبة دي عشان مصلحته ومصلحتك انتي كمان "
رفعت راسها بحدة عندما سمعت جملته الاخيرة " مصلحتي انا ؟؟ قصدك شنو بالكلام دة ؟؟ وانا مصلحتي شنو في الموضوع ؟؟
رد امجد بتهكم واضح " ساريا انا عارف وانتي عارفة .. ما في داعي نلف وندور على بعض خلينا نرمي ورقنا ونلعب على المكشوف .. انتي عاوزة عبد الفتاح وانا عاوز فضيلة .. ركزي على كدة وكل شئ حيمشي تمام "
ظلت جملة امجد الاخيرة تدور في راسها وهي تقود سيارتها في طريق العودة إلى الجامعة كانت تفكر هل تبدو مشاعرها نحو فتاح واضحة ؟؟ لقد اخفتها بحرص شديد وظنت انها نجحت .. ثم هزت راسها لتنفض عنها افكارها الحالية وبدات ترسم الخطط التي ستبعد فضيلة عن طريق فتاح إلى الابد .. لن تدع هذه القروية الساذجة تسلبه منها .. انه ملكها هي .. وسوف تحارب من اجله بكل ما تملك من اسلحة .. صبت حقدها على فضيلة في طريقة قيادتها فتعالت اصوات المنبهات من حولها ونظر اليها سائقي السيارات الاخرى باستهجان وصاح احدهم " صحي سواقة نسوان .. انتي ادوكي الرخصة دي كيف ؟؟ بالواسطة ولا شنو ؟؟
انتبهت ساريا ورفعت قدمها عن دواسة الوقود وتطلعت إلى المرآة لتفاجا بتعابيرها الغاضبة فاطالت النظر وهي تهمس " الدنيا دي خالص ما فيها عدل .. ليه واحدة زي دي جاية من مكان حتى ما موجود في الخريطة يكون عندها كل الحاجات الانا فاقداها ؟؟؟ جميلة وجسمها رهيب وكمان عندها اخلاق ؟؟ ابتسمت لخيالها في المرآة بسخرية مريرة.. وضعت سماعة الهاتف على اذنها وادارت رقم مها ...
"مها انتي وين ؟؟
واتى صوت مها محملاً بالانزعاج " ساريا ؟؟ انا الوين ولا انتي الوين ؟؟ احنا قاعدين في كافتيريا حقوق منتظرينكم ... ليه اتاخرتوا كدة ؟؟ عليكم الله تعالوا سريع عشان عبد الفتاح قرب يعمل لي انهيار عصبي من كترت ما بيسال عنكم ..هو في شنو ؟؟ انا ما فاهمة حاجة
"لمن اجي باشرح ليك .. هسة خلي فتاح وامشي عندي ليك مهمة وخليه هو ينتظرني في مكانه انا قربت شديد ... ولمن اجي عاوزة القى معلومات كاملة عن البت الاسمها فضيلة دي ... أي شئ حتى لون ملابسها الداخلية .. فهمتي ؟؟ وما تقولي أي شئ قدام فتاح يلا اتحركي ...
ردت مها بانصياع " اوكيه يا ساريا ..بس حقي محفوظ ؟؟ انا خلاص فهمت الموضوع .. ما عندك مشكلة اديني لغاية نهاية اليوم واي شئ انتي دايراه حتعرفيه ... بادق التفاصيل ...
وبكره فصل جديد ........................

الزاكي عبد الحميد
7th February 2011, 07:13 AM
وبكره فصل جديد ........................


وفي إنتظار بكرة على أحر من الجمر نبقى..
أنا مدمن للبوست دا بالمناسبة..
أول من يقرأه أنا لأني بضبط ساعتي عليه..
أشكرك أبوبكر على التزامك..

عمار محجوب محمد زكي
7th February 2011, 01:10 PM
وبكره فصل جديد ........................


وفي إنتظار بكرة على أحر من الجمر نبقى..
أنا مدمن للبوست دا بالمناسبة..
أول من يقرأه أنا لأني بضبط ساعتي عليه..
أشكرك أبوبكر على التزامك..

هذا شرف للبوست وشرف لنا لأننا من المدمنين عليه أيضا ويشرفنا أن يكون من بين المدمنين رجلا مثل الزاكي عبدالحميد:clap::clap::clap:

Abubakr Ibrahim
8th February 2011, 06:54 AM
الفصل الرابع

دخلت مها الى مبنى الداخلية بخبرة من تعرف الدروب .. وبخطوات وئيدة اتجهت الى الطابق الثاني ووقفت امام غرفة في منتصف الممر الطويل دفعت الباب برفق لكنه كان موصداً فطرقت بهدوء وسمعت صوت سقوط شئ ما في الداخل ثم ساد الصمت ... فاعادت الطرق بقوة اكبر لياتيها صوت مرتبك وقلق " منو ؟؟ منو في الباب ؟؟" ردت مها بفراغ صبر ملحوظ " يا بت ما تفتحي .. مالك قافلة الباب بالمفتاح .. بتسوي في شنو ؟؟ " ظهرت نبرة الارتياح جلية في الصوت القادم من وراء الباب المغلق " مها ؟؟ الله يجازيك وقعتي قلبي .. دقيقة جاياك " وسمعت صرير المفتاح في القفل ثم اشرع الباب بزاوية ضيقة وامتدت يد ناعمة وجرّت مها الى داخل الغرفة ثم اغلقت الباب بالمفتاح مرة اخرى .. كانت صاحبة اليد فتاة ذات قوام ممتلئ بتناسق وتبدو تفاصيله ظاهرة للعيان من خلال القميص القصير الشفاف الذي تناقض سواده الداكن مع لون بشرتها الفاتح ، تمتلك ملامح رقيقة وان لم تكن جميلة بالمعنى المتعارف عليه .. كانت تبدو كمن خرج من معركة حامية بشعرها المبعثر بفوضى على كتفيها ولون احمر الشفاه المنتشر في مساحة كبيرة من وجهها والعلامات الحمراء التي تغطي ذراعيها ...
اتسعت ابتسامة مها ولمعت عيناها ببريق غريب حينما تخطت نظراتها الفتاة الواقفة امامها الى السرير الموجود في ركن الغرقة وتطلعت بفضول الى الفتاة الضخمة التي كانت تتكئ على الحائط خلف السرير بتحفز وحذر ...
همست مها " معليش ما كنت عارفة عندك جو ..كان مفروض ارن ليك اول قبل ما اجي بس كنت مستعجلة شديد ثم مالت على اذنها وخفضت همسها الى اقصى درجة
" عاد لكن ما سويتيه أشتر عديل .. في عز الضهر ؟؟ ودي لقيتيها وين ؟؟ تمتمت الفتاة بحرج
" بعدين يا مها .. بعدين باحكي ليكي .. انتي قول لي مالك الجابك شنو هسة ؟؟
وامسكت بيدها وهي تقودها حتى اجلستها على كرسي بثلاثة ارجل خشبية .. والرجل الرابعة عبارة عن كومة من الكتب المتراصة ... " قاصداك في خدمة .. بعد ما تخلصي فلمك دة عاوزاك تطلعي ومن السما للارض تجيبي لي معلومات عن بت معاكم هنا .. كل حاجة عنها مهما كانت صغيرة او تافهة .. عاوزة معلومات دقيقة حتى الوان ملابسها الداخلية .. وكمان عن صحبتها العاملة زي ضلها دي .. اسالي لكن بدون ما تحسسي أي زول انك بتسالي فهمتي ؟؟ المهم عندك لغاية مواعيد نهاية المحاضرات ..
" ردت الفتاة وهي تنقل نظراتها بين مها وذلك الكائن المتحفز بصمت " اوكيه اوكيه .. مالك المرة دي مستعجلة كدة ؟؟ " انتصبت مها واقفة واتجهت نحو الباب وهي ترد..
" عشان يا حلوة ساريا هي الطالبة المعلومات دي .. وانتي عارفاها صبرها قليل وزعلها صعب ما بنقدر عليه .. بالمناسبة نسيت اقول ليك نهاية الاسبوع عندنا حفلة رابة في مزرعة واحد صاحبنا في كافوري اعملي حسابك تجي ..
فمالت عليها الفتاة وهمست " ممكن اجيب زولة معاي ؟؟ "
ضحكت مها بصوت عال " زولة ولا زول انتي عارفة ما بتفرق معانا .. لكن اسالك انتي ما لقيتي غير الشينة دي ؟؟ وبعدين يا بت انتي خلاص كبرتي بطلي البتسوي فيه دة وشوفي ليكي راجل اتلمي عليه وخلصينا ..
ورد عليها الصوت الرقيق الهامس " هي صحي شينة لكن فنانة ولو ما كنتي مستعجلة كنت قلت ليك اقعدي معانا شوية وانا متاكدة انك حتنبسطتي .. وبعدين هم وينهم الرجال ديل ؟؟ وحتى الفي ما عاوزين يعرسوا عاوزين حاجات تانية انتي عارفاها .. طيب احنا نعمل شنو ؟؟ نموت يعني ؟؟ وبعدين ما تنقي في راسي ساكت .. انتي عارفة انو ربع بنات الداخلية بيعملوا زينا وفي النهاية كلنا بنعرس .. مش المهم اني اليوم داك اكون بختمي ؟؟ خلاص دي اضمن طريقة ولا عاوزانا بعدين نبقى في بهدلة العمليات ودة اتصلح ودة ما اتصلح ؟؟
وامتلات نبرتها بالسخرية وواصلت "يا زولة هي خلينا كدة أحسن .. منها برنامج متنونسين بيه ومنها محافظين على نفسنا زي ما اهلنا وصونا...يلا ..يلا امشي عشان انا اخلص واطلع اجيب الانتي عاوزاه ..
واختبات خلف الباب ريثما تخرج مها وهي تمازحها " متاكدة ما عاوزة تقعدي ..حتندمي ". ردت مها باستخفاف "يا حبيبتي زي دة انا ما بندم عليه .. لكن اكون طالباك يلا باي "
وبادرت بالخروج من الفتحة الضيقة وفجاة التفتت " بالمناسبة قبل ما انسى في جماعة قالوا عاوزين شرايط بس تكون محلية ... فضل عندك شئ ولا اتصرفتي في المجموعة كلها ؟؟
وردت الفتاة بعجلة وهي تدفع مها نحو الخارج " ايوة فضلوا اتنين ولا ثلاثة ما عارفة كدي بعدين لمن نتلاقى في الجامعة بنتفاهم يلا اتخارجي حرقتي روحي .. ودفعتها خارجاً واغلقت الباب واتجهت الى السرير بخطوات ملهوفة ...
وبكره فصل جديد برضه..................
( وشكراً بالكوم لكل المارين والعابرين وناس الترانزيت)

Abubakr Ibrahim
9th February 2011, 06:46 AM
الفصل الخامس

كانت عينا مها المقرفصة في منتصف السرير العريض تتابعان خطوات ساريا القلقة التي تزرع الغرفة جيئة وذهابا .. وبحكم معرفتها بطباع صديقتها أيقنت أنها تضع الخطة المناسبة للإيقاع بفضيلة بعد أن زودتها هي بكافة المعلومات التي حصلت عليها من مصادر مختلفة .. في لحظة شرد ذهنها وأحست بتأنيب الضمير فهي تساهم في تدمير حياة انسانة بريئة كل ذنبها أن القدر وضعها في طريق ساريا وحقدها الأعمى .. امتلأ صدرها بكآبة مفاجئة حتى شارفت على البكاء وأحست بالغضب من نفسها ومن الجميع .. فهي قد اختارت طريقها برغبتها وارادتها الحرة بلا إكراه أو تحت ضغط ظرف معين .. كانت تملك كل شئ فأحست بالملل وارادت أن تخوض تجربة جديدة تنعش حياتها الراكدة برغم نشاطها ، كانت في سنتها الجامعية الاولى عندما تعرفت بساريا .. انجذبت اليها بطريقة غامضة .. ربما شكلها الصبياني كان السبب او غموضها المثير او تشابه الوضع الاجتماعي أو حتى تشابه الميول والطباع فنمت علاقتهما وتصادقتا ومن ثم جمعهما هذا العالم الغريب .. كانت ما تزال تتابع حركات ساريا ودخان سجائرها يملا فضاء الغرفة بسحابة بيضاء بدت وهي تقف وسطها وكأنها شبح حبيس هائم يتوق للخلاص .. وتابع ذهنها شروده وهي تفكر في صديقتها التي تاهت خطاها بعد انفصال والديها وزواج امها برجل آخر ... وبرغم رفض ابوها الزواج بحجة التفرغ لرعاية اولاده , الا ان ثراؤه الفاحش كان يجذب اليه النساء كما الفراش نحو الضوء حتى باتت علاقاته المتعددة حديث المجتمع .
كان حريصا على قطع كل الجسور التي تربط زوجته بأولادها انتقاما منها لرفضها الحياة معه .. فكبرت ساريا بلا توجيه الام ولا حزم الاب ورعايته .. وفكرت مها بان ساريا ربما سلكت هذا الطريق عمداً كرد فعل انتقامي شرس تجاه كل ما حولها ومن حولها .. وهذا ما جعلها تتفنن في اصطياد الفتيات البريئات واغراءهن بشتى الوسائل حتى يتمرغوا في نفس الوحل الذي تعيش فيه وأصبحت في النهاية تدير شبكة منظمة تدر عليها الكثير من المال الذي لا تحتاجه .. وفي فترة وجيزة صارت اسما مشهورا وسط محيط معين وطبقة خاصة يلجاؤن اليها بكل طلباتهم الشاذة والغريبة الناتجة عن خيالهم المريض .. وكان لديها الاستعداد والرغبة لتنفيذها مهما كانت .
كان عالمها سريا ومغلقا عليها وعلى قلة قليلة اختارتها بعناية لتساعدها في ادارة عملها ، امام الجميع هي الفتاة الجامعية الثرية التي تنحدر من اسرة معروفة ، من وقت لآخر تتناثر عنها الاقاويل والغمزات لكن مع عدم وجود دليل يؤكدها ظلت في خانة الاشاعات التي انصبت في مصلحتها وزادت من حجم اعمالها ، فبرغم صغر سنها الا انها برعت في ادارة شبكتها بعقل ذكي ودون ان يكون لها وجود فعلي في حياة معظم زبائنها فقد حرصت على عدم الظهور في الصورة وكانت اتفاقاتها تتم تليفونيا او عن طريق الانترنيت والدفع عن طريق تحويل الاموال الى رقم حساب في بنك صغير خارج العاصمة ... وعندما اكتشفت مدى الربح الذي تحققه تجارة الافلام الزرقاء قررت ان تدخل هذا العالم ولكن بطريقتها الخاصة وسافرت الى الخارج خصيصا والتحقت بدورة مكثفة في التصوير الذي برعت فيه وكانت افلامها التي تصورها بعلم زبائنها وموافقتهم او سرا حينما يتوجب عليها تجهير المكان مجال آخر تمارس فيه متعتها الغريبة في مشاهدة سقوط الاخلاق مع كل قطعة ثوب تنتزع .
فجاة توقفت ساريا عن الدوران ونظرت الى مها بعيون بدا لمعانها مخيفا وسط دخان السجائر الذي ملا الغرفة" خلاص انا عرفت حنعمل شنو ... عندي تخطيط ( ما يخرّش المية ) .. وانتي ليكي فيه دور اساسي .. ردت اماني بصوت مثقل من وطاة الافكار التي كانت تدور براسها " اها قولي " كانت ساريا تتكلم بحماس واندفاع " شوفي الاسمها فضيلة دي في حد ذاتها من العرفته عنها ما في طريقة ندخل ليها لكن اماني صحبتها دي باين عليها زولة راسها خفيف وعندها صدمة حضارية وبراحة ممكن نجرّ رجلها عشان كدة عاوزاك من بكرة تبدي معاها ... حاولي تصاحبيها باي طريقة وباسرع وقت وهي ذاتها ما حتصدق انك عاوزة تصاحبيها ... خليها تثق فيك وتحبك وهي من شكلها وطريقة لبسها انسانة بسيطة وما عندها شئ .. هسة حاديك قروش وبكرة ولا بعده سوقيها معاك أي صيدلية كبيرة سوي نفسك عاوزة تشتري مكياج وريحة واشتري ليها معاكي اغلى حاجة موجودة وقولي ليها دي عربون صداقة ... اعزميها كم مرة في مطاعم بس تكون فخمة ابهريها بطريقة الحياة الانتي عايشاها خليها تتمنى تبقى جزء منها ... ولما تحسي بيها خلاص رجلها جات عرفيني بيها وانا علي الباقي .
وبكره فصل جديد .......................

Abubakr Ibrahim
10th February 2011, 06:51 AM
الفصل السادس

كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساء بقليل في مبنى الداخلية وقد خلت الغرفة الا من فضيلة التي كانت توزع نظراتها بقلق بين الكتاب القابع في حجرها والمنبه الصغير بقرب سريرها اماني لم تعد بعد .. فمنذ ان تصادقت مع مها تبدلت احوالها بصورة غريبة ..لم تعد تلتزم بالمحاضرات ... تكثر من الخروج وتتاخر ليلاً ... كان قلقها على صديقة عمرها يتزايد يوما بعد يوم وتزداد معه حيرتها في كيفية التصرف معها ... وتذكرت بمرارة شجارهما بالامس عندما تغيبت اماني طوال اليوم عن المحاضرات ولم تعد الى الغرفة الا قبل دقائق قليلة من مواعيد اغلاق ابواب السكن وعندما عاتبتها فضيلة انفجرت فيها بغضب عارم
" اسمعي يا فضيلة ما عاوزاك تعملي وصّي علي .. انتي لا ابوي ولا امي .. وبعدين أنا ما باعمل حاجة غلط شنو يعني لو دكيت كم محاضرة ؟؟ الدنيا حتخرب ؟؟ بكرة بعوضهم .. ولا انتي عشان عاملة فيها الطالبة المثالية عاوزة العالم كلوا يكون زيك ؟؟
هلعت فضيلة من اسلوب اماني العنيف فهذه اول مرة تجادلها صديقتها بهذه الحدة .. كانت الكلمات تندفع من فمها كالرصاص لتصيبها في قلبها بجرح دامي لكنها تمالكت نفسها وتذكرت وصية والدها وهو يودعها " خلي بالك من نفسك ومن صاحبتك " امدتها هذه الذكرى بقوة كي تواصل الكلام وخرجت كلماتها خفيضة حزينة
" يا اماني انا خايفة عليك ... اول شئ مها دي انتي بتعرفيها من وين ومتين عشان تطلعي وتنزلي معاها قدر دة ؟؟ الشئ التاني ما تنسي احنا جينا من وين وهي من وين ... البت دي لا زينا ولا بتشبهنا كل حاجة فيها مختلفة عننا "
ردت اماني بتحدي " شنو يعني مختلفة عننا ؟؟ مالها ؟؟ ناقصة رجل ولا زايدة يد ؟؟ مها بت كويسة ومحترمة انتي بس قولي غيرانة مني لانها اختارتني انا ابقى صاحبتها وما اختارتك انتي ؟؟
وصدمت فضيلة من جواب اماني لدرجة ان صوتها اختفى وانحدرت دموعها على وجنتيها بغزارة مما زاد ثورة اماني " انتي يا فضيلة لا بترحمي ولا بتخلي رحمة الله تنزل ؟؟ انا ما صدقت زول سعى لصداقتي انا بدون ما يستعملني كوبري عشان يوصل ليك انتي ... اول مرة احس اني اماني وبس مش اماني صاحبة فضيلة ... انتي عاوزة شنو ؟؟ عاوزاني طول عمري امشي وراك زي ضلك ؟؟؟ يا زولة ما كفاية عليك العندك خليني شوية احس انو الدنيا بدت تضحك لي .. وبعدين الايده في الموية ما زي الايده في النار ... انتي مرتاحة واهلك لو قلتي ليهم عاوزة لبن الطير بيجبوه ليكي ... قلتي جاية الجامعة اخوك رسل ليك الهدوم بالشنط من السعودية وانا بعد تعب جهزت نفسي من الاسواق الرخيصة وجزء من الهدوم اشتريتها مستعملة كمان ... انتي كل اول شهر بيوصلك ظرف من ابوك فيه البيكفيك ويزيد .. وانا يادوبك القروش البيرسلوها لي اهلي بتكفي لغاية يوم عشرة في الشهر ... على الاقل من يوم ما عرفت مها بقت تجيب لي لبس حلو اقدر امشي بيه بدون خجل وسط البنات ... عرفت طعم الاكل الحلو .. شميت الريحة الحلوة ..
ردت فضيلة بحسرة " اماني انا عمري ما عملت فرق بيني وبينك ... عمري ما فكرت انو دي هدومي ودي هدومك ولا دي قروشي ودي قروشك ... طول عمري باقول اننا واحد اخوات بالجد مش صحبات وبس .. ليه بتقولي كدة ؟؟ انا حصل يوم حميتك من شئ ولا منعت عنك شئ ؟؟
ردت اماني بانكسار " انا ما عاوزة حاجاتك يا فضيلة لا هدومك ولا قروشك ... انا عاوزة تكون عندي حاجاتي الخاصة ... ومها وفرت لي الشئ دة وما تخافي بدون مقابل وعمرها ما طلبت مني أي شئ غير صداقتي " .. ثم اعطتها ظهرها وغابت خلف الباب المؤدي للممر .
في تلك الليلة ظلت اماني فترة طويلة داخل الحمام حتى تضمن نوم فضيلة خوفا من مواجهة نظراتها المليئة بالعتاب ... في داخلها كانت موقنة بصحة جزء كبير من كلامها .. على الاقل فيما يختص بمها فهي فعلا من عالم مختلف عنها وكثيرا ما تساءلت بينها وبين نفسها عن سبب سعيها الغريب لصداقتها وكرمها الحاتمي معها .. احيانا تقنع نفسها بانها فعلا احبتها ورغبت بصداقتها بلا هدف لكن غالبا ما تواجهها حقيقة ان مها لها اهداف اخرى غير الصداقة البرئية التي تدعيّها وبرغم اشارات التحذير التي اطلقها عقلها قررت ان تتجاهل الامر فعلاقتها بمها اتاحت لها فرصة الدخول الى عالم لم تكن تحلم به وهي لم تكن مستعدة للتخلي عنه ... ليس الان ...
اثناء استحمامها ظلت تفكر في الدعوة التي وجهتها لها مها لمرافقتها الى بيت ساريا وابتسمت بخيلاء فهي سوف تتعرف الى ساريا زعيمة شلة المرطبين الغامضة .. الفتاة التي تملك سطوة على جميع من حولها ويسعى الجميع لنيل رضاها ... واتسعت ابتسامتها حتى قاربت حد الضحكة ...هي اماني القروية المتواضعة سوف تدخل الى ذلك المنزل الفخم الذي سمعت عنه كثيرا .. سوف تجلس مع ساريا وتتحدث اليها ... وفجاة اختفت ابتسامتها وقطبت حاجبيها بحيرة " يا ربي البس شنو ؟؟" ثم انشرحت اساريرها " البس لبسة فضيلة البنية .. حتكون حلوة فيني واتريح بالريحة الجابتها لي مها آخر مرة " وشردت وهي تفكر بالعطر الذي يقارب سعره ربع مرتب والدها في الشهر "احي ياابوي تعال شوف الناس هنا عايشين كيف مش احنا المدفونين بالحياة " ... وامتلات عروقها باللهفة للزيارة المرتقبة وتمنت ان تطير الدقائق والساعات حتى ياتي الغد ويحين الموعد .
وبكره فصل جديد ....................

Abubakr Ibrahim
12th February 2011, 06:34 AM
الفصل السابع

كانت ساريا منهمكة في وضع اللمسات الاخيرة في غرفتها عندما اتاها صوت مها من الاسفل وهي تعلن وصولهم .. ارتسمت ابتسامة صفراء على اطراف شفتيها .. القت نظرة اخيرة فاحصة على الغرفة ثم خرجت لاستقبالهم ..وبينما كانت تنزل درجات السلم الرخامي الضخم تبدلت ملامحها بشكل مذهل وارتسمت عليها سمات الطيبة والبشاشة فبدت كأنها شخص آخر .. وعندما وصلت الى الطابق الارضي وجدت اماني تتبع مها كالجرو الصغير التائه وقد عكست عيناها مدى انبهارها بما تراه من فخامة وثراء .. غمزت لها مها بعينها مع ابتسامة ماكرة وهي تمسك اماني من كتفيها " اماني تعالي سلّمي على ساريا " والتفتت اماني بخجل من ضبط متلبساً ليتلاشى حرجها عند رؤية ملامح ساريا البشوشة ونظراتها الودودة وابتسامتها العريضة ويدها الممدودة وهي تصافحها " اهلا يا اماني نورتينا .. في الحقيقة مها كلمتني عنك كتير لغاية ما اتشوقت اشوفك واصريت عليها تجيبك معاها الليلة .. وردت اماني بكلمات متلعثمة " البيت منور باصحابه وانا كمان سمعت عنك كتير وكان نفسي اتعرف عليك " واشارت ساريا الى طقم الجلوس الفخم بالوانه القرمزية الداكنة " اتفضلوا ... اتفضلوا اقعدوا وجلست الفتيات وهن يتبادلن النظرات لتضغط ساريا جرس صغير مثبت في الطاولة قربها فاتت الخادمة مهرولة " اعملي لينا عصير كوكتيل وبعد كدة جهزي شاي ومعاه كيك ، ولا عاوزين ايسكريم بسلطة الفواكه يا بنات ؟؟ انتظرت الخادمة بصبر حتى حددت ساريا كل ما تريد ثم اختفت وراء باب كبير في طرف الصالة ... تجاذبوا اطراف الحديث وفجاة نهضت ساريا ووجهت الى مها نظرة متواطئة " مها قومي فرجي اماني على البيت انا عاوزة اتصل بابوي في التلفون وارجع ليكم ... خلي الطابق الفوق بعدين هسة فرجيها تحت بس "
اتجهت ساريا الى المطبخ ووجدت العصير جاهزا بينما انهمكت الخادمة في تجهيز اواني الشاي فاخرجت زجاجة صغيرة من صدرها وصبت منها كمية قليلة في احد الكوؤس وقامت بتحريكه ثم وضعته بطريقة معينة وحملت الصينية وخرجت الى الصالة ، ومن بعيد تناهت الى اذنيها تعابير الاعجاب الصادرة من اماني رشفت من كاسها جرعة كبيرة وامسكت الآخر بيها ثم نادت بصوت عذب " يلا يا بنات تعالوا العصير ما يسخن .. اتفضلي يا اماني .. مها شيلي كبايتك من الصينية ... اشربوا سريع عشان نطلع فوق وتتفرجي على باقي البيت " ومن لهفتها ارتشفت اماني محتويات الكاس بسرعة فائقة اخجلتها ووضعته في الطاولة وهو خال تماماً .. فنهضت ساريا ومدت يدها لاماني " اتفضلي يا اماني وبخطى متأنية تسلقوا الدرجات الى الطابق الثاني وفي الدرجة الاخيرة تعثرت اماني وفقدت توازنها فامسكت بها ايادي ساريا ومها " وتبادلتا نظرة سريعة وقالت مها وهي تتصنع الاهتمام " بسم الله مالك " ردت اماني بحرج " ما عارفة حسيت زي الراسي لفّ لكن هسة كويسة "
قادتها يد ساريا تجاه غرفة في بداية الصالة الواسعة وكانت قد بدات تترنح واتاها شعور يراودها عادة عندما تكون بين النوم واليقظة .. " تعالي اول شئ افرجك على اوضتي وبعدين باقي البيت " اتاها الصوت متضخماً وبعيدا .. وبدت الوجوه امامها وكانها تسبح في غلالة من الضوء وتاخد اشكال مضحكة وما ان وطات قدماها باب الغرفة حتى انهارت وسقطت على الارض وبدت وكانها في حالة نوم حالم او صحو مثقل بالنوم .

افاقت اماني بصعوبة .. كانت الرؤية امامها مغلفة بالضباب ... في البدء لم تحس بشئ وتدريجيا ايقظتها لمسة الحرير الباردة على جسدها العاري فمدت يدها تتحسس ملابسها كانت تفكر ربما ارتفعت اثناء نومها ... ولكن اين هي ؟؟ ما هذا المكان ؟؟ انه ليس بيتهم في القرية .. ولا بيت صديقتها فضيلة ... هل هو السكن الداخلي ؟؟ ظلت الاسئلة الحائرة تدور في عقلها المشوش " اين قميصها ؟؟ لماذا لا ينزل ويغطيها فهي تشعر بالبرد ؟؟ وفجاة احست بالصدمة عندما بدات يد غريبة تتسلل الى منطقة حساسة من جسدها وتستكشف مفاتنها بالحاح وحرارة ... انتابتها مشاعر لم تستطع تفسيرها وصدرت عنها آهة طويلة " ما هذا الذي يحدث لها ؟؟ " كانت تاتيها جمل مبتورة وكلمات عجز عقلها المغيّب ان يستوعب معناها ...
" يلا صوريها كدة دي حتكون صورة رهيبة بس خليها كاملة ... لازم وشها يكون ظاهر "
كانت مها تحس بنشوة غريبة وهي تستكشف جسد اماني المسجى امامها بلا حول ولا قوة تسارعت انفاسها وصمّت ضربات قلبها اذنيها ... حركاتها المحمومة اعطت ساريا اكثر مما تحتاج اليه ... كانت تتحرك بحرفية واضحة لتصور كل الزوايا وفي لحظات معينة كانت تضع كاميرا الفيديو على الحامل لتلتقط بعض الصور الفوتغرافية ... وعندما انتهت من التصوير امرت مها بصرامة
" يلا رشي في وشها شوية موية خليها تفوق وتشوف نفسها كدة " تثاقلت مها عن النهوض ونظرت الى ساريا باستعطاف " خليني شوية بس يا ساريا " صاحت فيها ساريا بحدة " قومي انا ما فاضية لامورك دي هسة فوقيّها سريع قبل ما يرجعوا ناس سهي من برة وتصرخ وتعمل لينا فضيحة فنهضت مها بغيظ واحضرت كوب ماء بارد وصبته بعنف على وجه اماني المحتقن مما جعلها تشرق وهي تفتح عينيها بوهن ... تجولت نظراتها ما بين ساريا التي تحمل الكاميرا وبين جسدها العاري .. ومها المتحفزة بهيئتها الغريبة شبه العارية ... طرفت برموشها لتنفض الماء الذي اغرق وجهها .. سعلت بشدة .. ثم نهضت ببطء ... نظرت الى ساقيها المتباعدتين وبهلع ضمتهما وبدات تبحث عن شئ يغطيها واستماتت وهي ترفع طرف الملاءة لتستر به نفسها .. طفرت دموعها حارة وهي تستمتع الى صوت مها اللاهث " تغطي شنو ؟؟ احنا الدايرين نشوفه شفناه ... وصورناه كمان ... خلاص الموضوع انتهى "
عندما ادركت ما حدث لها بدات تبكي بحرقة شديدة وانعقد لسانها وهي تتذوق دموعها المالحة وهي تترك طعماً مريراً في روحها.
وبكره فصل جديد ..................

Abubakr Ibrahim
13th February 2011, 06:46 AM
الفصل الثامن

خرجت فضيلة من المحاضرة على عجل وهي تسرع الخطى تجاه الشارع الرئيسي بالجامعة حيث تجلس اماني مع اصدقائها الجدد ... كانت قد عقدت العزم منذ يوم امس على مواجهة اماني خصوصا بعد ان صار تغيبها عن المحاضرات والعودة المتاخرة للسكن مثار تعليق بين زميلاتهم ولابد من ان تضع حدا لهذا العبث سوف تهددها بابلاغ اسرتها في القرية وابلاغ عبد الرحمن في السعودية .. ثم تذكرت بالم ان صديقتها لم تعد تذكر شقيقها خصوصا بعد توطد علاقتها بمها ... لكنها سوف تحاول ان تذكرها بحبها الذي كان امل حياتها في يوم من الايام ... لن تستسلم ولن تدع صديقتها تسقط بين براثن هذه الشلة الفاسدة فقد سالت عنهم وتطوع الكثيرون باخبارها عن الشائعات التي تحيط بهم ومع كل معلومة تصلها يزداد خوفها ويتضاعف قلقها .
كانت تسير بخطوات حازمة غير آبهة لنظرات الاعجاب التي تلاحقها ولا بكلمات الغزل المكشوفة التي تعترضها ... من بعيد رات الشلة في مكانها المعهود تتعالى ضحكاتهم و سمعت صوت اماني وهو يعلو بلا حياء واتسعت عيناها دهشة وهي تراها تضرب كفها بالفة مع احد الشابين الجالسين باسترخاء في الكنبة المقابلة ... كان عبد الفتاح اول من راي تقدم فضيلة نحوهم وتضارب احساسه ما بين الفرح والقلق ... لقد اصبحت فضيلة حلما يراود صحوه ومنامه ... وعجزه عن الوصول الي قلبها اصابه بحزن كبير ... لقد اعتمد على مساعدة ساريا التي تبين له انها تسعى بكل قواها للايقاع بها في احضان امجد .. كان ينظر الى قامتها الفارعة وهي تقترب منهم وتمنى لو باستطاعته ان يخفي جميع من حوله ليبقى هو وهي فقط ... ربما يستطيع حينها ان يتخلى عن سلبيته وخوفه من مواجهة احتمال رفضها له.. ربما يستطيع ان يقنعها بحبه العميق لها .. ربما يستطيع ان يحذرها من حقد ساريا ونوايا امجد ...لفتت ملامح وجهه السارح المضطرب انتباه ساريا فلاحقت نظراته لتصطدم مباشرة بوجه فضيلة الفتّان ومع نظراتها التفت الجميع دفعة واحدة وهبت اماني بخوف لتجلسها قبضة مها العنيفة وهي تخاطبها بسخرية
" شنو مالك زي الضربك سلك كهرباء ؟؟ خليك قاعدة مكانك هي العاوزاك يبقى تجيك لغاية عندك " جلست اماني بخضوع وذلة وهي تتجنب النظر الى عيني صديقتها .. ورفعت ساريا راسها بتحدي ووضعت ساق فوق الاخرى وهي تراقب عبد الفتاح عن قرب وضاقت عيناها وهي ترى التعبير الهائم الرقيق في وجهه .. بينما ارتسمت نظرة غريبة غامضة في عيني امجد

السلام عليكم " قالتها فضيلة بحزم ودون ان تنتظر الاجابة مدت يدها وسحبت اماني من مجلسها
" اماني تعالي انا عاوزاك ضروري "
كانت اماني بالكاد تستطيع ملاحقة خطوات فضيلة وهي تجرها وراءها كانها دمية قماش .. لم تجرؤ على الرفض او حتى الكلام ولم تهتم للنظرات الفضولية التي كانت تتابع الموقف بدهشة ... فقد كانت الافكار تتضارب في راسها وبدات بتحضير دفاعها امام هجوم فضيلة المتوقع كانت قطرات العرق البارد تتصبب على وجهها وانقبض قلبها من الخوف وهي تتطلع الى وجه صديقتها الذي اختلط فيه الاصرار مع الحزن ... كيف ستواجهها ؟؟ ماذا ستخبرها ؟؟ هل تستطيع رواية حقيقة ما حدث الاسبوع الماضي في بيت ساريا ؟؟ كيف يكون وقع الكلام عليها ؟؟ هل ستصدق انها كانت ضحية مؤامرة حبكتها مها ونفذتها ساريا ؟؟ ولا شعوريا هزت راسها وهي توقن بانها ستكون الملومة في نظر فضيلة خصوصا بعد التحذيرات التي وجهتها لها اكثر من مرة بضرورة قطع علاقتها بمها وتخوفها منها .. هل سيصدقها أي انسان آخر ؟؟ فالصور التي التقطتها لها ساريا .. والفلم الذي اجبرتها على مشاهدته بعد تصويره بيومين كان دليل ادانتها وتذكرت بمرارة اللقطات الساخنة التي جمعت بينها وبين مها ... ملامح وجهها الغريبة والاصوات التي كانت تصدرها ... اما الصور فهي الكارثة الكبري فقد تجلّت فيها براعة ساريا في التصوير لتظهر اللقطات المهرجانية وكانها تشارك في الامر بكامل رغبتها وارادتها ولكنها غائبة عن الوجود في عالم المتعة التي تعيشها .. اوضاع لم تخطر على بالها وما زالت تحس بالخجل والعار عندما تتذكرها .. لن تصدقها فضيلة ولا غيرها مهما اقسمت ببراءتها وتذكرت التهديد الصريح الذي تلقته من ساريا بعد العرض الفاضح :
" شوفي يا اماني انا ما عاوزة اضرك ولا افضحك .. ولا حاطلب منك تعملي شئ انتي ما عاوزاه مع أي زول ... انا اصلا ما محتاجة ليك من الناحية دي لانو عندي البنات بالكوم اجمل وارقى منك بكتير وواحدة زيك ما بتفرق معاي .. لحظتها احست اماني بالفرح لان ساريا لن تجبرها على ممارسة أي شئ لا ترغبه ... لكن كلمات ساريا اللاحقة جعلت قبلها يغوص داخل صدرها :
" الحاجات دي حتفضل عندي لغاية ما تنفذي لي الانا حاطلبه منك بحذافيره وبعد ما يحصل حاسلمك الصور بالنيجاتيف ومعاها الشريط انتي اصلا ما بتهمينا كتير .. وبالواضح كدة انا عاوزة فضيلة وانتي الحتجيبيها لينا وتجاهلت ساريا الشهقة القوية التي صدرت من اماني وواصلت بكلمات قوية ومهددة " انا حاوضح ليك تعملي شنو ولازم تسمعي كلامي وتنفذيه والا حتلقي صورك معلقة في كل شجرة في الجامعة وشريطك بيتباع في محلات الفيديو ... ثم اضافت بصوت شامت ساخر " دة طبعا بعد ما ارسل منهم نسخ كفاية لكل بيت في قريتكم .. الابالمناسبة هي قريتكم دي اسمها شنو وموجودة في ياتو خريطة ؟؟

لحظتها فقط شعرت اماني بالندم وتمنت ان تعيد عقارب الساعة الى الوراء ... تمنت لو استمعت الى نصائح فضيلة وتدافعت الدموع من عينيها وهي تهمس باستعطاف
" لا يا ساريا .. عليك الله فضيلة لا .. دي بت مسكينة وما عملت ليكم حاجة ... لو مضايقاك انا باخليها ترجع البلد وانفجرت في نوبة بكاء هستيري وهي تتمتم ..فضيلة دي زي اختي عليك الله خليها في حالها "
كانت نبرات صوتها مليئة بالانكسار والرجاء .. ردت عليها مها بغيظ
" اختك ولا امك ما بيهمنا يعني هي احسن منك في شنو ؟؟ وبعدين يا عويرة هي هسة عاملة ليك رعب ولمن تشوفيها كانوا ملك موتك جاك عارفة ليه ؟؟ لانها لسة نضيفة لكن لو جريتيها معاكي بتبقوا زي بعض مش انتي طول عمرك عاوزة تبقي زيها ؟؟ خليها هي المرة دي زيك .. وبعدين انتي لمتين حتفضلي هبلة وماشة وراها زي ظلها ؟؟ اسمعيني يا اماني لو ما نفذتي الكلام البنقوله ليك حتكون فضيلة اول زول يشوف صورك وبس خلاص ما في نقاش في الموضوع دة .. ويكون في علمك من هنا وجاي ما تمشي معاها نهائي وتقعدي معانا طول الوقت عشان تتعود تجيك عندنا فهمتي ولا لسة محتاجة شرح ؟؟".
ونفذت الاوامر برغم صعوبتها فهي قد اعتادت على صحبة فضيلة منذ طفولتهما حتى اصبح تواجدهم سوياً كتواجد الروح والجسد ، لكن لم يكن بيدها حيلة وبات تجنب فضيلة هو هاجسها الاكبر لكن يبدو ان سياسة التهرّب لن تجديها اليوم وعليها ان تواجه الموقف بذكاء حتى لا يفتضح امرها .

كانتا قد وصلتا الى الجزء المنعزل من الجامعة واختارت فضيلة ركنا مظللا بشجرة كبيرة واتجهت اليه وهي ما زالت تمسك بيد اماني باحكام وحالما جلست واجلستها في مواجهتها ثبتت عينيها في وجه صديقتها وسالتها :" اماني انتي عارفة بتعملي في شنو ؟؟ انتي عارفة ليك كم ما دخلتي محاضرة ولا فتحتي كتاب ؟؟ انتي جنيتي ولا شنو ؟؟ وبعدين الناس الانتي ماشة معاهم ديل سمعتهم ما كويسة ... معروفين لا بيدخلوا محاضرات ولا عندهم كبير غرض في القراية السنة بتلاتة سنين وما بيهمهم سواء اتخرجوا ولا لا .. عارفة ليه ؟؟ لانهم ماخدين الجامعة ونسة ومكان لعرض الازياء والعربات " وشاب الحزن صوت فضيلة وشارفت على البكاء وهي تندفع في الكلام :" يا اماني احنا هنا لهدف معين اهلنا لمن وثقوا فينا ورسلونا برانا كانوا عارفين هم ربونا كيف .. اتخيلي لو ابوك عرف بالانتي بتسوي فيه دة حيكون موقفك شنو ؟؟ كانت كلمات فضيلة كطعنات خنجر تقطع جسدها واصابها الفزع ما التلميح الاخير وقفزت من الحجر وهي تلهث : " انتي بتهدديني انك تكلمي ابوي ؟؟ اياكي يا فضيلة خليك في حالك وما تتدخلي في شئوني ومن هسة باقول ليك لو فتحتي خشمك وقلتي أي شئ لابوي انا كمان حاقول الفيك والما فيك "
ردت فضيلة بذهول : " اماني انتي بالجد جنيتي .. شنو اهددك وشنو اقول وتقولي ؟؟ يا بت فوقي انتي الناس ديل عملوا ليك شنو ؟؟ غسلوا مخك ؟؟ عموا عيونك ؟؟ اماني انا خايفة عليك منهم وعاوزة مصلحتك "

ردت اماني بعنف حتى تخفي ضعفها عن عيون فضيلة :" مصلحتي انا عارفاها كويس وقبل كدة قلت ليك ما تعملي وصّي علي ..وبترت كلامها عندما تعالى رنين هاتف وتلفتت فضيلة بدهشة تبحث عن مصدر الصوت فلم يكن في المكان غيرهما لتفاجا باماني وهي تدس يدها في حقيبتها وتخرج منها هاتف نقال صغير وانيق : " موبايل يا أماني ؟؟ دة جبتيه من وين ومتين ؟؟
لم ترد عليها فرؤية اسم ساريا على الشاشة ملاها خوفا وردت بسرعة واضطراب :" الو .. ايوة يا ساريا انا لسة مع فضيلة لكن خلاص خلصنا كلام وراجعة ... لا ما حاتاخر بس مسافة السكة .. اوكيه يلا باي " كان واضحاً انها ترد على تساؤلات ساريا عن اسباب تاخرها
ونظرت الى فضيلة بحرج وهي تقول : " دة جابته لي ساريا هدية "
كانت فضيلة ترتعش من الغضب والالم :" بمناسبة شنو تجيب ليك هدية زي دي ؟؟ وانتي اصلاً محتاجة ليه في شنو ؟؟
ردت اماني بلامبالاة : " بدون مناسبة يلا انا ماشة اتاخرت على الشلة واحنا ماشيين نتغدى برة ... ايه رايك تجي معانا ؟؟ تعالي اتعرفي عليهم الناس ديل ظريفين وانتي ماخدة عنهم فكرة غلط "
بدات اماني بالمسير عندما اتاها صوت فضيلة المتعب من كثرة الجدال : " اماني نسيتي عبد الرحمن ؟؟ وقع عليها السؤال كضربة برق احرقت روحها ولم تلتفت حتى لا ترى فضيلة لمعة الدموع في عينيها وردت بصوت مبحوح :" خلاص يا فضيلة عبد الرحمن لا بقى ينفعني ولا انا بقيت بانفعه " واسرعت تغادر المكان قبل ان تخونها خطواتها ...
وبكره فصل جديد ..........................

Abubakr Ibrahim
14th February 2011, 06:36 AM
الفصل التاسع

كان الظلام والهدؤ يلف مبنى الداخلية الا من اضواء خافتة متباعدة واصوات هامسة متفرقة لا يمكن تمييزها ، وفي الغرفة التي تضم فضيلة وزميلاتها كان احد الاسرة الاربعة خاليا كما هو شانه دائماً فصاحبته لم تكن تتواجد كثيرا في الداخلية تاتي لحظات قليلة لتاخذ اغراض ثم تختفي فاعتاد الجميع عدم وجودها ولم يجرؤ احد على سؤالها اين تذهب ولما تكثر التغيب خارج السكن .. فقد تعمدت منذ البدء على وضع حواجز بينها وبين الاخريات حتى باتت كالشبح بالنسبة لهن .. في السرير الاخر تكورت كتلة غير واضحة المعالم تحت الغطاء ولا يظهر منها غير اصابع قدم تمردت على الاختباء ... على الطاولة المتهالكة جلست فضيلة وهي منهمكة في قراءة كتاب ضخم امامها .. كانت تشعر بالسعادة لان اماني ولاول مرة منذ فترة طويلة اتت الى السكن في وقت مبكر وحيتها بطريقة ذكرتها بصديقتها القديمة لكنها سرعان ما تباعدت عنها وغابت في عالمها الخاص التزمت سريرها وتظاهرت بالنوم .. لم يهمها تباعدها .. المهم انها موجودة ولن تموت قلقاً عليها عندما تتاخر... انقطع استغراقها في القراءة والتفكير عندما سمعت صوت المغنية المشهورة يصدح بدلال ممزقا سكون الغرفة .. تململت الكتلة الساكنة تحت الغطاء وقفزت اماني وهي تلعن سهوها عن اغلاق هاتفها الجوال قبل ان تدخل السكن كما تفعل دائماً وتطلعت الى الشاشة لتنتابها الدهشة وهي ترى اسم عبد الفتاح .. توقعت اتصال مها او ساريا او حتى امجد .. لكن عبد الفتاح ؟؟ ضغطت زر الاستقبال وردت بصوت هامس : " الو .. اهلاً فتاح خير في شنو ؟؟ " تنهد عبد الفتاح براحة شديدة فقد كان يحاول الاتصال باماني يوميا في وقت متاخر حتى يضمن وجودها بمفردها لياتيه صوت الكمبيوتر بان هذا الرقم لا يمكن الوصول اليه ... كانت لهفته تملا صوته وهو يرد : " اماني ؟؟ الحمد لله اني اخيرا لميت فيك ... معليش انا عارف انو الوقت متاخر لكن كنت عاوزك ضروري في موضوع مهم وما عاوز باقي الجماعة يعرفوه لكن الكلام عنه ما حينفع في التلفون ... بكرة برنامجك شنو ؟؟ ردت اماني باضطراب وهي تفكر فيما يمكن ان يطلبه منها فتاح وتضاربت الهواجس في راسها : " البرنامج المعتاد ما في شئ مختلف "
" طيب يا اماني بكرة باي طريقة لازم تلاقيني برة الجامعة في أي مكان تحدديه بس على شرط ما في أي زول من الشلة يعرف انتي ماشة وين .. قولي ليهم داخلة محاضرات مهمة ما بتقدري تفوتيها لانو فيها تسجيل حضور وغياب وانا اوعدك اني ما حأخرك كتير اوكيه ؟؟ "
ترددت اماني في الموافقة على طلبه ... كان عبد الفتاح بالنسبة اليها اكثر افراد الشلة انسانية فهو الوحيد الذي يسالها عن احوالها وعن اهلها .. وكثيرا ما يدس لها النقود خلسة في حقيبتها عندما يتاكد من عدم انتباه البقية ويهمس في اذنها " كل ما اشتغل شغلانة مع الحاج و يجيني منها رزق ليكي فيه نصيب يا اماني .. عشان ما تحتاجي حاجة من زول ... ولو عاوزة زيادة كلميني ما تشيلي من مها وساريا واياكي تغلطي وتطلبي من امجد " جعلها تصرفه الشهم الحنون تحترمه وتميزه عن الباقيين .. اذن ماذا يريد الان ؟؟ هل يعقل ان يطالب بمقابل لما اعطاها .. وهزت راسها لا شعوريا في محاولة لنفض الفكرة المؤلمة ...
" طيب بس اديني طرف الموضوع يا فتاح " احس فتاح بالقلق والخوف في صوتها فاجابها مطمئنا " ما تخافي يا اماني إن شاء الله خير ... حاستناك بكرة الساعة عشرة في موقف المواصلات جوة السوق اديني رنة لمن توصلي وانا حاشوفك وين ومن هناك نحدد نمشي أي مكان .. يلا ما تتاخري علي ومعليش على الاتصال المتاخر ... تصبحي على خير " اغلقت اماني التلفون والتفتت لترى تعابير فضيلة المصدومة .. فاعطتها ظهرها واندست في سريرها بايماءة متحدية .. والتزمت فضيلة الصمت لانها لا تريد الدخول في جدال مع اماني الان .. ربما غدا ستكلمها ...
هبطت اماني من الحافلة وهي تجول بنظراتها في ارجاء المحطة المكتظة بالبشر والسيارات .. وعلى البعد لمحت سيارة عبد الفتاح المميزة بلونها الفضي اللامع الذي يعكس التظليل الداكن في الشبابيك والخلفية .. وبخطوات سريعة اتجهت اليها وفتحت الباب لترى نظرة التحذير في عيون عبد الفتاح وهو يومئ باشارة تامرها بالصمت بينما يواصل حديثه في الهاتف :" ايوة يا ساريا لا ما حاتاخر قلت ليك شغلانة صغيرة لابوي اقضيها وارجع اوكيه ؟؟ يلا باي نتلاقى بعدين " انهى المكالمة والتفت الى اماني التي بدت مذعورة من مجرد سماع اسم ساريا حتى انها لم تسمع اعتذار عبد الفتاح الا بعد ان كرره مرة اخرى " معليش تعبتك يا شيخة " فردت بخفوت " اهلا يا فتاح لا ما في تعب ولا حاجة خير في شنو ؟؟" ابتسم فتاح لقلقها الواضح " يا بت الناس ما تخافي والله عاوزك لخير بس خلينا نقعد عشان نعرف نتكلم "

اختار عبد الفتاح كافتيريا صغيرة منعزلة حتى يأمن ان لا يراه احد من معارفه او اصدقاؤه وجلس في مواجهة وجه اماني الخائف ودخل في صلب الموضوع مباشرة
" اسمعي يا اماني انا عارف انو حيكون عندك راي فيني بحكم اصحابي الانا ماشي معاهم وما باقدر الومك مهما كان رايك " حاولت اماني الكلام فقاطعها بحزم " اسمعيني للنهاية بدون ما تقاطعيني وعلقي بعدين .. اهم شئ عاوزك تعرفيه انو عمري ما اذيت لي بت ناس .. ايوة باعترف اني عرفت بنات بعدد شعر راسي لكن كلهم جوني بارادتهم وبدون أي اكراه .. وبالعكس في منهم الكانوا بيجروا وراي .. عمري ما اجبرت واحدة على شئ هي ما عاوزاه ولا ظلمت واحدة في تقدير مقابل الشئ الادتني ليه " انفرجت اسارير اماني قليلا وهي تفكر " الحمد لله معنى كلامه انو ما عاوز مني شئ من الخطر في بالي .. اراحها هذا الاحساس وبدات تسترخي وهي تستمع اليه ...
" اماني ما تفتكري اني ما عارف البيحصل حواليني شنو .. أنا عارف انو امجد بيخطط مع ساريا ومها عشان يوصولوا لفضيلة وللاسف عاوزينك انتي تكوني الكوبري الحيوصلهم ليها .. وللاسف برضه انتي مجارياهم في خططهم وانجرفتي معاهم تماما ونسيتي فضيلة كانت شنو بالنسبة ليك "
كان لكلماته وقع مؤلم وطعم مرير .. لكنها تعكس الواقع بلا تزيين ... امتلات عيناها بالدموع ولم تستطع الرد فواصل فتاح حديته " معليش عارف كلامي بيالمك لكن دي الحقيقة الانتي متعمدة تغمضي عيونك عنها .. انا عارف انو ساريا عندها طرقها البتخليها تقنع الحجر يسوي ليها أي شئ هي عاوزاه .. عارف اساليبها كلها لاني اتربيت معاها ... اماني انا عاوزك تعتبريني اخوك وبيطلب مساعدتك ... وتغيرت لهجته وامتلات حنانا " انا بالجد حبيت فضيلة يا اماني ومن اول مرة شفتها فيها .. صحي بالاول عجبني شكلها جمالها وجسمها .. لكن بعد كدة لمن شفت ادبها واخلاقها وطريقتها في التعامل مع الناس حسيت انو هي دي المخلوقة الطول عمري بافتش عليها وحاعمل المستحيل عشان ارتبط بيها .. لكن فعلا محتاج مساعدتك لاني بدونك ما حاقدر اعمل أي شئ"
اطرقت اماني وهي تنظر الى مفرش الطاولة بانكسار " وانا باقدر اعمل ليك شنو يا فتاح ؟؟ خلاص ساريا ختت فضيلة في راسها وما ناويه تخليها .. انا كنت مستغربة هي ليه بتكرهها للدرجة دي ويادوبك عرفت السبب .. دة كله عشانك انت يا فتاح ... لانها بتحبك حست بحبك لفضيلة عشان كدة عاوزة تنتهي منها " رد عبد الفتاح بصوت حاد كصرير الاظافر على سطح زجاجي :" ساريا بتحبني انا ؟؟ منو القال ليك الكلام الفارغ دة ؟؟ ساريا دي ما بتعرف تحب .. على الاقل أي زول تاني غير نفسها .. وانا عمري ما اديتها ايحاء باني ممكن احبها او ادخل معاها في علاقة من النوع دة .. أي نعم احنا اصحاب شديد لكن حب ؟؟ لا مستحيل افكر فيها " ضحكت اماني بسخرية " يا فتاح حتى العميان بيشوف حب ساريا ليك وغيرتها المجنونة عليك .. الغيرة الخلتها عاوزة تدمر فضيلة باي طريقة .. ودمرتني انا كمان بسببها "

رفع فتاح راسه ونظر الي عيني اماني برعب " لا يا اماني اوعي تقول ي لي انو ساريا خلاص جرتك لعالمها .. انا كنت عارف انها عاوزة توصل لفضيلة عن طريقك بس ما اتخيلت انك حتجاريها في الشئ دة "" همست اماني بضعف وخجل " فتاح انت قلت لي اعتبرك اخوي عشان كدة انا حاقول ليك الحصل كله ويمكن نقدر نساعد بعض " وباختصار حكت له احداث ذلك اليوم المشئوم ...كان فتاح يستمع بذهول وعندما انتهت اماني من الكلام بدت ملامحه وكانها صخرة صماء لا توحي بشئ ... وظلا صامتين فترة طويلة ثم بدا فتاح الكلام بصوت جامد :" ما كنت متخيل ساريا ممكن توصل للدرجة دي من الحقد والغيرة والرغبة في تدمير انسان تاني ... ما حاكذب عليك وادعي اني ما عارف ساريا بتعمل في شنو ... ويمكن انا كمان كنت جزء من عالمها القبيح دة لفترة طويلة .. بس زي ما قلت ليك ما اذيت انسان ابداً ... يمكن تستغربي انا ليه هسة اتغيرت .. حاقول ليك عشان فضيلة ... حبي لفضيلة فوقني من الغيبوبة الكنت عايش فيها ... نقاء فضيلة حسسني قدر شنو انا انسان وسخان من جوة ... استقامتها وضحت لي قدر شنو انا انسان معووج ... بقيت عاوز اتعدل وانضف عشان اكون جدير بيها لاني متاكد بطريقتي دي مستحيل تفكر فيني حتى لو باملك مال قارون ... انا عرفت من البداية انها نوع مختلف من البنات ما بتغريها المظاهر ولا بتهمها القروش وعشان اوصل لمستواها لازم اتغير عرفتي السبب يا اماني ؟؟
كانت اماني تستمع الى كلماته الحارة بحسرة اختفت منها غيرتها المعهودة من صديقتها ... وطفرت دموعها غزيرة لتصنع خطوط بمختلف الوان مستحضرات التجميل التي وضعتها على وجهها ذلك الصباح فاصبحت ملامحها لوحة مشوهة وكانها تعكس اعماقها في تلك اللحظة ... وعندما لاحظت النظرات الفضولية التي توجهت اليها بدات تمسح دموعها بيديها فاخرج فتاح منديل من جيبه واعطاه لها لتنظف الفوضى التي احدثتها ... وعندما رفعت راسها كانت نظراتها خليط من الحزن والتصميم
" خلاص يا فتاح انا حاساعدك بس على شرط .. لو قدرت تخلصني من تهديد ساريا لي ... لو قدرت تجيب لي الصور والنيجاتيف والشريط ما حاخلي أي زول منهم يوصل لفضيلة ... تعرف يا فتاح لو جبتهم لي انا بالم عزالي وارجع البلد ... القراية الجابت لي المصايب دي زاتها ما دايراها " بدا تردد عبد الفتاح واضحا في صوته المهتز " اوكيه انا حاعمل المستحيل عشان اجيب ليك الحاجات دي .. ما عارف كيف لكن ما باغلب .. وانتي كمان لازم تخليني جوة الصورة واول باول اعرف خططهم شنو عشان اقدر اتصرف ... اليومين دي خليكي لاصقة فيهم اكسبي ثقتهم للاخر .. وريهم انك معاهم عشان يقولوا ليك كل حاجة وتعرفي هم ناويين على شنو ... بس يا اماني برضه باحذرك اعملي حسابك منهم وحافظي على نفسك كويس ما تخلي ساريا تضغط عليك عشان تعملي حاجة انتي ما عاوزاها ... انا عارف انك بت كويسة .. يمكن تكوني شوية اتغيرتي لمن جيتي الجامعة لكن معدنك نضيف وانتي لسة على البر وما غرقتي يعني ممكن تطلعي من الجو الفاسد دة وترجعي زي اول ويمكن احسن لانو التجربة دي اكيد علمتك كتير "
احست اماني وكان عبئا ثقيلا انزاح عن صدرها بعد ان وجدت من تشركه سرها المخزي ... وعد عبد الفتاح لها بمساعدتها اشعرها بانها كائن حي بعد ان احست بالموت لفترة طويلة ارتسمت ابتسامة حقيقية على شفتيها بعد ان خاصمتها لاسابيع مضت ... كانت تسير بخطوات خفيفة فقد قررت ان تمشي حتى الجامعة ورفضت عرض فتاح لتوصيلها كانت تحتاج ان تبقى مع نفسها لبعض الوقت لتراجع حساباتها و تجد الكيفية للخروج من عالم ساريا المخيف الذي دخلته برغبتها واصبحت سجينة فيه .
وبكره فصل جديد ............................

Abubakr Ibrahim
15th February 2011, 06:52 AM
الفصل العاشر

جلس عبد الفتاح بملل علي الكرسي الوثير امام جهاز التلفزيون في غرفته وهو ينظر بذهن شارد الى القناة التي تعرض اغاني غربية هي اقرب للافلام الاباحية منها الى الغناء والرقص حيث يتمايل المغني بحركات هستيرية على خشبة المسرح وحوله مجموعة من الفتيات الجميلات شبه العاريات يرقصن بحركات مثيرة وموحية ... رفع فتاح راسه وتامل السقف .. منذ فترة قصير كانت هذه القنوات ادمانه المفضل عندما يكون بالمنزل وقد دفع في بطاقة فك التشفير مبلغا طائلا ... واعتاد الجلوس لساعات مسمرا عينيه حتى لا تفوته حركة او مقطع من الاغنية .. اما الان فلم تعد تثير اهتمامه .. هناك ما هو اهم ... كان يسترجع احداث اللقاء الذي تم بينه وبين اماني صباح هذا اليوم واعتراه الندم على وعده لها باسترجاع الصور وشريط الفيديو من ساريا لانه ادرك منذ لحظتها صعوبة تنفيذ هذا الوعد فهو لا يتخيل طريقه يمكنه بها اقناع ساريا ان تسلمه لها .. لكن لا بد ان يفعل ... لابد ان يجد طريقة فاماني هي سبيله الوحيد للحفاظ على فضيلة هي امله في الوصول اليها واقناعها بمدى حبه لها ... وهي لن تساعده الا اذا اخرجها من مازق الفضيحة الذي يهددها.
ظل جالسا لفترة طويلة وكانه تمثال حجري فقط صوت انفاسه المضطربة يدل على وجود الحياة فيه قطع تفكيره صوت الهاتف فاخرجه من جيبه ورفعه بشرود الى اذنه ليسمع صوت ساريا الملئ بالتساؤل " فتاح ؟؟ انت وين من امبارح لا حس ولا خبر ؟؟ قلت ماشي مشوار صغير لابوك وما جيت تاني ... شنو يا زول اوعى تكون عملت ليك دروب من ورانا ؟؟ رد فتاح بسام لم يحاول اخفاؤه " اهلا سروية ... كيفك وكيف الشلة كلها ؟؟ المشوار اخد مني وقت اكتر مما كنت متوقع ولمن لقيت نفسي اتاخرت قلت خلاص ما في داعي ارجع الجامعة وجيت البيت طوالي وبعدين انا اليومين دي زهجان شديد عشان كدة قلت اقعد براي وما في داعي ازهجكم معاي " ردت ساريا بدلال مصطنع " زهجان وساريا موجودة ؟؟ لا يا فتاح دي كتيرة منك ؟؟ قول لي المزهجك شنو ؟؟ عاوز شنو ؟؟ طلباتك يا سيد الناس ؟؟ كلمني وانا اوفرها ليك في لمح البصر واخليك مبسوط شديد "

فهم فتاح المعنى المبطن لكلماتها واحس بالاشمئزاز .. أي حب مريض تحمله له ساريا ؟؟ كيف تتطوع باحضار الفتيات اليه وهى تدعي حبه ؟؟ هذا ليس حبا انه شئ آخر قبيح لا يستطيع فهمه او التعامل معه ... لقد اصبح الآن يعرف معنى الحب ... الحب هو ما يحسه تجاه فضيلة ... نهر من المشاعر يسري في عروقه ويملاها نقاء وصفاء ... احساس غامض بالبهجة يهزه بعنف ويشيع الدفء في اوصاله .. يغمره بالحنان والامان والثقة... كانت ساريا تلح " قول لي طلبك شنو ولو داير هسة اجيبه ليك وفي المكان البيريحك ... هو انا عندي كم فتاح ؟؟ كان يستمع الى كلماتها وعقله يعمل بسرعة كبيرة وفجاة لمعت الفكرة في راسه وكان رده مفاجاة لهما معاً " أماني " وساد الصمت بين الطرفين وهما يحاولان استيعاب الاسم الذي انطلق كالقذيفة من فم فتاح " اماني منو ؟؟ المعانا في الشلة ؟؟" كان سؤال ساريا محملا بكل الدهشة التي ساورتها .. فاجاب فتاح بنغمة بذل اقصى جهده لتخرج لامبالية وعادية " ايوة ياها .. يعني احنا بنعرف كم اماني ؟؟ .. ردت ساريا بلهجة مليئة بالشك " دي صاحبة فضيلة يا فتاح " .. " عارف يا ساريا وانا خلاص موضوع فضيلة دة صرفت عنه نظر لاني زهجت وما عندي طولة بال اقعد استنى لمن تتكرم علي بنظرة .. وبعدين انا فكرت في الموضوع من زاوية تانية ... يا اخي امجد دة زول صاحبي وقلت ما في داعي اخسره عشان واحدة ممكن الاقي زيها بالكوم ... انا عارف امجد عاوزها .. ويا ستي رحم الله امرء عرف قدر نفسه .. انا ما باقدر انافسه .. خلاص خليها ليه ..وبعدين اماني ما بطالة بالذات المرة دي الزهجة قوية وعشان تفك عاوزة ليها كرت جديد ما اتحرق قبل كدة .. السكند هاند ما حينفع .. اها قلتي شنو مش هي كرت جديد برضه ولا خلاص موضوعها انتهى ؟؟

كانت لهجة ساريا تتارحج بين الشك واليقين وهي ترد عليه " لا لسة وكالة ما دخلت مجال المستعمل لكن .. قاطعها فتاح بنفس اللهجة اللامبالية " انا غايتو فكرت فيها لكن ما عارف شايف لبسها كله واسع كدة والواحد ما قادر يحدد تحته شنو .. يبدو لي جسمها ما حلو ولا فيه حاجة غلط بتغطيها باللبس الفضفاض "
زال الشك من صوت ساريا الملهوف وهي ترد عليه " لا من الناحية دي ما تخاف .. جسمها حلو وما فيه حاجة غلط انا متاكدة من الشئ دة " وتمالك نفسه كي يجاريها " يا زولة هي متاكدة شنو ؟؟ زهجتي دي عشان تفك عاوزة ليها حاجة كدة ما أي كلام " كان صوت ساريا يعبر عن فرحة حاولت كبتها ولم تستطع " قلت ليك متاكدة لاني شفت بعيني " وتصنع فتاح الدهشة "شفتي بعينك ؟؟ انتي يا ساريا بتغشي علي ولا شنو ؟؟مش هسة قلتي البت كرت جديد وما اتحرق يبقى شفتي كيف ؟؟
" انت بس اصبر شوية وخلي التسرع بتاعك دة ... البت فعلا لسة جديدة وانت حتكون الاول .. لكن انا بطريقتي الخاصة عملت ليها صور وشريط وما تسالني كيف وليه المهم في الموضوع انو دة طلبك زاتو قلت شنو؟؟ لو عاوز هسة باركب عربيتي وانت استناني تحت بيتكم اديك ليهم عشان تتاكد بنفسك "
وحتى لا يثير شكوكها بموافقته السريعة تمنّع عبد الفتاح قائلاً " لا يا ساريا الدنيا ما حتطير من هنا لبكرة ... جيبيهم معاك الجامعة ولما ارجع البيت واشوفهم حاوريك لو دخلت راسي باخليك تدبري الباقي وبرضه حقك محفوظ " احس بامعاؤه وقد وصلت الى حلقه وهو يقول الكلمات التي كانت عادية في يوم من الايام ولكنها الان اصبحت مقرفة وكريهة المذاق ...
" لا يا فتاح دي حتكون هدية مني ليك وما عاوزة منك أي شئ ..اوكيه يا عسل .. واقول ليك كلام اديني فرصة بس لغاية حفلة امجد ما تخلص وشوف بعد كدة لو ما جبت ليك فضيلة زاتها لغاية عندك ما ابقى انا سروية

قفز قلب عبد الفتاح قفزات متتالية لمجرد سماعه اسم فضيلة من فم ساريا وبصعوبة اخفى لهفته وخوفه واصطنع الغضب " حفلة ؟؟؟ حفلة شنو ؟؟ والله انتو بقيتوا اصحاب أي كلام ... امجد عامل حفلة وما كلمني ؟؟ طيب شوفوا البيحضرها منو
وسارعت ساريا بالرد " دقيقة بس قبل ما تحرّد .. والله الموضوع دة اتطرح امبارح لمن كنت في مشوار ابوك ... قلنا كلنا زهجانين وعاوزين نفرفش شوية ... امجد اقترح نعمل حفلة صغيرة في مزرعة ابوه نهاية الشهر لكن والله ما ناقشنا أي تفاصيل وخليناها لمن انت تجي "
" طيب اشمعنى يعني تجيبي لي فضيلة بعد الحفلة ؟؟ هسة ما بنفع ؟؟ حتى عشان تفكي زهجة صاحبك ؟؟ كان يحاول بياس ان يعرف ما يدور براسها ...
" لا يا فتاح هسة ما بنفع.. الحقوق محفوظة وانت عارفني في الشغل ما بجامل ... امجد دفع دم قلبه في البت دي وانا وعدته اجيبها ليه يوم الحفلة باي طريقة ... وامتلا صوتها بالصقيع وهي تواصل " حتى لو جنازة "
ظلت كلمات ساريا ترن في اذن عبد الفتاح لفترة طويلة بعد انهاء المكالمة ... احس ببرد الخوف يعتصر قلبه ويتسلل الى عظامه ... خوفه على فضيلة احال عقله الى بركان يوشك على الانفجار ورغبته في حمايتها ملاته تصميما على خوض الحرب ضد اصدقاءه .. وظل يفكر ويسترجع في راسه اساليب ساريا للايقاع بضحاياها ... أي وسيلة سوف تستخدم للوصول الى فضيلة ؟؟ كيف يتصرف ؟؟ هل يحذرها ؟؟ لن تصدقه فهي تراه معهم وتعتبره مثلهم ... وتحتقره مثل ما تحتقر الباقيين ... فقط لو تدري مدى حبه لها وخوفه عليها ... هذا الحب الذي خلق منه انساناً آخر وطهّر روحه وكانه ولد من جديد ... نظر الى ساعة يده ووجدها تخطت الثالثة صباحاً ببضع دقائق فنهض الى سريره وارتمى عليه بكامل ملابسه وحاول ان يريح جسده المتعب.
وبكره فصل جديد ............................

Abubakr Ibrahim
16th February 2011, 06:49 AM
الفصل الحادي عشر

كانت ترتيبات الحفل تجري على قدم وساق .. وقد اثارت حماسة ساريا دهشة الجميع لانها عادة لا تهتم سوى بالحضور في آخر وقت حتى تضمن لفت انتباه الجميع .. لقد تطوعت باحضار متعهدي الطعام والاتصال بالفنانين .. اوصت بالزينة والاضاءة ... وجهزت الكاميرات الخاصة بها فهناك الكثير مما يستحق التصوير ويصنع مادة دسمة لافلامها ... هي الوحيدة التي كانت تعرف سر حماسها الزائد ... هذه الحفلة سوف تكون نقطة نهاية وبداية لصفحة مهمة من حياتها ... سوف ينتهي كابوس فضيلة الذي جثم على صدرها منذ شهور .. وقد وصلت الى قرار بان تصارح عبد الفتاح بما تكنه له بعد ان تقدم له اماني كآخر قربان في علاقتهما كاصدقاء ..لقد رأي الصور والشريط وابدى اعجابه الشديد بها وطلب منها الاحتفاظ بهم فلم تمانع خصوصا انه لم يلح في السؤال عن السبب أو الكيفية التي تم بها التصوير ... وزال شكها في انه ما زال يكّن أي احساس تجاه فضيلة لان انبهاره الواضح بجسد اماني ورغبته المفرطة فيها اقنعتها بانه قد تخطى التفكير فيها كزوجة محتملة .. اضافة الى تقبله لفكرة حصول امجد عليها وعدم اعتراضه لخططها التي اصبحت تناقشها معه بحذر وبدون تفاصيل وكل هذا لهدف واحد وهو ان تجعله يرى فضيلة في وضع يكون من المستحيل عليه بعده ان يفكر فيها الا كما يفكر في الاخريات ... اما وعدها بتقديمها له بعد الحفل فلن تفي به .. لانها لا تضمن عدم وقوعه في حبائلها مرة اخرى

كان فتاح يجاريها في كل ما تقول وتفعل حتى يستعيد ثقتها وتخبره بافكارها ... واتفق معها على عدم مفاتحة اماني برغبته حتى يوم الحفل .. ومن جانبه وكخطوة لاثبات حسن نيته لاماني سلمها الصور والفلم في نفس المكان الذي شهد لقاؤهما الاول ... كانت اماني منكسرة وذليلة وهي تاخد من فتاح الصور لظنها بانه قد راي ما فيها .. لم تستطع مواجهة نظراته وكانت تكلمه وهي منكسة الراس
" اماني ما تخجلي مني .. احلف ليك اني لا فتحت الصور ولا اتفرجت على الشريط ... انا بس قلت لساريا اني شفتهم عشان تقتنع بكلامي ... المهم هي ما قالت ليك خطتها شنو بخصوص فضيلة ؟؟ الحفلة باقي ليها اقل من اسبوع ولازم اعرف التفاصيل عشان اقدر اتصرف .. انا بتقول لي قشور كلام وما عاوزة تديني تفاصيل"
لم تكن كلمات فتاح كافية كي تشعرها بالراحة .. يكفي انه يعلم محتوى الشريط لتحس بالخزي امامه
" هي اتصلت بي امبارح بالليل وطلبت مني اجي بيتهم الليلة المسا مع مها عشان توريني مفروض اعمل شنو ... اول ما ارجع الداخلية وقبل ما اخش الاوضة حاسوي ليك مسكول وانت اتصل بي عشان احكي ليك الكلام الدار بينا .. وبعد كدة يا فتاح طلعني برة الموضوع دة خالص والباقي عليك براك ... ما تنسى انو نيجاتيف الصور لسة عند ساريا ولو حست انو لي يد في أي شئ انت عارف حيحصل شنو .. هي وعدتني بعد الحفلة تديني ليه .. انا صحي عاوزة انقذ فضيلة .. لكن كمان عاوزة انقذ نفسي عشان كدة ما عاوزة حاجة تربطني بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد لازم ساريا تقتنع اني ساعدتها وجبت ليها فضيلة عشان ترضى تديني الحاجات العندها وبعد كدة وشي ما حتشوفوه "
" ما تخافي يا اماني ساريا مستحيل تربط بينك وبين الشئ الحيحصل .. انتي بس امشي واسمعي كويس وخلي بالك من كل التفاصيل حانتظر رنتك قبل ما تصلي الداخلية ما تتاخرى علي يا اماني انتي عارفة الموضوع دة بيعني شنو بالنسبة لي "
وبكره فصل جديد..........................

Abubakr Ibrahim
19th February 2011, 07:55 AM
الفصل الثاني عشر

تقع مزرعة البصيري في منطقة سوبا المتاخمة للبحر .. لها طريق خاص ومنعزل لا تعرفه الا القلة القليلة من خاصة حسن البصيري او اصدقاء ابنه امجد ... في وسط المزرعة المحاطة بسور عال بنيت فيلا على احدث طراز مكونة من طابقين طليت باللون الابيض الذي تضارب مع القرميد الاحمر في السقوف المنحنية على الطراز الانجليزي القديم ... صنع الاثاث خصيصاً في اسبانيا مما جعلها تحفة تسر النظر من الداخل والخارج ... امام الفيلا مباشرة بني حوض السباحة الكبير على شكل دوائر متصلة ببعضها البعض ويصب فيها الماء من شلال ينحدر من اعلى جبل صناعي تم بناءوه بدقة ليبدو كالحقيقي .. انتشرت في الجو رائحة الازهار والفواكه الناضجة فقد توزعت اشجار المانجو والبرتقال والجوافة بنظام هندسي بديع على تلال الحشيش الاخضر ... الاضاءة المبتكرة احالت الليل الى نهار ... صوت الموسيقى الناعمة يتردد مختلطا باصوات الضحكات المتعالية .. في بوابة المزرعة التي تفتح آلياً جلس رجل الامن في غرفة زجاجية صغيرة يراقب رتل السيارات الفخمة القادمة في الطريق الضيق كان عليه ان يدقق مع قائد كل سيارة حتى يتاكد من وجود بطاقة الدعوة الصغيرة منعا لتسلل المتطفلين

كان شابا قوي البنية شديد السمار تشع عيناه ذكاء تخرج من الجامعة وجلس فترة طويلة وهو يبحث عن وظيفة ملائمة لتخصصه .. وعندما اعيته الحيلة والحاجة الى المال وافق على عرض قدمه له احد اصدقاء والده بالعمل كحارس في بوابة مزرعة حسن البصيري .. وبرغم رفضه لنوع الوظيفة الا انه اضطر لقبولها بعد ان تيقّن من استحالة الحصول على عمل آخر و بعد ان عرف مميزاتها .. كان الراتب مجزياً واكثر بكثير راتب أي وظيفة حكومية سعى لها .. تم اعطاؤه هاتف نقال وسيارة وكثيراً ما اتته الاوامر بالبقاء في الفيلا التي تجعله يشعر بانه انتقل الى عالم آخر لا يمت لواقعه بصلة .. وعند توقيع العقد وجد انهم قد وضعوا شروطاً غريبة جعلته يتخوف من قبول العمل ... كان فحواها ان يغمض عينيه ويصم اذنيه عن كل ما يسمع ويرى داخل المزرعة وان يكون مستعدا للعمل لفترات طويلة قد تمتد الى يومين متواصلين في حال وجود ضيوف .. الشرط الاغرب كان تعهده بعدم ابلاغ أي كان عن مكان وطبيعة عمله ... في النهاية وتحت وطأة الحاجة الى الوظيفة قبل العمل واقنع نفسه بان منصب صاحب المزرعة الحكومي الرفيع ربما يتطلب تطبيق اجراءات استثنائية لموظفيه ... والتزم بالشروط حرفياً فاعتاد على الحفلات التي تقام حتى الصباح واحيانا لمدة ايام متتالية وتعلم كيفية ان يغمض عينيه عن كل ما يجري امامه من اشياء لو تجرا وحكى عنها لوصف بالجنون .. عزل نفسه في القفص الزجاجي قرب البوابة وتظاهر بالجهل والغباء فكسب ثقة صاحب المزرعة وارتفع راتبه الضعف في فترة قصيرة .. كان يتامل المدعوات اللاتي تتراوح اعمارهن ما بين السادسة عشرة ومنتصف العشرين وكن يحمن كالفراشات في ممرات المزرعة وحول حوض السباحة .. ويبدو المنظر وكانه عرض فخم للازياء الراقية والغالية الثمن وتجلت المنافسة فيمن تكشف اكبر مساحة من جسدها او ترتدي اقصر فستان ...رائحة العطور الفرنسية تتمازج بتناغم ناعم وتملا الجو بعبير غامض ...

خلف الحوض بنيت تعريشة طويلة باعواد الخيزران المنسوج باتقان وتسلقت عليها اشجار العنب واللبلاب ...من بين الفتحات تدلت العناقيد الناضجة وهي تعكس ضوء المصابيح الصغيرة التي اندست وسط الفروع ... على طول التعريشة وضعت طاولات مفروشة بالحرير الابيض وصفت عليها الاواني المغطاة وهي ترتكز على قاعدة مفتوحة اوقدت تحتها نار هادئة لتسخين الطعام ... كان هناك بار صغير في آخر الممر ملئ بالمشروبات الروحية المستوردة وكؤوس الكريستال الصغيرة التي ينعكس عليها الضؤ بالاف الالوان ..
داخل احدى غرف الفيلا جلست ساريا وبين يديها مجموعة من الكاميرات تديرها بحرص وهي تتفقد الافلام وتعمل على ضبط العدسات ... ومن لحظة لاخرى كانت ترفع عينيها وتنظر الى مها الجالسة في طرف السرير العريض ويبدو عليها الضيق والضجر ... نظرت بحسد الى الفستان الذي ترتديه وعليه توقيع مصمم عالمي مشهور ... كان من الحرير الناعم بلون العاج يلتصق بجسدها الممشوق ويظهر ثنياته كانه جلد آخر .. مطرز في الاعلى بفصوص من الكريستال اللامع على شكل سيور رقيقة على الكتفين ... شعرها المرفوع الى الاعلى اضفى عليها مسحة من الارستقراطية .. كانت تبدو في غاية الجمال ...
سالتها بصوت ناعم " مالك يا مها ؟؟ شكلك كدة ما مبسوطة الليلة ؟؟ مع انك كنتي متحمسة للحفلة دي لكن هسة قاعدة كانك مجبورة ..في شنو ؟؟
رفعت مها راسها ونظرت الى ساريا بغموض " ما عارفة يا ساريا فجاة جاتني زهجة غريبة من كل شئ وحاسة قلبي مقبوض وما عندي مزاج احضر الحفلة دي "
ردت ساريا بسخرية " غريبة ؟؟!! مع انو الليلة دي بالذات مفروض تكوني مبسوطة ... واضافت بلهجة ذات مغزى .. ناسك كلهم جايين وعندك من هنا للصباح تعملي العاوزاه "
جالت مها بنظراتها في الغرفة الفخمة ثم ركزت نظرتها على ساريا " تفتكري يا ساريا البنسوي فيه دة صح ولا غلط ؟؟

فؤجئت ساريا بالسؤال وصممت برهة وكانها تفكر في رد مناسب ثم ردت بصوت ينذر بالخطر " دي شنو دي ؟؟ صحوة ضمير مفاجاة ولا شنو ؟؟ يا حلوة خلاص فات الاوان على اننا نسال السؤال دة .. بدا صوتها يعلو بعصبية ... وبعدين اسالك سؤال منو البيحدد الصح والغلط ؟؟ احنا ؟؟ احنا مبسوطين كدة واي شئ بيبسطنا يبقى صح .. تاني منو ؟؟ أهلنا ؟؟ ابوي الما عنده شغلة غير الجري ورا النسوان وصرف قروشه عليهم ولا امي الخلتنا من احنا اطفال ومشت عرست ليها راجل تاني وولدت ونستنا خالص ؟؟ ابوكي الما جايب خبرك ولا امك العايشة في عالمها الخاص ؟؟ كانت لهجتها تزداد حدة بمرور الوقت " قولي لي تاني منو ؟؟ المجتمع والناس الحوالينا ؟؟ المجتمع عارف وشايف وساكت ما تساليني ساكت ليه لاني ما عارفة .. اهو ساكت وخلاص .. الناس الحوالينا ؟؟ ياتو ناس ؟؟ الاحنا منهم ولا الباقيين ؟؟ الاحنا منهم ما بيقدروا يقولوا علينا غلط عشان ما يشوفوا نفسهم غلط بالعكس هم محتاجين لينا اكتر مما احنا محتاجين ليهم والفرق بينا وبينهم انهنم متدسيين ورا اوهام الطهر والنقاء وهم اوسخ خلق الله .. لكن احنا معترفين وعارفين روحنا شنو ... باقي الناس ؟؟؟ ديل احنا بالنسبة ليهم صور باهتة وعالم غريب ما عاوزين يعرفوه ولا يصدقوا انو موجود .. وحتى العارفين والمصدقين بينكروا ويقولوا لا .. احنا ما عندنا كلام زي دة ... احنا مجتمع محافظ ... نضيف .. دي كلها اشاعات مغرضة ..ضحكت بمرارة ..ههة.. بيدسوا راسهم في الرمل زي النعام عشان ما يشوفونا .. وبما انهم ناكرين وجودنا احنا كمان ما بيهمنا رايهم ولا تفكيرهم .
كان صوتها قد اصبح مبحوحاً من شدة الانفعال .. وفي عينيها بدت لمعة غريبة كانها دمعة حبيسة وصمتت فجاة بعد ان استنفذت طاقتها في الكلام ثم تمتمت " الله يلعنك يا مها انا كنت مبسوطة لغاية ما رميتي كلامك الزي السم دة وعكرتي مزاجي .. يا ريتك لو ما جيتي انتي لمن حاسة كدة الجابك شنو ما كنتي تقعدي في بيتكم ؟؟
هزت مها كتفيها وواجهت نظرات ساريا بتحدي " انا بس شايفة انو الحتعملوه في فضيلة دة كتير شديد يا ساريا وحرام ... قاطعتها ساريا بغضب جارف " تحرم عيشتك .. انتي يا مها جاية توريني الحلال والحرام ؟؟ انتي نسيتي دورك كان شنو في الموضوع دة ؟؟ هسة عاوزة تعملي لي فيها واعظ ؟؟ هوي يا مها .. فوقي وشوفي انتي بتتكلمي مع منو .. الحركات دي تعمليها على الناس التانيين الما عارفينك انتي شنو .. ما تعمليها على انا .. وبعدين تعالي شنو ماسكاني فضيلة فضيلة ؟؟ هي دي اول مرة نسويها ؟؟ ما جرّينا غيرها كتار .. اشمعنى دي يعني البقت ليك حارة ؟؟ شنو السر الفيها ؟؟
ولدهشة ساريا الشديدة اجابت مها بصوت باك ودموعها تسيل على خديها " يمكن لاني كنت باتمنى اكون زيها .. بنفس اخلاقها ومبادئها .. نفس نضافتها وطهرها .. بافكر انا هسة شنو وكيف وليه بقيت كدة ؟؟
انعقد لسان ساريا من وقع الكلمات الحارة ثم انفجرت بصوت كالرعد " غوري من وشي يا مها قبل ما ارتكب فيك جريمة .. اطلعي برة ... ما عاوزة اشوفك قدامي وهبت واقفة حتى خيل لمها انها قد تضربها فهرولت خارجة من الغرفة واغلقت الباب وراءها واستندت عليه بضعف وهي تجيل النظر فيما يدور حولها وازداد احساسها بالضياع مما تراه .. فتيات في عمر الزهور بملابس تكشف اكثر مما تغطي في اوضاع مخجلة .. شباب يحملون كؤوس الخمر وقد لعبت برؤوسهم فيتكلمون ويتصرفون بلا وعي .. مخدرات توزع بسخاء ... ابواب الغرف تفتح وتغلق في حركة دائبة .. ضحكات خليعة وهمسات مريبة .. احست براسها يدور وانفاسها تنحبس داخل حلقها وكان مرضا ألّم بها .. غمرها الخوف فتحاملت على نفسها وبخطوات متثاقلة جرت قدميها وخرجت وهي تجاهد لالتقاط انفاسها .. اتجهت الى سيارتها وبهدؤ قادتها الى خارج المزرعة .
وبكره فصل جديد ................................

Abubakr Ibrahim
20th February 2011, 06:54 AM
الفصل الثالث عشر

كانت الساعة قد شارفت الحادية عشرة مساء ومبنى الداخلية ينعم بالجو المعتاد في هذا الوقت ... خطوات اماني القلقة تزرع ارضية الحمام الضيقة جيئة وذهاباً وهي تحمل بيدها زجاجة مليئة بسائل يميل لونه الى الاخضر ... كانت ترفعها وتنظر اليها ثم تواصل حركاتها الرتيبة فقد كان عقلها يستعيد تعليمات ساريا في آخر لقاء بينهما .
" الطريقة الوحيدة عشان تقنعي فضيلة انها تطلع معاك في وقت متاخر انك تكوني عيانة بالجد مش تمثيل ومافي مفر من انك تمشي المستشفى ... صاحبتك بتاعت المبادئ دي ما حيهون عليها تخليكي براكي في وقت وظرف زي دة .. انا حاديك شراب تشيليه معاكي ولمن تجي الساعة حداشر بالضبط اشربيه حيعمل ليك مغص شديد ما تخافي واصرخي على قدر ما تقدري خليها تحس انك فعلا بتتالمي واكيد هي الحتعرض عليك تمشوا المستشفى .. مفعول الشراب بيظهر بعد نص ساعة او اقل .. يعني لغاية 11:30 تقريباً وبما انو الوقت متاخر حيكون صعب تلاقوا تاكسي .. اقنعيها انك حتتصلي بواحدة من البنات البتعرفيهم عندها عربية عشان تجي وتوديكم وهي لمن تقولي ليها بت اكيد ما حترفض ... انا حارسل ليكم عربية والزولة السايقاها عارفة تتصرف كيف .. انتي بس خليها تركب وهي مقتنعة انها ماشة معاكي المستشفى والباقي ما ليكي دعوة بيه "
كانت اماني متخوفة من عدم امكانية تطبيق الخطة حسب ما تريد ساريا فيقع اللوم عليها " طيب يا ساريا لو انتبهت انو الطريق مختلف ؟؟ انتو قلتوا المزرعة بعيدة وهي اكيد حتحس اننا ما ماشيين لدكتور اذا الطريق طال شديد .. يمكن تصرخ وحتى تفتح الباب وتنط ... انتي ما بتعرفي فضيلة هي زكية وحتفهم الحاصل شنو ويمكن تفضل الموت على انها تجي مكان ما عاوزاه "
ردت ساريا باستهزاء " ما تخافي احنا عاملين حسابنا على كل حاجة ... العربية احدث موديل ومظللة شديد يعني ما أي شئ بيظهر من برة .. القفل بتاعها مركزي ولو كسرت رقبتها لا تقدر تفتح القزاز ولا الباب ولو ملت الدنيا صراخ ما في زول بيجيب خبرها .. المهم انتي اشغليها بيك وبحالتك لغاية ما تطلعوا برة شوية وبعد كدة في الخلا داك خليها تسوى البتقدر عليه "
" يا ساريا حتى لو وصلنا المزرعة ممكن تصرخ وتجري وما تقدروا تمسكوهها "

كانت ساريا قد بدات تشعر بالسام من مجادلة اماني فردت عليها بحدة " اماني بطلي النقة الكتيرة ... المزرعة دي عالمنا احنا وزي ما بيقولوا الداخل فيها مفقود والطالع منها مولود .. هي لو وصلت هنا خلاص ما عندها مفر ... مهما جرت حتمشي وين ؟؟ الا اذا كانت عاوزة تبقى وليمة لكل من هب ودب في المزرعة ... صدقيني هي لمن تشوف الوضع براها حتمشي مع امجد بدل ما اخلي كل الكلاب الهنا تنهشها .
واضافت ساريا بحنق " بس لو ما امجد رفض فكرة اننا نخدرها لغاية ما توصل هنا كنا ارتحنا من مشاكل وتعقيدات كتيرة .. قال شنو .. عاوزها واعية وفايقة عاوز يحس بكل حركاتها وما بيهمه لو صرخت لانو عارف ما في زول بيتجرا ويدخل الاوضة .. وهو زاتو الوقت داك منو الفاضي ولا واعي عشان يسمعها " وصمتت اماني وهي لا تجروء على مجرد التفكير فيما يمكن ان يحدث لو لم يلتزم عبد الفتاح بوعده في اخراجهم من هذه الورطة قبل وصولهم الى المزرعة .. وما ان خرجت من بيت ساريا واستقلت سيارة الاجرة حتى اتصلت به واخبرته بكل التفاصيل ... لقد شلّ الخوف تفكيرها من قتامة الصورة التي رسمتها ساريا لفضيلة .. استمع لها فتاح بكل انتباه ثم اخبرها ان تتبع خطة ساريا بحذافيرها ولكن عليها ان تتصل به قبل ان تشرب الشراب فاجابته بخوف حقيقي
" فتاح انت عارف لو ركبنا العربية دي معناها شنو ؟؟ معناها خلاص ما في أي شئ تاني ممكن يخلصنا .. انت متاكد انك بتقدر تتصرف قبل ما نوصل المزرعة ؟؟

كانت لهجة فتاح حازمة " اماني انتي لسة ما عرفتيني كويس ... ويمكن ما قادرة تتخيلي انا ممكن اعمل شنو عشان احافظ على فضيلة مستحيل اخلي أي انسان يلمس شعرة من راسها عشان كدة امشي في الموضوع وتاكدي انو ما في شئ حيحصل ليكم " لحظتها احست بالحزن لانه لم يخفي دافعه فهو يفعل كل هذا من اجل فضيلة فقط ولم يذكرها .. لكنها ابتلعت حسرتها وذكرّت نفسها بانها تستحق كل ما يحدث لها .. ليس مهما ان يراعي عبد الفتاح مشاعرها ... المهم ان ينقذهم من هذا الوضع .
مع دقات الساعة الحادية عشر توقفت خطواتها .. وبتردد هزّت الزجاجة وفتحتها وعلى الفور تصاعدت منها رائحة كريهة كانها اعشاب متعفنة ... اغمضت عينيها وسدت انفها بيد وبالاخرى تجرعت السائل دفعة واحدة .. احست برغبة في التقيؤ لكنها تماسكت واغلقت فمها باحكام حتى ابتلعت كل الشراب وضمنت وصوله الى معدتها ... وبخطوات مترنحة اتجهت نحو الغرفة .
عندما فتحت الباب كانت شاحبة كالاموات وجسدها يرتعش بقوة مما جعل فضيلة تقفز على قدميها وتتقدم نحوها وهي تسالها بانزعاج واضح " مالك يا اماني ؟؟ ليه شكلك كدة ؟؟ انتي عيانة ؟؟ حاسة بشنو ؟؟واحاطتها بذراعيها بحنان جعل الدموع تطفر من عيني اماني وتزايد خوف فضيلة وعلى صوتها القلق استيقظت الفتاة الاخرى ورمقتهم باستغراب " في شنو يا جماعة مالكم ؟؟ ردت فضيلة " معليش ازعجناك لكن اماني عيانة شديد تعالي ساعديني نختها في السرير

وخلال فترة قصير بدا الالم يقطع احشاء اماني وغمرها العرق وانتفض جسدها بشدة وتعالت اناتها .. كانت فضيلة تشعر بالعجز امام حالة اماني المتدهورة فجلست قربها تحتضنها وتمسح العرق بيديها وهي تخاطبها " الليلة انتي اكلتي وين واكلتي شنو ؟؟ يكون تسمم ؟؟ لازم نمشي المستشفى حالاً انا حاقوم البس واجي البسك يا اماني " وتطوعت الفتاة الاخرى بالذهاب ايضاّ وهي تردد " الله اعلم نلاقي لينا تاكسي زي المواعيد دي " ومن بين انقباضات الالم تكلمت اماني بصوت ضعيف
" هاتي تلفوني من الشنطة يا فضيلة " التفتت الفتاتان بدهشة لطلبها " اماني !! تلفون شنو هسة كدي خليني البسك عشان نمشي سريع قبل ما تتعبي اكتر من كدة "
صرخت اماني من فرط الالم ومدت يدها تسحب حقيبتها وبعناء استطاعت ان تخرج جملة مترابطة " هاتي التلفون حاتصل بواحدة صاحبتي عندها عربية تجي تودينا .. ما حنلقى تكسي في الوقت دة "
رمقتها فضيلة بقلق فهي لا ترتاح لركوب سيارة غريبة حتى لو كان السائق فتاة .. ولكنها امام حالة اماني الحرجة لم تكن تملك الا الموافقة فاعطتها الهاتف وباصابع مرتجفة ضغت اماني على الرقم الذي اعطته لها ساريا لياتيها الرد فوراً .. وطلبت منها اماني الحضور بسرعة فقد كان الالم اقوى مما تخيلت وفاق قدرتها على التحمل .. احست وكان الحياة تتسرب من جسدها رويداً رويداً .. وبدات تفكر بان هذه قد تكون آخر لحظاتها في الدنيا .. وبدات تنتحب بصوت عال لفت انتباه جميع الغرف القريبة فاتت البنات وهن يتدافعن لمعرفة ما يدور ... كانت فضيلة تبكي لالم صديقتها وهي تواسيها .. اصبري يا اماني هسة نمشي المستشفى ويعالجوك وتبقي كويسة .. كانت تتطلع الى الساعة بقلق فقد مضت ربع ساعة منذ الاتصال اين هذه الفتاة ؟؟ وكأن الهاتف تجاوب مع تفكيرها فارتفع رنينه وردت زميلة الغرفة لتعلن وصول صاحبة السيارة ... نظرت اماني من بين دموعها وهالها العدد المتجمع من البنات امام باب الغرفة وعلى راسهم المشرفة على السكن وقد تطوع الجميع لمرافقتهم مما اشعرها بالياس فهمست في اذن فضيلة " فضيلة انا ما عاوزة أي زول يمشي معاي المستشفى غيرك .. ما تخلي زوي تاني يمشي معانا بس انتي يا فضيلة " واندهشت فضيلة من طلب اماني الغريب فقد ارادت ان تحظى برفقة زميلاتها والطمانينة التي توفرها في هذا الوقت المتاخر من الليل لكنها لم تجادل اماني خوفا عليها واعتذرت من الجميع برقة مؤكدة لهم بان صديقة اماني سوف توصلهم الى المستشفى وتعيدهم منها .. وساعدت اماني على النهوض وامسكتها باحكام وبخطوات وئيدة سار الجميع حتى الباب الخارجى حيث توقفت سيارة حديثة الطراز باللون السماوي الفاتح ونزلت من امام عجلة القيادة فتاة جميلة وانيقة .. فتحت الباب الخلفي فدخلت فضيلة واجلست اماني ووضعت راسها على حجرها لتهدئة ارتعاش جسدها وتحركت السيارة تحت نظر المجموعة القلقة التي رافقتهم حتى الباب.
وبكره فصل جديد .....................................

Abubakr Ibrahim
21st February 2011, 06:55 AM
الفصل الرابع عشر

كانت عروق ساريا تنتفض غضباً اثر نقاشها الحامي مع مها ... احست بتزايد حقدها تجاه فضيلة التي تسببت في وقوف صديقتها بوجهها لاول مرة خلال علاقتهما الطويلة .. كانت تحمل سيجارة بيد وكاس بالاخرى .. وبلا انذار فتح باب الغرفة والتفتت لترى امجد واقفا ويبدو عليه التوتر والانتشاء فقد شرب عدة كؤوس منذ وصوله وفقدت عيناه برودهما المعتاد ولمعتا ببريق حاد تعرفه ساريا حق المعرفة وراته في عدة مناسبات .. كان جسده متوترا كنمر يستعد للانقضاض على فريسته ومن خلال قميصه المفتوح حتى منتصف صدره رات ساريا تقلصات عضلاته القوية ... كانت تمسحه بعيون متفحصة وركزت نظراتها على منطقة معينة من جسده ثم ابتسمت بخبث وهي تخاطبه " امجد اهدا شوية .. كدة ما حينفع ... الجماعة ديل يادوبك اتحركوا من الداخلية ومحتاجين اقل شئ نص ساعة عشان يوصلوا هنا .. وبعد كدة احنا ما عارفين حنتعامل كيف مع الاسمها فضيلة دي ... قالوا عنيدة شديد وممكن تفضل الموت ولا تديك أي شئ برضاها ...
رد امجد بلامبالاته البغيضة " موت ؟! موت شنو ؟! كلهم بيقولوا كدة في البداية .. وبعد شوية بيكونوا ميتين في حاجة تانية ...بس انتو وصلوها لي هنا وخلوا الباقي عليّ ... والتفت بحركة عصبية " هم اتاخروا ليه يا ساريا ؟! انا تعبان وحاسي روحي حانفجر .. اضربي ليهم تلفون وقولي للزولة السايقة الشوراع فاضية زي المواعيد دي خليها تسوق سريع "
كانت حركاته القلقة وكلماته الموحية تنشر جوا غريبا في فضاء الغرفة جعل ساريا تتحرك تجاهه بنعومة وتشده الى الداخل وتغلق الباب ... تعلقت بيده وهي تتامل ملامحه الوسيمة " امجد .. تعال اقعد وروّق شوية انت بحالتك دي ما حتقدر تعمل أي حاجة ..ما تنسى انو البت ورقة جديدة ومحتاجة معاملة معينة وانت كدة ممكن تقتلها تحت ايدك .. خليني اهديك شوية .. وبدات تفك البقية الباقية من ازرار قميصه ويديها تتحرك بخبرة .. نظر اليها امجد بدهشة ... فساريا لا تعطي نفسها الا في حالات نادرة .. اضافة الى انها لا تجذبه من هذه الناحية لان ذوقه مختلف تماما عن تكوينها الصبياني النحيل .. لكنه لم يكن في حال يسمح له بالاختيار فتقبل تصرفها بامتنان لانه كان بحاجة فعلية للاسترخاء حتى يستطيع ان يتعامل مع فضيلة بهدؤ ... وسرعان ما تجاوب مع حركاتها الخبيرة لتدخله الى عالم يحفظان دروبه عن ظهر قلب ...
كانا منغمسين كلية لدرجة انهما لم يعيرا انتباهاً للصرخات الخائفة التي تعالت في الخارج .. ولا دبيب الاقدام الثقيلة وهي تقترب من باب الغرفة حتى انفتح الباب بعنف وضرب الحائط بصوت كانفجار قنبلة ... وقفز الاثنان برعب وهمّ أمجد باطلاق الشتيمة على من تجرا واقتحم عزلته لتواجهه نظرات صارمة لرجل يحيط به جو من السلطة فابتلع كلماته وتجمد في مكانه بينما انكمشت ساريا في طرف السرير وهي تتمسك بالغطاء وتحاول تغطية جسدها العاري ..
تكلم الرجل بصوت عميق " مباحث أمن الدولة" والتفت الى آخر يرافقه " شيلوهم وختوهم مع الباقيين في العربات " يلا قوموا " وهنا فقط تشجع امجد وحاول ان يبدو بمظهر القوي المتماسك ووجد صوته ليخاطب الرجلين " انتو منو الاداكم الاذن تدخلوا هنا ؟؟ انتو عارفين انا منو وابوي منو ؟؟ احسن ليكم تنسحبوا من سكات والا بتلفون واحد بكرة كلكم بتلقوا نفسكم في السجن ... وانحشرت بقية الكلمات في حلقه عندما راي النظرة الغريبة للرجل الذي كان يتقدم نحوه بخطوات ثابتة ومتحفزة "انعل ابوك وابو اليوم الخلى واحد زيه يقعد في مكان زي دة .. هو احنا الرجعنا ورا شنو غير نوعية ابوك دي ؟؟! ورفع يده الخشنة وهوى بها على وجه امجد بقوة جعلته يشهق وطعم الدم يملا فمه .. ووجه كلماته الى ساريا التي شارفت على الاغماء " قومي يا بت البسي هدومك ولا عاوزة تمشي كدة ؟؟
احست ساريا بخوف لم يرادوها طيلة حياتها ... اصبح جسدها كالهلام ... ولاول مرة منذ فترة طويلة يعود اليها ذلك الاحساس البغيض بعدم الامان وفقدان الثقة في نفسها وفي الظروف التي تحيط بها .. احساس كانت تظن انها قد تجاوزته منذ سنوات طويلة .. تحديدا منذ انفصال والديها وزواج امها برجل آخر ... كانت تنظر الى رجل المباحث بذعر واصابعها تقبض باحكام على الملاءة التي تلف بها جسدها .. رمى لها احد الرجلين ملابسها التي كانت مبعثرة في الارض وعقد ذراعيه ووقف يراقبها .. كانت تتعثر كطفلة صغيرة لا تعي ما يدور حولها فخاطبها الرجل ساخراً " مالك ؟؟ خجلانة ؟؟ هو نوعكم دة بيعرف الخجل ؟؟ يلا يا بت خلصينا ولا اجّرك من شعرك واوديك كدة ؟؟ وكان الآخر يعطي امجد ملابسه فامره الذي يبدو اعلى سلطة ... خليه يلبس الملابس الداخلية بس ويطلع البوكس كدة عشان نشوف ود منو حيعمل لينا شنو ؟؟
عندما خرجوا من الغرفة كانت ممرات الفيلا وطرقات المزرعة تعجّ بالرجال الصارمين وهم يقودون الفتيات المنهارات والرجال المذهولين الى سيارت الشرطة التي اصطفت في شريط طويل ... كانت علامات الصدمة مرسومة على كل الوجوه لم يكن احد يدري ماذا يجري أو لماذا اتت الشرطة ؟؟ بعض الفتيات اغمى عليهن من الخوف مما جعل وضعهن في السيارات اكثر صعوبة ..حتى حارس البوابة كان مذعوراً فعندما راي السيارات القادمة ظنها مزيدا من الضيوف وخرج من قفصه الزجاجي ليتحقق من الدعوات ليفاجا بسيارات الشرطة وهي تتبع بعضها بصمت وهدؤ ... امروه بفتح البوابة ولم يكن امامه خيار سوى الامتثال لاوامرهم وظل يراقبهم باستسلام وهم يداهمون الغرف والبقع المظلمة في المزرعة فجلس على الارض وهو يرى كل شئ حوله يتهاوى ولم تاته الجراة للاتصال بمالك المزرعة ليخبره ما يحدث ... وفي لحظات تم ضبط كل ما وجد من مشروبات روحية ، محدرات ، اجهزة الفيديو والافلام .. وخلال ساعة واحدة كانت المزرعة قد غرقت في ظلام دامس وصمت مميت ..
وبكره فصل جديد ....................................

Abubakr Ibrahim
22nd February 2011, 06:27 AM
الفصل الخامس عشر

كان قسم الحوادث في مستشفى الخرطوم يعج بالحركة اثر وقوع حادث تصادم بين حافلة تحمل اسرة كاملة كانت في طريق عودتها من حفل عرس وسيارة صغيرة فقد قائدها السيطرة عليها نتيجة السرعة الزائدة مما ادى لمقتله هو وزوجته التي كانت تجلس في الكرسي المجاور على الفور في مكان الحادث كما اصيب معظم ركاب الحافلة اصابات بعد ان انقلبت الحافلة الصغيرة من شدة الصدمة .. انتشرت الدماء في كل مكان وتعالى أنين الجرحى وحشرجات المحتضرين ... كان الجو مشبعاً برائحة الموت .
أحست فضيلة بالضياع وسط هذه الفوضى .. كانت تسند اماني التي اصبحت كالخرقة البالية بكلتا يديها وهي تنادي طلباً للمساعدة .. لم يعرها احد انتباهاً فقد كان الجميع منهمكين في انقاذ مصابي الحادث .. لم تدري الى اين تتجه وبمن تستغيث بعد ان هجرتهم صديقة اماني عند بوابة المستشفى وولت الادبار كانها تهرب من عدو يلاحقها .. احست فضيلة بغرابة الموقف لكن وضع اماني المتدهور لم يترك لها مجالاً للتفكير .. فمنذ ان استقلوا السيارة لم تنطق الفتاة كلمة واحدة كانت تقود ببراعة وسرعة فظنت فضيلة انها تركّز على الطريق أمامها .. ثم بدات اماني تتقيأ باندفاع شديد اغرق كل شئ حولها ووصل رزازه الى عجلة القيادة مما جعل الفتاة تسب وتلعن بصوت مسموع وهي تخاطب اماني الفاقدة الوعي " يا الله وسختى لي العربية ... دة جلد اصلي الانتي استفرغتي فيه دة ... ما كان تستفرغي برة ولا تنتظري لمن نوصل ... هسة الريحة دي البيطلعها شنو ؟؟ الا اغيّر فرش العربية كلو "

احست فضيلة بالحرج وتمتمت معتذرة ... معليش هي ما حاسة بروحها وانا حانضف ليك العربية اول ما نوصل المستشفى ... حدجتها الفتاة بنظرة غاضبة خلال المرآة ولم تكلف نفسها عناء الرد وظلت تهمس بعبارات الاستياء التي جعلت فضيلة تفكر " سبحان الله ... العربية ولا البني آدم ؟؟ دي صاحبة شنو دي يا اماني ؟؟ انتي عاوزة تموتي وهي بتفكر في الفرش الاتوسخ " وفجاة بدات اماني تنتفض بقوة وصرخت فضيلة عندما رات لونها يتحول الى الازرق الداكن ولم يعد بمقدورها السيطرة على حركاتها .. اوقفت الفتاة السيارة ونظرت الى الخلف وهالها منظر الفتاتين الغارقتين في سائل اخضر كريه الرائحة وجسد اماني الذي فقد لونه وينتفض بقوة .. احست بالرعب فما رأته امامها لا يبشر بالخير وبدات تفكر ماذا سيحدث لو ماتت اماني الآن في سيارتها ؟؟ لقد وافقت على طلب ساريا باحضارهما الى المزرعة لكن الوضع الحالي اصبح شديد التعقيد وهى تجزم بعدم امكانية الوصول الي هناك مع حالة اماني التي تسؤ اكثر فاكثر في كل لحظة تمر .. هي تدين لساريا بالكثير ولكن ليس لدرجة تحمّل وجود جثة فتاة لا تعرفها في سيارتها ... وهي لا ترغب بالتورط في مثل هذا النوع من المشاكل ..
كانت لا تزال في وسط الخرطوم فكرت قليلاً ثم ادارت السيارة وعادت بها الى الاتجاه المعاكس نظرت اليها فضيلة بخوف " انتي راجعة ليه ؟؟ احنا لازم نوصل المستشفى سريع .. اماني تعبانة شديد " ردت الفتاة بحنق " ما احنا راجعيين المستشفى .. ولم تكن فضيلة في حال يسمح بالجدال فصبت اهتمامها على صديقتها التي اصبح جسدها باردا كالثلج .. وخلال بضع دقائق اوقفت الفتاة السيارة امام مبنى الحوادث وامرت فضيلة " يلا شيلي صاحبتك وانزلي سريع كفاية البلاوي الشفتها منكم " لم ترد عليها فضيلة وفتحت الباب وبدات في سحب جسد اماني وهي تفكر " ياتو نوع من الصحبات انتي الله يلعنك " وما ان انزلت قدمي اماني وهي تدور بعينيها بحثاً عن شخص يساعدها حتى قادت الفتاة سيارتها بسرعة كبيرة ودون ان تغلق الباب الخلفي .

اخيراً تطوع شاب لمساعدة فضيلة في ادخال اماني الى مبنى الحوادث وعندما راي ضحايا الحادث انتابه الشك في ان يهتم احد بحالتهما ... احس بالشفقة تجاه الفتاتين فاجلسهما واخبر فضيلة انه سوف يغيب بحثا عن احد اقربائه الذي يعمل طبيبا بالمستشفى ليعاين اماني ... وفي غيابه حاولت فضيلة ان تنادي احدى الممرضات لتشرح لها حالة صديقتها وتطلب عونها .. فرمقتها الممرضة بغيظ وردت عليها باستهزاء " الناس بتموت من حادث حركة وانتي بتقولي لي المعاك عندها مغص ؟؟ وديها الحمام احنا ما فاضيين لدلع البنات الفارغ دة " وغادرت بدون ان تعطي فضيلة فرصة لتوضيح وضع اماني الحرج احست فضيلة بالعجز وقلة الحيلة وسالت دموعها بغزارة .. من بعيد ظهر الشاب برفقة طبيب لا يكبره كثيرا في السن ... ونقلوا اماني الى احدى الحجرات الضيقة المتسخة .. وطلب الدكتور من ممرضة تنظيف الفوضى الناتجة عن التقيؤ حتى يستطيع معاينة اماني " الزولة دي شكلها متسممة ولازم نعمل ليها غسيل معدة حالاً ... كل الاعراض بتقول تسمم حاد .. إن شاء الله نقدر نلحقها " اتت الممرضة مهرولة وهي تلهث " يا دكتور ما في أي غرفة عمليات فاضية بسبب الحادث الا ننتظر شوية " رد الدكتور بقلق " ما في طريقة ننتظر لو السم اتمكن منها اكتر من كدة حيفوت الاوان على انقاذها ... اقعدي معاها وانا حاتصرف " ركض خارج الغرفة وفضيلة تتبعه بعيون غائمة ..كانت تمسك بيد اماني وتحاول افاقتها " اماني قومي .. وريني مالك .. فيك شنو ؟؟ اصحي يا اماني ... اتكلمي معاي .. كانت تنظر الى عيني صديقتها المغمضتين بامل ولهفة .. وعندما جاوبها الصمت انهارت قواها وانخرطت في البكاء ..

نظرت اليها الممرضة بفضول وهي تتامل خصلات شعرها التي انتشرت بفوضى آسرة على وجهها الجميل وسالتها " اختك ؟؟ " اومات فضيلة ايجاباً بعد ان اختفى صوتها من شدة البكاء... وهمست الممرضة لنفسها " سبحان الخالق الاداك الجمال دة كله .. الله يحفظك من العين الحاسدة يا بتي " .. رجع الطبيب وبانفاس مقطوعة قال للمرضة " يلا اسحبي معاي النقالة لقيت ليها غرفة عمليات فاضية " وتدافع الجميع لجَر النقالة في الممرات الطويلة القذرة حتى وصلوا الى غرفة بدت وكانها مهجورة .. ودخل الطبيب والممرضة بعد ان امر فضيلة بالانتظار خارجاً .
وبكره فصل جديد ...................................

Abubakr Ibrahim
23rd February 2011, 06:50 AM
الفصل السادس عشر

صدرت صحف الصباح التالي ونبأ ضبط الشبكة التي تدير اعمالاً منافية للآداب يتصدر عناوين الصفحات الاولى .. كان الباعة المتجولون يحملون الصحف وهم يهتفون " تعالوا اقروا .. شبكة اولاد العزّ ... التفاصيل الكاملة " سجلت مبيعات الصحف في ذلك اليوم اعلى مستوى لها .. حتى الذين اعتادوا على تاجير الصحيفة او قراءتها وقوفا امام الباعة لم يستطيعوا مقاومة اغراء العناوين المثيرة فقاموا بشرائها
( مداهمة مزرعة مسئول حكومي كبير بعد بلاغ من مجهول )
( تورط ابناء شخصيات بارزة في الشبكة التي تم القبض عليها )
(احراز وضبط كميات كبيرة من الممنوعات داخل مبنى المزرعة )
غطت هذه الاخبار على كل ما عداها من احداث محلية وعالمية فلم يهتم احد لخبر حادث التصادم الاليم الذي نتج عنه وفاة عشرة اشخاص كما مر مرور الكرام نبا وفاة طالبة جامعية بحالة تسمم غذائي حيث استبعدت الشرطة احتمال الشبهة الجنائية وقررت تسليم الحثة الى ذويها .
خرجت القرية الصغيرة عن بكرة ابيها لاستقبال جثمان اماني وقد هزت صدمة وفاتها المفاجئة الجميع بلا استثناء .. لم يستطع والدها المنهار ان يذهب لاستلام جثة ابنته الشابة التي كان يعقد عليها امالا عريضة بعد تخرجها من الجامعة .. فتطوع الكثيرون من اهل القرية للذهاب .. تراصت النساء عند مدخل القرية وارتفعت اصوات العويل .. حتى الرجال والاطفال سالت دموعهم عند سماع كلمات اخواتها المنغمة وهن يخاطبن شقيقتهن التى خطفها الموت في غفلة من الجميع.. وانهارت معظم النساء لحظة انزال الجثمان من السيارة تمهيدا لغسله ودفنه ...

ومع الحزن الغامر اطلت الشفقة من عيون الجميع عند رؤية فضيلة المذهولة .. لم تكن تبكي بصوت مسموع ولكن على خديها الشاحبين انحفر اخدود من الدموع .. بدت وكانها تقدمت بالعمر عشر سنوات دفعة واحدة ... كانت تتحرك بصعوبة وهدؤ مخيف ... ارتمت بين ذراعي امها التي ضمتها طويلا وهي تحاول حملها على البكاء فقد اخافها صمت ابنتها الغريب .. وظلت فضيلة تتنقل بين الاذرع المواسية لفترة طويلة وهي لا تعي ما حولها فمنذ اللحظة التي خرج فيها الطبيب من غرفة العمليات منكساً راسه احست بان شيئا ما قد حدث لاماني .. حاول ان ينقل لها الخبر برقة ولكن كيف يكون خبر فقد الاحباب رقيقا ؟؟
" أنا آسف والله بذلت كل مجهودي لكن قضاء رب العالمين سبقنا .. السم كان خلاص اتمكن منها والغسيل ما جاب نتيجة ... اصبري واحتسبي .. الله يرحمها ويغفر ليها ... احنا حنتفظ بالجثة لغاية الصباح ولازم نبلغ البوليس .. بعد ما تخلص الاجراءات هم حيوضحوا ليك متين ممكن تجوا تستلموها .. انا حاكتب في تقريري انو تسمم غذائي .. واضح انها اكلت شئ لانو السائل الطلع كان تقريبا اعشاب وبقايا اكل عشان كدة انا شايف ما في داعي للتشريح الا اذا كان للبوليس وجهة نظر تانية " وصمت الطبيب عندما احس بانه يكلم الفراغ فقد تجمدت فضيلة تماماً ولم تعد تسمعه منذ ان اخبرها بوفاة اماني .. صديقة عمرها .. رفيقة طفولتها وصباها .. مستودع اسرارها .. في تلك اللحظة كان شريط ذكرياتهما معا يمر في عقلها ويحجب عنه استيعاب حقيقة موتها والالم الناجم عنه كانت ملامحها صورة مجسدة للحزن والصدمة مما اخاف الطبيب من احتمال تعرضها لانهيار عصبي .. فامسكها من ذراعها واجلسها على كنبة خارج باب الغرفة واسند ظهرها على الحائط ثم التفت الى الممرضة " جيبي لي حقنة مهدئة سريع وشوفي سرير فاضي حتى لو في عنبر وخلينا ننقلها لغاية ما يظهر زول بيعرفهم .. انا ماشي اكتب التقرير وابلغ البوليس بالحالة ...

عندما استيقظت فضيلة وجدت الشمس تغمر وجهها من نافذة عريضة خلف السرير ومن حولها رات مجموعة من العيون القلقة الباكية .. كانت نظرات زميلات السكن والمشرفة تدل على علمهم بما حدث لاماني .. فقد اهمهن تاخر الفتاتين حتى الصباح فاتين في وقت مبكر لاستكشاف الامر .. وكان وقع الصدمة قاسيا على الجميع .. تمكنوا من نقل فضيلة الى السكن وتولت المشرفة امر الاتصال بالقرية لارسال من يستلم الجثمان ومعه فضيلة الغائبة في عالم آخر .
احتاج اعادة فضيلة الى حالتها الطبيعية الكثير من الوقت والرعاية .. فبعد ان تفرق الناس كل لحياته واصلت فضيلة صمتها المخيف ورفضت العودة الى الجامعة .. اعتزلت الجميع حتى شقيقها الحبيب محمد لم يستطع ان يخرجها من عزلتها وصمتها .. كان قلب والدها ينفطر حزناً كلما مر بالغرفة حيث تجلس متقوقعة في طرف السرير تحتضن المخدة وتنظر الى الفراغ.. واحست ست البنات بالقلق والحزن على فلذة كبدها وقتلها الخوف من فقدانها هي الاخرى .. كانت تتناوب مع زوجها للجلوس بالقرب من فضيلة وقراءة القرآن في راسها والتحدث معها لساعات طويلة وعندما يحل بهما الارهاق تاتي صفاء ومحمد ليحلوا مكانهم .. وعندما ظلت فضيلة على حالها استمع ابوها لمشورة كبار اهل القرية واقام عدة ليال لختم القرآن .. و رجع عبد الرحمن من السعودية مبتلعاً صدمته بفقدان اماني كي يواسي اخته المكلومة ..

بعد مرور شهر على وفاة اماني استيقظت صفاء على صوت آذان الفجر مختلطاً بصوت آخر غريب لم تستطيع ان تتبينه في البداية .. كانت الغرفة مظلمة الا من ضؤ خفيف ياتي عبر شق الباب من الممر الخارجي .. احست بالخوف فقد كان الصوت مكتوما .. متألماً كانه حيوان جريح يعاني سكرة الموت ... ثم تعالى ليصبح نشيجاً عميقاً متواصلاً ..قفزت صفاء بفزع واضاءت النور لتجد فضيلة جالسة في منتصف سريرها وهي تحتضن المخدة و تنتحب بحرقة ولوعة .. كان جسدها الذي صار نحيلاً من شدة الحزن يتحرك الى الامام والخلف بعنف رتيب بينما انهمرت دموعها كالسيل ... تضاربت داخل صفاء مشاعر الفرح والالم والخوف على شقيقتها الحبيبة التي لم تسمع صوتها ولو همسا منذ فترة طويلة .. وصرخت تنادي " امي الحقي فضيلة بتبكي .. ابوي تعال فضيلة بكت .. وفي لحظة تدافع الجميع الى داخل الغرفة وتسمروا في اماكنهم وهم يرقبونها .. كان الاستاذ اول من تحرك فرفع راسه وتمتم بدعاء شكر مع نهاية الآذان ثم هرول الى سرير ابنته واحتضنها بحنان وهو يغالب الدموع التي ابت الا ان تسيل لتبلل لحيته تبعته ست البنات وصفاء وعبد الرحمن ومحمد ليجتمع منزل الاستاذ كله في سرير صغير ...
تدريجيا بدات فضيلة تستعيد عافيتها وان ظلت شهيتها للاكل ضعيفة .. وبرغم قلة حديثها الا ان الجميع كان يحس بالسعادة عندما تنطق كلمة واحدة ... واجهشت ست البنات بالبكاء عندما رات شبح ابتسامة مرتسما على شفتي ابنتها وهي تستجيب لمداعبات شقيقها الصغير ... وبعد مرور شهرين على الوفاة ااصبحت فضيلة شبه طبيعية لكنها رفضت باصرار العودة الى الجامعة برغم محاولات اسرتها المستميتة لاقناعها بمواصلة دراستها ... وفي عصر احد الايام اتى والد اماني وطلب الانفراد بفضيلة وجلس معها وقتا طويلاً وعندما خرجت من الغرفة كانت عيونها منتفخة من البكاء لكنها اعلنت بانها سوف ترجع الى الجامعة في بداية الاسبوع القادم وتحاول ان تعوّض ما فاتها ... لم يسال أي منهم عن فحوى الحديث او كيف اقنعها هذا العجوز بما عجز عنه الجميع لمدة شهر كامل ...
وبكره فصل جديد...............................

Abubakr Ibrahim
24th February 2011, 07:01 AM
الفصل السابع عشر

عندما ظهرت فضيلة في مدخل الجامعة تجمع حولها الكثير من الزملاء والزميلات وهم يقدمون واجب العزاء ... ومن بعيد كان هناك شبح هائم بين الاشجار يرقب دخولها الذي انتظره منذ شهرين ...
عبد الفتاح الذي جعله حبه لفضيلة ورغبته المفرطة في حمايتها يبلغ الشرطة عن من كانوا صحبه وحتى يضمن اخذ بلاغه بجدية سعى للحصول على رقم احد اقرباء والدته العقيد في مباحث امن الدولة .. واتصل به في هاتفه المتحرك من هاتف عمومي .. ودون ان يعّرف عن نفسه اعطاه معلومات كاملة عن مكان المزرعة وصاحبها والممارسات التي تحدث فيها ... وحتى يضمن وصول قوات الشرطة قبل السيارة التي تقل فضيلة واماني بفترة طويلة .. تطوع بتمرير معلومة كاذبة عن صفقة مخدرات ضخمة سوف يتم تسليمها في المزرعة عند الساعة الحادية عشرة مساء .. استغل اللغط الذي يدور عن استغلال حسن البصيري لنفوذه والسلطة الممنوحة له في تحقيق مكاسب خاصة اضافة الى تورطه في العديد من الصفقات المشبوهة .. وادرك ان المعلومة التي ادلي بها سوف توافق هوى الكثيرين الذين يرغبون في الحصول على دليل يدعم الشائعات مما يسمح برفع الحصانة عنه واخضاعه للتحقيق... لم يحس بتانيب الضمير لكذبته لانه في قرارة نفسه كان مقتنعا بانهم يستحقون ما سوف يصيبهم .. وعندما قرا الاخبار في صحف اليوم التالي احس بالارتياح واستطاع ان يغفو قليلاً بعد ليلة طويلة امضاها ارقاً وهو يفكر في كل الاحتمالات .. خصوصا بعد ان حاول الاتصال بهاتف اماني عدة مرات بلا فائدة ..

ايقظه رنين الهاتف من نومه المتقطع لياتيه صوت مها المنزعج .. اصيب بدهشة حقيقية فقد تخيل انها ضمن المجموعة التي تم القبض عليها ورد عليها بصوت مذهول " مها ؟؟!ّ " وكانت لهفة مها للحديث اكبر من قدرتها على تمييز نبرة فتاح الغريبة " فتاح ؟؟ سمعت بالحصل ؟؟ انا ما قادرة اصدق .. حاسة اني باحلم .. احلم شنو ؟؟ دة كابوس .. مستحيل يكونوا قبضوا على ساريا وامجد وبقية اصحابنا .. وبدات تبكي بصوت هستيري فسالها عبد الفتاح بحذر " انتي مش كنتي هناك ؟؟ كيف قدرتي تهربي ؟؟ ومن بين شهقاتها شرحت له تفاصيل مشاجرتها مع ساريا والتي تركت بعدها الحفل وغادرت عائدة الى منزلها .. صمت عبد الفتاح فترة ثم رد عليها بصوت هادئ
" تعرفي يا مها برغم كل شئ لكن انتي ربنا بيحبك لانو مرقك من هناك قبل ما يحصل الحصل دة "
سكتت مها عن البكاء وتنهدت بعمق واجابته " والله يا فتاح انا ما بتذكر متين وقفت في مصلاية ولا صليت .. لكن الليلة الصباح لمن البت الشغالة جابت لي الجرايد وقريت الحصل اول شئ عملته مشيت اتوضيت وصليت .. قلت يمكن ربنا ما يقبل صلاتي لاني غلطت كتير في حياتي .. لكن برضه صليت وشكرته لانه طلّعني من الفضيحة دي وسالته يغفر لي .. واضافت بنبرة مستعطفة .. مش ممكن يغفر لي يا فتاح ولا خلاص ذنوبي بقت اكبر من الغفران ؟؟ ... لحظتها احس عبد الفتاح بسلام يغمر روحه من كلمات مها البسيطة المترجية واجابها بهدؤ " يا مها ان الله غفور رحيم وهو عالم بالجواك .. ولو انتي ولا انا ولا أي مخلوق رجع ليه بنية صافية اكيد حيغفر ويسامح "
وكانما اراحتها كلمات عبد الفتاح وفتحت امامها بابا من الامل " يبقى انت برضه الله بيحبك يا فتاح عشان ما جيت من اصله .. الا انت ما مشيت ليه ؟؟.. رد فتاح بسرعة " أنا مشيت بس متاخر شوية ولمن وصلت هناك لقيت الموضوع خلاص انتهى "
" طيب يا فتاح هسة حنعمل شنو ؟؟ حنتخلى عن ساريا وامجد ؟؟ مش لازم نقيف معاهم ؟؟ ديل برضوا اصحابنا ..
" لا طبعا اكيد ما حنخليهم .. اول ما الامور تستقر ونعرف مكانهم بالتحديد نمشي نزورهم ونشوف الوضع كيف ..
كان عبد الفتاح يتابع تقدم ساريا البطئ وهو يسترجع وقائع زيارة ساريا وامجد كل في سجنه بعد اسبوع من القبض عليهم .. كان امجد حانقاً ولا مباليا وهو يتشدق .. " انا ما شايل هم .. بكرة ابوي يطلعني من هنا والكلاب العملوا كدة حيندموا على اللحظة الختوا فيها رجلهم جوة المزرعة "
اما ساريا فقد كانت منهارة وضعيفة وفقدت هالة القوة التي كانت تحيط بها ... قابلتهم بعيون دامعة وكلمات منكسرة
" تخيلي يا مها لا ابوي ولا واحد من اخواني جا زارني لغاية الان .. جاتني سهى مع امي بالدس منهم .. واضافت بسخرية ذكرت مها بصديقتها القديمة " اخيرا امي اتذكرت انو عندها بت وجات تشوفها .. بس يا خسارة بعد فوات الاوان "
بعد الزيارة علموا بان حسن البصيري قد اوكل اكبر المحامين للدفاع عن امجد بينما اقنع عبد الفتاح والده بتوكيل محام عن ساريا بعد ان رفض والدها التدخل في الموضوع وكان يقول امام الجميع " دي لا بتي ولا باعرفها .. دي ختت راسي في التراب وكسرت ظهري .. انا ضحيت بكل شئ عشانها هي واخوانها ... رفضت اتزوج عشان ما اجيب ليهم مرت ابو تعذبهم .. نسيت نفسي عشان خاطرهم .. وفرت ليها شئ ...كان ناقصها شنو عشان تعمل كدة ؟؟ خلوها تدخل السجن عشان تتادب ... انا متبري منها ليوم القيامة "

كانت القضية قد اصبحت قضية راي عام مما جعل اجراءتها تسير بسرعة وحددت لها جلسة قبل انقضاء الشهر ...قبل مواعيد الجلسة بيومين اختفى امجد البصيري من سجنه بطريقة غامضة ... وكثرت الاشاعات عن تورط عدد من رجال الشرطة في تدبير عملية هروبه خصوصا بعد تناثر الهمس عن المبالغ الطائلة التي دفعها والده لضمان تهريبه خارج البلاد قبل بدء المحاكمة ...
كان ينتظر انفضاض الجمع من حوال فضيلة بصبر وهو يتذكر تلك الايام عندما فشل المحامي في تخفيف الحكم عن ساريا خصوصا بعد هروب امجد فنالت حكما بالسجن لمدة اربعة سنوات بينما تراوحت بقية الاحكام ما بين ستة اشهر وسنة لبقية المجموعة .. تذكر انهيار ساريا في القفص وبكاء سهى التي عصت اوامر والدها وحضرت المحاكمة .. بعدها باسبوع اتصلت به مها لتودعه فقد قررت السفر مع خالها المقيم بالمدينة المنورة والبقاء هناك لفترة " طيب والجامعة يا مها ؟؟ انتي باقي ليك سنة واحدة حرام تضيعيها وتمشي .. ردت عليه بحزن غريب عن طبيعتها " جامعة شنو يا فتاح ؟؟ هو احنا لينا وش تاني نخت رجلنا في الجامعة ؟؟ احنا محسوبين على بعض وقضية ساريا وامجد انتهت مننا كلنا .. يمكن دة يكون عقابنا في الدنيا خليك من عقاب الاخرة .. انا قررت امشي مع خالي عشان اقعد في مسجد الرسول واتشفع بيه لربي يمكن يغفر لي ذنوبي العملتها ..انت بس ادعي لي يا فتاح وانا كمان حادعي ليك احتمال ربنا يقبل دعانا .. يلا مع السلامة وخلي بالك من نفسك ولو يوم قررت تجي السعودية اكتب عندك دة تلفون بيت خالي .. اتصل بي وحاكون سعيدة اسمع صوتك واعرف اخبارك .. اعطته الرقم واغلقت السماعة .

كانت فضيلة قد وصلت الى منتصف الممر عندما انسل عبد الفتاح من وراء الاشجار وقطع المسافة الباقية بسرعة قبل ان تخونه شجاعته .. فمنذ ان سمع بوفاة اماني وهو يشعر بالذنب لانه حثها على المضي في الخطة التي تسببت بموتها .. كثيرا ما سكنت احلامه خلال الفترة الماضية واحس بانه لن يستطيع التخلص من هذا الاحساس الا بعد مصارحة فضيلة بكل ما حدث وطلب الصفح منها ان لم يستطع طلبه من اماني .. كما كان بداخله امل ضئيل ان تحس بمدى حبه لها بعد ان تدرك ما فعله من اجلها ... وبهذا الامل فقط استطاع ان يتحمل نظرات زملاؤه المستهجنة وغمزاتهم كل ما مرّ بهم وتجنبهم له كانه وباء معد .. لم يبال بالعزلة التي فرضت عليه فقد اعتادها ... لم يكترث بكل ما حوله واستمر في الحضور يوميا وكان يهيم في الممرات وبين القاعات بانتظار اليوم الذي تعود فيه فضيلة .. لقد طال انتظاره .. لكنها هاهي امامه .. تغيرت كثيراً .. فقدت الكثير من وزنها .. واحاط بها جو ثقيل من الحزن انعكس في عينيها الجميلتين فبدتا اغمق لونا .. اكثر عمقا واشد لمعانا وكأن هناك دموع حبيسة تنتظر بلهفة كي تنهمر .. وبرغم هذا ما زالت رائعة الجمال .. اوجع حزنها قلبه وتمنى لو يستطيع ان يضمها الى صدره ويربت على شعرها .. تمنى ان يمتص المها ويخفف عنها ما تحس به ..
فؤجئت فضيلة بجسد عبد الفتاح يسد عليها الطريق فرفعت راسها ونظرت اليه بشرود .. في البدء لم تتعرف عليه فهو ايضا تغير كثيرا خلال الشهرين الماضيين ...اصبح نحيلاً.. وتوارت ملامحه خلف لحية كثيفة تغطي معظم وجهه .. اختفت النظرات العابثة وحلت مكانها نظرة هادئة متاملة متضرعة .. مد يده وهو يخاطبها " ازيك يا فضيلة .. البركة فيكم .. وفاة اماني كانت صدمة لينا كلنا ... الله يرحمها ويغفر ليها .. ويصبرك على فراقها "

بعد تردد مدت فضيلة يدها وبادلته التحية بصوت خفيض اذاب قلبه وسرت في جسده رعشة قوية عندما احس بملمس كفها الناعم وهو يغوص في عمق يده .. فاغمض عينيه حتى لا ترى مدى تاثيرها فيه .. وفتحهما عندما سمع صوتها القلق وهي تسحب يدها " انت من شلة ساريا مش كدة ؟؟ رد فتاح بسرعة " كنت ... هسة خلاص ما بقت في شلة زي ما اكيد عرفتي "
نظرت اليه فضيلة بوجوم " عرفت ؟؟ عرفت شنو ؟؟
كان واضحا انها لم تسمع بالاحداث التي اعقبت موت اماني فاحس فتاح بالحرج واجابها وهو يتفادى النظر في عينيها
" حصلت حاجات كتيرة يا فضيلة واتمنى لو تديني الفرصة عشان احكي ليك " هزت فضيلة راسها عدة مرات وردت عليه بحزم " معليش بس انا ما عاوزة اسمع أي شئ عنكم ... احنا الرابط الوحيد بينا كان اماني .. وتهدج صوتها وهي تضيف ...خلاص اماني راحت .. يبقى ما في داعي تحكي لي أي حاجة حتقولها ما بتهمني .. عن اذنك وراي محاضرة .. اعطته ظهرها وبدات المسير عندما سمعت كلمات فتاح التي جمدتها مكانها " حتى لو كان الحاقوله ليك عن اماني وسبب موتها ؟؟
ببطء شديد التفتت اليه وفي عينيها تعبير مصدوم وسالته بهمس متحشرج " سبب موت اماني ؟؟ اماني ماتت بتسمم من حاجة اكلتها برة الجامعة .. في سبب تاني غير كدة ؟؟ انت عارف حاجة تانية ؟؟ اتكلم .. قول لي في شنو ؟؟ وبدا صوتها يعلو مما اخاف عبد الفتاح من احتمال انهيارها ان هو اخبرها بما لديه من معلومات .. حاول تهدئتها " اسمعي يا فضيلة انا عارف حاجات كتيرة متاكد انو بيهمك تعرفيها .. بس دة لا الوقت ولا المكان المناسب عشان نتكلم فيها .. امشي خلصي محاضرتك وارجعي تلقيني منتظرك "
كانت علامات الشك والتردد تملا وجهها " لو عندك حاجة زي ما بتقول كلمني بيها هسة وهنا .. انا ما عندي استعداد اقعد معاك في أي مكان .. واشك انو اصلا عندك كلام عاوز تقوله .. شنو ؟؟ خلاص اماني ماتت عاوزين تقبلوا عليّ انا ؟؟

قاطعها فتاح بصرامة " لو سمحتي يا فضيلة .. انا جاد جدا وعندي فعلا معلومات عن سبب موت اماني بدليل صاحبتها الجات ساقتكم من الداخلية عشان توديكم المستشفى " وعلى الفور صمتت فضيلة فلهجة عبد الفتاح والمعلومة التي ادلى بها تدل على انه فعلا يعلم الكثير عن الموضوع .. التقت نظراتهما لفترة طويلة واحس فتاح كانها تحاول اختراق عقله وروحه لتعرف مدى صدقه واخيرا ردت عليه بكلمات مختصرة " قعدة برة الجامعة لا .. انتظرني في الكافتيريا بعد نهاية المحاضرات " وواصلت مسيرها بخطوات ثابتة تجاه قاعة المحاضرات .
اختار عبد الفتاح طاولة بعيدة في ركن منعزل وجلس بانتظار فضيلة .. كان يحاول ان يرتب افكاره ليحدد ما يجب قوله وما لا يجب .. في النهاية قرر ان يصارحها بكل شئ .. ربما يستطيع ان يكسب احترامها وثقتها ان لم يكن حبها .. أي احساس من فضيلة سوف يشعره بالرضا والسعادة ...
كانت جلسة طويلة ومؤلمة لكليهما .. لم تتوقف فيها دموع فضيلة من الجريان وكأن نهراً سكّن عينيها .. لكنه نهر مالح يصب مباشرة في قلب عبد الفتاح المثخن بالجراح .. كانت ملامحها تتبدل من الصدمة والحزن الى الخوف والذهول ثم الاشمئزاز والالم وهي تستمع لكلمات عبد الفتاح الذي حكى كل شئ بصراحة ووضوح .. عندما انتهى خبات فضيلة راسها في ذراعيها المضمومتين امامها على الطاولة وبكت كما لم تبك من قبل .. توزعت نظرات عبد الفتاح القلقة بينها وبين من حوله... شعر بالراحة لعدم وجود كثير من الطلاب في المكان ...
بعد فترة طويلة بدت لعبد الفتاح دهرا رفعت فضيلة راسها وهاله منظرها .. واحس فورا بالندم لاخبارها كل التفاصيل .. وايقن بانه قد خسرها للابد .. ومن نظراتها تاكد من استحالة الحصول على أي احساس منها غير الاحتقار والغضب .. وهل يستطيع ان يلومها ؟؟

كان لصوتها برودة الثلج وهي تخاطبه دون ان تنظر اليه " عمري ما كنت متخيلة انو في شر بالصورة دي .. ولا انو البني آدم ممكن ينقلب لشيطان .. انتو قايلين نفسكم شنو ؟؟ عشان الله اداكم القرش ممكن تشتروا أي شئ حتى الناس ؟؟ وحتى لو ما عارضين نفسهم للبيع ؟؟ .. انتو ما عندكم اخوات ؟؟ بترضوا العملتوه في بنات الناس دة يحصل ليهم ؟؟ ولا خلاص ضميركم مات لدرجة ما في شئ بقى يهمكم ؟؟
حاول ان يوقف سيل الحمم المنهمر من فمها فقد اوجعه الى حد كبير " فضيلة ارجوك اسمعيني " قاطعته بحدة وهي ترفع كفها الرقيق امام وجهه " ما عاوزة اسمع اكتر من كدة كفاية السمعته ... بس الحاجة العاوزة اقولها ليك انو ذنب موت اماني معلق في رقبتكم كلكم لغاية ما تخشوا التراب .. وانا لولا عاوزة استر صاحبتي بعد موتها عشان خاطرها وخاطر اهلها كنت مشيت البوليس وبلغت عن الانتوا عملتوه فيها وبالذات المخلوقة الاسمها ساريا دي .. دي مستحيل تكون انسان من لحم ودم .. دي الشيطان ذاته يخاف منها .. واضافت بلهجة تقطر مرارة " هي موجودة في ياتو سجن ؟؟" نظر لها فتاح باستغراب " في سجن امدرمان بتسالي ليه ؟؟
احتضنت دفاترها وحملت حقيبتها وغادرت دون ان ترد عليه ...
وبكره فصل جديد ....................................

Abubakr Ibrahim
26th February 2011, 07:23 AM
الفصل الثامن عشر

عندما دخلت ساريا غرفة الزيارات في السجن جالت بنظراتها تبحث عن وجه مالوف .. لقد شعرت بالدهشة عندما اخبروها بان هناك من اتى لزيارتها .. فمنذ صدور الحكم النهائي في قضيتها لم يزرها احد .. حتى سهى لم ترها مرة اخرى بعد الجلسة الاخيرة .. يبدو انها انصاعت لاوامر والدهما القاضية بنسيان اختها .. اما اصدقاء الامس الذين كانوا يستميتون في لقاءها ووصالها فقد اختفوا بكل هدؤ ... حتى عبد الفتاح زارها مرة واحدة فقط وبدا مرتبكاً وكان يتفادى النظر اليها مباشرة .. جلس معها فترة قصيرة لدرجة لم تتح لها فرصة شكره على وقوف والده بجانبها .. بدا وكانه يؤدي واجبا ثقيلا وسرعان ما تمتم بكلمات عن انشغاله ومضى لا يلوي على شئ ... احزنها موقفه دوناً عن الباقيين ..فقد توقعت وقفته بجانبها وتفهمه لوضعها .. هو الوحيد الذي رافقها منذ الصبا وعاش معها كل ما مرّت به في حياتها .. هو الوحيد الذي اعطته قلبها وفعلت كل ما فعلت من اجل الاحتفاظ به في حياتها .. لحظة مغادرته بعد الزيارة السريعة ادركت انها لن تراه مرة اخرى ..وفي هذه اللحظة فقط أحست انها فقدت كل شئ ..

توقفت عيناها فجأة عندما اصطدمتا بوجه فضيلة الساحر .. تجمدت في مكانها ولم تنتبه الى ان فمها ما زال فاغراً الا بعد ان احست بلفحة هواء تتغلغل داخل حلقها وتحرقه .. احست بامواج من الحقد والغيرة تتلاطم بداخلها ولم تجتهد لاخفائها فظهرت في عينيها وفي حركات جسدها .. تحركت بتثاقل تجاه فضيلة التي كانت تجلس بهدؤ مثير وعيناها مركزتان على ساريا التي بدت بملابس السجن المتواضعة وبدون مساحيق التجميل الباهظة الثمن كانها فتاة مشردة .. ضائعة .. ازداد جسدها نحولاً فاصبحت كصبي تنكَر في زي فتاة .. فقدت ملامحها الشاحبة كل مظاهر الغرور والتعالي .. وبدت عليها معاناة حياة السجن الشاقة ..
تقدمت وجلست بتحدي على الكرسي المواجه لفضيلة وتاملتها بوقاحة ونطقت بصوت يقطّر كرهاً ومرارة " انتي ؟؟ الجابك هنا شنو ؟؟ جاية تشمتي فيني ؟؟ متخيلة انك انتصرتي عليّ ؟؟ اصحح ليك معلومة يا شاطرة .. لازم تعرفي انو انا ساريا .. ومهما حصل حافضل ساريا .. بكرة الايام تمر وحاطلع من هنا يا فضيلة .. وصدقيني ما حانساك ووين ما تكوني حاوصلك .. ووقتها ما حارحمك .. انتي السبب في كل الحصل لي وحاعرف كيف انتقم منك ..
كانت فضيلة تنظر اليها بتركيز شديد وهي تستمع الى كلماتها الحاقدة .. واخيراً ردت عليها بصوت ثابت واضح النبرات ..
" تعرفي يا ساريا انا جيت هنا وفي راسي كلام كتير عاوزة اقوله ليك .. بس بعد ما شفتك وسمعت كلامك حسيت اني ما عاوزة اقول ليك غير حاجة واحدة .. انتي انسانة مريضة ومحتاجة علاج ..قفزت ساريا من كرسيها لدى سماعها هذه الجملة وصرخت " انتي بتقولي علي أنا مجنونة ؟؟ الجن اليجننك .. انتي جاية عشان تشتميني .. بتستغلي اني هنا وما حاقدر ارد عليك ؟؟ اصبري علي يا بتاعت الاقاليم انتي .. وشوفي ... قاطعتها فضيلة بلهجة صارمة ونظرات حازمة ..

" اسكتي واقعدي اسمعيني للنهاية .. تعرفي انا أول مرة في حياتي اكره لي انسان .. ايوة انا باكرهك يا ساريا وباتمنى تقعدي في السجن دة لغاية ما تموتي وتمشي للعقاب الحقيقي الحيخليك تتمني ترجعي الدنيا تاني وتقدري تصلحي العملتيه ... الزيك ما مفروض تعيش وسط الناس العاديين .. انتي شيطان ما انسان .. وواصلت بنفس القوة التي جعلت ساريا ترتمي على كرسيها وبعيون متسعة تنظر الى فضيلة التي منحها غضبها قوة وصلابة وزادها جمالاً .. كان صدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال .. تناثرت خصلات شعرها على وجهها في حلقات ناعمة .. ارتفع انفها الذي زاده نحول خديها شموخاً .. بدات الاعين الفضولية تنتبه للنقاش الحاد وساد صمت غريب الغرفة وكأن الجميع اصاخ السمع .. كانت الكلمات تندفع من فم فضيلة بحرارة والم .." انا عرفت كل حاجة انتي عملتيها عشان تجريني للوحل الكنتي عايشة فيه .. لكن للاسف في طريقك اتسببتي في موت انسانة بريئة ما ليها ذنب " ردت ساريا بسخرية " برئية ؟؟ دي منو البرئية دي ؟؟ ههة الظاهر عليك انك كنتي مغشوشة في صاحبتك .. قاطعتها فضيلة ببرود " اياك تقولي كلمة واحدة عن اماني .. على الاقل هي عاشت وماتت شريفة .. حتى لو غلطت انا مسامحاها وربنا حيغفر ليها لانه عالم بنيتها " الدور والباقي عليك انتي شوفي بعدين حتمشي وين من حسابه .. دة لو كنتي اصلا بتعرفي الله ..
هبت فضيلة من كرسيها ونظرت من علوها الى ساريا الجالسة وهي تكاد تنفجر غيظاً " كلمة اخيرة باقولها ليك يا ساريا ... احتمال انتي قدرتي تغتالي فضيلة بنات كتار وتخليهم يمشوا معاك في دربك المعووج .. لكن فضيلة محمد زين لا .. وتاكدي برضو انو في بنات كتار زيي وعمرك ما حتقدري توصلي ليهم مهما عملتي" عارفة ليه ؟؟ لانه عندهم حاجة انتي ما بتفهميها ولا بتعرفيها .. حاجة اسمها الشرف والاخلاق والدين والتربية .. ما تتخيلي انو اي واحدة ممكن تتنازل عن الحاجات دي عشان خاطر التوافه الانتو شايفنها مهمة .. وحاستناك يا ساريا لمن تطلعي واشوفك حتعملي شنو .. انا ما خايفة منك ومستعدة اقيف قصادك وصدقيني حتندمي لو فكرتي يوم تتعرضي لي ..
بخطوات واثقة فخورة غادرت فضيلة الغرفة تتبعها نظرات الموجودين المبهورة ...
وبكره الفصل الأخير ..............................

Abubakr Ibrahim
27th February 2011, 06:47 AM
الفصل الاخير

كان صوت الرعد يصم الاذان .. ولمعات البرق تخترق النوافذ والابواب المغلقة ... تنهد محمد زين بضيق .. فالمطر المنهمر منذ بداية الليلة قد يمنعه من الوصول الى المسجد لاداء صلاة الفجر الذي صار وشيكاً ... كان يجلس في كرسيه المعتاد في وسط الصالة الدافئة وبيده المصحف وهو يتلو القرآن بصوت رخيم .. ومن خلال الباب المفتوح اتته رائحة اللبن المقنن واللقيمات مختلطة بعبق بخور التيمان الذي اعتادت ست البنات وضعه في المطبخ يوميا قبل الصلاة .. كانت همسات زوجته وابنته صفاء تاتيه متباعدة وهن يتجاذبن اطراف الحديث في المطبخ وبين الحين والآخر تعلو ضحكة تكتمها صاحبتها كي لا توقظ النائمين ... رفع محمد زين راسه على صوت عميق هادئ يحييه بود واحترام " صباح الخير يا حاج محمد " نظر باعزاز كبير الى زوج ابنته فضيلة .. كان شاباً طويلاً وسيماً اسمر البشرة يشع الذكاء من عينيه وتوحي ابتسامته العريضة بالطيبة ..
" صباح النور يا محمد ... احنا مش قلنا بلاش حاج محمد دي وتقول لي يا ابوي ؟؟ انت من يوم ما اتزوجت فضيلة خلاص بقيت زي عبد الرحمن ومحمد الصغير " اقترب الشاب بخطوات سريعة وجلس بالقرب من والد زوجته الذي يكن له محبة كبيرة " طبعاً يا ابوي .. معليش مرات باسهو لكن انا حاسي انك فعلا في مقام الوالد ومعزتك ما بتقل عن معزتي ليه .. وكمان انا برضه من يوم ما اتزوجت فضيلة حسيت انو انت والحاجة امي وابوي .. وعبد الرحمن وصفاء ومحمد اخواني "
واتسعت ابتسامة محمد عندما تدافعت الى راسه ذكرى اول لقاء بينه وبين فضيلة قبل عامين ..

كان قد تعيّن كمعيد في الجامعة بعد حصوله على شهادة الماجستير في القانون الجنائي من جامعة اكسفورد العريقة ... اتته الفرصة لتدريس طلبة السنة الاخيرة بالكلية كبديل بعد ان تغيب دكتور المادة الاصلي لظروف صحية طارئة ... كان مرتبكاً من مواجهة طلاب لا يكبرونه في العمر كثيراً .. وتخوّف من امكانية عدم ايصال المعلومات اليهم بصورة مرضية ... دخل القاعة وهو منكّس الراس والقى السلام بصوت حاول ان يجعله واثقاً ومتمكناً .. تجنب رفع عينيه عن اوراقه حتى لا يرى العيون الشاخصة .. وبايجاز اوضح انه بديل مؤقت لحين عودة المحاضر الاصلي وجلس في كرسيه وبدا الشرح ... تدريجيا استعاد ثقته بنفسه وعاوده ذكاؤه الحاد الذي اهله للحصول على الماجستير في فترة وجيزة .. بسلاسة وطلاقة واصل المحاضرة حتى نهايتها .. صمت الطلاب كان يدل على استيعابهم لما يقوله برغم صعوبته .. وعندما شارف وقت المحاضرة على الانتهاء سمح لنفسه بتامل طلابه .. حينها وقعت عيناه عليها .. كانت لحظة لا توصف .. انحبست بقية الكلمات في حلقه .. احس بموجة حارة تعبر جسده من راسه وحتى اخمص قدميه .. ارتعشت حواسه بشكل غريب .. امتلا قلبه باحساس غامض وكأن طاقة سحرية فتحت امامه وادخلته الى عالم مضئ ملئ بالبهجة والامان .. لم يكن يدري ما اصابه .. فقد عاش فترة طويلة من حياته بالخارج وتنقل كثيرا .. وراي شتى انواع الجمال .. العربي والغربي لكنها المرة الاولى التي يهتز فيها لرؤية جمال امراة ... كان يفكر فيما دهاه .. وتساءل هل هذا ما يطلق عليه الحب من اول نظرة ؟؟ .. استفاق من شروده على اصوات الطلاب الهامسة المتغامزة وهم يتابعون اتجاه نظراته نحو فضيلة التي ارتفعت دماء الخجل الى وجهها فزادته جمالاً .. لقد احست بالحرج ورغم انها قد اعتادت على تاثير جمالها الطاغي على الرجال .. لكن نظرات المحاضر المركزّة اشعرتها بالخجل الشديد ... لكزتها زميلتها وهمست بابتسامة ماكرة شيئا ما في اذنها .. لكن فضيلة لم ترفع راسها وظلت تنظر الى كتابها بارتباك ... واخيرا استعاد المحاضر الشاب سيطرته على نفسه فانهى المحاضرة بلهجة معتذرة ولملم اوراقه على عجل وغادر القاعة ..

كان يسير وكانه يطير هائماً في افكاره " سبحان الله مش الجمال وبس الانسانة دي فيها شئ غريب بياسر الروح .. انا لازم اعرف عنها كل حاجة " وتذكّر سعيه الحثيث لجمع المعلومات عنها وفرحته الغامرة عندما اتفق الجميع على ادبها الجمّ وسلوكها المميز .. تفوقها في دراستها .. والاهم من كل هذا عدم ارتباطها باي كان طوال فترة دراستها .. أخافه احتمال وجود ارتباط في موطنها فمن كانت مثلها لا يمكن ان تكون حرة ...واصبح التفكير في الامر هاجس سرق نومه وشغل صحوه في عطلة نهاية الاسبوع كان يقرع باب منزل الاستاذ محمد زين في القرية بعد ان اهتدى اليها بصعوبة .. فتح الباب شقيقها فملامح الشبه واضحة .. قابله بترحاب وتساؤل فطلب مقابلة والده .. كان لقاء طويلاً تكلم فيه محمد كثيراً .. تطوع باعطاء كل المعلومات التي تدعَم طلبه عن اسرته ودراسته وطلب يد فضيلة للزواج ...
اندهش الاستاذ محمد زين عندما علم بانه قد اتاه مباشرة ودون ان يفاتح فضيلة في الموضوع فرد الشاب " انا عاوز ادخل البيت من بابه عشان كدة جيتك اول .. شاور فضيلة ولو وافقتوا انا مستعد اعمل الزواج بعد الامتحانات مباشرة ... كانت فرحة محمد زين مصحوبة بدهشة الاب الذي اكتشف لتوه ان ابنته قد كبرت واصبحت مطلوبة للزواج ... " ادينا فرصة نشاور اخوها الكبير في السعودية ونكلم اعمامها ونرد عليك " كان قد احس بالارتياح للشاب الوسيم وبدا ذلك واضحا في ابتسامته ونبرات صوته الودودة وهو يرافقه حتى باب سيارته امام المنزل ...
في مساء ذلك اليوم تلقت فضيلة اتصالاً من والدها يطلب منها العودة الى القرية في عطلة الاسبوع المقبل ... اصابها القلق فورا .. وكان صوتها ملئ بالخوف وهي تسال والدها عن والدتها وبقية اخوانها ... فطمانها بان الجميع بخير فقط في شوق لرؤيتها ... لم يهدا لها بال حتى وصلت الى المنزل ليستقبلها الجميع بابتسامة متواطئة ونظرات متبادلة .. وفرحة خفية ... واخيرا جلست بين والديها بينما وقف محمد وصفاء خلفها وبهدؤ اخبرها والدها عن الزيارة التي قام بها استاذها الشاب ورغبته في الزواج بها .. احست بالدهشة والاحترام لهذا الانسان الذي لم يحاول ان يفاتحها او يعترض طريقها واتى الى والدها مباشرة .. كان صمتها دليل قبول اشاع الفرح في البيت الصغير ...

وتواردت المعلومات عن اسرة المحاضر الشاب وكانت مطمئنة فهو ولد وحيد وسط اربع بنات لاسرة محترمة وميسورة الحال .. الام ربة منزل جامعية تفرغت لتربية اولادها والاب رجل اعمال كبير يؤمن باهمية التعليم فوفر لاولاده ارقى مستوى منه .. ثلاث بنات من الاربعة متزوجات من اسر محترمة ومعروفة .. صغيرة البيت ما زالت في سنتها قبل الاخيرة بكلية الطب ... كانت اسرة تتمتع بسمعة طيبة جعلت فضيلة توافق على الزواج شريطة ان يتم بعد التخرج وفي قريتها الصغيرة وسط اهلها وجيرانها ..
كان زواجاً تحدثت عنه القرية لفترة طويلة .. وحضره علية القوم من اقارب واصدقاء اهل العريس الذين انبهروا من كرم وطيبة اهل القرية البسطاء .. ترافق الزواج مع تخرج فضيلة بتقدير امتياز من كلية الحقوق .. وانتقلت لتعيش مع زوجها واهله في العاصمة لتترك فراغا كبيرا في بيت محمد زين وقلبه .
اتى صوت أحمد الصغير خشناً وهو يخطو على اعتاب الرجولة ليخرج الرجلين من دوامة الذكريات " ابوي المطرة وقفت وممكن نمشي المسجد للصلاة " من خلفه اتت صفاء وهي تحمل صينية الشاي وبدت نسخة اخرى عن ست البنات وفضيلة ويميزها حجاب جميل يغطيها بالكامل .. فقد قررت الالتزام به بعد ان اخذهم عبد الرحمن الى الحج السنة الماضية .. ومن خلفها اتت ست البنات وهي تحمل صحون اللقيمات الحار " صباح الخير يا محمد " رد ابنها بصوته المشاكس " يا امي لو سمحتي حددي كلامك .. انتي قاصدة منو فيهم ؟؟ هنا في اتنين محمد .. ابوي وراجل فضيلة " فضحك الاستاذ محمد زين وهو يخاطبه " يا ولد ما تجنن امك من الصباح " ونظرت اليه صفاء بحنان انتقل اليها تلقائياً من امها وفضيلة تجاه صغير العائلة خصوصا بعد كبرا في السن وتركا التناكف المستمر بينهما " انت يا ولد ما ناوي تكبر وتخلي مكاواتك دي ؟؟" وبتر أحمد جملة اخرى عندما ظهرت فضيلة على الباب وهي تحمل ابنتيها بكلتا يديها .. وعلى الفور هب زوجها من مكانه وهرع اليها " فضيلة .. ليه ما ناديتيني اشيل معاك البنات ؟؟ وبلهفة وحنان تناول احدى صغيراته واحتضنها بيد بينما امسكت الاخرى بذراع فضيلة وهو يقودها داخل الغرفة ... وركضت صفاء لتحمل الاخرى من بين يدي شقيقتها .." اديني ليها يا فضيلة قبل ما امي تستلمها وما ترضى تخليني اشيلها .. هي دي منو فيهم أمل ولا أماني ؟؟ تصدقي لغاية الان ما قادرة افرز بناتك ديل من بعض ؟؟
كانت فضيلة قد انجبت التوام بعد زواجها بسنة واصبحوا قرة عين الاسرتين وعندما اختارت اسم اماني تذكّر الجميع الفقيدة التي رحلت منذ اربع سنوات وما زالت مقيمة في قلب فضيلة ... تزور قبرها لقراءة الفاتحة كلما اتت القرية .. تذهب الى والديها وتجلس معهم بالساعات الطوال .. وكثيراً ما تنسى وتنادي شقيقتها باسمها .. عندما تكون وحيدة تتذكر بحسرة ومرارة كيف فقدت حياتها ..
احيانا كانت تستحضر صوراً باهتة لمن تسببوا في موتها فهي لم تسمع عنهم منذ فترة طويلة خصوصا عبد الفتاح وساريا .. اما مها فقد فوجئت بعد عودة اسرتها من الحج بصفاء تخبرها ان فتاة قابلتهم في مسجد الرسول (ص) في المدينة وترسل لها السلام وتطلب عفوها وعندما سالتها من التفاصيل ذكرت لها صفاء ان الفتاة تقاربها في العمر كانت موجودة بصورة شبه دائمة في كل الاوقات التي ذهبوا فيها للصلاة في المسجد وكانت تطيل النظر اليهم وفي يوم تقدمت بخطوات مترددة وسالت صفاء وست البنات " بتعرفوا واحدة اسمها فضيلة محمد زين ؟؟ بتشبهكم شديد ؟؟ وعندما ردت صفاء بانها شقيقتها وهذه والدتهما طفرت الدموع من عيون الفتاة وطلبت منهم ابلاغها السلام " قولوا ليها مها الامين .. الكانت صاحبة اماني الله يرحمها .. وخلوها تسامحنى .. يمكن الله يغفر لي لو هي سامحتني " وانسحبت بسرعة بعد هذه الكلمات ولم يصادفوها مرة اخرى حتى مغادرتهم .. عندما سالتها ست البنات لما تطلب منها هذه الفتاة السماح والعفو اجابت فضيلة بانها لاتذكر .. ربما اخطات في حقها ايام الجامعة واغلقت باب النقاش في الموضوع .. لقد قطعت وعداً على نفسها ان تظل سيرة اماني عطرة امام الجميع وان ما حدث سوف يظل حبيس صدرها الى الابد أما امجد فقد رات صورته تتصدر نعي يحتل صفحة كاملة في احدى الجرائد منذ شهرين وكتب فيه انه توفى اثر علة لم تمهله طويلاً وسمعت زوجها وهو يناقش والده في الخبر عندما جلس الجميع مساء كما اعتادوا " شفت خبر وفاة ولد الوزير السابق في الجريدة يا حاج ؟؟ .. واجاب والده بصوته الجهوري " ايوة شفته وفي ناس باعرفهم اكدوا لي انه جاه ايدز .. يا محمد ان الله يمهل ولا يهمل .. الولد دة ابوه هربّه برة البلد بعد القضية بتاعت الشبكة اياها .. متذكرها ولا انت كنت برة الوقت داك ؟؟ المهم قعد في اوربا حايم من بلد للتاني وابوه يصرف عليه من قروش البلد بدون حساب لغاية ما اخيرا الناس الفوق ديل صحوا وعرفوا انو الزول دة بينهب في اموال الدولة بدون حساب .. ولمن نزلوه من الوزارة هو زاته سافر برة بباقي اسرته لكن بعد ما شال مليارات وحولها في بنوك سويسرا وقال شنو طلب لجؤ لانه بقى معارض للنظام ؟؟ والله حاجة تضحك .. أي واحد بعد ما يشبع يطلع ويقول معارض للنظام ..
" كانت فضيلة تستمع بصمت للنقاش الدائر وذكرى اماني تتقافز امام عينيها .. بينا واصل والد زوجها كلامه بحكمة .. " ما في شماتة في الموت .. لكن يمكن دة يكون عقاب رب العالمين ليهو .. شال منه ولده الكبير وهو في عز شبابه عشان يعرف ان الله حق وما في شئ بيمر بدون حساب "
يومها انسحبت فضيلة الى غرفتها واحتضنت ابنتيها وغرقت في بكاء طويل احست بعده براحة وسلام .
تعالى صوت الاذان معلناً عن صلاة الفجر ... تمتم الجميع " صدق الحق " وهبّ الاستاذ محمد زين واقفاً تبعه الجميع " يلا يا اولاد الحمد لله المطرة وقفت عشان نمشي الجامع " اخذت فضيلة صغيرتها من بين ذراعي زوجها ووضعتها بين زراعي الجدة المتلهفة " امسكي امل يا امي انا حاجيب لابوي الطاقية والعصاية " كان زوجها ينظر اليها بوله شديد لم يحاول اخفاؤه .. كان جمالها قد ازداد نضجاً وجعلتها سعادتها مع زوجها وفرحتها ببناتها اكثر اشراقاً وتابع الاستاذ محمد زين نظرات زوج فضيلة واغمض عينيه وهو يشكر ربه بصمت فقد ذكّره بنفسه عندما تزوج ست البنات واطمان على ابنته الحبيبة وايقن في اعماق قلبه ان زوجها سوف يحبها ويدللها كما فعل هو مع زوجته ..
في طريقها الى خارج الغرفة وقفت فضيلة امام شقيقها الصغير وعدّلت من وضع الطاقية في راسه ثم قبلته بحرارة على خده مما جعله يحتج بشدة وحرج " يا فضيلة ما تبوسيني تاني انا خلاص بقيت راجل .. وهمس بخجل .. هسة راجلك يقول علي شنو ؟؟ لسة ولد صغير اخواته بيبوسوه ؟؟
ردت عليه فضيلة بمرح " والله يا أحمد لو بقى عندك عشرة عيال حتفضل في نظري أحمد الصغير البيحب البسكويت باللبن" وانسلت من امامه بسرعة قبل ان تاتيها احدى اجاباته السريعة .. وكتم الجميع ضحكاتهم وهم ينظرون الى وجه أحمد الوسيم وهو يتضرج خجلاً البيحب البسكويت باللبن" وانسلت من امامه بسرعة قبل ان تاتيها احدى اجاباته السريعة .. وكتم الجميع ضحكاتهم وهم ينظرون الى وجه أحمد الوسيم وهو يتضرج خجلاً ...
تنهد الاستاذ محمد زين بخفوت وهو ينظر الى اسرته الصغيرة باعزاز كبير وبرغم الحزن الذي شاب قلبه لغياب عبد الرحمن الطويل عن الوطن الا انه بات مطمئنا اكثر بعد ان تزوج بفتاة جميلة ورزق منها بطفلين ويعيش معهم سعيدا في غربته .. وشعر بنغزة الم في قلبه عندما تذكّر ان هذه آخر زيارة لفضيلة سوف تسافر بعدها مع زوجها لبريطانيا بعد ان حصل على منحة دكتوراه من اعرق الجامعات هناك .. لكنها وعدتهم بالعودة في اقرب وقت فهي لا تتحمل فراقهم لفترة طويلة ..
صفاء ايضا سوف تغادر مع بداية السنة الدراسية لتلتحق بكلية الطب .. ولن يبقى معهم سوى أحمد كان يصبّر نفسه بانها سنة الحياة .. وغمره شعور بالفخر فقد غرس شجرة صغيرة ورعاها بكل كيانه فاينعت واشتدت فروعها واثمرت بعنفوان ..
خرج الاب وابنه وصهره الى شوارع القرية المليئة بمياه الامطار ... كان الهواء نقياً ومحملاً برائحة الدعاش .. الاشجار تتمايل بخفة مع هبات النسيم وقد لمعت اوراقها بخضرة زاهية .. من الحقول القريبة ارتفع نقيق الضفادع بايقاع رتيب يجاوبه رفيف اجنحة حشرات الخريف .. صياح الديكة يتردد من سطح بيت لآخر ... في الدروب الضيقة لمعت الاضواء وفتحت الابواب .. تزايد وقع الخطوات المتعجلة للوصول الى المسجد .. تحايا ودودة يتبادلها السائرون وهم يترافقون الدرب ويملاؤون صدورهم بالهواء البارد ...
كما هو الحال دائماً ... ياتي المطر محملاً بالخير .. يسقي الارض العطشى .. ويغسل النفوس المتعبة.

تمت ...

Abubakr Ibrahim
22nd May 2011, 08:02 AM
أن ترضى جميع الناس شىء مستحيل

في سالف العصر و الزمان، حكيم صيني مشهور

يستقبل الناس في بيته و يساعدهم على حل مشاكلهم


في أحد الأيام ...

قدم لرؤيته شاب وسيم في مقتبل العمر و أوج العطاء ...

فور وصوله، استقبله الحكيم بحفاوة ( كما هي عادته مع كل الناس ) ...

فور استراحته و انتهائه ( أي الشاب ) من تناوله الطعام ...

سأل الحكيم : سيدي الفاضل، بطبيعة الحال أنت ...تعلم سبب مجيئي إلى بيتك اليوم ...

الحكيم ( بابتسامة عريضة ): تكلم بني أنا أنصت لك ....

الشاب : أتيت لرؤيتك، لأني لا أجد حلاً لمشكلتي ...

( و يستأنف كلامه بملامح كئيبة )

سيدي ...كثيراً ما أسمع من الناس أني لا أصلح لشيء و أني لا أفعل أي شيء مفيد،
و ينعتونني بالغبي و المتخلف ... رغم كل جهودي لإرضائهم، و رغم سعيي المتواصل و الدؤوب لفعل ما أستطيعه

سيدي ... أتيت إليك اليوم لمساعدتي، فأنت من الحكماء القلائل في زمننا هذا

رجاءً لا تبخل علي بالنصح و المساعدة ...

ما الذي يتوجب علي القيام به لتعزيز ثقتي بنفسي ؟
كيف أصبح إنساناً ناجحاً ؟

....

دون أن يلتفت إليه، أجاب الحكيم بصوت يلفه الحزن:

بني ...أنا أقدر ما تمر به من ظروف صعبة ... إلا أني في غاية الأسف

أنا الآن منهمك في حل مشكلتي ...

ربما ....

( يتريث قليلاً مركزاً نظره صوب الأرض )

... إذا ساعدتني في حل مشكلتي سريعاً، يصفو ذهني و أتمكن من مساعدتك ...

الشاب ( و نبرة صوته توحي بخيبة أمل كبيرة ) : طبعاً ... ما المطلوب مني .. سيدي

نزع الحكيم من أحد أصابع يده خاتماً ذهبياً ...
ثم أعطاه للشاب قائلاً :

امتطي حصانك و انطلق إلى سوق المدينة، يجب عليك بيع خاتمي هذا لأتمكن من سد الدين الذي علي ...

و بطبيعة الحال، يجب أن تبيعه بأقصى ثمن ممكن ... أذكرك، يجب ألا تبيعه بأقل من قطعة ذهب

هيا بني ... اذهب و عد إلي بالنقود في أسرع وقت ممكن


أخذ الشاب الخاتم ... امتطى حصانه، متجهاً صوب السوق

فور وصوله، بدأ في عرض الخاتم على التجار ...

... معظمهم كان يبدي اهتمامه الكبير بالخاتم و ينتظرون معرفة الثمن الذي يطلبه الشاب كمقابل

و فور ما يخبرهم بأن ثمنه، قطعة من ذهب، حتى يبدأ بعضهم في الضحك بأعلى أصواتهم مستهزئين،

و البعض الآخر ينطلق دون أن يعيره أدنى اهتمام

فقط ...

رجل عجوز هو من تكرم عليه بوقت وجيز، شرح له فيه أن القطعة الذهبية التي يطلبها كمقابل أكبر بكثير من القيمة الحقيقية للخاتم

.. مبدياً رغبته في مساعدة الشاب، عرض العجوز عليه قطعة من نحاس، ثم بعد رفض الشاب للعرض،



تردد الشاب ...قليلاً

... إلا أنه بعد عميق تفكير، قرر اتباع تعليمات الحكيم، بألا يقبل بأقل من قطعة ذهب ..

....

... بعد ما عرض الخاتم على كل المارين و التجار بالسوق و لم يتمكن من بيعه،

امتطى صهوة حصانه عائداً أدراجه،

على طول طريق العودة ... و هو يردد

" آه لو كنت أملك قطعةً ذهبيةً، لاشتريت الخاتم من الحكيم، لأساعده على تسديد دينه

حتى يتمكن بدوره من مساعدتي على حل مشكلتي ...

...

فور وصوله لبيت الحكيم ...

قال الشاب للحكيم : سيدي أنا في غاية الأسف، لم أوفق في الحصول على ما طلبت مني ...

في الحقيقة، تمكنت من الحصول – كأقصى ما عرض علي – على قطعتين .. ثم على ثلاث قطع من فضية
و يبدو لي، أنه لا يمكننا خداع الناس حول القيمة التي يستحقها الخاتم الذهبي ...

تبسم الحكيم، ابتسامته العريضة المشرقة، ثم رد على الشاب قائلاً :

ما قلته بني في غاية الأهمية ...

أولاً، يجب علينا معرفة القيمة الحقيقية للخاتم ..

هيا، امتط حصانك، مرة أخرى، و اذهب إلى بائع المجوهرات،

هو الشخص الوحيد الذي بإمكانه إخبارك بقيمة الخاتم الحقيقية ...

لكن ... انتبه

... مهما عرض عليك كمقابل لشراء الخاتم لا تبعه له ..

عد ... إلى هنا و بحوزتك الخاتم

هيا ... انطلق ... سأبقى في انتظارك

فعلاً انطلق الشاب ... مسرعاً كله أمل ...

فور وصوله إلى محل المجوهراتي، ناوله الخاتم و طلب منه فحصه بعناية ...

... فحص المجوهراتي الخاتم بعناية فائقة ... تأكد من جودة الذهب المصنوع منه الخاتم و وزنه

ثم قال للشاب :

.. أنا مستعد أن أشتري منك هذا الخاتم مقابل 58 قطعة ذهبية ... و في الحال

اندهش الشاب و لم يكد يصدق ما سمعته أذناه ...

و قال متسائلاً : عفواً 58 قطعة ذهبية ...

المجوهراتي مؤكداً : بل 70 قطعة ... إذا كان البيع الآن

تجاهل الشاب إصرار بائع المجوهرات و عاد بأقصى سرعة ممكنة

( تعلو محياه ملامح البشر و السرور )

... قص على أستاذه ما حصل ...

بعد الإنصات بإمعان، طلب الحكيم من الشاب الجلوس ...

الحكيم ( متجهاً بنظره الثاقب صوب الشاب ) :

بني ... كل ما طلبته منك، كان مجرد اختبار وهو في نفس الوقت درس لك ...

فأنت مثل هذا الخاتم الذهبي، ذو قيمة كبيرة و فريد من نوعك،

إلا أن أغلب الناس لا يعطونك القيمة التي تستحقها

قليلون فقط هم من يعرفون قيمتك الحقيقية، و هذا أمر منطقي

بني ... أن ترضي جميع الناس، هذا شيء مستحيل، كن على يقين

فلن يرضى عنك كل الناس مهما حاولت، وهذا مما علمتني إياه الحياة

بني ... إذا مضيت في سبيل حالك، و سعيت سعياً حثيثاُ للعيش

و تحقيق أهدافك النبيلة في الحياة، وفق ما يتماشى و راحة بالك و توازنك الداخلي

أي و أنت راض عن نفسك، فذاك أعظم أسرار النجاح

امض بني و عش حياتك بالشكل الذي يرضيك

و لا تكترث للآخرين ...

عمار محجوب محمد زكي
25th May 2011, 12:26 PM
صورة متشائمة رسمتها المنظمة الدولية للطفولة والأمومة المعروفة ب (اليونسيف) لأوضاع وفيات الأطفال والأمهات عند الولادة والتى قالت إن السودان به معدل لوفيات الأطفال دون سن الخامسة لايفوقه فى فى ذلك إلا قليل من الأقطارالنامية .
نيلس كاسبيرج ممثل المنظمة فى السودان قدم بمقر بعثة الامم المتحدة بالخرطوم امس خلال مؤتمرصحفي اشبه بالمحاضرة تقريراً عن الاوضاع الصحية للاطفال والنساء فى مناطق السودان والتى وصفها بالكارثية ورصد كاسبيرج معدلات مخيفة أثارت اندهاش الجميع .
وقال إن من المحزن تسجيل رقم (305,000) طفل دون سن الخامسة يتوفون كل عام ومنهم حوالى (110,000) يتوفون خلال الشهر الاول من تاريخ ميلادهم واثناء مواصلة كاسبيرج احصاءاته المخيفة تساءل الحضور عما اذا كان هذا العدد من الوفيات فى السودان فقط وجاءهم الرد عبر هزة رأس من المسئول الاممى اعقبه بالتأكيد متحسراً ان هذا الرقم لاطفال السودان فقط ,فاصيب جميع الحاضرين من الصحفيين السودانيين بالاحباط واصيب مراسلو الوكالات الاجنبية بالدهشة

أبوشرا
26th May 2011, 07:49 AM
وبعدين يا عمار كمل

Abubakr Ibrahim
4th July 2011, 09:20 AM
وصلتنا بالبريد وليسمح لنا مرسلها بنشرها
مستر كلارك :
بقلم عمر حسن غلام
الخرطوم- (صيف عام 1939):

خرج من مكتبه بالمديرية بشارع النيل بالخرطوم، بصحبة المترجم السوداني الذي خُصص له، الى الشارع ليتفرج على الخرطوم لأول مرة في حياته؛ إذ كان قد وصل الليلة الفائتة من صيف ذلك العام من مستعمرة الهند- درة التاج البريطاني- منقولاً الى مستعمرة السودان، وفي ذاك الصباح – وقبل استلام مهام عمله رأى أن يستكشف هذه البقعة من العالم، وكان أول ما لفت نظره في سكان تلك البقعة من هؤلاء البشر ذوي السحنة السوداء، قوامهم الفارع وأجسادهم القوية وعضلاتهم المفتولة، وقفز الى ذاكرته منظر أجسادٍ ضئيلة وقاماتٍ قصيرة من شعب تلك المستعمرة التي جاء منها وكيف أن تلك الأجساد كانت تنوء بجسمه السمين، وقال في نفسه أن هؤلاء السودانيين هم أٌقدر على حمله والمشي به في مشاويره القصيرة دون أن يترنحوا تحت حمله الثقيل.

قال لمترجمه وهو يشير الى أحد السودانيين المارين من أمامه- وكان شاباً طويل القامة وقوي البنية- أن ينادي هذا الرجل ليركب على كتفيه فيتجول به ليتفرج على الخرطوم – من علٍ- فتبسم المترجم بابتسامة غامضة، إذ كان يتخيل ما سيحدث لهذا الخواجة، ولم يتردد في تنفيذ طلبه أملاً في أن يتعلم الدرس الأول من هذا الشاب، ثم نادى على الشاب:

- يا زول تعال.

فجاء الشاب نحوهما:

- حبابكم..

فقال المترجم:

- الخواجه ده قال عايز يركب فوق ضهرك وتمشي بيهو يتفسح في شوارع الخرطوم.

ويبدو أن الشاب عقدت الدهشة لسانه:

- قلت شنو؟

- قلت ليك الخواجه ده عايز يركب فوق ضهرك زي الحمار، أصلو متعود على كده في الهند‍‍.

رد المترجم وهو يترقب رد الفعل من الزول، وكان رد الفعل سريعاً وحاسماً أكثر مما تصور المترجم، فقال للمترجم :

- قول للخواجة ده نحن هنا عندنا الكبير بيركب فوق ضهر الصغير

ولم ينتظر من المترجم ترجمة ما قاله للخواجه، بل أمسك به ودفسه تحته وركب فوق كتفيه وهو يتمتم من الغضب:

- يا خواجه يا نجس، الليله أوريك الما شفتو لا في الهند ولا في بلدكم.

وتعاون المترجم مع عدد من المارة لتخليص الخواجه من تحت الرجل الثائر، وأصر مستر كلارك على فتح بلاغ ضد هذا الرجل، وفعلاً تم فتح البلاغ، وفي مكتب المتحري بنقطة الشرطة أدلى كل منهما بأقواله بشهادة المترجم وبعض المارة الذين خلصوه من هذا الرجل، ووضع الرجل في الحبس وحدد موعد لاحق للمحاكمة.

ووصل الخبر الى حاكم عام السودان الذي أمر بإطلاق سراح الرجل حالاً، وصدر قرار مستعجل بنقل مستر كلارك فوراً من مستعمرة السودان، وأفهمه الحاكم العام بأنه رغم أن السودان مستعمرة بريطانية إلا أنها ليست كبقية المستعمرات البريطانية الأخرى، وأن التعامل مع شعبه يتطلب صنفاً آخر من الموظفين غيره.

ولم يلملم مستر كلارك أوراقه ولا أن يجمع حاجياته ولا أن يجهز شنطته استعداداً للسفر، لأنه أصلاً لم يفتحها ولم يخرج حاجياته منها، ولم يفتح أوراقه بعد، ولم يطلب منه تسليم وتسلم لأنه أصلاً لم يتسلم شئ.. وغادر مستعمرة السودان مندهشاً أكثر منه حانقاً.

لندن (خريف عام 1980م):

دخلتُ الى السفارة السودانية في لندن ، فوجدت في بهو الانتظار بريطاني شارف السبعينات من عمره ينتظر الأذن له بالدخول على القنصل، وبما أنني كنت على موعد مع الملحق الثقافي بخصوص موضوع يتعلق ببعثتي وكان عليّ أن أنتظر الأذن بالدخول إليه؛ وددت قتل الوقت وفي نفس الوقت اشباع حب الإستطلاع الذي تملكني وأنا أسائل نفسي عن غرض هذا البريطاني الذي أفقدته السنون أسنانه فاستعاض عنها بطقم اسنان صناعي.. فجلست بجانبه أتجاذب معه أطراف الحديث، ولم أجد صعوبة في إدارة دفة الحديث في اتجاه الغرض من حضوره للسفارة السودانية، فقال لي أنه يريد أن يعتذر لرجل سوداني بعينه وللشعب السوداني كافة.. مم يعتذر؟ أجاب مستر كلارك، وكان هذا اسمه:

- لقد ارتكبت حماقة في شبابي عندما نقلت الى السودان موظفاً ادارياً، وحسب ما تعودت في المستعمرة السابقة التي جئت منها منقولاً- درة التاج البريطاني- فقد أردت أن يحملني أحدهم ليطوف بي في شوارع الخرطوم، وبدلاً من أركب على كتفي الرجل ركب هو على كتفي- وأنا صاحب السلطة والسطوة، وهو الخاضع لسلطتنا- ولكن للأسف فقد وقف حاكم عام السودان في صفه وتم نقلي فوراً من السودان.

تنقلت بعد ذلك كثيراً في مستعمرات امبراطورية بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس، وفعلت ما فعلت بأبناء تلك الشعوب، ولكن لم يقابلني في أي من تلك المستعمرات مثل ذلك الرجل الأسود العملاق في السودان، وكنت انتظر السنوات الطوال لأعود الى مستعمرة السودان حاكماً عاماً للإنتقام من ذلك الرجل – وكنت قد حفظت رقم المحضر وتاريخه لذلك الغرض- ولكن لم يسمح لي أبداً بالعودة الى السودان، وفقدت الأمل نهائياً بعد إعلان استقلال السودان في العام 1956م.

طوال السنوات التي أعقبت ذلك كنت اطّلع على وثائق مستعمرة السودان بوزارة المستعمرات البريطانية، فوجدت عجائب الأحداث؛ من ضمن ما قرأت تقرير مدير المديرية الشمالية الذي كتب عن الأيام الأخيرة للحكم البريطاني في السودان فقال:

(كنت ماراً بجوادي مع ناظر دنقلا في جولة تفقدية، فلقينا في طريقنا رجلاً طاعناً في السن يزرع أرضه، فقلت للناظر قل لهذا الرجل أننا (أي البريطانيون) سوف نترك بلادكم، فما رأيه، فرطن الناظر باللهجة المحلية الدنقلاوية للشيخ بما قلت، فترجم لي الناظر رده الذي يقول: "قل لهذا الرجل ذو الوجه الأحمر هل أنتم استشرتمونا عندما جئتم الى بلدنا حتى تستشيرونا وأنتم تغادرون؟" فسقط في يدي، وقلت للناظر، إذا كان هذا الشيخ الفاني والفلاح البسيط الأمي الذي لم يتعلم حتى القراءة والكتابة يقول هذا الكلام؛ فإنه فعلاً لا بقاء لنا هنا حتى وإن أردنا ذلك.)

بعد سنوات من مراجعة ما حدث لي هناك وما قرأت عن هذا الشعب؛ بدأت أغيّر رأيّ، فمثل هذا الشعب الذي منه ذلك الرجل لا يجوز عقابه، بل يجب ثوابه.. لذا قررت أن أهب تركتي له، فجئت الى السفارة السودانية قبل ثلاثة أشهر ليبحثوا لي عن ذاك الرجل وأعطيتهم رقم وتاريخ المحضر ليبحثوا لي عن عنوانه أو ما يوصل إليه، فوعدوني بعمل اللازم وأن أرجع إليهم بعد ثلاثة أشهر، وهأنذا أعود.

أكمل مستر كلارك كلامه وكنت متشوقاً لرد السفارة أكثر منه، فلما سمح له بالدخول انتظرت خروجه بفارغ الصبر، وسمحت لمن بعدي في صف انتظار الملحق الثفافي بالدخول إليه قبلي، وبقيت منتظراً خروج مستر كلارك، ومرت الدقائق، ثم مرت نصف ساعة بعدها خرج مبتسماً يحمل عنوان (الزول) واسمه عبد الرحيم محمد طه ومعلومات عنه، قال مستر كلارك:

- لحسن الحظ أن الرجل ما زال على قيد الحياة

وواصل قراءة رد السفارة:

- (ويسكن الديوم الشرقية، لكنه مريض بالمستشفى منذ مدة إثر إصابته بجلطة أدت الى شلل نصفي بعد سقوط منزله- المتهالك أصلاً- بسبب أمطار غزيرة، فأضطر وعائلته الى بناء (راكوبه) في ما تبقى من الحوش، (راكوبة) لا تقيهم برد الشتاء ولا مطر الخريف ولا شمس الصيف، حز ذلك في نفسه ولم يتمالك، فسقط صريع المرض.)

- لم يتمالك نفسه وهو ذو الشكيمة القوية التي أشهد له بها.. والذي يعيش في هذا الفقر في بلاده التي استلبنا خيراتها ونعمنا بها دون أهلها.. لذا طلبت عبر السفارة نقل عبد الرحيم وأحد أبنائه- كمرافق له- الى هنا للعلاج، وطلبت بناء منزله الذي تهدم، وصرف مخصص شهري لعائلته في السودان، وقبول منح تركتي بعد موتي له، ولو كان لي أولاد لما ترددت أيضاً في منحه تركتي فهو أولى بها.. وأحس الآن براحة بال وسعادة غامرة، أولاً لأنني اعتذرت للزول وللسودان بطريقة عملية وثانياً لأنني فعلت خيراً في إنسان يستحقه لرجولته وعزة نفسه، ولفقره وظروفه الصحية والمادية.

قال هذا وخرج يمشي بخفة ورشاقة كأنه ليس هو ذاك الرجل السبعيني الذي رأيته منذ ساعة واحدة ينتظر في ردهة الإنتظار في السفارة السودانية، فقلت في نفسي، سبحان مغير الأحوال، وسبحان الرزاق وسبحان من بيده ملكوت كل شئ.

عمار محجوب محمد زكي
4th July 2011, 09:51 AM
مرحبا بعودة جريدتنا

Abubakr Ibrahim
6th July 2011, 08:26 AM
إنكتب لينا عمر جديد
الكاتبة : منى سلمان


حضرت (نجوى) واجب الضيافة لصديقتها وجارتها (حنان) وجلستا تتسامران وتتبادلان اخبار مجتمع البعثة السودانية حيث يعمل زوجيهما في دولة مجاورة
جلستا على المقاعد الوثيرة لصالون شقتها الفاخرة في أحد احياء العاصمة الراقية
إنشغلتا بالحكي بينما جلس على الارض بالقرب منهما إبنا (نجوى) الصغيران (عمر) و(علي) يلعبان.
حكت (حنان) عن نجاة ابن إحدى صديقاتهن من موت محقق بعد سقوطه في بركة السباحة في النادي أثناء حضورهم لحفل زفاف فيه، تأثرت نجوى بطبعها الرقيق للقصة وإغرورقت عيناها بالدموع وقالت: (كُر علي يا حمودي .. دي سلامة كبيرة لانو وقعة زي دي كان ممكن يغرق فيها لو مافي زول شافو .. والله ده انكتب ليهو عُمر جديد)!!
إلتفت (عمر) بعد أن شدت انتباهه دمعات أمه، سألها عن ما يبكيها بقلق فأخبرته قصة نجاة حمودى من الغرق. سألها: طيب يعني كيف أنكتب ليهو عمر جديد يا ماما؟ بسّطت له المعنى وقالت: لما الزول يحصل ليهو حادث ولا حاجة خطيرة وبعدين ربنا ينجيهو منها .. بيبقى يعني زي الربنا اداهو عمر جديد.
مرت الأيام وعادوا للسودان في الاجازة السنوية حيث تعودوا على قضاء الاجازة مع أمها واخواتها في بيت الأسرة بينما يقوم زوجها (مصطفى) بالسفر لاهله في الدامر ثم يعود ليكمل معهم باقي الايام، ولكنه عاد من الدامر سريعا على غير عادته ولذلك في المساء عندما استعدا للنوم سألته نجوى: خير .. مالك المرة دي ما قعدتا مع ناس أمك وجيت راجع سريع؟ قال : والله عندي نية أعمل لي حاجة.. لكن عارفك إنتي وأهلك بتاعين البرجزة ديل حا تعملوا لي منها توم وشمار! سألته: داير تعمل شنو؟ قال: داير أطهر الأولاد ديل ..
خلاص كبروا وانتي كل مرة تقولي لي خليهم للاجازة الجاية .. لمتين نأجل في الحكاية دي؟ انقبض قلبها وقالت متحججة: الطهور عايز ليهو استعدادات.. الكرامة والحفلة وعايزين نعمل حاجات كتيرة.. ما ممكن فجأة كده تقول لي نطهرم!! قال في زهج: ياخي أصلو طهور ولا عرس .. والله أنا عارفك بس مشكلتك قلبك الرهيف ده .. خايفة عليهم ساكت رغم إنها حكاية بسيطة.
لم تقتنع نجوى وظلت تتحجج بالحجج الواهية حتى اتفقا على مواصلة النقاش مع باقي الاسرة في الصباح ولكن مصطفى عندما اضطجع للنوم (كان راقدلو فوق راي).
استيقظ في صباح اليوم التالي وكان يوم جمعة وايقظ ابنيه (عمر) و(علي) وهو يقول: ارح معاي الليلة السوق المركزي عشان أوريكم ليهو.. ونجيب لامكم الخضار واللحمة. نهضا بفرحة وانطلقا للحمام ، صاح خلفهما موصياً: ما تنسوا تلبسوا الجلاليب الجديدة السمحة الجبتها ليكم!!!
تأخروا كثيرا فإتصلت عليه نجوى على الموبايل فطمأنها قائلا: ما تخافي خلاص راجعين في السكة.
انفتح الباب ودخل مصطفى والاولاد يسبقهم الصراخ والبكاء الشديد، فصاحت نجوى من داخل المطبخ: سجمي يا مصطفى .. الشفع ديل ببكوا كدي مالم؟ اجابها بصوت عالي بسبب ضجيج البكاء: طهرتهم .. وريحتك إنتي وأهلك من حركات الفشخرة العايزين تعملوها لي!!
لم تقو على الوقوف فبركت على الارض وهي تبكي بينما استند (علي) و(عمر) الى كتفها وهما يواصلان البكاء. عندما عادوا لمقر عمله بعد الاجازة حضرت (حنان) لزيارتهم فأسرع الصغيران اليها عند دخولها، امسكا كل منهما بواحدة من يديها وقالا معا: ماشفتي يا خالتو .. نحنا وكت طهرونا في السودان .. انكتب لينا عُمر جديد!!

Abubakr Ibrahim
6th July 2011, 04:58 PM
الخرطوم: ابوالقاسم ابراهيم - هالة حمزة
أصدر محافظ بنك السودان المركزي د. محمد خير الزبير قراراً بسحب رخصة مركز الإمارات العربية المتحدة للصرافة بناءً على أحكام المادة (18) من لائحة تنظيم أعمال الصرافة لسنة 2002م اعتباراً من يوم أمس الاثنين لمخالفتها المواد (15) و(16) من لائحة تنظيم أعمال الصرافات الى جانب مخالفة الضوابط والتوجيهات المتعلقة بأعمال الصرافات للعام 2011م.


وقضى القرار بإلغاء الرخصة وعدم السماح للصرافة بمزاولة أي من أعمال الصرافة ووجه القرار إدارة الشركة بتنفيذ القرار في وقت أغلقت فيه اللجنة المكلفة فروع الصرافة وتسلمت المفاتيح بعد جرد الخزن وإمهال الموظفين فرصة تكملة التحويلات التي أمامهم ووضعت حراسة أمام الصرافة. وعلمت (السوداني) أن المدير ونائبه خارج السودان بدولة الإمارات.
ومن جهته أكد اتحاد الصرافات عدم إخطاره رسمياً بقرار سحب رخصة صرافة الإمارات وقال الأمين العام لاتحاد الصرافات جعفر عبدو صالح إن الاتحاد لاعلم له بالقرار وأنه سوف يجلس مع قيادة الصرافة للوقوف على مسببات القرار، فيما طالب عادل فضل الله الشيخ جميع العملاء الذين لديهم حقوق أو عليهم التزامات تقديم طلباتهم المسنودة بالمستندات للجنة تنفيذ القرار ببنك السودان المركزي.
أوضح مصدر ببنك السودان أن صرافة الإمارات ارتكبت مخالفات عديدة تتعلق بضوابط النقد الأجنبي وعدم تقيدها بالتوجيهات التي أبلغها بنك السودان للصرافة وقال إن سحب الرخص يتم بتكوين لجنة خاصة لدراسة المخالفات التي وقعت فيها الصرافة المعنية وفقاً للوائح المنظمة لعمل الصرافات على أن ترفع توصياتها للمحافظ لإصدار القرار بإلغاء الرخصة ومن ثم تتولى لجنة من البنك المركزي تصريف أعمال الصرافة لحين تسوية الحقوق وتقييم الأصول ومن بعدها يرد المتبقي إن وجد للملاك، مشيراً الى أن جميع العاملين بفروع الصرافة تعتبر خدمتهم منتهية بصدور القرار وقال إنه جاء بناءً على توصية اللجنة التي تم تشكيلها لدراسة المخالفات التي وقعت فيها الصرافة والتي تعد من أبرز الصرافات العاملة في السودان والتي تستحوز على نصيب كبير من تحويلات المغتربين

المصدر : صحيفة السودانى - الأربعاء 6/7/2011

Abubakr Ibrahim
11th July 2011, 08:04 AM
الكاتبة:منى سلمان


عافية منو وراضية عليهو

لأهلنا في خط الشمال حكمة قديمة تقول:

( إن مات فكي فرقو في .. وإن مات مرّاسي فرقو قاسي)!!

فالحكمة التي تبدو للوهلة الأولى مجرد (شفقة) مُبتلى على اندثار مهنة (المرّاسة)، إلا أنها تحتمل تأويلا آخر حسب تفسيرنا لكلمة (فكي) .. فلو أخذناها على معنى الشيخ أو العابد كمرادف لكلمة (فقير) وتطلق على شيخ المسيد أو الخلوة، وبالتالي يمكننا تفسير المثل بمعنى كثرة العلماء وأهل الدين، فإذا مات أحدهم ففي الكثيرين غيره الخير والبركة في حمل الراية بعده ، على عكس الوضع عندما يموت الـ (مرّاسي)!

أما إذا أخذنا الكلمة (فكي) بمعناها السيئ والذي يرمز للمتعاطين بالدجل والشعوذة، فالشق الأول من المثل حينها سوف يلامس كبد الحقيقة، وإذا مات (فكي) فهناك العشرات من محترفي الاذية القادرين على سد فرقته من بعده.

- كعادة النساء في بيت البكا اجتمعت مجموعة نساء من مختلف المطالع والمشارب في راكوبة الخدمة، وبحميمية لا تعرف الفواصل بين الخاص والعام، سرعان ما ضمنت المجموعة جلسة (ريد) أنستهن دنيا الناس والمرحومة ذاتا!

بجوار قيزان الخضرة المفروكة جاء مجلس حاجة (صفية) ببشاشة وجهها الصبوح ووقار الطرحة التحت التوب والسروال الطويل الذي يقي ساقيها من الانكشاف كلما أخذت راحتها في القعاد أو الرقاد كما تفعل كبيرات السن من حبوباتنا .. وكحال قعدات الونسة الحريمية التي لا تخلو من بعض النبيشة في الرجال، جاءت (سيرة بحر التطبيق)، فتبرعت حاجة (صفية) بسرد تجربتها الشخصية مع الضُر، وكيف أنها تعرضت لـ (التحريش) الشديد من قريباتها عندما تزوج رفيق دربها بشابة من دور بناته وأولاده، قالت:

عاد من الحاج عرّس إلا والنار انطلقت في أخيّاتي وجاراتي وقعدن يحرشن فيني .. كيييف ترضى بالضرة يا العويرة؟؟ وكمان تسكتي لمن يجيبا ليك في البيت وتطلع في راسك!! أخير ليك تمشي للفقرا تداويها وتلزميها حدّها ! للا يخلوا ليك الحاج ده يرميها رمية الكلاب ..

فردتهم بالقول:

أنا مرة حاجة بيت الله .. دايرني أسوي لي عمل للمسكينة دي .. هي ذنبا شنو؟ .. أكان القسمة أدتا .. أجي أنا ما أرضى بي حكم الله علي وعليها !!

استقطبت الحاجة بقصتها الانتباه وجذبت أسماع الموجودات في الحوش، وسرعان ما حمي وطيس النقاشات وتعالت الإدانات ضد (الفقرا) و(الضرات) و(غبا الرجال) .. أعجب الحاجة حيازتها للاهتمام فوضعت (الكُنش) جانبا وانبرت تفند حيثيات ما ذهبت إليه من قرار بترك الضرة لحالها دون ضرّها بالفقرا، فقالت:

شن بدور أنا بالرجال بعد عمري ده كلو وبناتي البقن نسوان ماسكات بيوتن .. ما يعرس كان عرس .. ماشي يسوي لي شنو عرسو؟؟

هاجت النسوان وماج مجلسهن وقامت الغيرة بإحداهن فـ(تسدرت) للموضوع وقالت:

المرة عمرا كلو تقضيهو تخدم في الراجل وتربي في عيالو ووكتين تكبر يرميها عضم ناشف ويقبّل على غيرا!!

حسمت حاجة (صفية) الجدال بدفاعها المستميت عن فعلة زوجها:

يا جماعة إنتو ما عارفين حاجة ساكت .. أنا الحاج ده عمرو ما قصر فيني .. وكتين دخول السينما كان عيب وصعلقة .. الحاج دخلني السينما وخلاني شفتا ناس (فاتن حمامة) .. ولبسني الساعة قبال ما النسوان يعرفو لباس الساعات .. كساني وعزّاني .. وهسي وكت جاب ليهو مرة يجدد رويحتو معاها .. اليمشي .. أنا عافية منو وراضية عليهو.

خالد الخليفة
11th July 2011, 08:25 AM
http://www.sudaneseclub-oman.com/vbforum/uploaded/16_1310357741.jpg

http://www.sudaneseclub-oman.com/vbforum/uploaded/16_1310357971.jpg

نداء الى مجلس ادارة النادى عبر جريدة جريدتنا تجرى هذه الايام فى سوداننا الحبيب احتفالات بتعظيم العلم ونناشد ادارة النادى بان تنظم فعالية لتعظيم العلم الذى هو رمز لعزتنا وفخارنا واقترح بان تكون هذه الفعاليات تحت اسم - العلم ... هيبة .. وشموخ

خالد الخليفة
11th July 2011, 01:52 PM
اخوتنا الاحباب فى جريدتنا نستأذن اليوم لنعرج على جريدتكم الغراء واسمحوا لنا بالدخول والمشاركة ثم العكننه واخيرا الخروج سالمين غانمين بداية دعونا نرجع الى تراثنا السودانى الجميل ونستشف من عبقه بعضا من ملامحه التى صارت الان فى الركن اليمانى للتاريخ ولسوف نتعرض ايضا الى الحداثة فى هذا الارث الجميل يعنى المقارنة بين الاصالة والحداثه وسوف نبدأ بالاصالة
التكل :
التكل هو المطبخ في البيت السوداني على أيام زمان وهو غرفة في منتهى البساطة بها نوافذ صغيرة تسمى طاقات ومفردها طاقة ( أي نافذة صغيرة ) , وتحتوي غرفة المطبخ (التكل) على مطحنة الذرة وتسمى المرحاكة وهي عبارة عن قطعة حجر كبيرة يدفن جزءها الاسفل في الارض ويبقى نصفها الاعلى بارزا وتحافظ ربة المنزل على نظافتها , وينتهي طرفها الامامي بوعاء فخاري يتجمع فيه الطحين واحيانا يجمع الطحين الذي يلين بالماء في اناء خارجي ويستخدم حجر صغير مقطوع بطريقة جيدة في سحق الذرة التي تنظف مسبقا . وتكسر الذرة مسبقا الى اجزاء دقيقة بواسطة مدق يسمى الفندك وهو مصنوع من خشب جزوع الاشجار , وتستخدم المرحاكة كبديل للطواحين التي لم تكن متوفرة حينها .
وتعتبر الكسرة هي الخبز الشائع عند اغلب اهل السودان , ويتطلب تحضيرها عدد من الادوات التي كانت المرأة السودانية تحتفظ بها في التكل ومن تلك الادوات الخمارة وهي اناء فخاري يسمى البرمة ويحفظ فية دقيق الذرة المخلوط بالماء بنسبة معينة حتى يتخمر بقدر معين ليصبح بعد ذلك جاهزا لعملية اعداد الكسرة التي تسمى العواسة على صاج من الحديد يسخن سطحه المصقول باللهب المنبعث من قطع الحطب التى توضع تحته وتكون درجة التسخين مضبوطة جيدا بحيث لاتؤدي الى احتراق وتيبس الرقاقة (الطرقة) التي تفرد عليه باستخدام قطعة من السعف القوي تسمى القرقريبة , ويمسح سطح الصاج بقدر خفيف من الزيت لتمليسة طيلة فترة العواسة .
ومن ادوات المطبخ السوداني في تلك الايام (الدوراية) وهي اناء فخاري صغير يستخدم كطنجرة لطبخ الملاح بالاضافة الى المفراكة التي تشابة ادوات الخلط وتستخدم لخلط الملاح اثناء عملية الطبخ وهناك ايضا اللدايات وهي ثلاثة او اربعة قطع من الحجارة التي توضع الدوراية بالاضافة الى مقعد تقليدي بنبر للجلوس والمشلعيب الذي تعلق فية الماكولات لحفظها لليوم التالي , وهو عبارة عن شبكة صغيرة مفتوحة من طرفها الاعلى تعلق لتدلى من سقف الغرفة ويحفظ فيها الطعام بعيدا عن الحشرات , والاتربة ويستفاد فيها هنا من عملية التهوية التي تتوفر للمشلعيب .


ومن ادوات المطبخ ايضا الطباقة ومفردها طبق وهو غير الطبق او الصحن بمعناه المعروف , والطبق الذي تستخدمة ربة البيت السوداني على ايام زمان هو اناء مسطح توضع علية الكسرة ويستخدم لوضع اغراض الطبخ من خضروات وخلافها علية . كما يستخدم النوع المجدول من السعف الملون , والذي يضفر بطريقة جميلة تتيح تجانسا رائعا من السعف الملون كغطاء للقدح الذي يوضع علية الطعام بعد تجهيزه واعداده لوضعه على المائدة , وهناك كاس ومكمامة لغرف الطعام والملاح وهناك ايضا الملاحة وقداح من الخشب المنقوش والتي تقدم عليها اصناف الطعام وسكين لتقطيع اللحم والخضروات وفندك صغير تدق علية البهارات وهو اداة تستخدم لنفس الغرض الذي تؤدية المطحنة في المطبخ الحديث .

http://www.sudaneseclub-oman.com/vbforum/uploaded/16_1310377500.jpg


الجبنه / اناء لتقديم القهوه او الجبنه

- الشرغرغ : اناء مخصص لغلي القهوة
- الوقاية : حلقة لتثبيت الجبنه و دائما" تزين بالخرز الناعم و تصمم على اشكال بالغة الدقة و الروعة

القدح : عبارة عن اناء للطعام مصنوع من خشب السنط المتين و يعادل الصحن الآن و تتفاوت احجامه
و قديما" كان الناس بتنافسو في كبر حجم القدح , فكلما كبر حجم القدح كلما كان كناية عن كرم المضيف او صاحب البيت


http://www.sudaneseclub-oman.com/vbforum/uploaded/16_1310377585.jpg

القفه :
هى تستخدم لحمل الطعام والدقيق وكل الاصناف زمان


صاح العواسه : يتم به عواسه الكسرة والقراصه والحلومر

http://www.sudaneseclub-oman.com/vbforum/uploaded/16_1310377722.jpg

المرحاكه : لطحن الدقيق

الكوره : لشرب اللبن او للملاح
المفراكه : تستخدم لفرك الملاح
جردل: لجلب الماء



البخسه : لخش اللبن

السعن: لحفظ المياه ( ثلاجة المساكين ) وهو من جلد الماشية

الفندك والمدك : اناء خشبى او معدنى يتم فيه هرس البهارات ( توم ، فلفل,, غيره)

الهبابه : من السعف وهى تسخدم لهب النار
المنقد: او الكانون وهو من المعدن ويستخدم فى اعداد الطعام (موقد)
الشوايه: اناء شبكى مخرم لعمل شية الجمر
حلة الفلاته: حلة من المعدن تقيله تستخدم فى اعداد الطعام والعصيده

الزير :هو لحفظ المياه او لحفظ الروب

القدره : تستخدم لطهى الفول

http://www.sudaneseclub-oman.com/vbforum/uploaded/16_1310377772.jpg

هذا وصف مختصر لمحتويات المطبخ الرئيسية في ايام زمان , وقد تم التركيز فية على الاجزاء الرئيسية التي تعتمد عليها ربة المنزل . ولا تزال المراة في اغلب ارياف السودان تستخدم هذه الادوات على عكس ماطرأ من تطور في المطبخ الحديث الذي اتاحتة التكنولوجيا المتقدمة في المدن والمراكز الحضرية حيث أصبحت المرأة المتعلمة في المدن تستعين بالادوات الكهربائية من طناجر الطبخ بالبخار المضغوط والخلاطات وافران الغاز والماكرويييف وغيرها وغيرها .
وسف نستعرض لاحقا التطورات التكنولوجيه التى اصابت مطبخنا وايضا تطور المرأة فى استخدام هذه التكنولوجيا

Abubakr Ibrahim
12th July 2011, 07:36 AM
لمان يجى أبوك
الكاتبة : منى سلمان
تنازع قلبي بين الخوف والقلق .. على تعلق قلب أكبر أولادي الصبيان (تمانية سنوات) بالمساجد،
فقد صار يلح علي للسماح له بأداء جميع صلاواته بالمسجد- الذي لا يبعد كثيرا عن البيت - أو على الاقل ما تيسر منها،
لكني أضبط نفسي دائما وأنا احاول التحجج بالاعذار الواهية لكي أمنعه عن ذلك .. هناك نوع من الاختلاف البيّن، بين طريقة تربية الأمهات (عموما) المبنية على اللين والمضارفة،
وبين طريقة الآباء في تربية الابناء المبنية على محاولة تعويد الصغار على القوة والصلابة والاعتماد على النفس ..
فـ زوجي لا يرى بأسا في أن يسمح للصغير بأداء كل اوقاته بالمسجد دون حاجة لمراجعتي واخذ الاذن مني في كل مرة، بينما (لو خلّوها علي أنا) ..
لكنت افضل بعد (تعاتيل) ان يكتفي بالذهاب لاداء صلاتي العصر و المغرب أما العشاء فـ إلا بصحبة رفقة مأمونة ..
وما ذلك التردد إلا لتنازعي بين خوفي عليه من شرور الطرقات،
وبيني وبينكم .. لا يخلو الامر من امتلائي بمخاوف وأوهام النساوين عن (العين) و(النجيهة) .. الله يكفينا شرها ..
زمآآآآآن كان آباؤنا الاولين بيقسّمو البلد نصين .. فـ تربية البنات كانت شأناً نسائياً خالصاً لا يتدخل فيه الرجال إلا بسن القوانين التي تحد من حريات الكواسة والدخلة والمرقة، ثم اختيار عريس البنت وتزويجها له، ومن ثم في المستقبل عقد مجالس الجودية لحل المشاكل بين الزوجين .. أما تربية الصبي فتكون منذ ولادته من واجب الأب، وكل ما يمت بصلة في توجية الأبناء الصبيان يعتبر منطقة محرمة لا تحوم حولها النساء، فحتى عندما يخطىء الابن خطأً بيناً في غياب أبيه ..
تكتفي الأمهات بإطلاق الوعيد المعلوم: الليلة استنى لمان يجي أبوك! وغالباً ما يكون في هذا الوعيد الكفاية فـ ينقرع الابن العاصي عن خطأه دون الحاجة لكتير كلام ..
بل ان هناك أساطير تحكى عن سطوة بعض الآباء الزمان، الذين كان الواحد فيهم يكتفي بتعليق (سوط العنج) على مسمار مجاور لـ مسماره الذي يعلق فيه الجلباب ..
فيقوم السوط من مكانه بدوره كاملاً في ارهاب الشباب، دون الحاجة لانزاله من مكانه واستعماله في (محط) ظهور وسكاكات الغلطانين من الابناء ..
نحمد الله أنا وأخواتي، لان أبي رحمة الله عليه كان من أتباع مذهب (البت ما بدقوها) وكان يترك معالجة مشاكل شغبنا ومناكفات طفولتنا لـ أمي كي تعالجها بمعرفتها،
ولكن هناك الكثير من ابناء جيلنا والأجيال التي سبقتنا، ممن كانوا يعانون من ارهاب (السوط المعلق) فقد كانت امهاتهم عندما يرغبن في دفع الصبيان لـ (يلزمو الجابرة)، تكتفكي بالإشارة للسوط المعلق على المسمار وتقول: لو عملتو دوشة ..
السوط ده بعدين بكلم ليكم ابوكم. أما الان ومع تغير الزمن وظروف غياب الآباء بالسفر والإغتراب وغيره من الاعذار المبيحة لتهرب الآباء من هم تربية الأبناء،
فقد صارت مهمة تربية الابناء والبنات من واجبات الأم .. وربما كان ذلك واحداً من أسباب تفشي الدلع و(النياصة) بين صغار اليومين دي ..
فقد تابعت ايام العيد الفائت تداعيات انتفاضة احد اقربائي،
على طريقة حريم الاسرة في (المضارفة) والخوف على ابنه الصغير يتيم الام، فاصر على السماح لابنه بالذهاب للحديقة مع اصدقائه الصغار ..
رغبة قريبي هذا في دفع ابنه لتعلم (الدردحة) والاعتماد على النفس، حملتنا للعيش مع الرعب طول النهار وأيادينا على القلوب خوفا من أن يصيب الصغير مكروها،
بسبب ازدحام الحدائق في الاعياد والمشاكل التي تنتج عنه .. ولم نتنفس الصعداء إلا بعد ان عاد بالسلامة قبيل المغرب،
لتؤكد تلك العودة على صحة نظرية ابيه في تركه يعتمد على نفسه ليتعلم الشدة،
ولتؤكد ايضا على حاجتنا نحن الامهات لان نربط على قلوبنا الرهيفة شويييية .. حتى ينشأ أبناؤنا ليصيروا رجالا يملوا العين

عمار محجوب محمد زكي
12th July 2011, 10:20 AM
رائع أخي بكري يبدو أن جريدتنا تنافس الدعاش الجديدة فإلى الإمام

Abubakr Ibrahim
13th July 2011, 07:56 AM
يا العند رجالكن وشايلنكن أهلكن
الكاتبة : منى سلمان
في ركنهن القصي، جلست مجموعة من الشابات الصغيرات موديل الألفية الثالثة من ذوات الاسكيرتات المنزلقة (سميتها كذلك لظني بأنهن يزلقونها على أجسادهن بالصابون) !!
اختلفت موديلات ملابس فتيات الجلسة وتباينت ألوانها، ولكنهن اتفقن جميعا على طريقة حمل الموبايلات
فأما أنها متدلية من الاعناق أو مشبوكة على أحزمة الخصور الناحلة ..
جلسن متحلقات حول ركن الشاي والقهوة في بيت البكا، وللبنات منذ الأزل محبة خاصة وخالصة لذلك الركن القصي من بيوت البكيات
ودائما ما يسعدن بتكليفهن بإدارته لما في ذلك من ميزات لا تقاوم، فهو:
اولا: (شغل نظيف) بعيدا عن طمبجة غسيل العدة وحك كدوب ولثلثة الحِلل.
ثانيا: إستقرار الجلسة وعدم الحاجة للحركة الكثيرة، فرصة جيدة للونسة الدقاقة بعيدا عن أعين الكبار ومجال واسع لتبادل البوح الشفيف.
ثالثا: ميزة التعامل المباشر مع الشباب من الجهة المقابلة، والمكلفين بالخدمة فى صيوان العزاء الرجالي، وما تتيحه هذه الميزة من فرصة لممارسة (الخلط) على عينك يا معزّيات وذلك تحت ستار من التغطية الأمنية المقنعة .
تجمعت الفتيات وقد التقت رؤوسهن في حديث هامس ذى شجون تتخلله الضحكات الجزلة التي نسيت المرحوم ورويحته التي راحت، حينما إقتربت الحاجة (فاطمة) من مجلسهن واختارت لها متكأ بالقرب منهن لتنفرد بفنجان قهوتها تكملة للمزاج ولإراحة ظهرها الذي تعسّم من طول جلوسها على الأرض (مكابرة لـ فردتها) زوجة المرحوم ..
ظلت الفتيات يتابعن حركتها في صمت حتى استقرت في رقدتها وحملت الفنجان في يدها وبدأت ترشف منه بتلذذ بضع رشفات بصوت مسموع
، وعندما يئسّن من إمكانية مغادرتها للمكان في القريب العاجل، أصابهن الامتعاض لمقاطعتها جو الخصوصية الذي كن ينعمن به ..
تبادلن الهمس ثم بدأ صوت احتجاجهن يتعالى فقالت إحداهن: الجو ده كتم كدي مالو ؟!! فجارتها أخرى: خنقة شديدة !!
تضاحكت ثالثة وهي تحاكي البنات الاعلانات (النضاآآف ورهاااف) وهي تشير بيدها لتروّح بها على وجهها: هواء ..هواء !!
إنتبهت الحاجة (فاطمة) لمرادهن وأحست بالحرج فقامت من مرقدها وابتعدت وهي كسيرة الخاطر
تمتمت بكلمات استياء وإلتمعت دمعة كبيرة في عينيها قبل أن تعبر خدها عبر مجرى الشلخ لتسقط على ثوبها،
وقبل أن تغادر المكان وتبتعد إلتقت بها حاجة (رجبّية) فسألتها عن ما يضايقها ..
حكت (فاطمة) مالاقته من مطاعنة وسوء معاملة بنات القهوة، فثارت (رجبّية) ووعدت صديقتها بأن تشفي غليلها ممن أساءها: استني لي ليهم أنا ببكيهن زي ما بكّنك بنات الـ .... !!
كانت (رجبية) تحمل موهبة فطرية لنظم الشعر فتوجهت نحو مجلس البنات ووقفت عند رؤسهن ثم قالت
يا الشحّ مطركن ....
ويا القلّ مهركن
يا العند رجالكن ...
وشايلنكن اهلكن
مالكن يا البنات الصغار..
على النسوان الكبار يا امات صغيرا ما بنشال .. يا امات هدْمن ما بنعار..
يا الديمة مكشوفين حال..
مالكن يا البنات الصغار ..
على النسوان الكبار إن كنتن العسل ..
هن النحل
وإن كنتن البلح...
هن النخل
مالكن يا البنات الصغار ..
علي النسوان الكبار

تحيرت الفتيات في فهم ما قصدته (رجبية) بأبيات شعرها الصاموتية وحق لهن، فقد غاب عن فهمهن المعنى الذي ارادت ان توصمهن به .. وهنا نتبرع بشرح الابيات لغير الناطقين بلغة الحبوبات .. (الشحّ مطركن) كناية عن قلّة البركة ودليلها ضيق الرزق وقلة المال الذي يجلبنه لأزواجهن بسبب نشاف أرجلهن، مما يدفع اهلهن لمواصلة الصرف على الابنة حتى بعد تزويجها وهي في بيت زوجها !! أما وصفها لهن بـ (امات صغيرا ما بنشال) فهي أيضا كناية عن طبعهن الجاف الذي لا يُعاشر مما ينعكس على اطفالهن غير المستأنسين فيتعودوا على (شناة الطبع) لعدم اختلاطهم بالناس، وبالتالي ينفر هؤلاء الصغار من الضيوف ويرفضوا أن يحملهم أحد غير أمهم .. ثم عرجّت حاجة رجبية على ملابس (بناتنا)، فوصفتها بأنها غير قابلة للاعارة (ما بتنعار)، فنبذ عادة (العاريّة) والاستعارات الهدومية تدخل في باب (يمنعون الماعون)[/[/COLOR]size]

Huwaida Abdeen
13th July 2011, 12:38 PM
خلال اثنين وعشرين عاماً، ظلَّ صديقي «عوضين» يبحث عن عمل، أي منذ تخرُّجه من الجامعة عام 89م وقد استطاع خلال هذه الفترة دخول 538 معاينة، كان ترتيبه فيها جميعاً «الأول» بعد العدد المطلوب، يعني إذا كان المطلوب ثلاثة موظفين يأتي ترتيبه الرابع، وإذا انعقدت المعاينة لاختيار ثلاثمائة موظف يكون ترتيبه الأول بعد الثلاثمائة.. واستطاع فوق ذلك أن يكتسب خبرات متنوعة في كثير من الأعمال التي يسميها الحاقدون «هامشيّة»، فباع المساويك في «السوق العربي»، ثم في تطورات متلاحقة تحوّل إلى بيع «الليف» ثم الكشاكيش، وكان من المحتمل أن تتواصل التطورات حتّى يمتلك «بوتيك متجوِّل» لولا مطاردات «ناس البلديّة» التي أفسدت عليه أحلامه، فتحوّل إلى العمل في مهن أُخرى، عامل بناء أحياناً، متحصل تذاكر في الحافلات.. إلى غير ذلك..
** هذا، ولن تستطيع أبداً، أن تتّهِم «عوضين» الذي احتفل أمس بعيد ميلاده الثالث والأربعين، بالسلبيّة، أو بالمسكنة ، فقد وزّع صوراً من شهاداته الدراسية، وحتّى شهادات خبراته في السوق، على عدد مهول من الشركات والمصالح الحكومية وغير الحكومية، ومكاتب التخديم في الداخل والخارج، ولم ينسَ، مع ذلك، أن يوصي معارفه المهمِّين بالبحث لهُ عن وظيفة مناسبة، بعلاقاتهم أو بنفوذهم.. وهذا هو بيت القصيد.. فقد تمكنتُ أخيراً، وبصفتي أحد أصدقائه المهمين وأصحاب النفوذ الاجتماعي والعلاقات الواسعة، تمكنتُ أخيراً من العثور على وظيفة محترمة لصديقي عوضين..
** دعوتُه إلى «حفل شاي» على شرف هذه المناسبة مناسبة حصولي على وظيفة لصديقي عوضين دون أن أُخبرهُ، حتّى أجعلها مفاجأة سارّة له ُ.. كنتُ واثقاً من أن الوظيفة سوف تُعجِبُهُ، فبرغم أن اسم الوظيفة ليس بالاسم الفخم «نادل»، يعني «شيف»، يعني بالعربي الفصيح جداً «جرسون» إلاّ أنّها في مطعم سياحي فخيم، جميع العمّال فيه جامعيّون، وراتب بداية الخدمة فيه يساوي ثلاثة أضعاف راتب أي موظف جامعي في بداية السلم الوظيفي، هذا غير الفُرص المتاحة للرمرمة في الطيِّبات أثناء وبعد ساعات العمل الرسمية!!
** طبعاً لن تُصدِّقوا ماحدث، حين أخبرتُ عوضين بالمفاجأة .. توقّعتُ أن يندفع إليّ معانقاً وباكياً من الفرحة.. توقعتُ أن يقع مغشيّاً عليه.. توقعتُ أن يرفع يديه إلى السماء، ثم يتوضّأ ويصلي شكراً لله.. ولكنّهُ لم يفعل أيّاً من ذلك، بل صمت قليلاً، دون أي انفعال على وجهه، ثم قال، متردداً:
- معليش يا مؤمن ياخوي.. الوظيفة دي بالذات ما بتنفع معاي!!
صرختُ فيه، غير مصدق:
- يا عوضين أنت اشتغلت بيّاع مساويك، واشتغلت طُلبة، تقول لي جرسون ما نافعة معاك؟؟!! ده مطعم عالمي ، ناسو كلهم جامعيون والطباخون حَمَلة دكتوراة..
- دي ما المسألة يا مؤمن.. دي فعلاً وظيفة يتمناها أي زول ، إلاّ أنا.. دي وصية الوالدة ياخ!!
- ما فاهم!!
- الوالدة الله يرحمها، كانت دايماً توصيني أبعد من وظيفتين في الدنيا دي.. وكانت دايماً ترفع أيديها بعد الصلاة ، تسأل ربنا ينجيني من الوظيفتين ديل.. كانت تقول لي: «أوعك يا عوضين يا ولدي، كان مُتَّ من الجوع، أوعك وما عافية منك لا دنيا لا آخرة، كان اشتغلت جرسون ولاّ «رئيس جمهوريّة»!!
- يعني رئيس جمهوريّة كمان ما حتشتغل؟؟
- أيوة.. عندها راي في الجرسونات، وفي رؤساء الجمهوريّات..
- جرسون وعرفناها، يمكن «قرضمة» منها، بس رئيس جمهوريّة دي مالها؟؟
- كانت تقول لي: « أي رئيس جمهورية في الدنيا دي مشيول حال، ومشغول بال، مدردر في البلد جوّال.. حبايبو الصايع، الطبّال، والهتِّيفة و الجُهّال.. يغشُّوهو إن صدق وإن مال .. يلوموهو إن سكت وإن قال»..
- ده راي أُمّك.. بس رايك إنتَ شنو؟
- بصراحة، ومن واقع خبرتي كمراقب، لقيت بلاوي رؤساء الجمهوريّة أكتر من دي بكتير.. تعرف إنُّو زول بيحكم عشرات الملايين من البشر لازم يكون فيهم «مظاليم»!! والبشر ديل الواحد فيهم تلقاهو ما بيعرف ربنا إلاّ لما يظلموهو.. تلقاهو طول عمرو لا بيعرف صلاة لا صيام، أول ما ينظلم، إن شا الله في «مليم» واحد، يتعلّم صلاة الفجر حاضراً، مخصوص عشان يرفع إيديهو ويدعو على الرئيس!! والغريبة الناس اللي بيحسن فيهم الرئيس بيعتبرون المسألة «حق طبيعي» وما في واحد فيهم بيرفع أيديهو يدعو للرئيس، عشان المسألة تتعادل، يعني ما عندو أي طريقة.. ده طبعاً غير البلاوي التانية.. الأحزاب والمعارضة، واللهلهة والجري، يمشي يرضّي ده يلقى داك زعلان، يرضيهو يزعل التالت.. وأمريكا.. كلو كوم وأمريكا كوم.. تقول لي رئيس جمهوريّة!! والله كان أشحد ما أشتغل رئيس جمهوريّة!!

معادلات - علي يسن - صحيفة الانتباهة

السني أبوالعزائم
14th July 2011, 02:13 PM
وصية أسد .. ووصية خروف!!





(وصية الأسد لابنه)

ولدي إليك وصيتي عهد الأسودْ
العز غايتنا نعيش لكي نسود
و عريننا في الأرض معروف الحدود
فاحم العرين و صنه من عبث القرود
أظفارنا للمجد قد خُلقت فدى
و نيوبنا سُنَّت بأجساد العدى
إياك أن ترضى الونى أو تستكينْ
أو أن تهون لمعتدٍ يطأ العرين
أرسل زئيرك و ابق مرفوع الجبين
و الثم جروحك صامتاً و انس الأنين
مزق خصومك بالأظافر لا الخطابْ
فإذا فقدت الظفر مزقهم بناب
و إذا دعيت إلى السلام مع الذئاب
فارفض .. فما طعم الحياة بلا ضراب
اجعل عرينك فوق أطراف الجبالْ
ودع السهول .. يجوب في السهل الغزال
لا ترتضي موتاً بغير ذرى النصال
نحن الليوث قبورنا ساح القتال
ولدي إذا ما بالسلاسل كبلوكْ
و رموك في قعر السجون وعذبوك
و براية الأجداد يوماً كفنوك
فغداً سينشرها و يرفعها بنوك
إياك أن ترعى الكلا مثل الخرافْ
أو أن تعيش منعَّماً بين الضعاف
كن دائماً حراً أبياً لا يخاف
و خض العباب و دع لمن جبنوا الضفاف
هذي بنيَّ مبادئ الآسادِ
هي في يديك أمانة الأجداد
جاهد بها في العالمين و نادي



(وصية الخروف إلى ابنه)

ولدي إليك وصيتي عهد الجدودْ
الخوف مذهبنا نخاف بلا حدود
نرتاح للإذلال في كنف القيود
و نعاف أن نحيا كما تحيا الأسود
كن دائماً بين الخراف مع الجميعْ
طأطيء و سر في درب ذلتك الوضيع
أطع الذئاب يعيش منا من يطيع
إياك يا ولدي مفارقة القطـيع
لا ترفع الأصوات في وجه الطغاة
لا تحك يا ولدي و لو أباحوة الكلام
لا تحك حتى لو مشوا فوق الجباه
لا تستمع ولدي لقول الطائشينْ
القائلين بأنهم أسد العرين
الثائرين على قيود الظالمين
دعهم بني و لا تكن في الهالكين
نحن الخراف فلا تشتتك الظنونْ
نحيا و هم حياتنا ملءُ البطون
دع عزة الأحرا.. دع ذاك الجنون
إن الخراف نعيمها ذل و هون
ولدي إذا ما داس إخوتك الذئابْ
فاهرب بنفسك و انجُ من ظفر و ناب
و إذا سمعت الشتم منهم والسباب
فاصبر فإن الصبر أجر و ثواب
إن أنت أتقنت الهروب من النزالْ
تحيا خروفاً سالماً في كل حال
تحيا سليماً من سؤال و اعتقال
من غضبة السلطان من قيل و قال
كن بالحكيم و لا تكن بالأحمقِ
نافق بني مع الورى و تملق
و إذا جُرِّرت إلى احتفال صفق
و إذا رأيت الناس تنهق فانهق
انظر ترى الخرفان تحيا في هناءْ
لا ذل يؤذيها و لا عيش الإماء
تمشي و يعلو كلما مشت الغثاء
تمشي و يحدوها إلى الذبح الحداء
ما العز؟ ما هذا الكلام الأجوفُ
من قال أن الذل أمر مقرف
إن الخروف يعيش لا يتأفف
ما دام يُسقى في الحياة و يُعلف

السني أبوالعزائم
14th July 2011, 02:28 PM
عاد من عمله متجهم الوجه مقطب الجبين، فتحت له امرأته الباب فلم يسلم عليها و لم يكلمها، لم يغير ملابس العمل كعادته كل يوم، جلس في زاوية و وضع يده على رأسه و راح يتأفف، قدمت له زوجته الطعام فلم يأكل و قال : أعيدي الطعام إلى مكانه فلن آكل شيئاً
سألته : ما بك ؟
قال في انفعال : لا شيء.. لا شيء
قالت : أرجوك أخبرني فلعلي أستطيع مساعدتك
قال : قلت لكِ لا شيء..فدعيني و شأني
تلطفت معه أكثر و قالت : أنا زوجتك و صاحبة سرك ، فلمن تبث همك إذا لم تبثه لزوجتك ؟
تشجع و قال : و بماذا تستطيعين مساعدتي ؟
قالت : أساعدك بحياتي لو أردت ، و هل عندي من هو أغلى منك ؟ فقط قل لي ما الذي أزعجك ؟
قال : قانون أصدرته الحكومة هو الذي أزعجني
قالت : و ما دخلك أنت بقوانين الحكومة ؟
قال : القانون يقول : يحكم بالإعدام على كل رجل لا يتزوج على زوجته
قالت : و هل يزعجك يا حبيبي أن تموت شهيداً ؟

Abubakr Ibrahim
16th July 2011, 08:04 AM
الجيلي عبدالمنعم عباس

الجيلي عبدالمنعم عباس ولد برفاعة عام 1941 وتلقى تعليمه الأولى والأوســــط بمدارس رفاعة الأهلية ثم انتقل للدراسة بحنتوب الثانوية ومنها التحق بجامعة الخرطوم 1960 بكلية القانون وتخرج منها في 1965 وفي نفس العـام عمل مستشاراً للبرلمان حتى انقلاب مايو وبعد مايو عين في 71 قاضياً بالقضاء العسكري حتى 77 ثم هاجر إلى دولة الأمارات العربية واستقر بها ، في عام 1958 م كتب الجيلي أول أغنية له ( أيامك ) وكان آنذاك في المرحلة الثانوية بالصف الثاني وأرسلها للإذاعة في بريد الفنان وردي ليتغنى بها فوجدهاالفنان احمد المصطفى في بريد وردي وكان الخطاب مفتوح فقرأها وأعجب بها واتى بها لوردي في حفل بمدرسة الخرطوم الثانوية فلحنها وردي وتغني بها لأول مرة في معسكر بخور عمر و في حفلات كثيرة وفي عام 1960 وأثناءرحلة فنية للبنان للترفيه عن الطلبة شارك فيها الأستاذ وردي والأستاذ صلاح بن البادية طلب صلاح من وردي أن يتنازل له عن أغنية أيامك لإعجابه بها ولأن وردي كان يمتلك أغنيات كثيرة وصلاح في بداياته فتنازل له وردي عن أيامك التقى الجيلي عبدالمنعم بوردي لاول مرة في عام 59 إثناء حفل بمدني واندهش وردي بصغر عمره وفي الموضوعات التي يتطرقها شعره واتفقا علي أن يستمر التعاون بينهما وفي عام 1963 كتب الجيلي ثاني أغنياته من وحي الغربة ( الهوى الاول ) بالمانيا وتغنى بها وردي في بداية عام 1964ثم تبعها بالاغنية الشهيرة ( مرحباً ياشوق ) في عام 1964 وغناها وردي في عام 1965 وبعد نجاح أغنية ( مرحبا يا شوق ) أصبح الجيلي من الشعراء المميزين ولكنه توقف عن الكتابة لانشغاله بالعمل في السلك القضائي فتبارى كبار الفنانين في محاولة لاستنطاق جيلي برائعة أخرى حتى نجح الملك عثمان حسين في استنطاقه عام 1966 بأغنية ( ليه تسيبنا )

ليه تسيبنا

ليه تسيبنا يا حبيبنا
للضنى الما بنتهى
للشقى الفوق جبينّا
رسم خطوط ما بتنمحي
***************
مش كان حرام
تحرمني حتى الابتسام
تحرمني منك لو عتاب
اشتاقو وافرح بالملام
حرام اجيك بالشوق
وأعود بالهجر منك والخصام
***************
خليني أتعذب براي
ضايع محطم بالهوى
جفني المسهد بالدموع
رويتو وما ارتوى
اعتاد على طعم السهاد
ما اعتاد على طول النوى
***************
ورينى ايه لازم الزعل
أنا قلبي قاسى واحتمل
عللتو بالآمال سنين
واصبح مقيّد بالامل
لكنو يسألني الحنين
كلو يوم إيه العمل
الهوى الاول
أخادع نفسي بي حبك وامنيها
واهرب حتى من ذكراك و الاقيها
دموع الحسرة في عينية اخفيها
ونار الشوق اقول الصبر يطفيها
**************
اقول انساك وانسى شقاي لو قادر
وتطول الغربة والحرمان بلا آخر
اسيبك كيف وانت الناهي والآمر
وكيف اصبر وعارف نفسي ما صابر
***************
شبابي معاك ما أضيع امانيه
وعمر هواك ما أقصر لياليه
رضيت بي ظلمو أحياه و أقاسية
ولو خلاني ما بقدر اخليه
***************
تخاصم وتفتكر إحساسي يتبدل
وقايل قلبي مال لسواك واتحول
وحاة ريدتنا وحياة الهوى الأول
بنرجع تاني لو زاد الجفا وطول


مرحباً ياشوق
لم يكن إلا لقاء وافترقنا
كالفراشات على نار الهوى
جئنا إليها واحترقنا
كان طيفا وخيالا ورؤى
ثم ودعنا الأماني وأفقنا
***************
بالذي أودع في عينيك
إلهاما وسحرا
والذي أبدع فيك الحسن
إشراقا وطهرا
لا تدعني للأسى
يدفعني مدا وجزرا
أثقلت كفي الضراعات
وما تقبل عذرا
***************
يا حبيبا بت أشكو حرقة الوجد إليه
وتوسلت .. نذرت العمر قربانا لديه
ماله لو عاد فالقلب رهين بيديه
وعيوني ظامئات للهوى من مقلتيه
***************
يا لقلبي ..عاد من بعد النوى يطوي شراعا
آه بالهوى يبعث في الروح حنينا واندفاعا
مرحبا يا شوق اغمرني شجونا والتياعا
ووداعا للذي شيدته بين الضلوع فتداعى

أيامـــــــك
أيامك باسمة يا قلبي وأنت بتشكي
تتظلم وبهجران أحبابك تحكى
وتسامر الليل ونجومو
وتقاسي براك همومو
وتواسيك عيوني الساهرة
وتبكي آه تبكي
***************
مكتوبلك جنة يا قلبي وما راضيها
شوف الدنيا وزهر الريد حافيها
اطيارا وديعه مسالمة
وظلالا الوارفة الحالمة
همسات عشاق مع الليل
والليل راويها
***************
انت خلقوك للحب والهوى والنشوى
وصاغوك حنان ومودة وسلوى
وليه ترمى عيونك دمعة
وفؤادك تحرقو لوعة
خلقوك عشان ماتردد أجمل غنوه

Abubakr Ibrahim
19th July 2011, 08:34 AM
كتب : تاج السر عثمان
الحوار المتمدن - العدد 2774- 19/9/2009
عن : خليل فرح
في 30/6/1932م توقف قلب كبير عن الخفقان ، توفى خليل فرح الذي كان نزيلا بمستشفى النهر بالخرطوم ، بعد أن ادركته علة الرئه(السل) ، تلك العله التى قال عنها الخليل: (علتى وهى علتى قصة الناس في البلد) .
والواقع ، عندما نتحدث عن الاغنية السودانية الحديثه وروادها يقفز الى الذهن خليل فرح ، انه كان مبدعا ومجددا حقيقيا في الأغنية السودانية ، وقد صدرت في سيرة الخليل عدة كتب نذكر منها على سبيل المثال لاالحصر :
- نقوش على قبر الخليل ، للاديب المثقف والدبلوماسي عبد الهادى صديق ، رحمه الله.
- ديوان الخليل، الذى قدم له وحققه طيب الذكر الراحل على المك.
- كما قدمت الاستاذة حاجه كاشف دراسه عن الخليل .
- وفى مؤلف المرحوم حسن نجيله : ملامح من المجتمع السودانى ، جوانب مختلفه من شعر الخليل ودوره في الحركة الوطنية وفي جمعية اللواء الأبيض وذكريات نابضة بالحياة عن صالون (فوز).*
الخليل من ذلك الجيل من المتعلمين والمثقفين السودانيين الذين تخرجوا في كلية غردون وغيرها ، والذين حملوا أعباء النهضة السودانية الحديثه وصارعوا من اجل ارساءها في مختلف المجالات ، ووضعوا حجر الأساس الذي لازلنا نبنى عليه في تلك المجالات ، سواء اكان ذلك في ميادين الاقتصاد أم الاجتماع أم السياسة ، ام الموسيقى أم المسرح .. الخ.
والواقع أننا لايمكن فهم تطور السودان الحديث دون المعرفة العميقة والباطنية لجذور وجينات ذلك التطور والظروف التى حكمت وشكلت قسمات نشأته الاولى.
من هذه الزاويه ، نتناول الدور الذي لعبه الخليل في نهضة وتطور السودان الحديث ، ونتناول قضايا التقدم الاجتماعي التى كان يثيرها ، كما نتناول الربط المبدع لأشعار الخليل بالوطنية والطبيعه السودانية وتخطيه لحدود المكان والزمان.فلازالت قصيدة( عزه في هواك) ترن في الاذان كرمز للوطنية السودانية ، وسوف تظل خالدة في حاضر ومستقبل السودان ، كما كانت في الماضي.يقول الخليل فيها:
عزه في هواك نحن الجبال وللبخوض صفاك نحن النبال
عزه ماسليت وطن الجمال ولاابتغيت بديل غير الكمال
وقلبي لسواك ماشفته مال خذينى باليمين وأنا راقد شمال
عزه مانسيت جنة بلال وملعب الشباب تحت الظلال
وهى من القصائد الرائعه التى يربط فيها الخليل الوطن الكبير(السودان) بالوطن الصغير (امدرمان) ومنطقة مولد الخليل.
يتناول البحث القضايا التاليه:
1- الخليل وعصره
2- الخليل والتجديد
3- النهضه في اشعار الخليل
4- الخليل والوطنية السودانية
5- الخليل والمرأة
6- الخليل والطبيعه
7- خاتمه.
أولا: الخليل وعصره:
ولد خليل فرح في قرية دبروسه بمنطقة حلفا سنة 1894م (1) ، أى أن الخليل ولد في السنوات الأخيرة لدولة المهديه التى استقل فيها السودان لمدة ثلاثة عشر عاما وتم سقوطها في عام 1898م ، فالخليل تفتح على الاحتلال الانجليزى – المصرى للسودان، وهزيمة دولة المهدية ، وربما يكون اختزن في ذاكرته فظائع احتلال السودان واستباحة الخرطوم خلال الايام الاولى للغزو ، ومؤكد ان - صح ذلك – أن هذا الواقع يكون قد ترك اثره بهذا القدر أو ذاك في الخليل ، كما تفتح الخليل ايضا في طفولته الباكره على النيل وجمال الطبيعه والنخيل والسواقي والاشجار والطيور المتنوعه .. وكل ما تحمله حياة الريف في منطقة السكوت أو المنطقة الشمالية من جمال وبساطه وبهحه ، اضافه لأغانى النوبة ورقصهم وتراثهم الشعبي وأمثالهم وحكمهم، كما نلاحظ بعضا من ذلك في اشعاره ، فعلى سبيل المثال هناك مثل نوبي يقول:زوج البنت دينار فوق جبهة الحماة. والدينار عند النوبة حلية من الذهب الخالص مستديرة الشكل تربطها المرأة في شعر الناصية وترسلها الى الامام ، فتستقر فوق الجبهة ، وهى حليه من الحلى الزاهيه تعتز بها كل امرأة. وهو مثل يضرب للدلالة على مكانة زوج البنت وعلو قدره في نظر حماته.وفي قصيدة ( جنائن الشاطئ) يستلهم الخليل هذا التراث عندما يقول:
القوام اللادن والحشا المبروم
والصدير الطامح زى خليج الروم
حلى جات متبوعه الصافيه كالدينار
في القوام مربوعه شوفا عاليه منار
وكان والد الخليل : فرح بدرى يعمل بالتجارة ، وكان كثير الاسفار في المنطقة من حلفا ودنقلا وكثيرا ما كان يصحبه خليل في تلك الاسفار، وبطبيعة الحال ، ان هذه الاسفار كان لها الاثر في شخصية وتفكير الخليل فجعلته يتعرف على مناطق مختلفه من السودان في بداية حياته، الشئ الذى جعله واسع الافق والخيال كما ساعدته على حب وعشق الطبيعه والتى عبر عنها كثيرا في اشعاره ، توفى والده سنة 1915 ، كما توفيت والدته سنة 1927 م.
نال الخليل جزءا من تعليمه في خلوة الشيخ احمد هاشم بجزيرة صاى ، ثم الكتاب في دنقلا ، كما درس في امدرمان حيث كان يقيم واهل ابيه ، ودخل كلية غردون وتخرج فيها مهندسا ميكانيكيا، وعمل بعد تخرجه في مصلحة البوسته والتلغراف ، ونتوقف هنا قليلا لنلاحظ ، أن الخليل تلقى تعليما مدنيا حديثا أو مدنيا فرضته احتياجات الادارة البريطانية بعد قيام مشاريعها الصناعية والزراعية والخدمية ، واحتياجها لنوع من التعليم الحديث يلبى الاحتياجات ، وبدراسة الخليل للهندسه تفتح افقه وخياله وبدأ يتعامل مع المنجزات الحديثه للثورة الصناعية الاولى من ادوات انتاج ومبادئ العلوم والرياضيات والهندسه .. الخ، كل ذلك اسهم في تنمية وعى الخليل الاجتماعي والذى صقله فيما بعد باطلاعه الواسع في الادب والشعر القديم والتاريخ الاسلامي والسوداني ، اى ان الخليل تخطى برنامج كلية غردون الدراسي الذي كان يقتصر على تدريب الطالب على مهنه محددة معزوله عن الثقافة العامة ، وهذه نقطه مهمه تشكل المفتاح لفهم سر التجديد في الاغنية السودانية وفي الشعر السوداني عامة ، ذلك لأن الخليل نفسه هو نتاج القوى الحديثه من موظفين وعمال ومهندسين الذين برزوا بعد قيام مؤسسات الادارة الاستعمارية في بداية القرن الماضي ، وهذه القوى هى التى قادت دفة التجديد في مختلف المجالات الأدبية والفنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية فيما بعد.
ومن الملامح الانسانية للخليل زواجه من السيدة سلامه اغا ابراهيم أرملة شقيقه بدرى وذلك في جزيرة (صاى) عام 1923 م ، وكان له من الولد فرح وعائشه.
وكان للخليل نظرة عميقة للاستعمار باعتباره سبب الشقاء والتخلف للسودانيين ، وهذه النظرة نلمحهافي قصيدة ( صائد الانام) ، وهى قصيدة نظمها بمناسبة زيارة ( أمير بريطاني) للسودان جاء فيها :
ياصائد الانام سافر ياامير وانزل اراضينا
جوب ساحاته واستعرض ميادينا
ما تهمك مدارسنا ونوادينا
اهلك اهملوا تأسيسه عامدينا
ساد الجهل وسادت عوادينا
وعم الفقر مداينا وبوادينا
ما اتسولنا أو مدت ايادينا
غير الخالق المن فيضه يدينا
ياصائد الانام المولى عاطينا
طبيعه غنيه في بواطينا
ما اخصب جزائرنا وشواطينا
وخيرات الجزيرة الدافقه طينا
ويختتم الشاعر بقوله :
بس الشفته من احوالنا بيألم
احكى عنه لاهلك وعد سالم
والخليل هنا يعبر عن مفهوم عميق للاستعمار كظاهرة اقتصادية اجتماعية ، باعتباره سبب الجهل والتخلف رغم ادعائه بأنه جاء لنشر التعليم والمدنية ، ويتضح ذلك من اهماله للتعليم والشح في بناء المدارس والاندية التى ترمز للوعى والتقدم الاجتماعي والثقافي ، ورغم خيرات البلاد وخصوبة أرض الجزيرة ، الا أن عائدها يذهب لجيوب المستعمرين بينما السودانيون يعانون من الفقر في المدن والبوادى ، والخليل هنا كان عميقا عندما يلاحظ الفقر في القطاع الحديث ( المدن) ، وفى القطاع التقليدي ( البوادى) ، ويشير الى عزة السودانيين الذين يرفضون التسول رغم الفقر الذي عمّ في فترة سيادة الاستعمار الذي اهتم بالمحصول النقدي ( القطن) واهمل زراعة قوت الناس مثل: الذرة والدخن والخضروات .. الخ، أى أن الاستعمار لم يكن يهمه غذاء السودانيين ورفاهيتهم بقدر ما كان يهمه غذاء السودانيين ورفاهيتهم بقدر ما كان يهمه انتاج المحصول النقدي( القطن) اللازم لمصانعه في لانكشير.
اعتقد أن الخليل هنا عبر بالحدس والفطرة تعبيرا عميقا عن فهم ظاهرة الاستعمار والأسباب الأساسية للتخلف التى نشأت من استنزاف خيرات البلاد، وتصدير الفائض الاقتصاي للخارج وابقاء السودانيين في حالة من الجهل والفقر.
وبعد استقرار دولة الحكم الثنائي شرعت في ارساء البنيات الاساسية للدولة السودانية الحديثة ، فقامت السكك الحديدية والنقل النهرى وتم انشاء ميناء بورتسودان ، وتم ارساء التعليم الحديث وقامت كلية غردون وتم بناء المستشفيات الحديثة وقامت مصلحة البوستة والتلغراف وقام مشروع الجزيرة وخزان سنار ، ونشأت دور الطباعة والنشر والصحافة .. الخ.
وشهدت الفترة(1900 – 1919 م) تخرج متعلمين من كلية غردون ، كما شهدت تطورات عالمية وداخلية كان لها الاثر في تطور وظهور شكل جديد للوطنية السودانية بعد هزيمة دولة المهدية واتباعها وهزيمة الانتفاضات القبلية والدينية التى استمرت حتى 1916م. حيث تم القضاء على تمرد السلطان على دينار في دارفور. وشهدت تلك الفترة الحرب العالمية الاولى وما تمخض عنها من تطورات في الحركة الوطنية لشعوب المستعمرات.والاتجاه العام للمطالبه بحق تقرير المصير ، كما شهدت نشوء ومولد الصحافة السودانية التى بدأت اجنبية الملكية سودانية القراء ، حتى قامت أول جريدة ( الحضارة) سودانية في الملكية والقراء(2 ).
كما اشترك الجنود السودانيون في الحرب العالمية الاولى وعادوا للبلاد بوعى جديد ، كما شهدت تلك الفترة نهوض الحركة الوطنية المصرية التى توجت بثورة 1919 م والتى كانت تطالب بسيادة واستقلال مصر ، كما شهدت شعوب المستعمرات الاخرى في الشرق ثورات مثل ثورة الهند ، كما قامت الثورة الروسية عام 1917م.
ولم يكن السودانيين ولاسيما المتعلمين منهم بمعزل عن تلك الاحداث والتطورات فتم انشاء نادى الخريجين ، وقامت جمعية الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الأبيض فيما بعد والتى كانت تطالب بوحدة وادى النيل تحت التاج المصرى وجمعية اللواء الابيض من اوائل التنظيمات التى قامت على اسس سياسية حديثة في السودان وشكلت تطورا ارقى في ميدان التنظيم في السودان. كان خليل فرح عضوا في جمعية الاتحاد السوداني التى تكونت عام 1921 م في منزل محى الدين جمال ابوسيف ومن اعضائها المؤسسين توفيق احمد البكرى وبشير عبد الرحمن وكلهم كانوا من طلاب كليةغردون ، وكان هدف هذه الجمعية وحدة وادى النيل ثم صار من اعضائها : مدثر البوشي ، الامين على مدنى ، عبيد حاج الامين ، بابكر القبانى ، توفيق صالح جبريل وغيرهم.
ومارست الجمعية آساليب العمل السري ، وكانت اجتماعاتها تتم سرا ، وتوزع المنشورات التى توضح اهداف وافكار الجمعية ، وعندما قامت جمعية اللواء الابيض انضم اليها خليل فرح وكان الخليل يعبر في قصائده واشعاره عن اهداف وشعارات وحدة وادى النيل التى قامت ثورة 1924 م على أساسها ونلمس ذلك على سبيل المثال في قصيدة ( الشرف الباذخ) والتى يقول فيها:
نحن ونحن الشرف الباذخ دابى الكر شباب النيل
قوم قوم كفاك يانائم شوف شوف حداك يالايم
مجدك ولىّ وشرفك ضلّ وامتى تزيد زيادة النيل
الى أن يقول:
ده ودعمى وده ضريب دمى وانت شنك طفيلي دخيل
يانزلانا امرقوا الذمه كيف ينطاق هوان الامه
شالو حقوقنا وزردوا حلوقنا ديل دائرين دمانا تسيل
من تبينا قمنا ربينا ما تفاسلنا لو في قليل
ما فيش تانى مصرى سودانى نحن الكل ولاد النيل
واضح من القصيدة انها تعبر عن جماعة ( نحن) أى جماعة وحدة وادى النيل ، ويرد فيها ذكر (النيل ) اكثر من مرة ويختتم بقوله ( مافيش تانى مصرى سوداني نحن الكل (ولاد النيل)، ويرد فيها تعابير مصرية مثل( امتى تزيد زيادة النيل )، كما يشير الخليل الى الكبت الذي يعانى منه الشعب السودانى في ظل الاستعمار الانجليزى عندما يقول:
يانزلانا امرقوا الذمه كيف ينطاق هوان الامه
شالو حقوقنا وزردوا حلوقنا ديل دائرين دماءنا تسيل
ويقول للمصرى والانجليزى:
ده ود عمى وده ضريب دمى وانت شنك طفيلى دخيل .
اى أن القصيدة تعبر تعبيرا كاملا عن اهداف اللواء الابيض ( وحدة وادى النيل).
بعد هزيمة ثورة 1924 م وخروج القوات المصرية من السودان وانفراد الانجليز بالحكم ، نظم الخليل قصيدة( ماك غلطان) في عام 1925 والتى تحولت الى نشيد وطني ذاع شأنه وكان يغنيه كثير من المطربين ، يقول فيها:
ماك غلطان ده هوى الاوطان نوح ياحمام
الى أن يقول فيها:
اطرى فلان وليالى عنان وين ياسلام
كنا حنان والحله جنان نوح ياحمام
اليوم آن للمحنه آوان ضل المرام
ما فى اخوان وحياتنا هوان نوح ياحمام
لاشك أن التزام خليل السياسي سبب له المتاعب في الخدمة المدنية ، حيث كان هدفا لحزم الادارة ، وعلى حد تعبير على المك ( ربما كان ذلك عقابا على شعره واشاراته للادارة البريطانية بالتلميح والتصريح) (4). فقد بلغ مجموع الايام التى خصمت رواتبها من خليل فرح عشرون يوما في مدة خدمته من أخريات عام 1913 م الى عام 1929م.
احب الخليل مصر والذى كان يرى فيها مثلا اعلى في الثقافة والعلم ، كما ادرك قوة الصلة بين الشعبين المصرى والسوداني ، وما انضمام خليل لجمعية اللواء الأبيض والتى كان من اهدافها ( وحدة وادى النيل) الا دليل على ذلك ، فقد ذكر مصر كثيرا في اشعاره كقوله ( نحن الكل اولاد النيل)، ( نحن كنانة اسماعيل). وعليه شد الرحال الى مصر في آخر عام 1928م ، واستطاع أن يكسر ويتخطى القيود التى كان يضعها الانجليز في سفر المثقفين والمتعلمين السودانيين الى مصر طلبا للمزيد من العلم والمعرفه.
وفي الفترة الى قضاها الخليل في مصر استطاع أن يطور قدراته الغنائية والموسيقية ويتزود بالعلم في هذا الجانب ، ودرس علوم الموسيقي ، واستطاع الخليل عن طريق المعارف العلمية الاولية في هذا الجانب أن يطور ويسهم في ارساء قواعد الأغنية السودانية على أسس جديدة راقية ومتطورة .
كان صراع الخليل مزدوجا : الصراع ضد الاستعمار والتخلف والفقر والصراع ضد المرض ، داء السل العضال الذى كان يعانى منه ، فازدادت معاناته ومتاعبه وعلى حد قول المتنبي ( ومن ذا يحمد الداء العضالا).
وفي قصائده اشارات كثيرة لذلك المرض ، وكان يربط علته بعلة الوطن كله ، ومن الامثله على ذلك قصيدة ( من يداويك) والتى جاء فيها:
من يداويك والحياة كما شاءوا وما شئت كلها الآم
مالنا نسكب الدموع على القرطاس ياقوم ولعلى أقوام
وكذلك نلاحظ ذلك في قصيدة ( الاتومبيل والاسد) والتى جاء فيها:
يابناءا على المجد قد قام واعتمد
رفع الله امة رفعت مجدها السند
كم طبيب على عبادة الفجر ما رقد
يتلقاك باسما جس نبضا أو انتقد
تلك ستون ليلة هى كالسجن أو اشد
صدمة ليتها صدمة الاتومبيل أو الاسد
علتى وهى علتى قصة الناس في البلد
كان الخليل عميقا في ثقافته ومعرفته بالتاريخ والشعر العربي والتراث السوداني وينعكس ذلك في شعره وقصائده ، كما استطاع أن يطوع تلك المعرفة على الواقع السوداني ، وتحت مفاهيم جديدة ولغة جديدة وجمع في شعره بين العامية والفصحى.
وفي قصيدة ( طير الوادى) اشارة للتراث ولآثار السودانية والامجاد الماضية يقول فيها:
كنانة آمون مشغوله قايدة وشايدة
من والدنه بى تلك القصور الشايدة
وفي قصيدة ( تعال الى ) يقول:
طربت وهزنى الشوق المشيم وعاود مهجتى داء قديم
الى أن يقول:
فسل سوبا وسنار عنا وواد النخل لبنك الرسوم
فالخليل هنا يصل لمرحلة متقدمة في الوعى بالذات وبالحضارة السودانية.
وفي قصيدة ( لاتقوم الشعوب الا على ماضي)، يقول:
رب ما ض من الهوى بعثته ذكريات الهويل بالتغريد
لاتقوم الشعوب الا على ماض بقيت بذكره في النشيد
وبنفسى هى الحياة حياة اسلكت اهلها سبيل الخلود
ويدعو الخليل الى العلم والمعرفهحين يقول:
فكونوا كا الكواكب ذا زمان لغير اولى النهى ليل بهيم
وشدوا بعضكم بعضا وسيروا بغير العلم مسلككم وخيم
ثانيا : الخليل والتجديد :
كانت الاغنية السودانية قبل الخليل تتسم بالاسفاف والركاكه ، وهى نتاج المجتمع التقليدي الضيق الذي كان يعيش فيه السودانيون قبل الارتباط بتيارات الثقافة العالمية ، ودخول التعليم الحديث ، وبالطبع عندما جاء الخليل بتعليمه المدنى الحديث وثقافته واطلاعه الواسع ، اسهم في الارتقاء بالاغنية السودانية ونحت تعابير ومفاهيم جديدة تتسم بالرصانه على المستوى العامى والفصيح. ويرى المبارك ابراهيم ، أن تاريخ وتهذيب الأغانى السودانية في مبتدأه لايعترف الا بوجود الزعماء المجددين الثلاثه: ابراهيم العبادى ، صالح عبد السيد( ابوصلاح)، وخليل فرح(5).
هذا وقد اتسم شعره بصفة عامة بحب الطبيعة والوطن ويقول القصيدة تصدر عنه بلحنها مثلما هو بشفق عليها ان تقع في ايدى العابثين ، فكانت الحانه فريدة والعمل الغنائي يخرجه خليل فرح كاملا كلمات وغناء ، والذي اسماه المبارك ابراهيم تهذيبا ، ولكن على المك يطلق عليه في الواقع ثورة(6).
وخليل فرح رغم أنه نوبي ، ورغم سيطرة ثقافة الوسط العربية ومحاولة تهميشها لثقافات الاطراف غير العربية ، الا أن الخليل برهن عاى أنه متمن من اللغة العربية العامية والفصحى ، واستطاع أن يحدث ثورة حقيقية في الأغنية السودانية ، وفي تنمية لغة اهل امدرمان التى هى حصيلة تفاعل قبائل السودان المختلفة التى تم حشدها في المدينة عند بداية تأسيها بعد انتصار الثورة المهدية.
واسهام النوبة في الثقافة العربية الاسلامية واضح ، فكما يقول د. عبد الله الطيب : الجاحظ العظيم نوبي ، وذو النون المصري القطب الصوفي المشهور كان نوبيا ، مما يوضح أن النوبة كما ابناء الفرس والروم اسهموا في تشييد صرح الثقافة العربية الاسلامية. وبالتالى لانستغرب ابداع خليل فرح النوبي وتمكنه من اللغة العربية واسهامه في تطوير وتجديد فن الغناء السوداني.
ثالثا: النهضة في اشعار الخليل:
في قصائد الخليل نلمس دعوات واضحه الى ابناء الوطن لكى ينهضوا ويواكبوا التطور ويتحرروا من الركود والجمود، في قصيدة (الشرف الباذخ) يقول:
قوم قوم كفاك يانايم شوف شوف حداك يالايم
مجدك ولى وشرفك ضل وامتى تزيد زيادة النيل
فهى دعوة صريحه للنهضة والتطور والازهار حتى يعم الرخاء والتقدم في البلاد.
وفى قصيدة ( فلق الصباح) يقول:
عزه قومى كفاك مومك وكفانا دلال يومك
انت يالكبرتوك البنات فاتوك
في القطار الطار
فهى دعوة صريحة للوطن لينهض ويلحق بالاوطان الأخرى التى سبقته في مضمار النهضة والتقدم.
وفي قصيدة (عزة في هواك) يقول:
عزة شفت كيف نهضوا العيال جددوا القديم تركوا الخيال
وفي قصيدة ( وطني) يقول :
لبسوا الجديد على القديم وهكذا
صارت تصان وديعة الاحفاد
رابعا: خليل والوطن:
احب الخليل الوطن وعشقه عشقا شديدا وعبر عن هذا الحب في اشكال مختلفه منها الشكل المباشر والشكل الرمزى ( الحبيبه ، عزه ، المرأة ، ... الخ).
وفي قصيدة ( ماهو عارف) يصل للقمه في حب الوكن يقول في القصيدة:
ماهو عارف قدمه المفارق يامحط امالى السلام
في سموم الصيف لاح بارق لم يزل يرتاد المشارق
كان مع الاحباب نجمه شارق ماله والافلاك في الظلام
الى أن يقول:
من فتيح للخور للمغالق من علايل ابروف للمزالق
قدله يامولاى حافى حالق بالطريق الشاقه الترام
ما يئسنا الخير عوده سابق الى يعود ان اتى دونه عايق
الى يوم اللقاء وانت رايق السلام ياوطنى السلام
وفي قصيدة ( اذكر بقعة ام درمان) يعبر عن حب عميق لوطنه الصغير ( ام درمان) وعن فهم عميق لتاريخ وجذور المدينه وتركيبتها ، يقول في القصيدة:
اذكر بقعة ام درمان وانشر في ربوعها آمان
ذكر ياشبابي زمان
يواصل الخليل ويقول:
دارنا ودار ابونا زمان وفيها رفاة جدودنا كمان
ما بننساك خلقه ضمان جنه وحور حماك ضمان
بطرى الاسسوك زمان كانوا نحاف جسوم ما سمان
كانوا يحلحلوا الغرمان يساهروا يتفقدوا الصرمان
في السودان فتيح معروف ولسه ابو عنجه خوره سروف
وود نوباوى زول معروف باقى وديك مشارع ابروف
كانوا جبال تقال ومكان نزلوا اتربعوا الاركان
نلاحظ هنا أن الخليل يستخدم ( بقعة ام درمان) ، وكلمة بقعه من الكلمات التىيستخدمها الامام المهدى عليه السلام ، مما يشير الى ربطه وتلميحه الى ام درمان العاصمه الوطنية أو عاصمة أول دولة مستقلة.
وفي القصيدة نلاحظ الوصف للاحياء والذين اسسوها وبطولاتهم وشهامتهم ( جبال تقال ومكان).أى أن الخليل هنا يشير الى امجاد المدينه وتاريخها والوطنية السودانية من خلال هذه القصيدة ، وكذلك في رائعته ( يانيلنا يانيل الحياة) التى يقول فيها :
يانيلنا يا نيل الحياة حياك حياك الحيا
الى أن يقول:
بالله ياوطن الصبا بالعافية ياروح الصبا
بفداك من قلبي الصبا بي مالى بي دم الصبا
يواصل ويقول:
يا نيلنا ياسحر الحلال يا ابشامه في صدرك هلال
قول للسلف خلفا حلال نتلاقى في جنة بلال
خلاصة القول : أن الخليل احب الوطن حبا جما ، حبا ملك كل كيانه وسرى في دمه ، ومن هنا نفهم سر خلود شعر الخليل على مر العصور والازمان ، وسيظل الناس دائما يرددون ( عازه في هواك)، و( ماهو عارف قدمه المفارق)، و ( فلق الصباح )، .. الخ.
خامسا: الخليل والطبيعه:
كانت الطبيعة والبيئة السودانية مصدرا هاما لاشعار واغانى الخليل ، فنجد أن الخليل حسد ما كان يدعوا اليه حمزة الملك طمبل ، وهو نظم شعر سوداني اصيل يعكس بصدق واقع وبيئة السودان بدلا من النقل الاعمى لبيئات اخرى وحشرها حشرا في اشعارنا ، اى شعر كل من يقرأه يعرف أنه شعر سوداني صميم.
ومن الامثله لذلك قصيدة ( مقرن النيلين) التى يقول فيها:
صبحنا نوارك هباب والروضة تتنفس حباب
حس السواقى مع الضباب مناحه بالهوى طارقه باب
وقصيدة ( اياما مضت) تعكس ذكرى عميقة للطبيعة يقول فيها:
اياما مضت ساعة تدخل الغابه
في ضل الاراك ترى البهم تشابى
لى وقت العصير تتفاوت الجلابه
تغشى الحله سامعين لى نبيح كلابه
ومن الاشجار التى ترد في شعر الخليل ( النخل)، ( النبق أو السدر)، ( الاراك)، ( السلم)،... الخ من الاشجار التى تعبر عن البيئة السودانية.
ويصل حب الطبيعة الى نهايته العظمى في شعر الخليل في قصيدة ( في الضواحى) التى يقول فيها :
في الضواحى وطرف المداين يله ننظر شفق الصباح
قوموا خلوا الضيق في الجناين شوفوا عز الصيد في العساين
الى أن يقول:
بالطبيعة الواديك ساكن ما فى مثلك قط في الاماكن
ياجمال النأى في ثراكن ياحلاة البرعى اراكن
في قفاهن ثور قرنه ساكن لاغش لاشافن مساكن
في الحزام والشبح والبراح
ويختتم بقوله :
مال نسيم الليل بي برودك نامت الازهارفي خدودك
عرد العصفور فوق عودك النفوس ما تعدت حدودك
ما عرفنا عدوك من ودودك بس انا المقسوم لى صدودك
ياحياتى واملى اللى راح
سادسا: الخليل والمرأة:
اهتم الخليل بتعليم المرأة باعتبار ذلك اساس النهضة والعمران ، وكان انحياز الخليل واضحا في الصراع الذى دار في العشرينيات من القرن الماضي بين انصار واعداء تعليم المراة ، كان الخليل مع تعليم المرأة ووقف بجرأة مع مجرى التطور والتقدم الاجتماعي ، ويتضح ذلك في قصيدته بعنوان ( في تعليم المرأة) والتى يقول فيها :
ارشدونا ياولاة الامر في امرنا ذل جهول خامل
وانصفونا من حياة نصفها حائر والنصف جسم جاهل
تعب في الغيط والبيت متى يصلح الحال ويأوى العاقل
علموها انها مدرسة لحياة ما اليها طائل
وللخليل قصيدة اخرى في تعليم المرأة بعنوان (المدرسة) يقول فيها:
يلا نمشى المدرسة سادة غير اساور غير رسا
يلا سيبى الغطرسه قومى افرزى كتب المدرسه
الساعة سته دقت يام رسا نايمه والمنبه حارسا
الى أن يقول:
دارسه ماك جاهله محنسه قادله لى كتابه مؤنسه
حاشا ما تربيتي مدنسه لسه لسه عزك ما اتنسى
اى أن الخليل يرى أن التعليم هو أساس التقدم والنهضة ولابد لنصف المجتمع أن يأخذ نصيبه منه. وكان الخليل يدعو لتحرر المرأة من الجمود والنظره الباليه للمرأة ولتحرر العلائق الاجتماعية في عفة وجمال وفي اطار تقاليد المجتمع.وفي قصيدة (صح النوم) يقول:
اختك يازينة العوالم طلعت فوق من غير سلالم
انت كمان عندك معالم بكره نقوم وطريقنا سالم
ليك الدار والناس محارم مجدك حى واهلك حضارم
انت العز وانت المكارم شرفك لى في الهيجا صارم
وفي قصيدة ( تم دور وادور) يقول:
النحر معمر والسباته حارة والمجال مضمر
الشعر مخمر يرشح كله ند عردب المجمر
قام محمد بشر هز فوق تيجانن سل سيفه كشر
قول معاى واتفشر نحن سياج عروضن ونحن يوم المحشر
ومن قصائده الرائعه ( ميل وعرض) التى يقول فيها:
ميل وعرض كتر امراضي بي هواكم والهوان راضى
جن ليلى وهاجت اعراضى سح دمعى وطاشت اغراضى
الى أن يقول:
بالى جسمي ومن زمان قاضى هاهو حبك بين انقاضى
هدى روعك اوع لاتقاضى ما بشارعك مابكوس قاضى
المضلل رشدى ياهادى والمكتر في القضاء سهادى
ومن روائعه ايضا: قصيدة ( بين ها القصور) التى يقول فيها:
اللحظ مثير والكفيل وثير
والبسيم مفلج كالدر النثير
البنان خضيب والقوام رطيب
والوريد الباهى محق الوضيب
غير شك تسود العيون السود
مافى شئ مبدع خالى من حسود
خاتمه:
من العرض السابق نصل الى أن الخليل كان مجددا حقيقيا لفن الغناء السوداني ، والخليل نتاج النهضة الحديثة والتعليم المدنى الحديث ، وكان ذو ثقافة عميقة وعلى المام بالتاريخ الاسلامي والسوداني وبالتراث السوداني ، ويظهر ذلك في شعره ، كما استطاع الخليل أن ينحت قوالب جديدة تناسب البيئة السودانية ، فجمع الخليل بعمق وبمهارة بين العامية والفصحى مما يدل على تمكنه من ناصية اللغة والشعر ، واستطاع الخليل أن يعطى القوالب الفنية القديمة التى كانت تتلخص في غناء الدوباى والطنبور والمديح . استطاع أن يكسبها مضامين جديدة ، أو كما يقولون : استطاع أن يصب نبيذا جديا في قنانى قديمه ، فبعث فيها الحياة وبكلمات اخرى ، كان الخليل عميقا بنى الجديد على افضل ما القديم .
استطاع الخليل انتاج شعر وفن غناء سوداني اصيل عبر عن الفترة التاريخية بكل شحناتها والآمها وعبر عن الواقع والبيئة السودانية في اشجارها وطيورها وانهارها وازهارها وجبالها ومعالمها التاريخية وتراثها الزاخر بالحياة ، كل ذلك في نسيج فريد ، كما استطاع الخليل أن ينحت كلمات وتعابير جديدة ، كانت ترمز للوطن بهذا القدر أو ذاك مثل ( عزة)، و( جنة بلال)،.... الخ.
كان الخليل مناضلا من اجل الاستقلال ، وكان عضوا في جمعية اللواء الابيض ومن رموزها الثقافية البارزة والمعبرين فنيا عن شعاراتها ، فالخليل لم يكن شاعرا رومانسيا بعيدا عن قضايا وهموم الوطن ، بل كان يعمل من اجل تغيير الواقع الى الافضل.
كما كان الخليل يعبر عن التيار العام للتطور الاجتماعي ، فنجد في قصائده الدعوة الى تعليم المرأة وتحرير البلاد من الجهل والفقر ، وكان وعيه مبكرا ، بأن سبب تخلف وفقر البلاد هو الاستعمار الانجليزى ، اى أن الخليل كان شاعرا واعيا بذاته وبتاريخه وبوطنه.
وكان الخليل من الاوائل الذين ادخلوا العود والالات الموسيقية الحديثة في الاغنية السودانية.
كما كان الخليل يصارع ضد نوعين من الاضطهاد : اضطهاد الاستعماريين للسودانيين ككل ، واضطهاد القبائل العربية لثقافات القبائل الطرفية ، اى كان مناضلا ضد العنصرية ، واستطاع الخليل أن يبرهن أن ابناء النوبة رغم ( رطانتهم)، - والتى في الواقع لغة – يمكن أن يبدعوا في استيعاب اللغة العربية والشعر العربي.


الهوامش والمصادر:
*الاشارة هنا الى مبروكة( فوز) التى كانت تؤمن اجتماعات جمعية اللواء الابيض وتشاركهم القضية والغناء مضحية بسمعتها ومكانتها في المجتمع في تلك الفترة الباكرة من تطور المجتمع السوداني من عشرينيات القرن الماضي.
1 – انظر ديوان خليل فرح ، تحقيق وتقديم على المك ( دار جامعة الخرطوم للنشر 1977 م).
2 – راجع محمد متولى بدر : حكم وأمثال النوبة ( معهد الدراسات الآسيوية والافريقية – شعبة الفلكلور 1978 ).
3 – للمزيد من التفاصيل راجع حسن نجيله ( ملامح من المجتمع السوداني ) – الجزء الأول ، ومحجوب محمد صالح ( الصحافة السودانية في نصف قرن ) – الجزء الاول.
4 – على المك ديوان الخليل ، مرجع سابق.
5 - المرجع السابق، ص 14 .
6 – المرجع السابق.

عمار محجوب محمد زكي
19th July 2011, 09:37 AM
إقالة باقان أموم من منصبه


أقال رئيس جمهورية جنوب السودان الفريق سلفا كير ميارديت بصورة مفاجئة وزير السلام المكلف باقان أموم من منصبه، وسط تكتم شديد بدوائر حكومية بالدولة الجديدة على القرار، في وقت رفضت فيه دوائر بالدولة الجديدة التعليق على قرار الإقالة، وقالت في حديث لـ «الإنتباهة» إن قرار الإقالة شأن يخص مؤسسة الرئاسة، ولم يستبعد مسؤول حكومي بالجنوب، فضل حجب اسمه، أن تكون الإقالة بناءً على تقرير لجنة التحقيق في التشويش المتعمد من باقان على خطاب الرئيس عمر البشير خلال الاحتفالات بالانفصال الأسبوع الماضي»، فضلاً عن التصريحات السالبة المنسوبة لباقان لوكالات الأنباء بتوريد مبلغ «187» مليون دولار في حساب خاص لرئيس حكومة الجنوب ، من جانبه نفى مكتب الامين العام للحركة في بيان له امس ان يكون باقان إستقال من منصبه كأمين عام للحركة الشعبية ، واكد انه يمارس مهامه كاملة .
وفيما رحب الثوار بقرار إقالة باقان من منصبه، كشفت مصادر متطابقة عن استباق باقان لقرار إقالته بتقديم استقالته لرئيس حكومة الجنوب الخميس الماضي، احتجاجاً على تكوبن لجنة للتحقيق في ملابسات انقطاع التيار الكهربائي قبل خطاب الرئيس البشير عن منصة الاحتفال في جوبا في التاسع من يوليو الجاري. وتوقعت أن تشمل قرارات الإقالة قيادات أخرى من حكومة الجنوب. وتوقعت المصادر إسقاط عضوية شخصيات أخرى من المكتب السياسي للحركة. وفيما قال الفريق المنشق جورج أطور أمس إنه لا يمتلك معلومات مؤكدة عن إقالة باقان، قطع اللواء بجيش تحرير جنوب السودان جون تاب بصحة الإقالة وقال: «سلفا كير باغت باقان بالإقالة واستبق استقالته». ووصف في تصريح صحفي باقان بـ «الزوبعة» وحمَّله مسؤولية التشاكس وتعكير العلاقة بين الشمال والجنوب طوال الفترة الماضية. وقال إن هذه الخطوة مهمة. وفي سياق متصل أوضح مصدر مقرب من الأمانة العامة لحكومة الجنوب، أن الرئيس سلفا كير وجَّه نائبه مشار إبَّان الاحتفال بتدشين دولة الجنوب إلى تقديم الرئيس البشير، وأماط اللثام عن اقتحام باقان أموم لبروتكول تقديم الضيوف دون تكليف رسمي. وأبان أن الشخص المرافق لباقان بمنصة الاحتفال يمت بصلة القرابة لسلفا كير، وتم إحضاره من دولة أوروبية بغية تقديم الحفل بثلاث لغات منها العربية.

محمد أحمد الخضر
19th July 2011, 10:59 AM
ليتك يا دكتور أشرت إلى مصدر الخبر كما هو مطلوب دائما في نقل وتداول مثل هذه الأخبار!!

واللا أنا غلطان؟!!

عمار محجوب محمد زكي
19th July 2011, 11:08 AM
ليتك يا دكتور أشرت إلى مصدر الخبر كما هو مطلوب دائما في نقل وتداول مثل هذه الأخبار!!

واللا أنا غلطان؟!!

حاشاك الغلط عزيزي ود الخضر وكلامك صاح مية المية
مصدر الخبر: صحيفة الإنتباهة السودانية

Abubakr Ibrahim
16th August 2011, 11:49 AM
صحيفة الراى العام – الإثنين 15 أغسطس 2011
وفد الحركة إلتقى وزيري الدفاع والخارجية الاسرائيليين
الوطنى : قطاع الشمال أجرم بزيارته إلى (تل أبيب)..التزامات اسرائيلية بدعم الحركات المسلحة في دارفور
أنهى وفد قطاع الشمال في الحركة الشعبية برئاسة ياسر عرمان وعضوية عمر عبد الرحمن آدم ومبارك أحمد ورمضان حسن نمر، زيارة إلى إسرائيل إلتقى من خلالها وافيغدور ليبرمان رئيس لجنة الأمن والعلاقات الخارجية بالكنيست وزير الخارجية الإسرائيلي.
وكشفت مصادر قيادية بالحركة لـ (أس. أم. سي) أمس، عن لقاء مهم عقده الوفد مع يهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي الذي طلب منه الوفد أهمية المساعدة العاجلة لقطاع الشمال، وحضر اللقاء من الجانب الإسرائيلي الميجور جنرال افيق كوخافي رئيس المخابرات العسكرية الذي ودع الوفد من مطار بن غوريون في ختام المباحثات. وقالت المصادر إن أهم المطالب التي دفع بها قطاع الشمال عبر رئيس الوفد تمثلت في أهمية تحجيم المد الإسلامي في السودان باعتباره يشكل خطراً على دولة إسرائيل نفسها الشئ الذي أقره وزير الخارجية الإسرائيلي، وقالت المصادر إن عرمان قدم شرحاً عن الأوضاع في أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وأكد أن أفعال وأقوال النظام هي التي قادت إلى انفصال جنوب السودان. وقالت المصادر إن وزير الدفاع الإسرائيلي استحسن الخطوة التي قام بها قطاع الشمال والخاصة بتوحيد الحركات المسلحة بدارفور، وأكد أنهم سيقومون بتقديم الدعم المطلوب للقطاع وحركات دارفور بالتدريب العسكري أو فتح المعسكرات.
وتشير المتابعات إلى أن الزيارة تمت بطلب من قطاع الشمال عبر السفير الإسرائيلي غير المقيم بجوبا، وأوفد الجانب الإسرائيلي طائرة خاصة أقلت الوفد من جوبا إلى (تل أبيب).
من جانبه، وصف المؤتمر الوطني، أي استنجاد حزبي وسياسي سوداني بإسرائيل بأنه يُعتبر جَريمةً في حق الوطن والمواطن باعتبار أن إسرائيل ظلت وعلى الدوام تستهدف السودان وتعتبره العدو الأول بأفريقيا منذ الاستقلال. وقال بروفيسور إبراهيم غندور أمين الإعلام بالحزب لـ (أس. أم. سي) أمس، إن الذين نَفّذوا الزيارة إلى إسرائيل من قِبل قطاع الشمال خرجوا على كل موروث السودان السياسي وارتكبوا جريمة ستدينها كل القوى السياسية، وطالب كل الذين يرفعون شعارات النضال ألا ينتظروا خيراً من قطاع الشمال والحركة الشعبية، وأن يعلنوا تنصلهم عن هذه المجموعة، وأكد أن المؤتمر الوطني يدين أي مسلك مشين لحلحلة قضايا داخلية عبر دولة مغتصبة كإسرائيل، وقال: (الشعب السوداني يجيد التعامل مع مثل هذه المؤامرات التي تصطدم بإرادته القوية وبُعد نظره).

Abubakr Ibrahim
12th September 2011, 08:11 AM
عمي اخي ابوي
سافر رجل صبيح الوجه الى الحج وترك ابنه محمد وابنته فاطنة مع اخوه
وطالت غيبته في الحج وجاء الخريف ومرق الناس للزراعة ومرق محمد واخته مع عمهم وزرعو وطال الزرع وشال السنابل ولبنت السنابل وبقي عندها شرا ثم بقت فريكا وقال العم لمحمد واخته احرسو العيش من الطير وبنى لكل واحد (حاحاية) عشان يحرسواالعيش.
وكان العم لئيما وكان يعد االسنابل في كل يوم ليتاكد انو الولد واختو ما اكلو منها وفي مرة من المرات جاع الولد وقال لي اختو (يا فاطنة تعالي نقطع لينا قندول ولا قندولين ناكلن)
قالتو فاطنه : (ياخوي اكان قطعنا قندول واحد عمنا بجي يعد القناديل وبعرفو
لكن في النهاية الجوع غلب محمد فقطع سنبلة واحد وشواها واكل وادي فاطنة اكلت وحفر لي السنبله في الواطه ودفنها .
وجاء العم وعاين وعدا السنابل ولقي سنبله مقطوعها وقال لي محمد انتا قطعتا القندول يا ولد
قال محمد
- لا ياعمي القندول اكلو الزرزور .
وسكت العم وقال لي الولد :
- انتا شعفت دحين جيب الموس في شان ازينك
واحضر الولد الموس وغسلو عمو راسو وسن الموس وبداء يزينو وحنا الولد راسو لي عمو وقال العم لي محمد :
-احني راسك زيادة وحني الولد راسو زيادة وقال العم :
- انت قطعتا القندول وانا بقطع رقبتك زي ما قطعتا القندول ، وفطع العم راس الولد ، وكانت فاطنة واقفا قريييييب وشافت المنظر وسرخت وسمعا عمها وجري وراها وجرت هي منو وجري وراها بسرعة ولما قرب يحصلها صاحت
- ياواطه ابلعني
وبلعتا الواطه
و وقف عمها قريب من الواطه ، وجاءت جلابة مارة ، وكانت فاطنة وهي تحت الواطه تري الجلابة ، وقالت للواطة :
- ياواطة امرقيني .
ومرقت من الواطه : ووقفت قدام الجلابة وقالت لها:
سلام سلام يا جلابة
جملو الهدير ياجلابة
سوطو الوروير ياجلابة
توبو توب حرير ياجلابة
قام عمها وقال لي جلابة :
- البت دي رزيلة وشاردة مني دحين اقبضوها .
ولمن الجلابة دايرين يقبضوها جرت وجرت ، وجري عمها وراها ولما تعبت قالت :
- ياواطه ابلعيني
وبلعتها الواطة، ووقف عمها قريب من المكان يحرسها . وحرس وحرس وحرس ويئس في الاخر ، وقال في نفسه : ارجع لي الحلة .
ولكن فى نفس الوقت جاءت قافله مارة . ومرقت البنت قدام رئيس القافلة وبقت تبكي وتبكي وتبكي وتقول:
عمي اخوي ابوى يا جلابة
كتل محمد اخوي ياجلابة
في شان قندول ياجلابة
والقندول ياجلابة
اكلو الزرزور ياجلابة
وطار ووقع في سبع بحورياجلابة
وقالت الجلابة :
مالك يا بت ودايرة شنو
قالت :
ابوي اخدراً طويل ياجلابة
وتويو توب حرير ياجلابة
جملو الهدير ياجلابة
سوتو الورويرياجلابة
ابوي مو فيكن ياجلابة
جاء العم وقال لي رئيس القافلة:
- اسرع اقبض البت الكلبة دي باقي هي شاردة مني ما تصدق كلامها ده
قام رئيس الجلابة داير يمسكه لكنها جرت وجرت وجرت ، وجري عمها ورها
ولما قرررررررب منها قالت :
- ياواطة ابلعيني
وبلعتا الواطة .
ووقف العم قريب منها وطالت وقفته فسئم ويئس وقال في نفسو ( ارجع لي الحلة)
لكن ظهر غبار جلابة ولما قربت الجلابة مرقت فاطنة وقفت قدام رئيس الجلابة وقالت :
عليكم الرسول ياجلابة
طه ابو البتول ياجلابة
كان فيكن ابوي يا جلابة
قام الرئيس قال ليها
ابوك منو يابنية
نحنا اكتر من مية
قالت ليهو
ابوي الاخدر الطويل يا جلابة
اسمو ابو الفضيل يا جلابة
توبو توب حرير يا جلابة
جملو الهدير ياجلابة
سوتو الوروير يا جلابة
عدوه كسير ياجلابة
عمي اخي ابوي ياجلابة
كتل محمد اخو ياجلابة